أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الإسلام ومكافحة الفساد

إن تمسك الحكام بالسلطة يجعلهم يعملون على نشر الفساد في أركان ومؤسسات الدولة حتى يقيدوا الناس بقيود من الفساد فلا يطالب الناس بحقهم في حياة كريمة وحريتهم وحقوقهم الأخرى المشروعة, ويكثر الفساد عندما يشعر الناس أن القانون لا يطبق إلا على البسطاء منهم, بينما كبار الفاسدين لا يقترب أحد منهم وهم فوق القانون. إنّ الآثار المدمّرة والنتائج السلبية لتفشّي الفساد الرسمي والعام والمجتمعي تفضي إلى نهاية الدول وموت المؤسسات, وتتسع دائرة الإنهيار عندما لا يحاسب الفاسدين ويزدادون قوة وبطشا وتحصنا بالدولة ورجالها... فأين الحكام العدول المنصفون الذين يتمتعون بسلامة الفطرة ونظافة الكف, ومما قاله الشيخ محمد متولي الشعراوي: الثائر الحق هو من يثور لهدم الفساد، ثم يهدأ لبناء الأمجاد.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنّة مثواكم.

الفساد والفرق بين الإفساد والظلم، الفساد مصدر فَسَد يفسُد فساداً، وهو ضدّ الإصلاح. قال الليث "الفساد نقيض الإصلاح"، وقال الراغب الفساد خروج الشيء عن الاعتدال سواء كان الخروج عليه قليلاً أو كثيراً، وكل اعتداء على الدين أو العقل أو المال أو العرض أو النفس فهو إفساد.

والإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة، بل إن الفاسدين يدعمون الإرهاب لإدامة عُمر الأزمة ليحققوا أكبر ربح ممكن. نعم، نعم، ثمّ نعم، الفساد كالإرهاب يدمّر الدول والمجتمعات ويجعل الأشرار يُديرون مقاليد الأمور ويسرقون أقوات الناس وخيراتهم، وبكلّ الوسائل غير الشرعية وباللجوء إلى الحِيَل والمُكر والنفوذ. والفساد يتأتّى من خلال استعمال السلطة العامة والنفوذ أو الوظيفة العامة في تحقيق كسبٍ خاص.

وفي معجم "أوكسفورد" الإنكليزي، يُعرَّف الفساد بأنّه انحراف في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمُحاباة. وتُعرِّفه منظمة الشفافية الدولية بأنه كل عمل يتضمّن سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة ذاتية لنفسه أو جماعته. أما في القرآن الكريم، فقد وردت كلمة الفساد ومشتقّاتها عشرات المرّات، ومفردة فساد وما يُشتَقّ منها جاءت بأساليب مختلفة متكرّرة ما يدلّ على الكراهية للفساد.

الله سبحانه وتعالى لا يحب الفساد ولا يصلح عمل المُفسدين، وهو ما يؤكّد لنا أنّ الفساد بكل مضامينه وأشكاله منبوذٌ تماماً في الإسلام. ومن الآيات التي وردت في القرآن على سبيل الحصر "وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" في سورة القصص، "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ" في سورة الروم، "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ" في سورة البقرة. وورد في سورة الفجر "فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ". طبعاً هنالك آيات كثيرة لا يسعنا المجال لذِكرها.

إن تمسّك الحُكّام بالسلطة يجعلهم يعملون على نشر الفساد في أركان ومؤسّسات الدولة حتى يُقيِّدوا الناس بقيود من الفساد، فلا يطالبوا الناس بحقهم في حياةٍ كريمة وحريتهم وحقوقهم الأخرى المشروعة. ويكثر الفساد عندما يشعر الناس أنّ القانون لا يُطبَّق إلا على البُسطاء منهم، بينما كبار الفاسدين لا يقترب أحدٌ منهم وهم فوق القانون.

إنّ الآثار المُدمّرة والنتائج السلبية لتفشيّ الفساد الرسمي والعام والمجتمعي تُفضي إلى نهاية الدول وموت المؤسّسات، وتتّسع دائرة الانهيار عندما لا يُحاسَب الفاسدون ويزدادون قوّةً وبطشاً وتحصّناً بالدولة ورجالها. فهذا عليٌ إبن أبي طالب وبَّخ أحد عماله على البصرة وهو عثمان إبن حنيفة الأنصاري لأنه لبَّى دعوة أثرياء مدينته لموائد الطعام من دون الفقراء.

فأين الحُكّام العدول المنصفون الذين يتمتّعون بسلامة الفطرة، ونظافة الكفّ، ومما قاله الشيخ محمّد متولي الشعراوي، "الثائر الحق هو من يثور لهدم الفساد ثم يهدا لبناء الأمجاد"؟

الإسلام ومحاربة الفساد عنوان برنامج أ ل م ويشاركنا في النقاش الشيخ الفاضل بلال شعبان الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي، ومن الجزائر الحبيبة الدكتور عبد القادر تومي أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة الجزائر.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

"الفساد الإداري في العالم العربي: مفهومه وأبعاده المختلفة" الدكتور محمّد صادق إسماعيل:

الفساد الإداري، ظاهرة الفساد ظاهرة قديمة قِدَم المجتمعات الإنسانية، وقد ارتبطت هذه الظاهرة بوجود الأنظمة السياسية والتنظيم السياسي، وهي ظاهرة لا تقتصر على شعب من دون آخر أو دولة أو ثقافة من دون أخرى، ولكن تتفاوت ظاهرة الفساد من حيث الحجم والدرجة بين مجتمع وآخر.

إن ظاهرة الفساد الإداري تُعدّ من أخطر الظواهر التي تواجه البلدان ولا سيما الدول النامية والتي يترتّب عليها شللٌ في عملية البناء والتنمية الاقتصادية بما تنطوي عليه من تدمير الاقتصاد والقدرة المالية والإدارية، وهو ما يؤدّي إلى عجز الدولة في مواجهة تحديات الإعمار والبنى التحتية اللازمة لذلك.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ بلال حيّاك الله وبيّاك وجعل الجنة مثواك.

 

بلال شعبان: وإيّاكم إن شاء الله.

 

يحيى أبو زكريا: عندما نتحدّث عن الفساد، الكثير يخاف أن يدنو من هذه الدائرة النارية للأسف الشديد، لِمَ؟ لأن الفساد عام، دولنا فاسدة، مجتمعاتنا يسودها الفساد، ولا تعرف من أين تبدأ في الإصلاح.

لماذا في كلّ مرّة تتحدّث الإحصاءات والتقارير عن الدول الإسلامية التي تأتي في صدارة الدول الفاسدة، لماذا الفساد في جغرافيا الإسلام؟

 

بلال شعبان: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. تحية لكم، تحية للدكتور عبد القادر تومي، تحيّة للأخوة المشاهدين الكرام.

مشروع الفساد هو مشروع ضد مشروع الدين. الله عزّ وجلّ عندما أرسل الرسل والأنبياء من أجل إسعاد الإنسان وتقويم حياة الإنسان، من أجل أن يكون من أهل السعادة في الحال وفي المآل، وإقامة العدل ورفض الظلم ومواجهة مشروع الفساد هي غايةٌ أساسيّة من غايات الرسُل والأنبياء. ولكن عندما لا يحكم شرع الله سبحانه وتعالى، ولا يكون هناك أيّ نوعٍ من أنواع التصويب والتصحيح، وتغيب الرقابة عن السلطات، الرقابة هي إذا لم تقل أمُتي للظالم يا ظالم فقد تودع منها، عندما يترك الشعب دور رقابته للسلطة ويقف فرعون ويتفرعَن ويأكل ويشرب ثمّ بعد ذلك يجد التصفيق ويجد الهتاف ويجد كل ذلك، يتمادى في غيّه ليصل إلى مرحلة يقول "أنا ربّكم الأعلى"، إذ ذاك تتدخّل الإرادة الإلهية، فيأتي قول الله وأمر الله "فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ".

لذلك غياب الرقابة الشعبية المتمثّلة بالرقابة البرلمانية حالياً وبرجال الدين وبرجال الإعلام هو الذي يوصل البلاد إلى ما وصلت إليه. اليوم عندما تقرأ بمنظمة الشفافية الدولية وهي تتحدّث عن صدارة الدول المُفسدة تجد دولنا العربية والإسلامية تصل إلى مرتبة 117، 144، 107، 97، في بلاد ليست فقيرة وليست متصحّرة، في بلاد أنعم الله عليها بالمناخ، الشمس، الفصول الأربعة، بالمياه، دجلة، الفرات، النيل، بالنفط، أكبر مخزون نفطي موجود في هذه البلاد. ثم بعد ذلك لا تجد الفقر إلا في هذه البلاد ولا تجد الأميّة والبطالة إلا في هذه البلاد ولا تجد التضييق ومنع النُطق بقول كلمة الحق، لا تجدها إلا في هذه البلاد، فاعلم أنّ الشعب قد ترك وظيفته في التصويب.

أمير المؤمنين عُمر رضيَ الله عنه يقول مَن منكم يرى فيّ إعوجاجاً فليقوّمه، قالوا له لو رأينا فيك إعوجاجاً لقوّمناه بحد سيوفنا. هذه دكتور تعتبر دعوة للتمرّد العسكري تقتضي في عصرنا الحالي وجود المخابرات الجوية والأرضية والسماوية لمعاقبته لأنه يهدّد بالتمرّد المسلّح على رأس الدولة. أجاب عُمر الحمد لله الذي جعل في أمّة محمّد مَن يقوّم عُمر إذا اعوّج. اليوم غياب كل هذه الرقابة.

 

يحيى أبو زكريا: هكذا كان الرعيل الأول للإسلام.

 

بلال شعبان: كل الرعيل الأول كان في هذا التوجّه، وكان يستفيد من أجل التصحيح، كان يوجد بما يسمّى التصحيح الآلي، لأن أيّ حاكِم من الحكّام عندما كان يقف ليتحدّث في صدر الإسلام، عندما يتحدّث خارج النصّ يقف مَن يقوّمه، يقف ليجد مَن يقوّمه فيقول له، عجوز تقف أمام عُمر رضيَ الله عنه وقد تغالى الناس في عصر التابعين بالمهور، فقال ويلٌ للتي يزيد مهرها عن مهر بنت رسول الله، عن مهر الزهراء رضيَ الله عنها.

فقامت عجوز يئست من الزواج من آخر المسجد، قالت أيعطينا الله وتمنعنا يا عُمَر، قال وكيف ذلك يا أمَة الله، قالت أما سمعت قول الله عزّ وجلّ "وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً"، فوقف عُمر لبرهة وقال أخطأ عمر وأصابت العجوز ثم عاد بعد ذلك ليقوّم سلوكه ومساره.

هل نجد مثل هذه الأمور في عصرنا الحالي؟ اليوم بكل أسف، السلطة الرابعة ورجال الدين ورجال الإعلام والبرلمانيون.

 

يحيى أبو زكريا: ولو كانت هذه الأمور موجودة لما ازدحمت السجون بالنُزلاء. اسأل عن السجون العربية، ستجد فيها مئات آلاف قائلي الحق الذين يؤخَذون عنوة إلى المعتقلات بسبب إشكالهم على فاسد هنا وفاسد هناك.

إذا سمحت سأكمل الفكرة معك لكن نسمع رأي الدكتور عبد القادر.

دكتور عبد القادر، استمعت إلى ما قاله فضيلة الشيخ بلال شعبان من أنّ الدور الجماهيري غائبٌ بالكامل، وأن الناس لا يُشكِلون، يرون الفاسد، صانع القرار الفاسد ينهب، يسرق، وربما يتكلّم بلغة الملائكة عن الفساد ويتّهم المُفسدين وهو منهم.

في نظرك، إسلامياً، ما هي عوامل انتشار الفساد في البلاد العربية والإسلامية؟

 

عبد القادر تومي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. أحيّيك دكتور يحيى وأحيّي من خلالك الأستاذ شعبان، وأثمّن على ما جاء في قوله.

وبداية، إجابة عن سؤالكم هذا، الأسباب الحقيقية لانتشار الفساد في البلاد الإسلامية هي متعدّدة، بعضها قد نقول إنّه محلّي، يبدأ من أن مثلما قلت، الفساد أصبح ثقافة، أصبح شيئاً مشتركاً بين الناس جميعاً، بحيث أن الأنظمة لمّا تكون فاسدة تحاول أن تديره وتنتجه وتجعله مستمراً من أعلى الهرم إلى كل المفاصل، وبهذا ستكون قد جعلته مشتركاً لكي لا يجرؤ الصغير على أن يحاسب الكبير، أو تجعلهم يمارسون شكلاً من أشكال الفساد حتى يصبح الأمر عاماً ويصبح هيّناً، وأصبح لا يسأل أحد عن فعل الآخر.

ثم أنّ هناك أدواراً أخرى يقوم بها المثقفون، يقوم بها الإعلاميون، على أساس أن الفساد لا يمكن أن ينتشر هذا الانتشار الواسع في بلادنا العربية الإسلامية لو لم توجد ما نسمّيها بالميليشيات المثقّفة، وحتى بعض الإعلاميين الذين لديهم مصالح وراء هؤلاء الفاسدين، يحاولون أن يكرّسوا هذا الفَهم. وطبعاً في غياب أية رقابة وأية جهة تُقاضي أو تحاكِم هؤلاء، يستشري الفساد في المجتمعات حتى يصبح ظاهرة وليس استثناء.

ومن عوامل ومن صوَر انتشاره أنه ينتشر أفقياً، أنه لا يخصّ قطاعاً من القطاعات فقط، بل يصل إلى كلّ القطاعات، حتى قطاع الشؤون الدينية مثلاً قد وصله الفساد إلى درجة كبيرة، هذا على سبيل المثال. يعمّ طبعاً، هو ينتقل من الاقتصاد وبطريقة مباشرة يصل إلى السياسة وينخر المجتمع والثقافة والأخلاق إلى غير ذلك، إلى أن بلغ الفساد كل القطاعات، حتى الصغير في مؤسّسته يمكن أن يكون فاسداً، الأب في الأسرة حتى هذا الأمر عندما يجد الأولاد الأب يؤمن بالفساد نظراً لانتشاريّته بهذه الطريقة، فالكل يشارك فيه ويصبح مشتركاً عاماً.

الأمر الذي وددتُ أن أقوله، هو أنّ الفساد عندما يبدأ بالرأس، في انتقاله إلى جميع الأطراف، إلى غاية الذيل، وهنا تحضرني قصة ذلك، أحد المشاهد التي يخرج فيها المخرج ويبرز قضية ما تفيد بأنّ أحد المشترين أراد أن يشتري سمكةً، فأراد أن يعرف إن وصلت النتانة والعفن إلى كلّ الجسم أم لا، فشمّها من ذيلها، فردّ عليه البائع وقال له يا هذا، إنّ الفساد لا يبدأ من الذيل. قال له سيّدي أنا أعلم ذلك، وإنما أردت أن أعرف إذا كانت العفونة قد بلغت الذيل. هذا في مجتمعاتنا، بلغ، استشرى الفساد إلى درجة كبيرة، والأسباب في هذا كثيرة، بعضها قد يخصّنا نحن، لأن قبل أن نُسهم أو نُرجِع السبب إلى الخارج والعولَمة وبعض الجوانب الإقليمية وكلها تؤثّر في ذلك طبعاً، لأن الغرب مثلاً لا يريد أن تستقرّ بلداننا.

لذلك مثلا فالفساد ينخر المجتمع، وعندما ينخر المجتمع تتوتّر شرائح المجتمع، وعندما تتوتّر يكون اللا استقرار، وعندما يكون اللا استقرار في أمّة ما النظام السياسي يتأهّب لهذا الأمر، وبالتالي يغفل كل المجالات، يغفل التنمية ويغفل مجالات أخرى يمكنها أن تُصلح الأمر. لذلك فتعميم الفساد وجعله ثقافة عامة هو المًبرّر الذي جعل صعوبة الإصلاح ظاهرة للعيان.

 

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور عبد القادر، أرجو أن تبقى معي رجاء.

أشار الدكتور عبد القادر شيخنا الفاضل بلال، إلى مسالة صُنّاع القرار الفاسدين. دعنا نبدأ من هذه النقطة قبل أن نذهب إلى الفساد الأفقي في القطاعات الأخرى.

عادةً في العالم العربيّ، لا يُعرَف دَخْل السيّد الرئيس. مثلاً في أوروبا، أنا أعطيك الآن قائمة بدَخْل رئيس الحكومة السويدية، رئيس الحكومة الدنماركية، رئيسة ألمانيا، الحكومة الألمانية، دَخْل الرئيس معروف، إلا في العالم العربي، لا يُعرَف كم هو دَخْل السيّد الرئيس. أيضاً كل المحيطين بالسيّد الرئيس إما تجّار أو وكلاء شركات عالمية أو يحتكرون التجارة الخارجية بشكل فظيع، ولا أحد يجرؤ أن يتحدّث عنهم.

إذا تحدّث الصحافي، ونحن لدينا الكثير من الزملاء الذين قُطّعت ألسنتهم، الذين سُجِنوا، الذين قُتِلوا، الذين نُفوا، بمجرّد أن قالوا أقرباء السيّد الرئيس يسرقون.

كيف نقول للسيّد الرئيس اتّق الله في هذه الأمّة؟

 

بلال شعبان: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول "سيّد الشهداء حمزة إبن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائِر فأمره ونهاهه فقتله"، هذه المرتبة والصَدح بقول كلمة الحق تجعل الإنسان ومن صَدح بقول الحق هو بمرتبة سيّد الشهداء.

سيّدي الكريم، السلطة هي نابعة من وسط البيئة الشعبية بين قوسين الفاسدة، مثلما تكونوا يولّى عليكم، عندما يكون هناك، بكل أسف أتحدّث، شراكة أو مُساكنة غير شرعية بين الصحافة وبين السياسة، وبين رجال الدين وبين البرلمانيين، عندما يكون هناك اختلاط على شاكِلة ما يجري في لبنان مثلاً، أنا أضرب مثل لبنان حتى لا أخرج إلى خارج القُطر.

عندما تكون السلطة التشريعية هي نفسها السلطة التنفيذية هي نفسها السلطة القضائية، فهذا يفعل الأفاعيل، ثم يُجري حساباً لنفسه فيجد نفسه بريئاً براءة الذئب من دم يوسف عليه الصلاة والسلام ويستمر في ذلك، وتقف السلطة، وتقف السلطة الشعبية لكي تُحاسِب فتصطدم بواقع الاصطفاف المذهبي أو الديني او السياسي، فيصبح كما يُقال زوان بلدي ولا قمح الغريب كما يُقال في المثل اللبناني، أي الفاسد الذي من طائفتي خير من أيّ مُصلِح من خارج الدائرة الإصلاحية، يتحوّل مشروع الفساد إلى مشروع مُقنّن مُقونَن محمي من قِبَل القاعدة الشعبية التي تخاف بحال من الأحوال انقضاض سائر الطوائف أو سائر الشرائح عليها.

 

يحيى أبو زكريا: أنا لا أريد أن أوقفك طبعاً، هنالك فاصل وسأعود إليك مباشرةً، داعي الفاصل ليس إلا، وليس هروباً من الحديث عن الفساد. نعم للحديث عن كل فساد في الوطن العربي والإسلامي.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

كتاب "استراتيجية مُحاربة الفساد الإداري والمالي: مدخل تكميلي" لعميد كلية الإدارة والاقتصاد الدكتور علاء فرحان والدكتور علي الحسين العامري:

جاء الكتاب في ثمانية فصول. عالج الفصل الأول ماهيّة الفساد الإداري وجذوره وتاريخه وأشكاله، فيما تناول الفصل الثاني أهمّ العوامل المُساعِدة على نشوء الفساد الإداري مع ماهيّة صوَره ومظاهره، كما تناول خصائص الفساد الإداريّ وأسبابه وآثاره، واحتوى الفصل الثالث استراتيجيّة حُسن اختيار القيادة الإدارية، لكون القيادة الإدارية لها الدور الكبير في انتشار الفساد الإداري أو الحدّ منه، وركّز على مفهوم القيادة الإدارية وأهميتها، ثمّ على التطوّر التاريخي لها، فضلاً عن أهم صفات القائد الإداري وخصائصه، فيما استعرض الفصل الرابع أهم مراحل القيادة ونظرياتها سواء التقليدية أم الحديثة بدءاً من القيادة ذات السِمات والموقفيّة إلى القيادة الرؤيوية والتحويلية، وبحث الفصل الخامس مفهوم وبناء القيادة الاستراتيجية المطلوبة لمُكافحة الفساد الإداري من حيث معتمدها وأهميتها والدور الاستراتيجي لها مع ممارستها.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية" لمحمّد الغزالي:

إنّ الفساد السياسيّ مرضٌ قديمٌ في تاريخ البشرية عامة والشعوب العربية خاصةً، ولقد سبقتنا أوروبا إلى تقليم أظافر حُكّامها، ووضعت دساتير دقيقة لضَبْط مسالكهم، حتى صار الحُكم عندهم خدمة عامة يُختار لها الأكفأ، ويُراقَب الحاكِم من خلال أجهزة يقظة ويُطرَد بلا كرامة إن بدا منه ما يُريب. أما في الدول العربية والإسلامية، فإن الفساد السياسي بقي في أغلب ربوعها حتى الآن، وما يُثير الدهشة هو الاختلاف الكبير بين تعاليم الإسلام وأحوال المسلمين.

يستعرض الشيخ محمّد الغزالي في كتابه "الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية"، أحوال الشعوب الإسلامية وما يفرضه الإسلام على الحُكّام من مسؤولياتٍ تجاه الشعوب، وكيف تكون الشورى الإسلامية صحيحة، وكيف يكون الحُكم في ظلّ تعاليم الإسلام.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمدُ، ومَن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع السرطان الكبير في العالم العربي والإسلاميّ، الفساد.

وأودّ أن أشير إلى أن هنالك كتباً كثيرة وُضِعت في هذا السياق منها "المراجعة والتدابير الوقائية ضد الفساد" للدكتور أمين سيّد أحمد لطفي، "استراتيجية محاربة الفساد" للدكتور علاء فرحان طالب والدكتور علي الحسين العامري، "الفساد الإداري في العالم العربي: مفهومه وأبعاده المختلفة" للدكتور محمّد صادق، وكتاب الداعية الكبير الشيخ محمّد الغزالي رحمة الله عليه الذي نفتقده بالفعل، كتاب "الفساد السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية".

شيخنا، كنت تتحدّث عن الفساد في وطنك الذي نحبّ ونعشق لبنان، وأوقفناك بداعي الفاصل.

 

بلال شعبان: يجب أن يكون هناك دائرة رقابةٍ ودائرة تنفيذ، والذي يجب أن يقوم بدائرة المراقبة يجب أن يكون مختلفاً عمّا هو بدائرة التنفيذ، لأنه إذا كان هو هو، عينه مَن يستثمر ومَن ينفّذ ومَن يُراقب ومَن يشرّع ومَن يحاسب، هو نفسه، فيصبح كما يقول المثل العربي جحا وأهل بيته.

اليوم يجب أن يكون هناك نوع من أنواع فصل السلطات، ويراقب الشعب الحاكِم الذي هو وكيلٌ وأجيرٌ عند الشعب، ويتقاضى معاشه ومخصّصه من الشعب، ويحقّ للشعب أن يراقبه، يراقبه عبر المداخل الثلاثة، الدينية، القضائية، النيابية، وحتى الشخصية، الذاتية إن اقتضى الأمر.

اليوم أصبح هناك نوع من أنواع عدّة الشُغل، الرئيس يضع حوله مجموعة من الإعلاميين، ورجال الدين، والسياسيّين، والقضائيين، فيتحوّل المشروع إلى مشروع فرعونٍ مُصغَّر، يأمر وينهى، ويهنّئه الإعلام بكل إنجازاته، وشعبه، وبلده يتردّى تارة بعد تارة ليصل إلى مرتبة 144 أو 170 في الفساد.

والفساد نوعان، نحن نتحدّث عن الفساد المُدرَك والمُشاهَد، هناك فساد غير مُشاهَد. المسؤولية لا تخرج من يد الشعب، هو الذي اختار، هو الذي أيّد، هو الذي سكت، وهو الذي تُسرَق وتُسلَب ثرواته، وهو الذي يموت من الجوع وينام في العراء.

لذلك المسؤولية تبتدئ في التغيير منه، إن الله لا يُغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم. لذلك أنا أعتقد.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ بلال قبل الاعتقاد، دعنا في الحال اللبنانية، بإقرار كل الإعلاميين في العالم العربي أن لبنان يشكّل حالاً متقدّمة من الإعلام الحر، يمكنني أنا أن أقول في لبنان ما لا أستطيع أن أقوله ممكن في أوطان عربية أخرى.

الصحافة تمارس دورها، الإعلام اللبناني يمارس دوره في فتح ملفات فساد، لكن لا توجد استجابة، ما زال الفساد هو هو، لماذا بنظرك؟

 

بلال شعبان: متُحصّنٌ كل ذلك، كل تلك السياسة مُتحصّنة بالطائفية، بالتخندُق السياسي، بالتموضُع. أنا أقف في منبر الجمعة، أتحدّث، أنتقد، كل الساسة ينتقدون انقطاع الكهرباء من الحرب الأهلية لحينه، من السبعينات إلى اليوم، وتستطيع أن تتناول، أن تشتم، ولكن يبقى الوضع على ما هو عليه.

المطلوب هو تغيير هذه الطبقة السياسية والاتجاه صوب الطهارة العلمية والسياسية والإيمانية، تغيير هذه الطبقة، لماذا، لأن الحرب هي حربهم والسلم هو سلمهم والطائف هو طائفهم والدوحة دوحتهم والدوخة دوختنا، بكل أسف، كل هذه الطبقة السياسية هي التي قاتلت، هي التي اختلفت، هي التي صالحت، هي التي اتّفقت، وبقيت على رقاب الناس، والناس أدمنت هذه الطبقة على قاعدة مَن تعرفه أحسن ممَن تتعرذف عليه، وهذا خطأ.

لذلك إذا كان هناك نوع من أنواع المحاسبة والارتقاء والتغيير والإصلاح من الداخل، وإذا أردت في السؤال القادم نتحدّث عن الفساد الذي يقوم به بين قوسين الشعب، إذا استطعنا أن نغيّر هذه الطبقة نكون قد انطلقنا، وأنا أؤيّدك بأن لبنان هو إلى حد ما متقدّم في الحرية السياسية وفي الحرية الإعلامية عن كثير من الدول، ولكنه واقع بكل أسف في خندق الفساد من رأسه حتى أخمص قدميه.

 

يحيى أبو زكريا: وهذا شأن العالم العربي والإسلامي.

دكتور عبد القادر، رأينا على سبيل المثال في أيامٍ خلَت، في سنواتٍ خلَت، عندما تمّ اقتحام بعض القصور الرئاسية، بعض البيوتات الرئاسية، رأينا ذهباً ومالاً وفيراً وفضة عرمرماً، ورأينا ذلك الغنى الذي سُرِق من الشعوب إلى قصور الرؤساء.

وأيضاً للأسف الشديد اليوم الفساد ليس على صعيد الرئاسات ومسؤوليات القرار، حتى على صعيد الولاة والمُحافظين والتجار في التجارة الخارجية ونظام العمولة كسر ظهرنا بالكامل، وأنت أشرت إلى أن الفساد وصل إلى وزارات الشؤون الدينية.

إذا أهل الدين صاروا أهل فساد، ورُبّ حركةٍ إسلاميّة بدأت كحركة قرآن وانتهت حركة لصوص وفساد، ما العمل؟ ما الذي نفعله؟ من أين نستورد الأنبياء ليحكموا لنا العالم العربي؟

 

عبد القادر تومي: شكراً على هذا السؤال الوجيه، فعلاً أنّ الفساد كما تشير إليه كثير من المنظمات، يكثر في الهرم عند أصحاب النفوذ السياسيّ، أو النفوذ الاقتصاديّ، من الهامات الكبرى النافذة في مختلف الدول، وقد أشارت بعض المنظمات إلى أنّ ثلث ثروة العرب يمتلكها المُفسِدون من العرب، هذه التقارير تقول هكذا، لماذا؟ لأنّ هناك علاقة ما بين الرجل السياسيّ، أو أهل الحلّ والعقدة وأهل النفوذ وصناعة الفساد. أنا سبق وقلت إنّ الفساد هو سرطانٌ خبيث، ولكنه أيضاً منظومة متكاملة تُدار إدارةً، بمعنى أنّ الذي يصل إلى المسؤولية، يعمل في حسابه على ألا يُحكَم عليه، يحصّن نفسه، يضع القوانين التي تجعل المجتمع يشاركه فيها والإعلام يدافع عنها والمثقف أيضاً يصفّق له، يضع الأشياء التي ما بها يبقى دائماً فاسداً.

أعطيك قصة صغيرة وقعت في هذه الأيام وقصة حقيقية، برلماني كان سائراً في الطريق، وكان يحمل كمّاً هائلاً من المخدّرات، لمّا وصل إلى حاجز القوات الأمنية، بيّن لهم ذلك البرلماني بطاقته، وهنا تسامح معه رجل الأمن، لكنّ الكلب الذي كان معه في الطريق أصرّ إصراراً على ألا يمرّ هذا البرلمانيّ، وأصبح بنباحه وبجلوسه أمام العجلة، أصرّ إصراراً على ألا يغادر إلا أن يُفتَّش هذا، وفي النهاية فُتّشت السيارة، وكُشِف هذا الشخص بما يحمله من مُفسدات، ومن هنا نجد أنّ هذه العيّنة تثبت كيف أنّ البشر، لمّا قال الله سبحانه وتعالى للملائكة أني جاعلٌ في الأرض خليفة، احتاروا من الأمر، قالوا أتجعل فيها مَن يُفسد فيها ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك، ولو أن الله له حكمة في هذا، لأن قضية دفع الله الناس ببعض سنعود إليها في ما بعد.

الذي يهمّني هو أن أهل السياسة حصّنوا أنفسهم بالقوانين وبالقرارات وبكلّ شيء من أجل ألا يُحاسَبوا مثلما جاء في مقدّمتك، من أجل أن يبقوا فوق القانون، وبالتالي لمّا يبقى هؤلاء فوق القانون، ماذا يحدث للرجل المواطن البسيط الذي كلما خرج من مشكلة يجد نفسه يقع في مشكلة أخرى، لأنّ المواطن البسيط أو الرجل المسكين يبقى دائماً يعيش في همّه، ولا يفكّر في أشياء أخرى، بمعنى يغضّ الطّرف عن هذه الأشياء.

لذلك عندما نعود إلى ما قاله الأستاذ شعبان، فعلاً إن الفساد إذا لم يوجِد بيئة صافية قوية تحتضنه من كلّ الإطار ومن كل العناصر، يساهم في ذلك الرجل البسيط والأب في الأسرة والإعلاميّ والمدرّس والتاجر وكل أناسٍ يلتقون حول بيئةٍ نظيفةٍ جداً، ويعملون لها ويضغطون، لأنّ الفساد لا يُقضى بقرار سياسي ولا بقرار أمني، وإنما أن يجتهد الكلّ، أن يغيّروا ما بأنفسهم كما توضِح الآية، لكي يُنتجوا أو على الأقل يوفّروا الفضاء الأوّلي لإنبات النبتة الحسنة، من خلال زرع ما يسمّى بذرة الإصلاح، ولا طريق سوى هذا الطريق الذي يمكننا من هذه الأشياء.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور عبد القادر، في هذا السياق، إذا سمحت، قد يُقال أيضاً، وهذا ما أورده إبن خلدون في المقدّمة حول حاشية صانع القرار العربيّ، أنّ صانع القرار العربيّ هو الذي يدفع حاشيته إلى الفساد، حتى يستميتوا في الدفاع عنه. يقول لهم اسرقوا، اجمعوا أموالاً، وقد سأل أحد الرؤساء العرب هل الحديقة الخلفية لك، قال فليتمتّعوا حتى أحافظ على سلطاني. أحياناً السيّد الرئيس يعرف بفساد الكثير من المُقرّبين منه، المستشارين، الذين يعملون في دائرته، لكن لا يحاسبهم حتى لا يهتزّ عرشه، وبالتالي هو مساهم في الفساد.

 

عبد القادر تومي: طبعاً، طبعاً، لكن كل الفساد كلٌ مشترك فيه، من أعلى السلطة إلى الكل، لكن لو فكّرنا منطقياً، لأن التاريخ ماذا يحكي لنا؟ أنّ كل جماعة تكون، أو عندما نتحدّث على المستوى الفردي، عندما نجد بعض الناس كانوا فقط صغاراً، خرجوا من المدرسة فكوّنوا رأس مال معيّن، لسنا ندري كيف جاء، حتى أصبحوا رجال أعمال، ثم بعد ذلك أصبحوا مسؤولي التشريفات، ثم أصبحوا وزراء ثم أصبحوا في مستوى عالٍ جداً، بمعنى أن الفساد يبدأ من الصِغَر، يُصنَع من الصِغَر، لكن قد نكون بالمعادلة المخالفة، هذا الوزير الذي هو اليوم في هرم الفساد، يوماً ما كان شخصاً أيضاً يبكي ويقول لماذا هناك مفسدون، بمعنى أنّ أية جماعة بشرية حتى تاريخياً الثورات التي قامت ضد الاحتلال الأجنبي، قامت فقط لكي تخرج المحتل وفي نفسها أيضاً تقضي على الفساد.

إذاً حتى بعض الجماعات التي تثور في المجتمع تدّعي أنها تقضي على الفساد، لكن لمّا تصل إلى السلطة يتحوّل الفساد إلى ورقة رابحة أيضاً. إذاً فالقضية أريدها أن تكون تبدأ من الذات وقضية إيمانية، قضية على مستوى الفرد ثم تنتقل إلى مستوى الأسرة ثم الحيّ ثم المؤسّسات الإدارية أو الاقتصادية، ثمّ تصل إلى الأعلى.

إذاً الكلّ متّفق على أنّ الفساد ظاهرة عامة، ونحن حدث لنا ما حدث إلى ذلك، معلّم القرآن الذي وجد تلاميذه الذين يُحفّظهم القرآن الكريم، وجدهم يوماً ما يبكون، فقط بسبب أن أحد طلبته سرق مصحفاً لأحد تلامذته الآخرين، وكان في ذلك الوقت المعلّم الذي يحفظ القرآن الكريم عندما يجد خطأ يضرب الكل، فخرج ذاك المعلّم بمعادلة بقيت في التاريخ قال فيها، عجباً كلّكم يبكي فمَن سرق المصحف. فنحن اليوم نقول عجباً، كلنا ندّعي القضاء على الفساد فمَن هو المُفسِد، إذاً عالمنا بقدر ما يوجد رقابة.

 

يحيى أبو زكريا: العجيب يا دكتور عبد القادر، العجيب ونحن نشاهد الشاشات العربية، أن معظم المُفسدين صُنّاع القرار يتهجّمون على الفساد ويندّدون به ويعلنون الويل والثبور، وفي حساباتهم البنكية مئات ملايين الدولارات، هي دماء الفقراء، هي دماء المُستضعَفين، هي أقوات المساكين، هي أقوات الذين يموتون على أبواب المستشفيات، ولا يجدون تعليماً ولا دواءً ولا طبابةً ولا عزّةً ولا كرامة.

شيخ بلال، المصيبة كبيرة. شئنا أم أبينا، هنالك مصيبة كبيرة إسمها الفساد، ويبدو أن الفساد هو الدين الأساسي المركزي في العالم العربي، ما دام الإسلام لم يعصمنا للأسف الشديد.

اليوم، إذا أردنا أن نقيم مجتمعات صالحة، مجتمعات طاهرة، مجتمعات تتقدّم إلى الأمام وتبني نهضة وحضارة وتنمية، ما الذي يجب أن نفعله؟ وثانياً، هناك تجارب لبعض الدول منها ماليزيا التي زرتها أنت، محمّد مهاتير لمّا استلم السلطة وكان يدعو ربه أن يختم له برئاسة الحكومة، حتى يستطيع أن يحارب الفساد، برئاسة الدولة.

إذاً هناك تجارب لدول استطاعت أن تحارب الفساد. لِمَ لا نرى هذه التجارب في الوطن العربي الكبير وفي خط طنجة جاكرتا بشكل عام؟

 

بلال شعبان: محاربة الفساد تبتدئ بالتربية على الصلاح الذي هو ضد الفساد، وبالتنشئة على الحياة الجماعية التكاملية التي يجب أن يعيش بها الناس، والتربية على الكفاف. عندما تربّي ولداً، وتقول له إن شاء الله تكبر غداً ويصبح لديك مال بحجم البحر، أنت تربط هذا الإنسان بمشروع من المشاريع الذي يعتبر الدنيا مهمّة جداً والمال مهماً جداً وهو بحجم البحر، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة. البداية تبتدئ من ها هنا.

 

يحيى أبو زكريا: لكن شيخ بلال، عفواً قبل أن تُكمل، أنا أعرف وزراء تربّوا في المسجد، بمجرّد أن دخلوا إلى السلطة صاروا شياطين، جمعوا مالاً من قدّه وقديده، من حرامه حتى لا أقول من حلّه.

السلطة الفاسدة تجعل الملاك فاسداً، تجعل المتّقي فاسداً. أنت تتحدّث عن جهاز كامل فاسد.

 

بلال شعبان: صحيح، البدايات تبتدئ من البيت، تبتدئ من المدرسة، تبتدئ من المسجد، ولكن عندما تكون المدرسة أو المسجد أو الشيخ لا يربّي على ثقافة التكامل أو على ثقافة الصلاح والبُعد عن الإفساد، يقول لك الشاعر إذ ذاك متى يبلغ العمران يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم.

عندما يصل هذا إلى السلطة وتبتدئ صفقات الأسلحة والدواء والشواء، تمر من أمام ناظريه ويفرض نوعاً من أنواع حصرية الاستيراد للدواء ليصل الدواء في لبنان إلى عشرة أضعاف أو النفط في لبنان إلى عشرة أضعاف أو البترول في لبنان إلى عشرة أضعاف ما يكسبه المستورد للنفط أو الذي يستخرج النفط والغاز أو الذي يصنّع الدواء، هذا يُعتبَر نوعاً من أنواع الفساد عندما تحصر الاستيراد بمكان معيّن، عندما تستورد صفقات من الأسلحة وتأخذ عمولة عليها كوزير للدفاع أو كرئيس للجمهورية أو كأمير أو كوليّ عهد أو كملك، وتأخذ ضعف ثمن هذا السلاح، ثمّ بعد ذلك يكون هذا السلاح لا حاجة لك به، هذا يُعتبر نوعاً من أنواع الفساد.

 

يحيى أبو زكريا: تقصد العمولات في كل القطاعات.

 

بلال شعبان: العمولات في البترول وفي النفط وفي الدواء وفي كل شيء، ويصل بعد ذلك سعر الدواء أو سعر النفط أو سعر السلع إلى عشرات الأضعاف مما يجب أن يكون عليه. يجب تأمين الكفايات والتربية على الكفايات. سيّد الخلق محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم يُحدّد لك مستوى الغِنى، يقول لك مَن ملكَ قوت يومه، مَن بات آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، كأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. ولكن عندما يربّى أحدنا على أنه يجب أن يمتلك مالاً بحجم البحار السبعة، يصبح ذاك الإنسان يقيّم قيمة دينه بالقيمة المادية، والقيمة عندنا ليست قيمة مادية، وإنما قيمة إيمانية، إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم وليس أغناكم.

 

يحيى أبو زكريا: ذكّرتني في طب النفوس محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأذكّرك بإبن عمه أيضاً علي إبن أبي طالب، يقول والله إن في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، والله إن في حلالها حساب، إذا الحلال يُحاسَب عليه الإنسان فما بالك بالحرام.

قبل أن أختم معك دعني أنتقل إلى الجزائر.

دكتور عبد القادر، بإيجاز شديد، ما هي رسالتتك لحُكّامنا، لرؤسائنا، لمسؤولينا، لصنّاع القرار فينا حتى لا يفسدوا ويفسدوا ويدمّروا البلدان؟

 

عبد القادر تومي: رسالتي هي لجميع الناس، من الهرم إلى أبسط الناس، رسالتي هي أن يتقوا الله في أنفسهم، أن يعلموا جيّداً أّن هذه الأرض الطاهرة المباركة خلقها الله سبحانه وتعالى لكي تنفعنا وينفعنا الله بها. فلذلك ندعو من هذا المنبر كلّ الناس على أن يعيشوا في صفاءٍ وسلامٍ وحبٍ وإخاءٍ، وفي نفس الوقت وفي صلاحٍ دائم، كلّ واحدٍ يريد أن يصلح الدائرة التي هي معه، والدائرة قد تصغر وقد تكبر، يبدأ في الدائرة الصغرى ثم يكبر الصلاح إلى أن يعمّ المجتمعات البشرية على الأقل بالصلاح.

 

يحيى أبو زكريا: هذا ما يجب أن نفعله بحول الله تعالى دكتور عبد القادر.

شيخ بلال، ما الذي تقوله للفاسدين والمُفسدين والشعوب المُستضعَفة؟

 

بلال شعبان: ربنا تبارك وتعالى في عُلاه يقول ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليُذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون.

الفساد ليس فقط على مستوى القيادات والرئاسات، ولكن حتى على مستوى أداء الشعوب. عندما يقول لك سيّد الخلق محمّد صلّى الله عليه، وسلّم الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ونحن لا نتورّع عن رمي الأذى في الطريق، ويتحوّل الكوكب الذي خلقه الله عزّ وجلّ ليكون درّةً بين الكواكب، إلى كوكب تستحيل عليه الحياة فأنا المسؤول عن تلويث الكوكب. هذا أولاً.

ثانياً، عندما أتدخّل بشكل خاطئ حتى في الزراعة وفي الصناعة وفي الإنتاج وأضع بعض السموم من أجل أن تكبر الخضار والفواكه لتؤدّي إلى السرطنة، أنا إذ ذاك أكون مفسداً. أذكر في مرة من المرات، كنا في جبال لبنان العالية مع الشيخ سعيد رحمه الله، وفي طريق لا تعبر فيها السيارات، فوجد برميل ماء منسكب على الأرض، فقال أسرعوا وارفعوه، حرام، وصل لهنا، وقال، كيف يأتي بالماء إلى هنا، عندما نزلنا وصلنا إليه، قلنا له هذا قَطر، هذا سكّر، وهو كان إلى جانب قفير نحل. لا أنسى ما قاله، غضب يومها وقال ظهر الفساد في البحر والبحر بما كسبت أيدي الناس.

قلت له ما فهمت قال الله عزّ وجلّ يقول فيه شفاء للناس عن العسل، عندما يتناول الإنسان اليوم العسل ويتأذّى منه، هل يقول بعد ذلك، هل القرآن صحيح، أقول الله صحيح.

 

يحيى أبو زكريا: أتصوّر هذه الحلقة يوجزها قول الله تعالى والله لا يحب المفسدين.

 

بلال شعبان: والله لا يحب المفسدين.

 

يحيى أبو زكريا: بِئس مَن كان في صف مَن لا يحبّهم الله. شيخ بلال شعبان شكراً جزيلاً لك. دكتور عبد القادر تومي شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه. حياّك الله وبيّاك.

 

كتاب "المراجعة والتدابير الوقائية ضد الفساد" للدكتور أمين السيّد أحمد لطفي أستاذ المحاسبة والمراجعة ورئيس جامعة بني سويف السابق:

يدور الكتاب حول تحديد الملامح الرئيسية للفساد التي يجب أخذها في الحسبان عند تنفيذ أيّ برنامج لإصلاح الفساد وحول التشديد على آليات تقييم الفساد وقياسه والبرامج الرئيسية لمكافحته في ضوء الآثار السلبية للفساد، سواءٌ عبر تقويض التنمية والديمقراطية أو عبر تهديداته وأضراره على حقوق الإنسان.

ويرتكز الكتاب على استعراض التدابير الوقائية في ضوء المعايير والنماذج والتجارب الدولية لمؤسّسات مكافحة الفساد، حيث استعرض الكتاب وظائف مكافحة الفساد والمعايير المقرّرة لتلك الهيئات الفعّالة ومصادرها من قبل الاتفاقيات والبروتوكلات الدولية.

كما يبرز الكتاب نماذج المؤسّسات المُتخصّصة في مكافحة الفساد في بلدان العالم ومقوّمات نجاحها وأشكالها وأنماطها وعلاقتها بالمجتمع المدني والقطاع الخاص والتعاون بينها وتحديد الخطايا السبعة التي تعوّق نجاحها.