حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

محمد شهاب الإدريسي - خالد باطرفي

 

وفاء العم: تواجه العلاقات السعودية المغربية تحدياً جديداً يُضاف إلى تحدياتٍ لها من العمر ما يقارب العامين. فتورٌ في العلاقة منذ الأزمة الخليجية بسبب إصرار الرباط على البقاء في منطقة الحياد بين أطراف النزاع.

موقفٌ لم تستسغه السعودية، ثمّ جاء عدم استقبال المغرب وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان في جولته المغاربية الأخيرة، ليزيد الفتور فتوراً، بل إنّ الرباط ذهبت إلى الإعلان عن الانسحاب من التحالف السعودي في اليمن.

أما السعودية فقد صوّتت لمصلحة الولايات المتحدة على حساب المغرب في سباق تنظيم كأس العالم للعام 2026، أمرٌ فجّر الفتور إلى الخلاف على المستوى الشعبيّ، تلاه تقريرٌ إعلاميٌ عن الصحراء الكبرى ما دفع بالرباط إلى استدعاء سفيرها في الرياض للتشاور.

ما حقيقة الخلاف المغربي السعودي؟ ما حجمه؟ هل هي بداية لقطيعةٍ بين البلدين، أم أنّ العلاقة التاريخية والمصالح السياسية والاقتصادية التي وصلت إلى حدّ مناقشة انضمام الرباط إلى منظومة دول مجلس التعاون الخليجي أقوى؟

هذا ما سنناقشه مع ضيفنا في الاستوديو الأستاذ محمّد شهاب الإدريسي المدير التنفيذي لمعهد الدراسات المستقبليّة، ومعنا من الرياض الإعلامي والأكاديمي السعودي الدكتور خالد باطرفي. فأهلاً بكم في حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفاء العم: أرحّب بك من جديد أستاذ محمّد.

 

محمّد شهاب الإدريسي: أهلاً وسهلاً.

 

وفاء العم: في البداية، استدعاء السفير المغاربي إلى الرباط للتشاور. ما هي الرسالة، قبل أن ندخل في تفاصيل الخلاف السعودي المغربي؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: يمكن اعتبار الاستدعاء أنّه أشبه بدقّ ناقوس الخطر على صعيد العلاقات الثنائية، وأريد من خلال هذه الخطوة ألا تتجاوز مسألة التنبيه، بدليل أنّ السفير أكّد استدعاءه للتشاور، بينما خرج وزير الخارجية المغربي في مقابلة مع وكالة سبوتنيك الروسية لينفي أصلاً استدعاءه، ويقول إنّ هذا الأمر غير موجود. هو في الحالات العادية عندما يتمّ استدعاء سفراء للتشاور، تصدر الخارجيات، وزارات الخارجية المعنيّة، بيانات رسمية تعلن استدعاءها للسفير لتسجّل نقطة في سجلّ العلاقة الثنائية مع الدولة المعنية. في الحال المغربية، لم يتمّ إصدار أيّ بيان رسمي، كما أنّ وكالة الأنباء الرسمية لم تشر إلى ذلك، بينما تولّت نشر الأمر مواقع إلكترونية وجهات ووسائل إعلام مقرّبة من السلطة المغربية.

 

وفاء العم: لماذا؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: يراد من ذلك ألا يتمّ إحراج السعودية ودفعها إلى طرق باب العناد، المطلوب مغربياً ربما هو إيصال رسالة إلى الرياض حتى تغيّر تعاملها على صعيد العلاقة مع المغرب.

 

وفاء العم: أستاذ محمّد، هذا ما يدفعنا للسؤال عن سبب وحقيقة الخلاف. ما السبب الحقيقي والجوهري الذي فجّر هذا الخلاف بين الرباط والرياض؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: لا يمكن إيراد سبب بعينه، هناك جبل من التراكمات التي تراكم الواحد منها تلو الآخر خلال السنتين أو السنوات الثلاث الأخيرة، يمكن تعدادها واحداً تلو الآخر، مسألة الوليد بن طلال حينما تدخّل الملك المغربي لصالح الأمير عندما تعرّض للاعتقال في حملة الريتز الشهيرة بحُكم العلاقة العائلية التي تربط الأمير بالعائلة المالِكة في الرباط من خلال المُصاهَرة المشتركة مع أحفاد رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رياض الصلح. كان هذا التدخّل، جوبِه وقتها بردٍ سعودي، اعتُبر غير دبلوماسي، بأنّ هذا الموضوع داخلي سعودي لا يمكن التدخّل فيه.

هناك مسألة أيضاً حرب اليمن، هي كانت مسألة مهمّة جداً، المغرب عملياً أوقف مشاركته منذ سنتين، يمكن الحديث عن أربعة عوامل لوقف المغرب مشاركته في هذه الحرب. العامل الأول كان المراجعة، بعد أن قام الدفاع الجوي اليمني بإسقاط طائرة أف 16 مغربية، ومقتل قائدها، تمّت إعادة النظر في العمليات العسكرية المغربية في اليمن. ثانياً كان هناك قرار استدعاء القوات المغربية، أغلب القوات المغربية العاملة في الخارج، بعدما قامت حركة البوليساريو بتحرّكات عسكرية في المنطقة العازلة في الصحراء، لا سيما على الحدود مع موريتانيا. ثالثاً كان السبب هو ارتفاع الفاتورة الإنسانية والجدل حول الأوضاع الإنسانية في اليمن، والتجاوزات التي ارتكبتها قوات التحالف. رابعاً كان سقوط كلّ ما يُحكى عن مسألة إعادة الشرعية في اليمن لصالح ظهور مشاريع، هي مشاريع سيطرة ومشاريع تقسيم في اليمن. المغرب لا يمكنه دعم مشروع تقسيمي في اليمن، خصوصاً في الجنوب اليمني، بسبب أنّ هناك الحالات تتشابه. أي اتجاه تقسيمي في اليمن يعني أنّ هذا الاتجاه التقسيمي قد يُصيب المغرب يوماً ما.

 

وفاء العم: لماذا انتظر المغرب حتى هذه اللحظة للإعلان عن الانسحاب، عِلماً أنّ هذا الانسحاب كان عملياً وفعلياً قد تمّ في وقتٍ سابق؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: نعم، هو لم يكن يريد المغرب أن يضغط إعلامياً وسياسياً على السعودية. نحن نعرف أنّ السعودية بدأت بحرب بعشر دول، لكن ذهب البرلمان الباكستاني وأقرّ قانوناً بالإجماع ينصّ على حياد باكستان في حرب اليمن، بعد ذلك مصر كانت مشاركتها مشاركة إسمية شكلية، بعد ذلك تمّ طرد قطر من التحالف العشري بعد مسألة المقاطعة. هكذا التحالف العشري، أيضاً ماليزيا انسحبت من الحرب وأغلقت مركز الملك سلمان في كوالالمبور، وسمعنا اتهامات كثيرة لوزير الدفاع الماليزي وحتى لأنور إبراهيم الذي سيتولّى بعد فترة قليلة رئاسة الوزراء في ماليزيا. هذا التحالف انقلب إلى تحالف رباعي فقط، بقيت في الحرب السعودية والإمارات والأردن والسودان فقط.

المغرب لم يرد الضغط إعلامياً على السعودية، لكن عندما حصلت كل هذه التراكمات، والطريقة التي تمّ التعامل بها مع المغرب في عدّة أمور، وكان آخرها مسألة تقرير قناة العربية الذي يرى فيه المغرب محاولة للعب في مسألة يعتبرها مسألة وجودية، وجودية للمملكة ووجودية لدورها في المنطقة والإقليم. لا ننسى أنّ المغرب ساءت علاقته مع واشنطن، وألغى مناورات عسكرية مع الولايات المتحدة بسبب قضية الصحراء، وبسبب الضغوط التي كانت تمارسها واشنطن، عند كلّ مرّة يحلّ فيها موعد نيسان (أبريل)، الموعد السنوي لتجديد مهمة المينورسو في إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب.

 

وفاء العم: ولكن أستاذ محمّد، أيضاً لا يمكن تجاوز أيضاً موقف المغرب من الأزمة الخليجية، بمعنى هناك ما استفزّ السعودية على اعتبار أنّ المغرب أصرّ على البقاء في منطقة الحياد بين السعودية وقطر، وذلك ربما أثار استياء السعودية.

 

محمّد شهاب الإدريسي: بالتأكيد هذه المسألة أيضاً أضافت، لذلك تحدّثت عن عدّة أسباب، هناك أيضاً مسألة استضافة التصويت في قضية المونديال. بالنسبة لمقاطعة قطر، المغرب لم يرغب أن يكون في موقع أن تقوم عواصم عربية أربع بتحديد سياسة معينة تجاه قطر، وأن يُدعى إلى اللحاق بهذه السياسة. في النهاية المغرب ليس هو حال الأردن ولا هو حال السودان ولا حال عدّة دول عربية تُدعى فتُجيب. المغرب يريد أن يكون شريكاً في أيّة ترتيبات يجري رسمها في المنطقة العربية. قلت سابقاً وأعيد الآن أنّ المغرب كانت له ملاحظات على السياسة القطرية حتى في الوقت الذي كانت فيه عدّة جهات تمجّد الدور القطري. المغرب نسبَ إلى قطر كلّ الأمور التدميرية التي ينسبها العرب إليها الآن، لكنّه لا يريد أن يكون في موقع أن يُدعى إلى مشروع يتمّ تركيبه ويكون مطلوباً منه فقط الاستجابة.

 

وفاء العم: تعني أنّه يبحث عن شراكة ولا يريد أن يكون تابعاً للمملكة العربية السعودية.

 

محمّد شهاب الإدريسي: بالتحديد.

 

وفاء العم: إسمح لنا أن نُشرك معنا الدكتور خالد باطرفي، معنا من الرياض.

دكتور خالد، كنّا نسأل في البداية عن استدعاء السفير المغربي في الرياض للتشاور. كيف تعاملت الرياض مع هذه الخطوة المغربية؟

 

خالد باطرفي: المُلاحَظ أنّ الذي يثير الزوابع هو الجانب المغربي وليس الجانب السعودي. السعودية لم تثر الزوابع على الإثارة المغربية أو الهجوم المغربي الإعلامي على المملكة العربية السعودية أو على شخص الأمير محمّد بن سلمان، وجريدة مثل الأحداث المغربية المعروفة بعلاقتها بالدولة وبالجهات الأمنية مستمرّة حتى يومنا هذا في التهجّم على المملكة العربية السعودية، بأسلوب حتى يبدو شخصياً وليس مهنياً، وفي نفس الوقت نجد الحساسية البالغة عندما تقوم جهة إعلامية خاصة كقناة العربية، بإذاعة وثائقي عن الأزمة المغربية في الصحراء وعن قصة الصحراء وتاريخها وبشكل أنا أرى أنه كان مهنياً، نقل الرأي والرأي الآخر وصوّر الأمر بشكل مهني، ولكن ربما تعوّد الأخوة في المغرب على مُمالأة الإعلام السعودي لهم في كل الأحوال، وفي نفس الوقت لم يجدوا أنّهم في المقابل يجب عليهم على الأقلّ احترام المملكة العربية السعودية في إعلامهم. هذا أجده أمراً غريباً.

السعودية حتى اليوم لم يصدر عنها أيّ بيان، لا اعتراضاً على الطائرة، طائرة المساعدات الإنسانية التي وجّهتها المغرب إلى الدوحة بعد المقاطعة العربية لها، وكأنّ الدوحة هي في حال من الفقر والجوع كما يحدث في جنوب المغرب أو للاجئين السوريين في لبنان، توجّهها إلى الدوحة التي تستطيع أن تصرف على شعبها بأكثر ممّا تستطيع المغرب أن تفعل، ولكنها كانت رسالة، أنا أعتقد، سياسية إلى السعودية، وللتحالف، وفي نفس الوقت السعودية لم تردّ على هذا كله. ومع ذلك هذه الضجة، أيضاً أثار الأخ الكريم موضوع التصويت السعودي الرياضي الذي شاركت فيه أكثر من 80 دولة اختارت نفس ما اختارته المملكة العربية السعودية، وهو التذكرة الأميركية المكسيكية.

 

وفاء العم: ولكن دكتور، السعودية هي حليف بطبيعة الحال وهناك علاقات تاريخية بين المغرب والمملكة العربية السعودية على الصعيد السياسي، على الصعيد الاقتصادي.

إذا كنت ترى بأنّ المغرب هو مَن يثير الزوبعة كما تقول، لماذا المغرب يقوم بمثل هذه الخطوات أو يأخذ هذا الموقف من المملكة العربية السعودية؟ هذا محطّ تساؤل.

 

خالد باطرفي: أنا أثير هذا التساؤل عندما أقول إنّ المغرب صوّت ضدّ الرغبة السعودية أو ضدّ المصلحة السعودية في الأمم المتحدة أو في مجلس الأمن، عندما كان التصويت ضدّ إيران، صوّت مع إيران ضدّ السعودية، ثمّ جاء بعدها التصويت الرياضي، وغضبوا جداً في الإعلام المغربي، وأثاروا زوابع. إذا كان المغرب مستقلاً لأن يصوّت ضدّ المصلحة السعودية في مجلس الأمن، وفي أمر يُعتبر بالنسبة إلى السعودية أمناً قومياً وأمناً وطنياً، ثمّ ينتظر من السعودية أن تصوّت له حتى في القضايا الرياضية، وحتى لو كان التصويت لن يغيّر من الأمر شيئاً، لأنّ الأغلبية الساحقة كانت صوّتت مع التذكرة الأميركية، فهذا أمر غريب.

هل يتوقّع المغرب أن نحرص على مصالحه، وهو الذي رفض ثلاث دعوات لحضور ثلاث قمم في الرياض، لم يحضرها ولا حتى رئيس وزراء؟ وفي كل هذه الأمور، الغريب في كل هذه الأمور، لم تحتجّ المملكة على شيء. المملكة هي التي صبرت وهي التي لم تعلّق على شيء، لا على انسحابه من التحالف، ولا على إعلانه لهذا الانسحاب، ولا على هذه الحملات الإعلامية، لم تعلّق على أيّ شيء. ومع ذلك المغرب هو الذي يشتكي.

 

وفاء العم: دكتور، ما تفسيرك للموقف المغربي؟ هل هو تحوّل في السياسة المغربية؟ برأيك لماذا يتّخذ المغرب هذا الموقف؟

 

خالد باطرفي: أنا أعتقد أنّ التحوّل بدأ منذ أن نجح حزب العدالة والتنمية ذو الميول الإخوانية في الوصول إلى السلطة، وقدّم المصالح الأيديولوجية والحزبية على المصالح الوطنية، نفس الذي يحدث في تركيا، نفس الذي يحدث في المغرب للأسف الشديد. أنا لا أتمنّى ذلك، أنا أحبّ المغرب، وزرت المغرب كثيراً، والمغرب له علاقات اجتماعية وثقافية قوية في المملكة العربية السعودية، ولكن هذه التصرّفات وهذه الزوابع التي تصبر عليه المملكة، ثم يأتون هم ليشتكوا منها، أمر غريب، يجب عليهم أن يراجعوه.

 

وفاء العم: إسمح لي دكتور، أن نستعرض هذا التقرير في صحيفة بوابة الشرق الإلكترونية، نعود بعده ربما لمتابعة النقاش.

بوابة الشرق الإلكترونية تعنون "المغرب إذ يعرّي المواقف السعودية"، الدكتور حسن البراري.

 

بوابة الشرق الإلكترونية: المغرب إذ يعرّي الموقف السعودي، حسن البراري

ما لا يفهمه صنّاع القرار الجدُد في الرياض بأن دولةً بحجم ومكانة واحترام المغرب لا يمكن لها أن تُخضِع سياستها الخارجيّة وفقاً لأولويات السياسة السعودية، والحق أن علاقة المغرب بالسعودية ليست على ما يرام، فالمغرب رفض إلا أن يكون محايداً في الأزمة الخليجية.

لكن يبدو أن المغرب لم تعد تخجل من توجيه انتقادات ولو بشكل غير مباشر، فالعاهل المغربي أراد أن ينأى بنفسه عن وليّ العهد السعودي ولم يرحّب بزيارته للمغرب، والتي جاءت في سياق سعي وليّ العهد إلى إعادة تأهيل نفسه بعد أن أصبح المتّهم الأول في قضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي.

وكأن هذه التوتّرات لم تعد كافية، فالمغرب قام بسحب مشاركته من الحرب في اليمن بعد أن تحوّلت الحرب عن هدف إعادة الشرعية وأصبحت باعتراف المنظمات الدولية حرباً عدوانيّةً يدفع الشعب اليمني ثمنها الباهظ. والمغرب تريد مساعدة السعودية وإعادتها إلى الطريق الصحيح، لكنّها لا تريد أن تكون شريكةً في حربٍ أنتجت كوارث إنسانية. وجاء الردّ السعودي عن طريق التحرّش بالمغرب بإثارة ملفّ الصحراء المغربية، وردّة فعل السعودية تكشف عن بنية ذهنية تدميرية، فالرياض بهذا المعنى تطعن المغرب من الخلف، لأنّ الصحراء الغربية هي أرضٌ مغربيّةٌ وفقاً للمغرب التي ترى في ثوّار جبهة البوليساريو خارجين عن القانون. فبدلاً من التواصل مع المغرب والاتفاق على حلّ الأمور العالقة أو توضيح وجهات النظر، تلجأ الرياض مرّةً أخرى إلى سياسةٍ قائمةٍ على التحرّش والتنمّر، ما استدعى الردّ المغربي ودعوة السفير المغربيّ في السعودية إلى الرباط للتشاور.

 

وفاء العم: قبل أن نناقش ما جاء في هذا المقال، أستاذ محمّد، ربما الدكتور خالد ذكر جملة من النقاط المهمة التي تستحقّ ومن الجدير أن نقف أمامها، الرباط هي مَن يفتعل هذه الزوبعة، ربما ندخل في جدل مَن بدأ، أو من أين بدأ هذا الخلاف. ولكن لماذا تتخذ الرباط هذه المواقف، في الوقت الذي السعودية في المقابل، هناك نوع من الصمت السعودي في التعامل مع كل المواقف التي اتخذتها الرباط، سواء في ما يتعلق بالأزمة الخليجية، اليمن، وما إلى ذلك؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: لا نتحدّث عن البادئ والذي يردّ، في النهاية هناك جبل من التراكمات كما قلت.

 

وفاء العم: ولكنّه يحيل ذلك إلى تحوّل وتغيّر في السياسة المغربية بحكم التحالف مع الإسلاميين، وهذا أمر يعطي الموضوع منحى آخر.

 

محمّد شهاب الإدريسي: بالنسبة للإسلاميين، هو الموضوع ربما يعطى له خارجياً أكبر من حجمه، تمّ إشراك حزب العدالة والتنمية بحكم نتائج انتخابات بالتأكيد هي جاءت في إطار الربيع العربي الذي كان يضمّ مشروعاً أميركياً للرئيس الأميركي باراك أوباما لتمكين الإخوان المسلمين. في الحال المغربية، تمّ إشراك الإخوان المسلمين بحكم نتائج انتخابية، والآن أشير إلى الأستاذ خالد، أنّ حلفاءه في البحرين، آل خليفة، يضمّ تكتّلهم في الحكم الفرع البحريني لتنظيم الإخوان المسلمين. في المغرب، الأحوال المحلية والتي تتأثر بالتأكيد بالتطوّرات الإقليمية، حتّمت أن يتمّ إشراك العدالة والتنمية في إطار أغلبية نيابية، في إطار ائتلاف حاكم. تأثير العدالة والتنمية على السياسة الخارجية المغربية، لنعترف أنه تأثير في النهاية له محدّدات، وهو تأثير محدود، بالنهاية الملك المغربي والسلطة في المغرب هي التي تحدّد السياسة الخارجية، هي التي أقرّت بالانتفاضة الشعبية في القاهرة، وهي التي أرسلت رئيس الحكومة الإخواني عبد الإله بنقيران ليلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي، معترفاً به كأنه رئيس كامل الشرعية لجمهورية مصر العربية، برغم كل السيرة الإخوانية التي تتحدّث عن انقلاب وما شابه.

في النهاية، الملك المغربي هو الذي يحدّد السياسة الخارجية المغربية، وأعتقد أنّ السعوديين والإماراتيين يعرفون ذلك جيّداً، ما عدا إذا غضَضنا النظر عن بعض الإثارات التي مثلاً ألقاها قائد شرطة دبي الفريق ضاحي خلفان حين انتقد الأمر، لكن الموضوع هو موضوع في هذا السياق، تأثير حزب العدالة والتنمية هو تأثير محدود على السياسة الخارجية، ربما لا يتجاوز بعض الإثارات الإعلامية، حالياً الأجهزة الإعلامية، العدالة والتنمية تحاول أن تصبّ الزيت على النار في ما خصّ الخلاف السعودي المغربي، حتى تقوم بجرّ المزاج الشعبي المغربي لصالح قطر ولصالح تركيا ولصالح المشروع الإخواني الكبير في المنطقة. هذا الأمر ينبغي التأكيد عليه، وأعتقد أنّ حزب العدالة والتنمية في النهاية مساره هو مسار إلى انحسار، وربما في الدورة القادمة لن يكون هناك العدالة والتنمية في الصفوف الأولى في الحكومة المغربية. المسألة في هذا الجانب.

بالنسبة لمسألة أنّ المغرب هو الذي أثار، ويتحدّث الأستاذ خالد على أنّ المنصّات الإعلامية التي تحرّض وما شابه، أنا أعيد وأكرّر أنه إلى الآن، وكالة الأنباء الرسمية لم تشر إلى أيّ شيء يخصّ الخلاف المغربي السعودي، وأعتقد أنّه ينبغي علينا أن نكون صريحين وواضحين، لا قناة العربية تتحدّث بغير إملاءات الرياض وأبو ظبي، ولا قناة الجزيرة تتحدّث بغير إملاءات قطر، لا توجد هناك وسائل إعلام مستقلة تماماً، كما أن وسائل الإعلام المغربية أيضاً لا تتحرّك.

 

وفاء العم: ولكن إسمح لي أستاذ محمّد، هذا مثار تساؤل، أنا ما أسأل عنه وسألت الدكتور خالد، لماذا يأخذ المغرب هذه السلسلة من المواقف، في الوقت الذي السعودية تقابل فيه كل هذه المواقف بعدم الردّ؟ بمعنى أعلن المغرب عن انسحابه من التحالف في الحرب ضد اليمن، هذا واحد، وقف على الحياد ولم يقف مع المملكة العربية السعودية في ما يخصّ الأزمة الخليجية، لديه سلسلة من المواقف، خرج على قناة محسوبة على قطر، وأعلن منها موضوع وقف المشاركة في التحالف، وكأنّ هناك رسالة يريد إيصالها المغرب.

هل هناك تحوّل في السياسة المغربية من التحالف مع المملكة العربية السعودية إلى التحالف مع قطر ومع تركيا؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: أعتقد أنّ المغرب ليس في وارد التخلّي عن علاقاته التاريخية مع الرياض وأبو ظبي، بدليل أنه لم يشر إلى الآن إلى مسألة الخلاف، وقلت لك إنّ وزير الخارجية نفى أصلاً استدعاء السفير، ليؤكّد، لأنّ المطلوب أن تقوم الرياض بمبادرة، المبادرة التي كان يمكن أن تقوم بها الرياض، مثلاً في مسألة مقاطعة قطر، حينما طرح الملك المغربي وساطته، كان يمكن الردّ على هذه الوساطة، على طلب الوساطة، بطريقة أكثر دبلوماسية، نفس الطريقة التي تمّ على سبيل المثال الإجابة بها أمير دولة الكويت، الذي بالنهاية وساطته لم تصل إلى مكان، لكن جرى التعامل بإيجابية وجدّية مع هذه الوساطة، وتمّ استغلالها لكي يسلّم أمير الكويت المطالب الـ 13 الشهيرة من قطر، والتي تعنّتت الدوحة في قبولها.

 

وفاء العم: دكتور خالد، هل فعلاً تسعى الرياض إلى السيطرة على القرار المغربي، بمعنى أنها تتعامل مع المغرب من موقع التابع وليس من موقع الشريك، وهذا ربما ما يستفزّ الرياض؟

 

خالد باطرفي: بالعكس، المملكة العربية السعودية منذ قضية الصحراء وقبلها، كانت مواقفها مع المغرب مواقف الحليف الاستراتيجي. المملكة هي التي زوّدت المغرب بالسلاح، ووقفت معه سياسياً ودبلوماسياً، حتى استعاد الصحراء، وهي التي وقفت معه مؤخراً مع الأمم المتحدة، عندما أشير إلى أنّ المغرب يحتلّ الصحراء، مواقفها الرسمية لم تتغيّر أبداً، مواقفها الاقتصادية والمالية، الدعم للمغرب، شراكتها في رابطة العالم الإسلامي، وفي إنشاء مؤتمر منظمة العالم الإسلامي، كلّ الشراكات العربية والدولية، إلقاء الملك فهد رحمه الله لمبادرة فاس العربية من القضية الفلسطينية، اختار المغرب، كانت هناك علاقة قوية ووثيقة في السابق، وأرجو أن تستمرّ إلى اليوم، ولكن الذي يحدث الآن من حملات إعلامية لا يخدم أبداً، ثمّ القول بأنّ المغرب وقف موقف الحياد من قطر، من القضية القطرية، ليس صحيحاً، أن تأخذ موقف الحياد لا يعني أن ترسل طائرة محمّلة بالمواد الغذائية بدعوى أنّك تقدّم دعماً للشعب القطري الجائع، هذا عذر، كان موقفاً لا يدلّ على الرغبة حتى في الحياد، ولكن موقف لا يختلف أبداً عن موقف تركيا. لو كانوا التزموا بالحياد، لما كنّا تأثّرنا بشيء أو أثرنا شيئاً، وفي كل الأحوال، المملكة لم تحتجّ ولم تعلن ولم تعبّر عن شيء. أما أن يخرج رئيس الوزراء ووزير الخارجية في قناة الجزيرة تحديداً ليقول إنّ المغرب رفض زيارة الأمير محمّد بن سلمان له، أنا أعتقد، أنا كسعودي، وشعرت بأنه آن الأوان أن نخرج من سياسة الصمت هذه، وصلت المسألة إلى الإهانة الشخصية، والوقوف مع الجزيرة ومع خط قطر، المملكة لم تعلن أي رد، والغريب أنّهم الذين يفعلون الفعل وهم الذين يثيرون الزوابع. أنا لم أعلم عن رفضهم لزيارة الأمير محمّد بن سلمان إلا من رئيس الوزراء ومن وزير الخارجية.

 

وفاء العم: دكتور، ما حجم هذا الخلاف الآن، إذا ما أردنا تقييم العلاقة؟ ما حجم هذا الخلاف؟ هل هو توتّر؟ هل هي سحابة صيف، أم أنّ الموضوع قد يكبر لدرجة القطيعة بين البلدين؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: لا، لن يصل الأمر إلى هذا، العلاقات أقوى بكثير، ومهما حاول الحزبيون والإخوان في المغرب تثوير الشعب المغربي أو تغيير مسار العلاقة، وكما قال ضيفك الكريم، في النهاية البوصلة في يد الملك محمّد السادس، ونحن نثق في حكمته، ونثق أنه قادر في نهاية المطاف على تغيير هذا، والسياسيون يأتون ويذهبون، والانتخابات القادمة ربما تأتي بناس أعتد يقدّمون مصلحة الوطن ومصلحة المغرب على مصلحة الحزب وعلى الولاءات الخارجية لتركيا وقطر.

 

وفاء العم: إسمح لنا دكتور، واسمح لي أستاذ محمّد، أن نأخذ فاصلاً سريعاً ونناقش بعده ربما العلاقات السعودية المغربية على الصعيد أيضاً الاقتصادي، وتأثير ذلك على المستوى الاقتصادي.

مشاهدينا فاصل سريع، نعود بعده لمتابعة حوار الساعة. ابقوا معنا.

 

 

المحور الثاني

 

وفاء العم: أهلاً بكم من جديد إلى هذه الحلقة من حوار الساعة.

إسمحوا لنا أن نبدأ الجزء الثاني من الحلقة بما جاء في صحيفة رأي اليوم، الأزمة المغربية السعودية: نادي الملكيات العربية يتفسّخ، فرح مرقة.

 

رأي اليوم: الأزمة المغربية السعودية... نادي الملكيات العربية يتفسّخ، فرح مرقة

يتفكّك نادي الملكيات في العالم العربي بصورة قاسية، تزامناً مع مدٍّ وجزرٍ في موجات حراكاتٍ تُحاكي ما عُرِف بالربيع العربي.

آخر الملكيات المُنسلخة عن النادي، بدت المغربية التي لولا التصعيد الدبلوماسي الأخير لما كانت تمثّل استثناءً، فالمتتبّع للتفاصيل يدرك أنّ العلاقات جامدةٌ بين معظم الدول الخليجيّة، بالإضافة إلى الأردن والمغرب من جهة، وبين المملكة العربية السعودية من جهةٍ أخرى، باعتبارها صاحبة المبادرة أصلاً، إلا أنّ الرباط قد تختلف عنهم جميعاً بحكم الجغرافيا.

اختار المغرب التعامل بصورة قاسية مع ما كان يعتبره غروراً، ثم بات إساءةً للعلاقات معه، فبدأ حرباً دبلوماسية باستدعاء سفيره في الرياض ولاحقاً هناك أنباء عن استدعاء سفير أبو ظبي.

الجغرافيا في هذه الأزمة تخدم العاصمة المغربية، كما يخدمها ما اعتبره المراقبون في الشأن الدولي خطةً بديلةً ذكيّة سبقت فيها العاصمة المغربية كلّ العواصم التي ترغب في فرط ما تبقّى من عقد النادي الملكي. في هذا السياق، يتحدث الخبراء عن استثمار المغرب جهوداً كبيرةً خلال العامين الأخيرين في اكتساب حريته في الحركة من خلال تكريس عمقه الأفريقيّ من جهة، وعمقه الأوروبي من جهةٍ أخرى.

بهذه الصورة، أعدّت الرباط جيداً لمرحلةٍ تستطيع فيها الاستغناء عن العلاقات مع السعودية تحديداً وأبو ظبي ثانياً. في هذه الحال، خرج المغرب من النادي ولفترة يُعتقد أنها لن تكون قصيرة، خصوصاً وهو لا يكتفي بالرد على التصعيد بالتصعيد إعلامياً وسياسياً، بل ويوحي بأنّه انضمّ لحلف قطر، والتي سبقت أيضاً بالخروج من النادي بكل الأحوال، عبر إقصائها عنه.

 

وفاء العم: أسمع منك تعليقاً أستاذ محمّد على ما جاء في هذا المقال. هل فعلاً بدأت الملكيات في العالم العربي بالتفكّك؟ وهل فعلاً المغرب بدأ يبحث عن بدائل للخروج ربما من هذا التحالف بين الملكيات العربية ابتداءً من الخليج فالأردن فالمغرب؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: أعتقد المقال يحتوي على عدد من المُبالغات، بداية المغرب لم ينضمّ لحلف قطر ولا تركيا، هذا شيء مؤكّد، والمغرب لن يتخلّى عن علاقاته التاريخية لا مع الرياض ولا أبو ظبي، وإن تأمّل بعض المُتأمّلين ذلك. هذا الشيء بالتأكيد لن يقع. أما بالنسبة إلى أنّ المغرب ينوّع شراكاته، فهذا يعود إلى ثلاث سنوات على الأقلّ، حينما هدّدت واشنطن بالتصويت لغير صالح المغرب في قضية الصحراء، وقتها زار الملك في فترة قصيرة كلاً من موسكو وكلاً من بكين، وأصلح كثيراً من الأشياء التي أساءت لها الأزمة السورية، فقام بإصلاح علاقته مع العاصمتين، وأيضاً تمّ التوجّه إلى القارة الأفريقية في إطار استراتيجية اقتصادية تنوّع الشراكات. بالتالي، أعتقد أنّ السياسة المغربية تجاه دول الخليج ستبقى في طرف الرياض وأبو ظبي العاصمتين الأكثر قرباً إلى الرباط، بشرط أن تقوم الرياض وأبو ظبي تالياً ببعض المبادرات، المبادرات التي جزء منها شكليّ.

بالنسبة إلى ما أشار إليه الضيف الكريم حول مسألة زيارة الأمير محمّد بن سلمان، وزير الخارجية المغربي تحدّث عن مسألة التوقيت، وأعتقد أنّ هذا فُهِم خطأ. المغرب لم يرفض استقبال محمّد بن سلمان، بدليل أنّ الملك المغربي استقبل وزير الداخلية السعودية في يوم العاشر من أكتوبر، بعد أيام قليلة فقط من اندلاع أزمة خاشقجي. عندما لم يزر محمّد بن سلمان الرباط، السبب كان واضحاً وبسيطاً، أنّ الملك المغربي وقتها لم يكن في البلاد، ولا يوجد أحد نظيرٌ لوليّ العهد السعودي يمكن أن يستقبله بحكم حداثة سن وليّ العهد، في المغرب.

 

وفاء العم: ألم يُستخدَم ذلك كمبرّر أستاذ محمّد، حتى لا يتمّ استقبال وليّ العهد السعودي، بالتالي يستخدم هذا المبرّر لأسباب بروتوكولية؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: لو كان هناك موقف مغربي تجاه هذا الأمر، لامتنع الملك المغربي عن استقبال وزير الداخلية السعودي وهو أحد المقرّبين من وليّ العهد السعودي كما يعرف الضيف الكريم، وهو أحد أبناء عمومته، وهذا تمّ بعد أيام قليلة من اندلاع أزمة خاشقجي. بالتالي هذه المسألة في حاجة إلى بعض التدقيق، وهنا لا يمكن نفي أنّ وزير الخارجية المغربي ربما في اختياره لقناة الجزيرة القطرية حتى يعطي تصريحه، ربما جانَبَ الصواب، وربما كانت تعبيراته بعيدة عن مراميها.

 

وفاء العم: ولكنّها تحمل في طيّاتها رسائل. سأعود إليك أستاذ محمّد.

دكتور خالد، قطر بمجرّد ما بدأ التوتّر ربما في العلاقة بين المملكة العربية السعودية والمغرب، يخرج إلى السطح بشكل أكبر ربما، وكالة الأنباء القطرية قالت بأنّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وقّع مرسوماً يقضي بالتصديق على مذكرة للتفاهم في المجال الفلاحي مع دولة قطر والحكومة المغربية، وتمّ توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية.

ألا تخشى السعودية من خسارة المغرب؟

 

خالد باطرفي: هنا عندنا مصالح تجارية واقتصادية أكبر مع المغرب، ولا يمنع أن ينوّع المغرب شراكاته التجارية والاقتصادية مع كل العالم، سواء مع أفريقيا أو مع قطر أو مع الصين أو مع روسيا، نحن نفعل ذلك ولا نستنكره على أحد، ليست هذه القضية.

 

وفاء العم: ألا تتحسّس السعودية من الانفتاح على قطر دكتور؟

 

خالد باطرفي: الانفتاح الاقتصادي والتجاري مشروع، ولكن الرسائل السياسية التي أشرتم إليها هي المستغربة. نحن سكتنا على كثير من الأمور، لكن أن يخرجوا هم ويعلنوها على الملأ، ومن قناة الجزيرة، وإيحاءات، والهجوم الإعلامي في المغرب على المملكة العربية السعودية، غير مسبوق من أيّة دولة ما عدا قطر. تعاطف هذه الوسائل الإعلامية المحسوبة على العدالة والتنمية مع قطر، ومع تركيا، ومع الإخوان، وضدّ السعودية والإمارات، أمرٌ غير مسبوق وغير مقبول من دولة حليفة، وفي المقابل، مجرّد تقرير، وثائقي يصدر في العربية يثير كل هذا الغضب وسحب السفير. إذا كانت لديكم هذه الحساسية العالية، فينبغي أن تبدأوا بأنفسكم، وتراعوا الآخرين كي يراعيكم الآخرون.

 

وفاء العم: ذكرت في أكثر من مداخلة دكتور، بأنّ المملكة العربية السعودية ما زالت صامتة، تتعاطى بهدوء مع المواقف المغربية. ألا تخاطر المغرب بمصالحها الاقتصادية بسبب هذه المواقف أو ما يقوله الدكتور خالد؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: بالتأكيد المغرب يريد الحفاظ على مصالحه الاقتصادية، لكن مسألة الصحراء هي ذات حساسية كبيرة. قضية الصحراء بالنسبة للمغرب ليست قضية إقليم ربما ينفصل عن السيادة المغربية، هي المائز بين أن يبقى المغرب دولة إقليمية مهمة، وبين أن يتحوّل إلى دولة محاصَرة، دولة محصورة في الطرف الغربي للقارة الأفريقية، هذا هو المائز بين الشيئين. المغرب دولة أمّة تاريخها 12 قرناً، يحافظ على وجوده وعلى امتداده في هذه المساحة الجغرافية الكبيرة، يحافظ على كينونته الجغرافية وعلى دوره الجيو استراتيجي الذي ربما يفوق حجمه الفعلي. من هنا تأتي الحساسية الكبيرة لقضية الصحراء، وهذا ربما الذي لا يستوعبه الخليجيون.

 

وفاء العم: لكن قضية الصحراء أستاذ محمّد، جاءت لاحقاً. كلّ التوتّرات والتراكمات التي كنّا نتحدّث عنها قبل قليل، كانت في جهة، وموضوع الصحراء جاء في وقت متأخّر.

 

محمّد شهاب الإدريسي: نعم، هو جاء في وقت متأخّر، لكنّه بمثابة النقطة أو القطرة التي أفاضت الكأس. اللعب بهذا الموضوع بالنسبة للمغرب هو مسألة حسّاسة جداً، ويمكن طرح كثير من الأمثلة حول ذلك. المغرب راجع علاقاته حتى مع الولايات المتحدة وألغى مناورات عسكرية كانت مقرّرة مع واشنطن، لهذا السبب. في النهاية، أعتقد أنه يمكن النظر إلى المسألة من منظور أوسع، ربما المطلوب سعودياً أن تقرأ الرياض بشكل واضح موازين الإقليم في المنطقة، أن تتعامل مع الدول العربية الكبيرة بما يليق فيها، ليست كل الدول العربية يمكن أن تُعامَل كما تُعامَل عمّان والخرطوم، هناك دول عربية كبيرة لها وجودها ولها أوراقها الكثيرة، وينبغي التعامل مع هذا الأساس.

 

وفاء العم: تتحدّث عن ندّية في العلاقة.

 

محمّد شهاب الإدريسي: نتحدّث عن ندّية في العلاقة، أتحدّث أيضاً عن نقاط الأزمة، المملكة العربية السعودية غيّرت سياستها حيال سوريا وهذا شيء إيجابي، قامت بتسليم مجموعة كبيرة من الجماعات المسلحة التي كانت تدعمها، وعقدت هناك مصالحات وطنية داخل سوريا بوساطة مصرية أنهت الغطاء السعودي الذي كان موجوداً على بعض المجموعات المسلحة التي جرى إما قضمها أو تفكيكها أو تسليم سلاحها من خلال المصالحات. المطلوب من السعودية حالياً، أن تعيد النظر حتى في الأزمة اليمنية، وأنه آن الأوان لأن تغيّر موقفها من الحرب على اليمن، وأن تنسحب هي قبل أن تفرض عليها الظروف الدولية ذلك. هذا هو المهمّ، ومن خلال هذه المسائل، مواضيع الخلاف بشكل طبيعي تنتفي من أساسها.

 

وفاء العم: دكتور خالد، فعلاً ربما النقطة التي ذكرها الأستاذ محمّد هي حَرِية بالسؤال. هل فعلاً المملكة العربية السعودية بحاجة إلى أن تفهم موازين القوى في المنطقة، ألا تتعامل مع الكثير من الدول بمنطق التبعية كما كنّا نقول قبل قليل؟ أولاً المغرب انسحب من التحالف في اليمن، السودان أيضاً عبّر عن ذلك، قطر أخرِجت من التحالف. ألا تخسر الرياض تحالفاتها التاريخية، شركاءها في المنطقة، بسبب هذا التعاطي مع هذه الدول، أو هذه الطريقة في التعاطي معها؟

 

خالد باطرفي: بالعكس، هذا الكلام الذي سمعته الآن يجعلني أسأل من الذي يحاول الإملاء على الآخر؟ نحن لا نُملي على المغرب كيف تتعامل مع قضية الصحراء، ولا نتوقع أن يحاول المغرب أن يُملي علينا كيف نتعامل في قضية اليمن، أن يشترط الأخوة في المغرب عودة العلاقات بتغيير مواقفنا في اليمن أمر غريب، هذا يعني أنّ هؤلاء الحزبيين يعتقدون أنّ السعودية تابعة لهم، والحديث عن عمّان والخرطوم بأنّهم أقلّ قدراً ومكانة من المغرب أيضاً مرفوض. الأخ محمّد، أعتقد أنّ هذا خطأ غير مقصود، المملكة تتعامل مع كل هذه الدول، مع دولة صغيرة كقطر، في مجلس التعاون الخليجي، لها نفس الصوت الذي للمملكة العربية السعودية، وللإمارات، هي التي اختارت الاستعانة بإيران وتركيا وكأنما لم يكفها التعاون مع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي.

 

وفاء العم: حتى يكون سؤالي أوضح دكتور.

 

خالد باطرفي: البحرين لها نفس الصوت ولها نفس الثقل في مجلس التعاون الخليجي، فالمملكة، أن يقال إنها تتعامل مع الآخرين بتبعية، حقيقة يقال أكثر عن السياسة المغربية اليوم التي تحاول أن تفرض على الآخرين مسارات مصالحهم وعلاقاتهم ومواقفهم السياسية.

 

وفاء العم: دكتور، حتى يُفهَم سؤالي في مكانه الصحيح، اليوم، السعودية في حرب مع اليمن، في توتّر في العلاقة مع المغرب، في فتور في العلاقة مع الأردن، في قطيعة مع قطر. هذا ألا يدفع بالمملكة إلى أن تعيد قراءة سياستها في المنطقة؟ لم يسبق في تاريخ المملكة العربية السعودية أن كان هناك توتّر في العلاقات مع الدول العربية بهذا الشكل ودول حليفة.

 

خالد باطرفي: دعيني أصحّح لك. نحن لسنا في حال حرب مع اليمن، نحن في حال حرب مع اليمن ضدّ الميليشيات الانقلابية، نحن في حال حرب مع الحكومة الشرعية.

 

وفاء العم: ولكن في حال حرب دكتور، بغضّ النظر مع أيّ طرف، وأيّ طرف مع مَن أو ضد مَن، هناك حرب في اليمن، بغضّ النظر مع مَن أو ضد مَن، دكتور، أنا أتحدّث هناك حرب في اليمن، هناك طرف تحاربونه في اليمن، هناك قطيعة مع قطر، توتّر مع المغرب، برودة في العلاقة مع الأردن. هذا ما أسأل عنه.

 

خالد باطرفي: أنا أصحّح لك كلامك واحدة واحدة، ليس هناك توتّر في العلاقة مع الأردن.

 

وفاء العم: لم أقل توتّراً، قلت فتوراً.

 

خالد باطرفي: ولا حتى فتور، العلاقة مع الأردن في أفضل حالاتها، والمملكة وعدد من الدول الخليجية قدّموا مؤخّراً عشرة مليار دولار للأردن دعماً له في الظروف الاقتصادية الأخيرة، نحن في أفضل ظروفنا وعلاقاتنا وتنسيقنا مع الأردن، ليس هناك أيّ خلاف. مع قطر، هي التي اختارت هذا المسار، وهي تستطيع أن تعود، إذا التزمت الشروط التي وضعتها هذه الدول. أما المملكة فهي لم تكن في حال حرب أبداً، في أكثر من حال حرب، كانت في حال حرب مع سوريا ومع الأردن ومع مصر ضدّ إسرائيل، كانت في حال حرب لإنقاذ الكويت من الاحتلال العراقي، كانت دائماً تمارس حقّها في الدفاع عن أمنها والدفاع عن مصالح أشقائها في كل مكان، ودائماً كانت هناك أحياناً خلافات، كانت خلافات مع مصر في عهد عبد الناصر امتدّت فترة طويلة، وقبلها مع الملك فؤاد، وقبلها مع دول أخرى، ربما في سوريا، البعث في سوريا، البعث في العراق، عندما تقول بأنّ السعودية كانت دائماً على علاقات جيدة، معناه أنّ ليس لديها مصالح تدافع عنها، أو ترفض الدفاع عن مصالحها، عندما تُمَسّ هذه المصالح الأمنية العربية أو الأمنية السعودية، السعودية كانت دائماً تأخذ موقف مَن يدافع عن حقه ومَن يدافع عن مصالحه.

 

وفاء العم: أسمع منك تعليقاً أستاذ محمّد.

 

محمّد شهاب الإدريسي: الأستاذ خالد يتحدّث بدبلوماسية، بالنسبة إلى أنّ الرياض لا تُملي على بعض العواصم العربية الصغيرة، هذا الشيء خلاف الواقع، كلنا نعرف النفوذ الذي يملكه السعوديون في البحرين، لا ننسى أنّ البرلمان الباكستاني أقرّ قانوناً بالإجماع ليقرّ الحياد الباكستاني في حرب اليمن، ومع ذلك اللواء، أعتقد ما زال في السجن، اللواء عسيري، كان يخرج بما يسمّى التحالف العشري، وكان يتحدّى باكستان ويضع العَلَم الباكستاني خلفه. حرب اليمن تحديداً إنما أعلن عنها السفير السعودي في واشنطن، والدول العربية لم تشارك في النقاش حول أهداف الحرب واستدعيت إلى الحرب من خلال النفوذ السعودي الموجود عليها.

السعودية في النهاية دولة كبيرة، عندها النفط، عندها المقدرات المالية، عندها الدبلوماسية الخضراء، باعتبارها راعية المقدّسات الإسلامية في مكّة والمدينة، هي تحكم جزيرة العرب، هذا بالتأكيد واقع، وهذه أوراق في يد السعودية، لكن المملكة تعاني أيضاً مشاكل ديموغرافية كبيرة، وهناك دول عربية ودول في الإقليم لديها مكانتها ولديها أوراقها تحتاج إلى بعض التواضع، تحتاج إلى أن تقرأ موازين القوى وأن تعيد النظر في مختلف الأزمات.

الضيف الكريم أشار إلى مقارنة بين اليمن والصحراء. الصحراء بالنسبة للمغرب هي جزءٌ من أراضيه استرجعها من الاستعمار الإسباني. بالنسبة لليمن، هي دولة أخرى ودولة مستقلة، سواء ما يجري في اليمن كان انقلاباً أو عملاً للميليشيات أو ليصفه الضيف الكريم والسعوديون كما يشاؤون، لكن في النهاية، لو كان هؤلاء ثلّة من القلّة لما استمرّت الحرب كلّ هذه السنوات، ولم تستطع السعودية ولا تحالفها أن يسيطر لا على اليمن ولا على ميناء الحديدة ولا كل الوعود التي قدّمتها بأنها ستُسقِط صنعاء، لو كان هناك قلّة قليلة في اليمن. مع ذلك، نقول إن هذا شأن داخلي يمني، أن ينقلب اليمنيون على رئيسهم، سواء كان رئيساً شرعياً أو مستقيلاً، هذا شأن داخلي يمني، كما أنّ مسألة الترتيبات داخل الرياض بين الأمير محمّد بن سلمان وبين أبناء عمومته، هذا شأن داخلي سعودي، ينبغي احترام المسار السعودي في حال ما توجّه إلى الأمير محمّد بن سلمان، هذه مسألة داخلية سعودية، لا يجوز لأحد أن يتدخّل فيها، وكذلك الأمر في اليمن.

 

وفاء العم: كيف سيتمّ احتواء هذه الأزمة؟ هذا التوتّر في العلاقة بين المغرب والسعودية كيف برأيك سيتمّ احتواؤه؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: أعتقد أنّ المسائل مع كل التراكمات بحاجة إلى موقف سعودي يعيد النظر في المسائل.

 

وفاء العم: إذاً الكرة في ملعب السعودية؟

 

محمّد شهاب الإدريسي: بالتأكيد، أن ينظر إلى الوقائع كما هي، وأن يتجاوز بعض الكليشيهات التي تُطرَح من قبيل أنّ قناة العربية هي قناة مستقلة وقناة خاصة، وتعطي رأيها بشكل لا يعبّر عن رأي ما داخل السعودية، حينما يقف الجميع حول الطاولة ويضع الجميع أوراقه، أعتقد مسائل سوء التفاهمات هذه قابلة للحلّ، خصوصاً أنّ المغرب مصرّ على متانة العلاقات التاريخية مع الرياض وأبو ظبي، وأعتقد أنّ مصلحة الرياض أيضاً في أن لا تدع مجالاً لمَن يريد أن يلعب على طور هذه العلاقة لصالح محاور أخرى.

 

وفاء العم: أسمع منك تعليقاً دكتور خالد، كيف سيتمّ احتواء الأزمة؟ هل الكرة فعلاً في ملعب الرياض؟

 

خالد باطرفي: ليست في ملعب الرياض، كل ما تسمعينه من حملات إعلامية، وحتى التقرير الذي نشر في العربية تقرير محايد، وثائقي، أخذ كل الآراء.

 

وفاء العم: بغض النظر عن حيادية التقرير دكتور، كيف سيتمّ احتواء الأزمة؟ ما الخطوات التي ستقوم بها المملكة العربية السعودية، أو هل ستقوم المملكة العربية السعودية بخطوات لاحتواء هذه المشكلة مع المغرب؟

 

خالد باطرفي: هل أعلن المغرب مثلاً عن قائمة شروط لاسترضائه، لكي يدفع الأذى الإعلامي عن السعودية، حتى نناقش فيها؟ ماذا يريد المغرب؟ نحن لا نعرف. أنا شخصياً لا أعرف ماذا يريد المغرب من كلّ هذا، أنت طرحتها في سؤال في بداية الحلقة، وأنا لم أستطع أن أجيب غير أن هذا هو التوجّه الإخواني في كلّ مكان، هو الإساءة للعلاقات البينية بين الدول العربية واستثمارها لمصالحهم الحزبية الضيّقة. أنا لا أرى مصلحة للمغرب في هذا التصعيد الإعلامي، وأرى أنّ حكمة السعودية أثبتت جدواها في كل الظروف أمام الحملات الدائمة، ودائماً كانت السعودية موقفها هو التحمّل أمام الحملات التركية، الحملات القطرية، الحملات المغربية. ماذا نفعل؟ قدر الكبار أن يتحمّلوا الصغار.

 

وفاء العم: وصلنا ربما إلى ختام هذه الحلقة. أشكرك كل الشكر دكتور خالد باطرفي الإعلامي والأكاديمي السعودي، كنت معنا من الرياض. الشكر موصول لك أستاذ محمّد شهاب الإدريسي المدير التنفيذي لمعهد الدراسات المستقبلية، على تواجدك معنا في استوديو حوار الساعة.

 

محمّد شهاب الإدريسي: أهلاً وسهلاً.

 

وفاء العم: كلّ الشكر موصول لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة. نلقاكم بإذن الله تعالى في حلقات قادمة. إلى اللقاء.