أشواق عباس - نائبة في مجلس الشعب السوري

 

فتون عباسي: مرحباً بكم.

تتكثّف المشاورات الإقليمية والدولية حول الملف السوري في محاولة للتوصل إلى تفاهمات، ولو في الحد الأدنى حول أبرز الملفات بدءاً من المنطقة العازلة التي تسعى تركيا إلى إقامتها، مروراً بمصير منبج في ريف حلب الشمالي الشرقي، وصولاً إلى إدلب في ضوء اتفاق سوتشي والانسحاب الأميركي من سوريا ولجنة دستورية تكون عماد أيّ حل سياسي تعرقلها واشنطن بحسب نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، بحسب ما تبدو قمّة سوتشي المرتقبة كما تشي المعطيات.

يكمن السؤال، والتساؤل في أيّ اتجاه؟

هل بشبه إجماع على إطلاق عملية تحرير إدلب عسكرياً بالساعة الصفر التي يحدّدها الجيش السوري؟ أم بتسوية تستند إلى إتفاق أضنة؟

التركي الساعي إلى تبييض الإرهاب عبر تحويل النصرة إلى حركة سياسية، تدمج بما سمّاها الجيش الوطني أفلس من فرصه الزمنية والمنطقية في الالتفاف على اتفاق إدلب.

والكرد تقول مصادر أنهم باتوا أقرب إلى الدولة السورية مما مضى.

ما يرسّخ في النتائج اتفاق ضرورة يضع على الطاولة أمام التركي.

مشهد في الشمال يرصده الإسرائيلي الذاهب إلى موسكو في نهاية الشهر الحالي، بعد أن حاول نقل مكان إعتداءاته من دمشق إلى القنيطرة على وقع إستفزازات المسلحين المدعومين تركياً، باستهداف المدارس في ريف حماه الشمالي.

سوريا من الشمال إلى الجنوب في السياسة والعسكرة، في الوقائع والاستراتيجية مع النائب في مجلس الشعوب السوري أشواق عباس.

أهلاً بكم في حوار الساعة.

"فاصل"

فتون عباسي: أسعد الله أوقاتك سيّدة أشواق ويعطيك ألف عافية.

القصف الإسرائيلي المدفعي بالأمس على القنيطرة يُعتبر عدواناً على الأراضي السورية، لكن هل يمكن أيضا أن يكون محاولة من قِبَل الكيان الإسرائيلي الالتفاف على تحذيرات المحور الأخيرة له؟ فيستهدف القنيطرة بدلاً من دمشق على اعتبار أنّ الوطأة أقل في قواعد الاشتباك، أو لجهة قواعد الاشتباك أساساً.

أشواق عباس: بدايةً، أسعد الله أوقاتك، وأوقات جميع المشاهدين الكرام.

أعتقد أنّ الموضوع يتجاوز هل هو إعتداء آنيّ أو مؤقت أو مرحلي؟ في الآونة الأخيرة، كانت هناك اعتداءات إسرائيلية متعدّدة طالت مناطق مختلفة من الدولة السورية. دعيني أجيب بدايةً لِمَ تحدث هذه الاعتداءات حتى نستطيع أن نفسر هذا الاعتداء بالقنيطرة، أم في دمشق، أم في أماكن أخرى.

قناعتي أولاً، الإسرائيلي اليوم يستغل استغلالاً واضحاً الوضع في سوريا. الحرب على سوريا خلال الثماني سنوات، كانت هناك اعتداءات متعدّدة طالت مناطق مختلفة في سوريا، أنه يستغل راهنية الحرب. النقطة الثانية حقيقةً، إسرائيل ترغب بشكل أو بآخر جرّ سوريا إلى فتح جبهة جديدة الآن. أعتقد أنه بحسابات موازين القوى العسكرية والسياسية ليس وقتها الآن أن تذهب لقتال عدوك الوجودي، أن تذهب إلى الحرب وأنت مرتاح  غير أن يدفعك هذا العدو إلى فتح جبهة حرب جديدة، وأنت تخوض حروباً أخرى في الشمال، وفي الشرق.

لذلك، أعتقد أن الهدف الإسرائيلي هو دفع سوريا باتجاه الرد وبقوة، لذلك دائماً الرد السوري كان إمّا مدروساً على الإعتداءات الإسرائيلية، ويأتي في إطار ردع هذه الإعتداءات، وعدم السماح بأن تطال الأراضي، فيقوم بإسقاط الصواريخ الإسرائيلية في الجو.

لذلك أعتقد أن هذا الهدف هو الهدف الاستراتيجي للعدو الصهيوني.

النقطة الثالثة، وهي الأهم وأعتقد أنها قراءة تقارب الحال الآنية عند إسرائيل، أو الكيان الصهيوني. هناك اليوم جملة فضائح تطال القيادات الإسرائيلية، منها على سبيل المثال فضائح نتنياهو مع زوجته، هو يريد أن يقوم بأهداف ما، يعتقد أنها تشكل انتصاراً، ويستطيع أن يقدّمها للرأي العام الصهيوني.

لذلك هو يقوم بهذه الإعتداءات كي يقول أنني أقوم بضرب سوريا، هذا العدو الأخطر لي.  إنني أقوم باستهداف ما يسمّى بالمقاومة، لذلك هذا الجزء أيضاً مهم كتفسير آني. لكن أعتقد إن السبب الأساسي، أو السبب الاستراتيجي هو استغلال إسرائيل وضع سوريا، والدفع بأن تنجر سوريا الآن في هذه اللحظات من حال الحرب الكبرى التي تعيشها إلى حرب جديدة، أو فتح جبهة جديدة. أعتقد الآن ليست أولوية في هذه اللحظة .

فتون عباسي: لكن أستاذة أشواق، النقطة الثانية التي ذكرتها ولخصوصيتها في معرض إجابتك، أريد أن أتوقف عندها لأنها قد تثير جدلاً حاداً، الإسرائيلي إلى أي حد يمكن أن يجازف باستجلاب حرب عليه؟ خصوصاً أنّ كل تصريحات المحور، وحتى الصديق الروسي هي تحذيرات واضحة.

سماحة السيّد حسن نصر الله في لقائه الأخير مع الميادين في حوار العام، كان قد حذّر بلهجة قاسية جداً من أيّ تمادٍ إسرائيلي. هل يمكن أن يتجرّأ الإسرائيلي على استجلاب الحرب عليه من كل المحور؟

أشواق عباس: حتى لا يكون هناك فَهْم خاطئ لهذه الفكرة التي لها خطورتها وحساسيتها الكبيرة جداً خاصة لدى الرأي العام.

فتون عباسي: بالتأكيد.

أشواق عباس: السوري والعربي إلى حد ما لن يغامر بفتح جبهة حرب مباشرة من قِبَل الكيان الصهيوني. هو يريد أن يستفز الطرف الآخر عن طريق استهدافه أحياناً، كي تفتح هذه الجبهة من قِبَل الطرف الآخر، وليس من قِبَل الكيان الصهيوني. وهذا يعني أنه سيقدّم نفسه على أساس أنه مظلوم، وأنّ هذا المحور، أو الدولة السورية شنّت الحرب عليه.

لذلك هو يقوم باستفزازات متعدّدة واضحة، هذه الاستفزازات ضمن الخطوط الحمر الآن لبعض القوى الدولية، فلا يستدعي أن تقول إنّ الإسرائيلي يتمادى.

فتون عباسي: ضمن قواعد الاشتباك؟

أشواق عباس: يمكن أن تطلق تصريحات من هنا وهناك تحذر، رغم قواعد الاشتباك. ممكن الآن، أعتقد أنّ الإسرائيلي يلعب ضمن الخط المسموح به على الأقل من قِبَل القوى الدولية.

أحياناً يمكن أن يرفع العيار قليلاً، فتأتي تحذيرات من هنا وهناك. لكنّ الإسرائيلي لن يقدم هو بنفسه على فتح هذه الجبهة، كي لا يقال أنه من بدأ هذه الحرب. هو يريد أن يدفع الطرف الآخر لهذه الحرب، خاصة وأنّه يستغلّ الطرف الآخر المقصود به الدولة السورية الآن بالدرجة الأساسية، ومحور المقاومة باعتبارها هي مَن تقود هذا المحور المشغول بحرب أكثر خطورة، برغم خطورة هذه الحرب وهي الحرب على الإرهاب. هو يحاول أن يستعيد الكثير من المناطق إلى السيادة السورية، ونجح باستعادة القسم الأكبر، لكن ماتزال هناك مناطق خارج هذه السيادة.

لذلك أعتقد أنّ الإسرائيلي يلعب ضمن إطار هذه المعادلة، يستفزّ على أن يجرّ الطرف الآخر لإعلان هذه الحرب.

فتون عباسي: على كل حال أيضاً، سيّدة أشواق، الوطن السورية كتبت عن هذا العدوان وفي الربط أيضاً مع الملفات السورية الأخرى تحت عنوان عدوان إسرائيلي في الجولان.

نستمع، ومن ثمّ نعود لاستكمال نقاشنا.

(الوطن السورية: عدوان إسرائيلي في الجولان)

 

في وقت كانت تتّفق فيه روسيا وأنقرة على إنهاء الوضع الإرهابي القائم في إدلب، اعتدت إسرائيل مجدداً على الأراضي السورية في سيناريو يتكرّر عند كل تحرك جدّي للقضاء على أدواتها في غير بقعة سورية.

وكالة سانا الرسمية أفادت بأن العدو الإسرائيلي أقدم مساء أمس على الإعتداء بعدد من القذائف على محافظة القنيطرة، حيث اقتصرت الأضرار على الماديات، وبحسب الوكالة فقد استهدف العدو بعدّة قذائف دبابة مشفى القنيطرة المدمّر، كما استهدف أحد المراصد في جباثا الخشب واقتصرت الأضرار على الماديات.

وفي مؤشر هو الأوضح على اقتراب حسم ملف الشمال عسكرياً، خلص اللقاء الذي جمع وزيريّ الدفاع الروسي سارغي شويكو ونظيره التركي خلصي أكارفي في أنقرة أمس إلى تأكيد ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لضمان الأمن في منطقة إدلب المنزوعة السلاح.

وأوضحت مصادر معارضة مقرّبة من الجبهة الوطنية للتحرير أكبر وأبرز ميليشيا شكلتها تركيا للوطن، أنّ النصرة أدارت ظهرها لاقتراحات أنقرة بإيجاد حل في محافظة إدلب، بعدما روّجت  لمساعٍ بذلتها لتشكيل جسمين سياسي وعسكري، يديران إدلب حيث تصدّت النصرة للأجندة التركية، ووجهت رسائل عن رغبتها بالاستمرار في سياستها المتمثلة بالهيمنة على المنطقة بشكل مطلق على كل الأصعدة، ما يرجّح شنّ الجيش العربي السوري بمؤزارة القوات الجوية الروسية عملية عسكرية باتجاه المناطق المنزوعة السلاح.

 

فتون عباسي: أستاذة أشواق، في قراءة للحسابات الإسرائيلية، لأية جهة يمكن ربط الاستفزازات التي يقوم بها المسلحون المدعومون تركيا في محاولات الخروق الدائمة لاتفاق إدلب تحديداً في الريف الحموي الشمالي، وآخرها كان استهداف لمدرسة أثناء وجود الطلاب؟

أشواق عباس: لنعود بالذاكرة إلى ثماني سنوات.

فتون عباسي: عذراً، لكن كي يفهم المشاهد أكثر الربط ما بينها وبين الاعتداء على القنيطرة الأخير؟

أشواق عباس: لنعد ثماني سنوات للوراء، عندما كان من الواضح جداً أنّ حراك المجموعات الإرهابية المسلحة  ليس عشوائياً، بحيث كانت تقوم باستهدافات مدروسة جداً، منها لأنظمة الدفاع الجوي السورية، ليتّضح لاحقاً أنّ هذا الاستهداف يسبق اعتداءات إسرائيلية، هذه النقطة الأولى. وبالتالي، أنا لا يمكنني أن أقرأ أبداً أنّ ما يقوم به الكيان الصهيوني هو معزول عمّا تقوم به المجموعات الإرهابية المسلحة.

إسرائيل بين قوسين، الكيان الصهيوني لم يعد خجلاً من أن يعلن، وهو أعلن مرات عديدة أنّه يقوم بدعم تلك المجموعات الإرهابية المسلحة، وتعرفين في مرحلة معينة تمّ إخراج قوات الأمم المتحدة، التي كانت قوات فصل، وإحلال مكانها مجموعات مسلحة، واعتبرتها إسرائيل خط الدفاع الأول عنها. وقامت بدعمها دعماً لوجستياً ومادياً، وحتى أحياناً كانت تقوم باعتداءات لحماية تلك المجموعات.

وبالتالي اليوم الصورة تذهب باتجاه استقرار في منطقة الشمال، والشمال الشرقي. والمطلوب من هؤلاء الذين هم جزء منهم إخراجهم بتسويات من درعا، وهؤلاء كانوا على صلة مباشرة مع إسرائيل، وتمّ إخراجهم والذهاب بهم إلى أقصى الشمال. إذاً، هؤلاء أساساً مرتبطون بإسرائيل، وجزء منهم مرتبط بإسرائيل. وبالتالي أعتقد أن التسنيق بينهم مازال مستمراً سواء كانوا على الجبهة في الجنوب، أو الجنوب الغربي، أو كانوا موجودين في الشمال، في الحضن التركي.

لذلك أعتقد اليوم، أنّ هناك تنسيقاً واضحاً  بحيث أنّ نتائجه على الأرض واضحة، من حيث التناغم والانسجام في اعتداءات إسرائيلية، واعتداءات من قِبَل تلك المجموعات المسلحة.

فتون عباسي: وهذه نقطة مهمة، لكن برأيك الانسحاب الأميركي، أي انسحاب القوات الأميركية المفترض في بدايات شهر أيار خلط الأوراق بالنسبة للإسرائيلي؟ وكيف؟

أشواق عباس: أنا لا أعتقد أنّ هناك مفاجأة إسرائيلية من قرار الانسحاب الأميركي، وأنا أقول قراراً، لأنها حتى الآن مازال هذا قرار. نحن لا ندري إن كانت ستنسحب فعلياً، أو يمكن أن تسحب بعض القوات.

فتون عباسي: صحيح، هناك انسحاب على مستوى قليل جداً، أفراد قليلون جداً انسحبوا باتجاه العراق.

أشواق عباس: شكراً، لأنك قدّمت هذه المعلومة. انسحبوا باتجاه العراق، كنت أودّ الحديث عنها. إذاً، هي إعادة تموضع وليس سحب قوات أميركية. فقط نعيدهم من الحدود السورية إلى الحدود العراقية، وأنت تعلمين اليوم، ويعلم السادة المشاهدون الأكارم أنّه يوجد اليوم نمط استخدام الأسلحة التي قد لا يحتاج وجوداً على الأرض. يمكن أن تستمر أميركا في استراتيجيتها، وسياستها التوسّعية والعدوانية، وهي موجودة على الحدود العراقية.

إذاً، الإشكالية في فَهْم قرار الانسحاب. لكن أنا لا أعتقد، وإن أعلنت إسرائيل أنها تفاجأت إلى حد ما، أنا لا أعتقد أن أميركا كانت ستعلن هذا القرار، ما لم تخبر أو تستشير أو تشارك إدارة الكيان الصهيوني.

أعتقد أنّ هناك تنسيقاً كاملاً في هذا الموضوع الآن، وأعتقد أيضاً أنّ هناك تنسيقاً حتى مع الأتراك، وأنا هنا أستطيع أن أقول ما دام هناك تنسيق أميركي إسرائيلي، وتنسيق أميركي تركي، إذاً هناك تنسيق إسرائيلي تركي في هذا الموضوع.

فتون عباسي: أيضاً هذا الكلام مهم، لكن نفهم من كل كلامك بأنّ الانسحاب الأميركي الآن سيكون إلى العراق؟ إذاً، هو انسحاب صوَري  وانسحاب بالشكل، لكن في المضمون المفاعيل العسكرية نفسها التحكّم بالتدخل العسكري الجوي في سوريا، أو ضد سوريا، وحتى هناك من يقول ضد إيران الذي لا يزال قائماً

أشواق عباس: صحيح، دعينا نوضح الفكرتين التاليتين: أولاً، هل يعني إذا قام الأميركي والتزم بما أعلنه بأنه سيقوم بسحب قواته كلها من سوريا؟ وهل يعني أنه بعيد عن سوريا؟ بالتأكيد لا.

هذا أولاً ولنتفق على المبدأ التالي:

والدليل أنّه لم يعد بتلك القوات إلى أميركا، فقط نقلها إلى قاعدة عين الأسد في العراق.

النقطة الثانية، وهي الأهم ألا يمتلك الأميركي أدوات في الداخل السوري؟ يجب أن نكون أيضاً واضحين، نعم حتى هذه اللحظة هو يمتلك أدوات، وأدواته تستطيع القيام بما يريده الأميركي.

فتون عباسي: ما أدوات الأميركي حالياً؟

أشواق عباس: دعيني أطرح الفكرتين التاليتين:

حتى أستطيع أن أجيب على ما هي الأدوات؟ أولاً، بعض الفصائل الكردية حتى الآن، وإن كانت تذهب باتجاه التشبيك مع الدولة السورية، لكن ما تزال عينها على الأميركي باتجاه أية إشارة يغريها الأميركي بالعودة. حتى هذه اللحظة، لم يفك الارتباط بين الكرد والأميركي، وقبل إعلان الأميركي قرار انسحابه كانت داعش شبه منسية في الساحة السورية.

مع إعلان الأميركي أنه قد يسحب قواته، وأنه سيسحب قواته عادت داعش إلى الظهور في المسرح الميداني السوري وبشكل واضح. أعتقد اليوم حتى عندما تم اتفاق بين الدولة السورية، والدولة العراقية على فتح معبر البوكمال انتشرت قوات ما يسمّى بداعش على الحدود العراقية، وبالتالي نحن هنا حوصِر هذا القرار السوري العراقي.

إذاً، نحن أمام أدوات ما تزال موجودة على الأرض، وهذه الأدوات تحتاج فقط إلى دعم لوجستي، قد تقوم القوات الأميركية والتحالف بهذا الدعم، وهو دعم ميداني في الأصل. وأعتقد أن هذا الدعم لم ينقطع منذ ثماني سنوات، وحتى هذه اللحظة.

إذاً، مفهوم القرار الأميركي بالانسحاب هو قرار ملتبس حتى الآن، وغير واضحة ماهيته. هل سينفذ؟ وإن نفّذ، كيف ستقوم أميركا بسحب يدها كاملة من سوريا؟ وهذا أمر أعتقد أنّه غير ممكن، أو غير صحيح، أو غير موضوعي بالنسبة على الأقل للمصالح الأميركية في سوريا.

فتون عباسي: على كل حال، الحديث عن الانسحاب يتزامن مع عقد قمّة سوتشي المرتقبة، ومن المفترض كما تشي كل المعطيات أنها ستكون حاسمة.

حول هذا الموضوع كتبت رأي اليوم: "ثلاث قمم في بحر أسبوع ستحدّد مصير أزمات الشرق الأوسط"، لعبد الباري عطوان.

نستمع، ومن ثم نعود إلى المعطيات.

 

(رأي اليوم: ثلاث قمم في بحر أسبوع ستحدّد مصير أزمات الشرق الأوسط، عبد الباري عطوان)

 

ثلاث قمم على درجة كبيرة من الأهمية يمكن أن تؤدّي نتائجها، إذا ما سارت الأمور وفق أهواء أصحابها إلى تغيير شكل منطقة الشرق الأوسط، ابتداء من الأزمة السورية، ومروراً بالصراع العربي الإسرائيلي، وانتهاء بالملف الإيراني بشقّيه النووي والصاروخي. ومن المفارقة أنها ستعقد في بحر الأسبوع الحالي، في كل من سوتشي الروسية ووارسو البولندية محور ارتكاز الاستراتيجية الأميركية في أوروبا وموسكو الروسية.

القمّة الثلاثية التي ستعقد في منتجع سوتشي ستكون الأهم، لأنّ نتائجها ستنعكس بشكل مباشر وفاعل على القمّتين الأخريين، وليس العكس لأن التناغم فيها بين الزعماء الثلاثة، وهذا مرجّح ربما يؤدّي إلى حسم الملفات الثلاثة المذكورة آنفاً.

أي مستقبل إدلب، والمنطقة الآمنة في شمال سوريا، والوجود العسكري الكردي شرق الفرات.

لا نستبعد أن تؤسّس قمّة سوتشي الثلاثية المقبلة لمصالحة تركية سورية تحت غطاء إحياء إتفاقية أضنة، وضرب عدّة عصافير بحجرها من بينها جبهة النصرة وقوات سوريا الديمقراطية الكردية الموضوعتان في قائمة إرهاب البلدين. واعتراف الرئيس أردوغان بوجود اتصالات بين المخابرات التركية والسورية، لم يكن بهدف الكشف عن التنسيق ضد إسرائيل والقضية الفلسطينية عموماً، وإنّما لمواجهة هذين الخطرين الإرهابيين اللذين يهددان الأمن الوطني فيهما.

لا نستبعد أن تكون المصالحة التركية السورية، قد باتت وشيكة. وهذا ربما ما يفسّر فتور التحرّك السعودي الخليجي المصري لإعادة العلاقات مع سوريا والأسد أعلم.

 

فتون عباسي: أستاذة أشواق، لجهة الوقت والشكل، أيضاً من اللافت أن هذا التزامن ما بين القمم الثلاث، أو التعاقب بينهما ولاسميا عندما نتحدّث عن قمّتي سوتشي ووارسو.

هل نستطيع أن ننظر إلى الموضوع بعين الرسائل المطاطة ما بين مشروعين؟

 

أشواق عباس: صحيح تماماً، أنا لا أعتقد أنه لافت جداً، لأنه كثيراً ما يتزامن عقد قمّة في سوتشي أو مثلا في أستانا مع عقد قمّة، أو مؤتمر في مكان ما آخر يضمّ الطرف الآخر، وهو مشترك بالعدوان على سوريا.

هنا دائماً، هي رسائل تحدٍ. أو دعيني أقول أنني أنا موجود، وأنني مازلت أعارض هذا المسار الذي يهدف إلى إنهاء هذه الأزمة في سوريا هذا أولاً.

وثانياً، أنا لست مع المبالغة كثيراً، بأن نقول إن قمّة سوتشي ستكون حاسمة، أو حازمة. نحن دائماً مع كل قمّة ستعقد في سوتشي، أو حتى في أستانا. كنا نقول أنه قد تكون حاسمة، أو سينتج منها حل نهائي.

أنا أعتقد أنه تأتي في عدّة لقاءات جرت في سوتشي بين القادة الثلاثة من أجل متابعة التنسيق في ما يتعلق بإيجاد حل سياسي، واليوم نحن نستمع إلى مصطلح مُستدام للأزمة السورية.

فتون عباسي: لكن أستاذة أشواق، وجود شويغو تحديداً في أنقرة، ومعروف بأنه عندما يكون شويغو تحديداً، فهو أكبر من رجل عسكري فقط، وجوده في أنقرة قبيل هذه القمّة له معنى معيّن تجاه الحسم؟

أشواق عباس: وجوده للتنسيق.

أعتقد أنّ الموضوع هو التنسيق، ودراسة البدائل، ودراسة الخيارات. ما هي إمكانية الحلول في حال فشل الحل السياسي؟ وما هي إمكانية الحل العسكري في إدلب؟ حتى الآن نحن نعلم أنّ تركيا لم تلتزم بتعهداتها تجاه قمّة سوتشي السابقة، بأنها ستقوم بضبط المجموعات الإرهابية المسلحة، وخاصة مسألة التعامل مع جبهة النصرة. حتى الآن الأتراك لم يلتزموا، وكان هناك الكثير من التصريحات الروسية والإيرانية تشير إلى خطورة عدم التزام تركيا باتفاقها اتجاه الدول الضامنة الثانية.

لذلك أعتقد أنا اليوم، أنني لا أنتظر أن تخرج سوتشي بقرار أنه إن لم يقم حل التسوية السياسية بإدلب، فستدخل عسكرياً، نعم قرار الدخول العسكري أعتقد موجود على الطاولة من قِبَل الدولة السورية، والحليف روسيا.

لكن مسألة طرحه على الأرض، أعتقد بأنها بحاجة إلى هدوء أكثر لأن ملف إدلب معقد جداً. ليست فقط تركيا، وروسيا، وسوريا في إدلب، هناك اليد الفرنسية مثلاً، واليد الأميركية مثلاً. أعتقد أنّ الموضوع بحاجة إلى هدوء أكثر في دراسة بدائل الخيارات المطروحة بما فيها الخيار العسكري.

فتون عباسي: على كل حال بحسب مصادر سوريّة، بأن الدولة السورية لا تزال تتريّث باتجاه الخيار العسكري، وهي تعطي الأولوية لحل سياسي بهذا الاتجاه. لكن الحل السياسي كيف يمكن أن يكون شكله؟ عن طريق تفعيل اتفاق أضنة المبرم عام 2008؟ برأيك أمْ عن طريق اتفاق فعلي على منطقة عازلة لكن بوجود الجيش السوري فيها تضبط بوجود الجيش السوري فيها، وليست قوى أخرى؟

أشواق عباس: دعينا نكون موضوعيين في نقاش هذه الفكرة، تحديدا أعيد التأكيد ملف إدلب معقد جداً، باعتبار كثرة الأيادي الدولية الموجودة فيه التي تدعم  مصالحها، لا مصلحة أحد من القوى الدولية.

حل ملف إدلب لأن حل ملف إدلب سيلقي بظلاله على حل سريع جداً لمنطقة شرق الفرات، لذلك أعتقد أنّ الموضوع معقد، ويحتاج الكثير الكثير من الإجراءات التمهيدية لحله. نعم الدولة السورية، وليس فقط استناداً إلى تصريحات رسمية، بل من خلال مراقبتنا نحن كمختصّين في هذا المجال لكل ما جرى خلال ثماني سنوات. هي لا ترغب بالحل العسكري على اعتبار أن في إدلب مدنيين، والدولة شديدة الحرص على أمنهم وسلامتهم، وهي دائماً تستمع إلى أية محاولة لإيجاد حل سياسي كي تحقن دماء هؤلاء وتحميهم.

لكن إذا وصلنا إلى مرحلة، وتحوّلت هذه المنطقة إلى خطر على المدنيين الموجودين الذين هم أساساً محتجزون في إدلب من قِبَل جبهة النصرة، ومن قِبَل تركيا كدروع بشرية نوع أو كجزء من الحل، أنني لا أحل لك حتى أضغط عليك في مصير هؤلاء المدنيين الموجودين داخل إدلب.

لذلك أعتقد أن إدلب إذا وصلنا إلى ضرورة حل عسكري، فستبحث الدولة السورية مع الروسي الضغط على تركيا لفتح ممرات آمنة، كي يخرج هؤلاء من منطقة إدلب ليكون القتال مع جبهة النصرة والمجموعات الإرهابية ومع الجيش السوري.

فتون عباسي: منطقة عازلة مضبوطة من الجيش السوري مقبولة بالنسبة للجانب السوري أم لا؟

أشواق عباس: هذا يعود لخيار القيادة السياسية والعسكرية السورية، لكن أعتقد أن الأتراك لن يقبلوا بمثل هذا الخيار. التركي كان من أحد شروطه في مرحلة معينة منطقة عازلة وليس بدخول الجيش السوري إليها.

فتون عباسي: على كل حال، لن يقبلوا، أو يقبلوا هذا الموضوع سنرجئه إلى ما بعد الفاصل.

فاصل قصير، ونعود لاستكمال هذه الحلقة من حوار الساعة.

 

"فاصل"

فتون عباسي: من جديد مرحباً بكم مشاهدينا إلى القسم الثاني من هذه الحلقة من حوار الساعة، وأجدّد الترحيب بضيفتي من دمشق أشواق عباس النائب في مجلس الشعب السوري، مرحباً بك من جديد سيّدة أشواق.

كنّا نتحدّث قبل الفاصل عن إمكانية قبول التركي، أو عدم قبوله بمنطقة عازلة، ويوجد فيها الجيش السوري، يعني تحت ضبط الجيش السوري.

حسناً، وجهة النظر في هذا الإطار تقول بأنّ التركي فقد إلى حدٍ كبير ورقة التهويل، وخاصةً بالكردي الذي يهدّد الأمن القومي التركي. وهناك تقارب كبير بين الدولة السورية والكرد السوريين، حتى أنّ مجلس سوريا الديمقراطي تحدّث عن هذه الإيجابية في ما يخص الإدارة الذاتية للكرد من قِبَل الدولة السورية.

هذا ألا يضع سوريا أمام اتفاق الضرورة، أي سوتشي؟

 

أشواق عباس: أنا لا أستطيع أن أبني جواباً على تصريحات كردية لم يظهر لها مماثل من دمشق.

فتون عباسي: ليست تصريحات كردية فقط، بل معلومات من دمشق.

أشواق عباس: طبعاً لا أستطيع ما لم يتم الإعلان رسمياً عن ذلك، وأعتقد أنّ الموضوع مبالغ فيه. بحسب قراءتي الخاصة، دمشق لن تقبل بأية صيغة من صيغ الإدارة الذاتية. وكانت هناك تصريحات لوزير الخارجية ولمرات متعدّدة، نحن لم نحارب لسنوات من أجل وحدة سوريا، ونأتي في مرحلة نحن منتصرون فيها عسكرياً، ونقبل بخيارات تؤدّي إلى تقسيم سوريا.

أعتقد هذا الخيار مستبعد جداً من دمشق. وإذا كانت هناك تصريحات كردية، وكان هناك الكثير من التصريحات الكردية خلال الثماني سنوات الماضية، وكانت تطلق تعابير غير دقيقة.

فتون عباسي: سيّدة أشواق، نحن نعلم أنّ مبدأ الإدارات المحلية بالأساس موجود في سوريا. ألا يمكن أن يعطى الكرد السوريون إدارة محلية بصلاحيات أوسع قليلاً في إطار هذه التفاهمات؟

أشواق عباس: المادة القانونية موجودة في الدستور السوري، وإذا أراد الكرد تطبيقها كما هي، فأعتقد أنّه ليس هناك مشكلة. لكن أن تسمّى إدارة كردية ذاتية فلا، والتقسيم بحسب المدن والمحافظات وليس بحسب الأقليات، وهذا الكلام مرفوض، حتى الشارع السوري يرفض هذه التصريحات. لذلك أفترض إذا كان الكرد مع تطبيق القانون، والكل يرحّب بعودتهم إلى الدولة السورية. وأعتقد أنّ هناك الكثير من التطبيقات الرسمية باتجاه رغبة الدولة في إعادة الكرد وحمايتهم من العدو التركي، وضد الابتزاز الأميركي الذي يمارس ضدهم. وهذا الموضوع بحاجة إلى المزيد من النقاش الهادئ مع الكرد.

فتون عباسي: يعني تركيا ليست محصورة في لقاء سوتشي المقبل في ما يخصّ هذا الأمر؟

أشواق عباس: أنا لا أرى ذلك، بل بالعكس لدى الأتراك خيارات متعدّدة، وأهمها قرار الأميركي بالانسحاب. وكذلك ما أعلن عن تنسيق تركي أميركي، وحلول قوات تركية بديلة عن الأميركيين.

إذاً، تركيا تدخل سوتشي بريسك عالٍ، والأمر الثاني هو أنّ الجماعات الإرهابية الموجودة على الأرض السورية مثل  النصرة لم تطبّق ما اتفق عليه في إدلب، وبالتالي ما تزال موجودة على الأرض.

والأمر الثالث وهو الأهم، واسمحي لي أن أمرّر العبارة التالية أنّ تركيا تمارس الابتزاز بشكل كبير جداً، هي تبتزّ الروسي والإيراني والأميركي والأوروبي. فبمجرد أن يلوّح الأتراك أنّ هؤلاء المقاتلين الإرهابيين قد يعودون إلى أوروبا، فتبتزّ الأوروبي.

أعتقد أنّ تركيا تملك أوراقاً يمكن أن تفاوض بها الروس والإيرانيين في سوتشي، وتفرض ما تراه أنّه يصب في مصلحتها هي فقط.

فتون عباسي: لكن تركيا فعلاً تتخوّف من خيار عملية عسكرية يتخذها المحور باتجاه إدلب، ونحن نعرف ما إن بدأ تحشيد القوات السورية قرب إدلب حتى سمحت لجبهة النصرة بالتمدّد مباشرة في مناطق معينة في إدلب.

برأيك، هل خيار القيام بعملية عسكرية غير قابل لوضعه على طاولة المفاوضات في سوتشي؟ بجُمَل قصيرة لو سمحت.

أشواق عباس: يمكن وضعه على الطاولة، لكن له محاذيره. والأولوية هي الحل السياسي بالنسبة للروس والدولة السورية، والتركي يدرك ذلك. لكن إذا ما اضطررنا إلى الذهاب إلى حرب عسكرية في إدلب، فالحرب سيتّسع مداها أكثر من دخول الجيش السوري والروسي لمقاتلة الإرهابيين، وقد تنخرط قوى أخرى للحرب ضد الدولة السورية.

فتون عباسي: والمنطقة العازلة غير مقبول بها حالياً، وبخاصة أن وزير الخارجية قد صرّح منذ فترة إنّ المناطق التي أتى منها اللاجئون هي من مناطق أعطاها الفرنسيون والبريطانيون لسوريا، وعليه هناك مطامع تركية واضحة بالأرض في سوريا.

على كلّ حال، محاولات القفز التركي، كي ننهي هذا الموضوع، كان آخرها في محاولة تحويل النصرة إلى حركة سياسية تدمج بما سمّاه الجيش الوطني الذي شكّله أصلاً من فصائل مقاتلة معارضة تأتمر بأمره.

طيب، إن كان السوري يرفض مثل هذا الطرح، والحليف كذلك يرفض. على ماذا يعتمد التركي في محاولة تمرير هذا السيناريو؟ أو التفكير به؟

أشواق عباس: إطالة أمد الصراع في إدلب، وابتزاز الدولة السورية والحليف الروسي. لكن دعيني فتون أوضح أنّ المنطقة العازلة أساساً كانت طرحاً أميركياً تركياً، والدولة السورية ضد هذا الطرح بالمطلق. والدولة تقبل  بأيّ حل قد يُطرح كحل مؤقت للوصول للسيادة المطلقة السورية على المنطقة، أيّ حل مؤقت لا يؤدّي إلى السيادة أعتقد أنّ الدولة السورية لن تقبل به.

أمّا الأتراك فتوجد بيدهم ملفات مهمة يعمدون من خلالها إلى الابتزاز، أو إطالة أمد الصراع تحديداً في إدلب. والأتراك يعتقدون أنهم ما زالوا قادرين على التحصيل السياسي في إطالة أمد تطبيق اتفاق سوتشي في ما يخصّ محافظة إدلب.

فتون عباسي: في المقابل هناك حديث كبير عن اللجنة الدستورية، والجميع يعلم أنّ اللجنة الدستورية مكوّنة من 150 شخصاً، 15 منهم يضعون الدستور، 50 من جهة الدولة السورية، و50 من جهة المعارضة، و50 من المجتمع المدني، وتختارهم الأمم المتحدة.

بدايةً، ما معلوماتك حول اللجنة الدستورية؟

أشواق عباس: إذا كنت تقصدين بالمعلومات مَن سيكون، فأنا أعتقد أنّ الموضوع معقّد جداً، ويُجابه بمحاولة عرقلة واضحة من القوى الدولية، وبخاصة الولايات المتحدة التي لا تريد أن تنطلق أعمال هذه اللجنة.

فتون عباسي: لماذا لا تريد أن تنطلق أعمال هذه اللجنة؟ وهناك تصريحات من الروس حول هذه العرقلة، آخرها كانت للسيّد ريابكوف.

أشواق عباس: لأنّ الأميركي لا يريد أن تبدأ عملية سياسية حقيقية في البلاد. والدولة السورية أعلنت أنّها موافقة. وأيضاً إعلان إطلاق عملية سياسية يجتمع فيها السوريون لا يصبّ في المصلحة الأميركية، فالأميركيون لا يريدون عودة الاستقرار والهدوء لبدء عملية سياسية في سوريا، وإعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها.

أعتقد أنّه في جنيف الماضي عندما خرج لافروف، ووزير الخارجية التركي، وقال أعلنا تشكيل اللجنة الدستورية، وخلال ساعتين خرج دي مستورا منسّق الأمم المتحدة آنذاك والمبعوث الخاص بها، وقال إننا لن نشكّل، بل مضينا بخطوات.

وكان واضحاً أنّ هناك عرقلة من أميركا تحديداً لمحاولة جز بعض الأسماء، مقتنعة أنّها تحاول القيام بالعرقلة. موافقة جميع الأطراف على الأسماء المطروحة أربكت الأميركي، وأراد بعض الأسماء الجديدة، لكن الأطراف جميعها وافقت. وقد أوعز الأميركي إلى دي مستورا لعرقلة تشكيل اللجنة.

فتون عباسي: أعيد السؤال، لماذا يريد الأميركي عرقلة هذه اللجنة إن كان في التأليف، أو بدء الأعمال في 2019؟ ما الذي يريده الأميركي؟ ما الذي يبتغيه؟

أشواق عباس: أيضاً أعيد تلخيص الجواب، الأميركي ضد أية عملية سياسية برعاية دولية تضمن بالفعل حلاً سياسياً للأزمة السورية، الأميركي لا يريد. الآن بالنسبة إليه غير مطلوب.

فتون عباسي: لماذا والأميركي يقول إنّه منسحب من هذه المنطقة، من سوريا تحديداً؟

أشواق عباس: منذ اللحظات الأولى، كان أوباما وكلينتون يعلنان أنهما مع الحل السياسي للأزمة في سوريا. هل اتضح من خلال الثماني سنوات للحرب أنّ هناك رغبة سياسية أميركية في حلّ سياسي؟ هل من خلال الرغبة العسكرية؟ أو من خلال التدخّل في مجلس الأمن؟ أو من خلال دعم المجموعات المسلحة؟ التصريحات غير الواقع.

فتون عباسي: هذا في الموقف الدائم ككل، لكن في المواقف اللحظية، وبعد اختلاف موازين القوى على الأرض، وانتصار مشروع على مشروع آخر، انتصار مشروع محور المقاومة على مشروع محور آخر يريد تفتيت المنطقة والحصول على ثرواتها.

لماذا لا يريد إيجاد الحل السياسي؟ وقد فقد أغلب الأوراق.

أشواق عباس: نعم، هو فقد أغلب الأوراق، لكن لا تزال في يده بعض الأوراق. وأيضاً هو لا يرغب في الاستقرار في المنطقة. ولن يقبل أن يعلن أنّه خسر في سوريا، حتى وإن حقّق بعض المكاسب. الأميركي في عقليته السياسية لا يقبل بالخسارة. خرج من العراق بخسارة، وقال إّنني انتصرت.

أنا أعتقد أن الموضوع أكبر من سوريا وحدها، هناك رغبة أميركية بعدم استقرار المنطقة. دعيني أمرّر الفكرة التالية، عندما يسحب الأميركي قواته من سوريا ويضعها في العراق، يعني هذا أنّ هناك أهدافاً أخرى. عندما يدعم الأميركي السعودية في شراء أراضٍ واسعة على الطرف الشرقي من العراق على الحدود السورية، فأعتقد أنّ هناك مشاريع أخرى تحضّر للمنطقة.

فتون عباسي: لماذا عدت للتحدّث عن العراق؟ وهناك علاقة عضوية بين العراق وسوريا لجهة الجغرافيا، والجغرافيا السياسية.

برأيك، هل هناك تنسيق بين الروسي والأميركي في هذا الإطار في ما يخص موضوع الانسحاب؟

كان التفاهم يوصي بضبط المفاعيل العسكرية في سوريا التي أعطيت لروسيا، والمفاعيل العسكرية لأميركا هو في العراق.

أشواق عباس: أنا لا أعتقد من خلال خبرتي الخاصة في السياسة الخارجية الروسية، أنّ هناك اتفاقات تحت الطاولة بين الروس والأميركيين. قطعاً، أنا أزعم أنّه لا يوجد شيء من هذا القبيل.

أنت فتحت خلال المقدمة المجال لفكرة خطيرة جداً، من يعتقد أنّ ما يجري في سوريا يخص سوريا فقط، فهو مخطئ. والموضوع كبير يشمل ضرب الإرهاب الذي يضرب العراق واليمن وكل المنطقة. وأيضاً نفس مسمّى الشخصيات الإرهابية، الإرهاب شخصياته واحدة في كلّ المنطقة. وبالتالي المنطقة مستهدفة بأكملها، وسوريا كانت الجبهة الأكثر سخونة. لكن لا يعني هذا الأمر أنّ باقي الجبهات غير مُستهدفة.

لو انتصر المشروع العدواني لا سمح الله على سوريا، لانتقل إلى باقي دول المنطقة.

فتون عباسي: حاولنا الآن تلخيص ما قلناه حول قمّة سوتشي، حول إدلب، واللجنة الدستورية، تحديداً هاتين النقطتين. برأيك إلى ماذا سيخلص سوتشي؟

 

أشواق عباس: سيخلص إلى محاولة زيادة الضغط على سوريا من إيفاء التزاماتها في سوريا من خلال ما ورد في قمّة سوتشي الثانية، والدفع باتجاه إطلاق العملية السياسية، أو ما يسمّى بلجنة صوغ الدستور. هنا ستصب الجهود، لكن باعتقادي الشخصي هناك عرقلة، وهناك مثل شعبي يقول: "دود الخل منو وفيه". هناك جزء ممن هم في سوتشي سيقومون بالتعطيل سواء في موضوع ملف إدلب أو اللجنة الدستورية.

فتون عباسي: مَن؟ تركيا تقصدين؟

أشواق عباس: نعم تركيا، بالتنسيق مع الأميركيين الذين يقدّمون لتركيا إغراءات مرعبة. أنا أنسحب وأسمح لك أن تحلّي مكاني.

فتون عباسي: برأيك، هل سيصبر الروسي على هذه الاستفزازات والمماطلة التركية؟

أشواق عباس: هو لن يصبر، بل سيحاول التحييد قدر الإمكان. الحل العسكري مطروح، لكنّه غير مرغوب به على اعتبارات أنّ المدنيين موجودون. الروسي سيضغط،  طالما أنّه يمتلك القدرة على ذلك.

لا أعتقد أنّ الروسي يريد الحرب في إدلب تحديداً، لأنّه لن يكون ذلك في مصلحة الدولة أو الروس الآن. هناك الملايين من المدنيين، وهناك محاولة ابتزاز. لذلك، السياسة الروسية الخارجية بالتنسيق مع الدولة السورية هي محاولة الوصول إلى آخر حدود إمكانية الحل السياسي، فإن لم ينجح يمكن الذهاب إلى الحلّ العسكري. حتى الآن الحل السياسي لا يزال متاحاً أو ممكناً في إدلب، لكن يحتاج إلى الكثير من الضغط.

فتون عباسي: على كلّ حال، سوتشي ليست بعيدة. والحديث عمّا يجري في شرق الفرات سنتناوله بالبحث لكن بعد أن نستمع إلى الأخبار اللبنانية: "العين على آخر معاقل الخلافة، تحضيرات سوتشي تركّز على إدلب".

 

(الأخبار اللبنانية: "العين على آخر معاقل الخلافة، تحضيرات سوتشي تركّز على إدلب".)

 

بينما يستعدّ ثلاث أستانة لقمّة سوتشي المرتقبة بعد غد، يتحوّل الاهتمام إلى آخر معاقل الخلافة في وادي الفرات، وسط أسئلة كثيرة عن مصير عناصر داعش هناك.

تحيّد التطوّرات في الشرق السوري الاهتمام عن باقي تفاصيل المشهد، فيما ينتظر العالم إعلان نهاية الخلافة بتوقيع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. هذا الإعلان المنتظر بات شرطاً ميدانياً لازماً لإطلاق عملية الانسحاب الأميركي المرتقبة، التي يسوّق مسؤولو البنتاغون أنّها ستبدأ خلال أسابيع أو أيام ربما، من دون أن تظهر حتى الآن – أية تفاهمات واضحة بين واشنطن وأنقرة حول مصير شرقي الفرات. ولم تعكس التطوّرات في بلدات وادي الفرات التي يسيطر عليها داعش ما أعلن عن المعركة النهائية لإنهاء آخر معاقل الخلافة، ما عدا قصف التحالف الدولي الجوي الذي استمر في حصد أرواح المدنيين مع عناصر التنظيم.

الترقّب لهزيمة داعش، والانتقال نحو مرحلة الانسحاب الأميركي، لا يقابله تفاؤل تركي معلن بقرب التوصل إلى اتفاق شامل حول منبج والمنطقة الآمنة. وبعد تصريحات تركية سابقة أشارت إلى تسريع تنفيذ اتفاق منبج، نقلت وكالة الأناضول التركية عن متحدّث بإسم حزب العدالة والتنمية قوله إنّ المباحثات المثمرة مع ترامب لم تنعكس على المستويات الأدنى في إدارته، مضيفاً إنّ هواجس تركيا الأمنية مسألة غير قابلة للتأخير والمماطلة أو المساومة بأيّ شكل.

فتون عباسي: أستاذة أشواق لا بدّ من أن يخرج الأميركي من شرق الفرات، هذا ما يقوله كل المحور، محور المقاومة والممناعة. بأي ثمن سيخرج؟ في السياسة هناك أخذ وعطاء.

أشواق عباس: يجب أن يخرج، فإذا ضمنا خروجاً عن طريق تسوية وحل سياسي، فهذا الأمر سيكون جيداً. لكن في النهاية، هذه الأراضي سوريّة، والدولة السورية مسؤولة وملتزمة بتحرير كامل أراضيها. ونحن نعرف، أنّ الأميركي خرج مهزوماً من العراق بفعل جهود المقاومة، المقاومة الشعبية. لذلك، في النهاية كل القوى ستخرج من سوريا، ولن يبقى أحد في سوريا.

لكنّ الموضوع يحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب الأفكار الأساسية، أولاً حماية المدنيين، وفي حال وجود حل سياسي، لِمَ الذهاب إلى حلّ عسكري؟ هذا ما قصدته في إدلب.

الدولة السورية الآن لا ترغب إلا بحل سياسي، وإن لم يوجد هذا الحل حماية للمدنيين، فإنها ستذهب للحل العسكري. لكن الدفع باتجاه إنضاج الحل السياسي سيكون أفضل، كذلك في التعامل مع الدول غير الشرعية مثل بريطانيا وفرنسا وأميركا.

فتون عباسي: طيب في الحديث عن الانفتاح السياسي، هناك انفتاح سياسي واضح من دول عربية، تحديداً خليجية على الدولة السورية في إطار ما يسمى تطبيع العلاقات مجدداً ما بين الدولة السورية وهؤلاء.

بالأمس قال أحمد أبو الغيط، الأمين العام للجامعة العربية بأنّه لا إجماع على إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

ما المقصود من هذا الموقف برأيك؟

أشواق عباس: هذا التصريح ليس مفاجئاً، وبخاصة أنّه كان واضحاً من خلال القمّة التي عقدت في بيروت مؤخراً أنّ هناك ضغوطاً أميركية واضحة على عدد من الدول لعدم السماح لعودة سوريا إلى الحضور في جامعة الدول العربية. هذا واضح جداً، وتمّت ممارسة بعض الضغوط. لكن بعض الدول استطاعت أن تمرّ.

فتون عباسي: أقاطعك، هناك معلومات تقول بأن كل الدول العربية تقريباً تريد عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بما فيها السعودية، لكن مَن يتعنّت هي قطر.

برأيك، هل هناك مشروع قطري تركي إخوانجي ما بين قوسين يحاول التعنّت في هذا الإطار؟

أشواق عباس: دعيني أجيبك بنفس الصيغة، برغم المشاكل التي حصلت في الخليج العربي بخاصة التكتل الخليجي ضد قطر، هل تستطيع قطر فرض رأيها على كل الدول العربية؟ وبخاصة أنّ هناك دولاً تعلن العداء مع قطر مثل السعودية والإمارت. لا أعتقد ذلك، الموضوع ليس بهذا الشكل. قد تكون قطر هي التي حملت هذا العنوان، لكن المانع الوحيد الذي يحول من دون عودة سوريا الآن، أو من دون عودة علاقات عربية مع سوريا، أو علاقات دول أوروبية مع سوريا هي الولايات المتحدة الأميركية تحديداً التي تضغط على الدول كي تمنع أية إعادة علاقات بينها وبين سوريا.

فتون عباسي: هل هناك تخوّف أميركي من عودة هذه العلاقات بين الجانبين؟ لأيّ سبب؟

أشواق عباس: لا تتخوّف، بمعنى أنها تخشى، هي تستطيع أن تأمر دولاً عربية بذلك.مثلاً مصر ولبنان الشقيق تعرّضا لضغوط كبيرة في هذا الشأن، ولبنان رغم الضغوط دعا سوريا للقمّة الاقتصادية. وهذا يعني انتصار سوريا الكامل، وعندما تنتصرين في الميدان ستستكملين النصر سياسياً من خلال الانفتاح على الدول، وهذا غير مسموح به أميركياً الآن.

فتون عباسي: سيّدة أشواق، لكن الاندفاعة العربية وتحديداً الخليجية اتجاه سوريا. برأيك، هل كانت قراراً فردياً لهذه الدول من دون الرجوع إلى الأميركي؟ أم أنّ الأميركي قد أعطى الضوء الأخضر؟ ومن ثمّ عاد إلى مراجعة حساباته بطريقة أو بأخرى، وقال لا، من المبكر عودة هذه العلاقات؟

أشواق عباس: دعيني أستخدم تفسيراً آخر، قد يكون تفسير خاطئ من بعض الدول للإشارات الأميركية. أميركا تعلن قرار انسحابها، فتفهم بعض الدول أنّه أصبح لا يوجد حظر لعودة العلاقات، فبعض الدول استطاعت أن تمر بسرعة، وتعيد فتح سفاراتها، دولتان فقط. لكن عندما انتبهت أميركا أنّ الإشارات ذهبت باتجاه غير صحيح، أعادت وفرضت عدم السماح بعودة العلاقات منها السعودية، ودول عربية أخرى.

فتون عباسي: لكن هناك أيضاً معلومات تتحدّث عن أنّه يوجد تواصل سعودي سوري الآن، وهو على مستوى غير بسيط. تنفين؟

أشواق عباس: أنا ليست لديّ معلومات أمنية، لكن أستطيع أن أقول لك لا توجد اتصالات حتى ضمن المستوى الذي تلمّحين إليه.

فتون عباسي: أشكرك كل الشكر أشواق عباس، النائب في مجلس الشعب السوري، كنت معنا مباشرة من دمشق.

والشكر الأكبر لكم مشاهدينا دائماً على متابعتكم لكل ما تقدّمه الميادين من مساحات إخبارية حوارية وتحليلية.

الحلقة انتهت، دمتم سالمين.