حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

علوان أمين الدين - رودولف القارح

 

أليسار كرم: أهلاً بكم.

ينطلق اليوم مؤتمر ميونخ للأمن بدورته السادسة والخمسين بعد يومٍ واحدٍ من قمّة سوتشي التي جمعت رؤساء كلٍ من إيران وروسيا وتركيا وقمّة وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط وفق الرؤية الأميركية.

مؤتمر ميونخ سيناقش في المبدأ السياسة الأمنية على مستوى العالم، علماً أن مفهوم الأمن لم يعد يقتصر على الجانبين العسكري والسياسي بل تعداهما إلى مسائل أخرى كالغذاء والطاقة والتجارة والاقتصاد عموماً.

وهذا ما يدفع إلى التساؤل عمّا يمكن أن ينتج من الدورة الحالية التي تعقد في ظل تحوّلات كبرى يشهدها العالم بدءاً من الحمائية الأميركية والحرب التجارية الناتجة منها مروراً بـ"بريكزيت" وتهديد وحدة الاتحاد الأوروبي وصولاً إلى انطلاق إعادة الإعمار في سوريا وانتهاء الحرب عليها.

هذا من دون أن ننسى الأزمة الفنزويلية والتلويح الأميركي بتدخلٍ عسكري وتوسّع النفوذ الروسي في مختلف أنحاء العالم.

في حوارنا هذا سنسلّط الضوء على أهمية مؤتمر ميونيخ والنتائج المتوقعة منه وانعكاسات القمّتين  اللتين سبقتا قمّة وارسو وقمّة سوتشي.

ضيفانا في هذا الحوار الدكتور علوان أمين الدين مدير مركز سيتا للدراسات، ورودولف القارح الأستاذ الجامعي والمستشار في المؤسّسات الأوروبية.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

أهلاً بك أستاذ علوان ونرحّب أيضاً بضيفنا من بروكسل الأستاذ رودولف القارح.

بدايةً ربما من البديهي أن نسأل هل يمكن أن ينجح الأمن حيث فشلت السياسة في تقريب وجهات النظر ومشاريع الدول الكبرى في العالم؟

علوان أمين الدين: اليوم أصبح العالم متشابكاً لا تستطيع فصل الاقتصاد عن السياسة، وحتى أن السياسة هي المحرك الأساسي للاقتصاد، يعني كما نرى الحروب الموجودة اليوم مُحرّكها أو جزء من مُحرّكها هو الاقتصاد وموارد الطاقة وغيرها. فالموضوع أصبح اليوم متشابكاً بشكلٍ كبير ويصعب الفصل فيه بين جزئياته، فهو موضوع متكامل.

إذا نظرنا إلى مؤتمر ميونيخ هو ينظر إلى التعاون بين الأطلسي، إلى تغيير المناخ، إلى مراقبة الأسلحة، إلى الإرهاب، إلى أمور كثيرة تُعدّ جميعها متشابكة في ما بينها. إنّ تشابك هذه المواضيع في مؤتمر الأمن يعني ذلك أنّ المواضيع كلها أصبحت اليوم في سلةٍ واحدةٍ تقريباً.

أليسار كرم: لكن المواضيع خلافية كثيراً، وخصوصاً في ما يتعلق بالمواقف الأميركية المستجدة والسياسة غير التقليدية التي يتبعها دونالد ترامب، لذلك نسأل ما المتوقع من قمّةٍ فيها الكثير من التناقضات والخلافات؟

علوان أمين الدين: اليوم هناك مؤشر، مثلاً حدث منذ أمس وقبل أمس مؤتمر وارسو، الخلافات الموجودة بين الدول الأوروبية والأميركيين هذا أيضاً مؤشر. يعني العالم اليوم بدأ بنوعٍ من التغيير في النظام العالمي أو ما يسمّى "أكادميين النسق الدولي"، اليوم لم تعد الأمور كما كانت وخصوصاً أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجنح كثيراً في الولايات المتحدة إلى أماكن أخرى، يعني حتى مع حُلفائه، خروجه من عدد كبير من الاتفاقيات مثلاً، منها اتفاق باريس للمناخ خرج منه، الاتفاقية التي وقّعها أوباما عبر الأطلسي أيضاً خرج منها، يعني هناك تخوّف من هذه السياسة الأميركية من إلغاء الاتفاقيات، أيضاً الاتفاق النووي من ضمن هذه الاتفاقيات.

أليسار كرم: سنتحدّث عن الاتفاق النووي وعن عناوين خلافية أخرى، لكن إسمح لنا أن نُتابع الآن تقريراً ورد على موقع بوابة الشرق الالكترونية، يتناول أبرز ما سوف يتحدّث عنه أو يدرسه المجتمعون في ميونيخ، إذاً نتابع.

- تقرير: بوابة الشرق الإلكترونية: مؤتمر ميونيخ للأمن... المواجهة والحياد في عالم مضطرب

يُعقد مؤتمر ميونيخ هذا العام في ظروف استثنائية وسط مشاكل وأزمات وأحداث كثيرة، الأمر الذي سيعطي دورة 2019 أهمية كبيرة، حيث يتضمّن جدول أعمال المؤتمر عدداً من الموضوعات المتعلقة بالوضع العالمي، وسيجري تناولها والتشاور بشأنها، ومن أهمها التأكيد الذاتي للاتحاد الأوروبي والتعاون عبر الأطلسي والتأثير المحتمل لعهد جديد من منافسة القوى العظمى، وإيجاد الحلول للكثير من المشكلات التي تواجهها دول العالم في ضوء التنافس بين الدول العظمى، كما سيناقش مستقبل مراقبة الأسلحة والتعاون في السياسة الدفاعية، وسيسلّط الضوء على التفاعل بين السياسات التجارية والأمنية في دول العالم شأنه في ذلك شأن تأثير تغيّر المناخ أو الابتكار التكنولوجي في الأمن الدولي، ومَن سيجمع الأجزاء المتناثرة. وهذا هو السؤال الذي سيركّز عليه المؤتمر هذا العام، والجواب عليه غير مشجّع ولا يدعو إلى التفاؤل.

خلال العقود الأولى من عُمر المؤتمر كان الحضور محدوداً والمشاركون أقل، وكانت النقاشات تتركّز على السياسات الغربية ضمن الإطار الشامل لمواجهات الحرب الباردة. وبعد انتهاء الحرب الباردة، سعى مؤسّسو المؤتمر إلى توسيعه ليتجاوز الإطار الغربي الضيّق، فأصبح أكثر انفتاحاً على مشاركين من دول أوروبا الوسطى والشرقية، وكذلك على آخرين من دول ما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي. وفي الفترة الأخيرة تحول المؤتمر من التركيز على قضايا الدفاع فقط إلى منتدى للسياسيين والدبلوماسيين والباحثين، وللمرة الرابعة على التوالي تضع جامعة "بنسلفانيا" في الولايات المتحدة في تصنيفها الجديد للمؤتمر، تضعه في مرتبة أهم مؤتمر في العالم.

أليسار كرم: إذاً نتوجّه بالسؤال للأستاذ رودولف القارح، ورد في ختام هذا المقال إن المؤتمر تحوّل من التركيز على قضايا الدفاع فقط إلى منتدى للسياسيين، من وجهة نظرٍ أوروبية ألمانية تحديداً وهي الدولة المُضيفة وهي "Leader" في أوروبا الآن، ما العنوان الأبرز على طاولة البحث؟

رودولف القارح: قبل البحث بالعنوان الأساسي للبحث وسوف أعطيكِ إياه، لأن العرض الذي قُدّمَ منقوص نسبياً بالنسبة لدور هذا المؤتمر وتاريخه.

أولاً، يجب أن نذكر لوضع الأمور في إطارها، أن هذا المؤتمر في ميونيخ تأسس سنة 1962 على يد ضابط سابق في الجيش الألماني في حال كانت محكومة بصراعات ما كان يُسمّى آنذاك "الحرب الباردة"، هذا له علاقة بالوضع الذي يحصل اليوم، وبالتالي يجب أن نفهم دور هذا المؤتمر والمساحة السياسية.

أليسار كرم: لكنه تتطوّر وتغيّر مع مرور الوقت أستاذ رودولف؟

رودولف القارح: يا سيّدتي، من غير الممكن أن نفهم الذي يحصل اليوم من دون أن نفهم هذا الدور.

اليوم نحن نعيش حالة يمكن أن أوصفها بثلاث حالات:

أولاً، انهيار الرؤية الأميركية للعالم بعد انهيار حائط برلين.

ثانياً، محاولة تهميش الأمم المتحدة - وهذه نقطة أساسية.

ثالثاً، محاولة ايجاد توازنات أو توجّهات عامة ورؤية عامة للعلاقات المستقبلية على صعيد الدول وعلى صعيد العالم.

إذا أخذتي البرنامج الذي يطرحه المؤتمر تشاهدين أن هناك ما أُسميه أنا اعوجاجاً رؤيوياً في المنطق، يعني هناك رؤية من زاوية معينة للعالم وهذه التوازنات بدأت تختلّ ليس فقط لأن السيّد ترامب يحاول تدمير كل ما بُني على صعيد المؤسّسات والمعاهدات منذ الحرب العالمية الثانية ولكن أيضاً لأن الفكرة التي قالت سابقاً إن التاريخ انتهى وأنه لم يعد هنالك إلا هيمنة الولايات المتحدة على العالم، هذا أصبح اليوم سراباً وكنا نقوله سابقاً إنه سراب.

ما يبحث عنه مؤتمر ميونيخ اليوم هو محاولة استشراف توجهّات عامة للعلاقات الدولية، لكن أعتقد أن المنهجية المتّبعة غير صالحة لبحث هذه التوجّهات، أولاً لأن الأرضية الفعلية لبحث العلاقات الدولية حتى الآن هي الأمم المتحدة. وخلافاً لما تقوله جامعة بنسلفانيا، المؤتمر الأساسي لبحث وتوجيه توازنات العالم هو الجمعية العامة في الأمم المتحدة. هناك آليات، ما يحصل اليوم أكان مؤتمر وارسو - تزامن مهم جداً - أو مؤتمر ميونيخ  - بغضّ النظر عن الرؤية الواقعية للموضوع يمكن أن نناقشها - هناك محاولة التفاف على الأمم المتحدة وهذه النقطة المركزية، بغضّ النظر عما سنبحثه حول المؤتمر ذاته، يعني الوضع الاقتصادي، التوجّهات، دور منظمة النفط الدولي إلى آخره.

أليسار كرم: ما المتوقّع من الدورة الحالية إذا سمحت أستاذ رودولف، يعني كي لا نستغرق كثيراً في التاريخ أو قراءة ما بين السطور، ما المتوقّع من الدورة الحالية؟ هل يمكن أن يُنتج منها قرارات حاسمة تتعلق بالعلاقات الدولية أم أنا قراراتها تقتصر على أمور بين مزدوجين (ثانوية أو هامشية) كمسائل تتعلق بالبيئة وببعض الاتفاقات التجارية البينية أو مسائل تتعلق بالأمن الغذائي، هو ليس بقليل، هو شأن أساسي في الأمن ولكنه ربما لا يُغيّر موازين القوى العالمية أو في صراعات القوى الكبرى في العالم؟

رودولف القارح: كلامك مهم جداً، لماذا؟ لأنه يطرح توجهاً، ممكن أن نقارن مؤتمر ميونيخ بمؤتمر دافوس، إذا تتذكرين كيف بدأ مؤتمر دافوس كانوا يقولون مؤتمر دافوس هو الذي سيحكم العالم ويحكم توجّهات على العالم، انتهى مؤتمر دافوس لحلقة نقاش تشبه عملياً النقاش ضمن المقاهي.

هذا المؤتمر لا صفة شرعية له على الإطلاق على صعيد القانون الدولي، أعود وأكرّر الأمم المتحدة هي المرجعية، وبالتالي قرارات مُحكمة لا يمكنها أن تصدر إلا عن الأمم المتحدة، من الممكن أن تصدر توجّهات وبالعكس هذا مفيد جداً لنعرف الاستشراف العام للسياسات القائمة.

تتذكّرين في هذا المؤتمر سنة 2007 وجد نفسه الرئيس بوتين على المنبر وأعلن ما سمّي آنذاك عودة روسيا - هي لم تختفِ أبداً روسيا - لكن أعلن جيوسياسياً عودة روسيا إلى الساحة الدولية، وبالتالي يمكن أن يكون منبراً، يمكن أن يعطينا مؤشّرات عن التوجّهات، ولكن أن يتحكّم هذا المؤتمر ويحكم المسارات، لا أريد أن أستعمل كلمة شعبية، لا أريد أن أقول "طويلة على رقبتهم"، لأن المرجعية الأساسية - أعتذر لهذا الكلام - لكن المرجعية السياسية أعود وأكرّر هي الأمم المتحدة.

أليسار كرم: واضح المرجعية هي الأمم المتحدة.

إسمح لي أن أنقل هذا السؤال للدكتور أو الأستاذ علوان أمين الدين، ما المتوقّع من هذا المؤتمر الذي على ما يبدو يشكّك البعض في جدواه أو في قوّته وقدرته على خلق نقطة تحوّل في مسار العلاقات الدولية، برأيك ما المتوقّع منه؟

علوان أمين الدين: أنا أتفق مع ما قاله ضيفك الكريم، ولكن أريد أن أعلّق على بعض الأمور.

صحيح أنّ الأمم المتحدة أُنشأت بالقانون الدولي كحكومة عالمية بعد الحرب العالمية الأولى وفشل عصبة الأمم، وكان الحديث عن إنشاء جيش أممي وحكومة عالمية وهذا الموضوع فشل، يعني السياسات بالقانون أو قانوناً أو ضمن المُتعارف عليه بالقواعد الدولية هي الأمم المتحدة. ولكن اليوم سياسة القوّة هي التي تحكم، يعني التوازنات الموجودة على الأرض هي التي تحدّد السياسات الدولية وتغيّر النظام العالمي أو ما يُسمّى النسق الدولي كما ذكرنا.

بالإشارة إلى الأمم المتحدة، يعني الولايات المتحدة ليست المرة الأولى التي تضرب عرض الحائط لا بقرارات الأمم المتحدة ولا بغيرها، فمثلاً يقول "بول ولفويتس" عندما كان الرئيس جورج دبليو بوش رئيساً للولايات المتحدة كان يقول ماذا لو تدمّر عشرة طوابق من الأمم المتحدة ماذا سيحدث؟ يعني الموضوع كان في قمّة الاستهزاء، وحتى أن جون بولتون الموجود اليوم على رأس الأمن القومي الأميركي قال لا داعي للأمم المتحدة بعد الآن عندما كان سفيراً في الأمم المتحدة.

فالموضوع الأميركي مع الأمم المتحدة، لا تريد الولايات المتحدة أن يكون هناك دور لهذه المنظمة العالمية، يعني حتى تقوم بالضغط من خلال التمويل، وأخيراً ما نراه عن الأونروا وعودة اللاجئين وغيره، فالولايات المتحدة هي تريد التفرّد، واليوم ما نشهده في العالم من توتّرات هو كما ذكرنا، هو بداية لتغيّر هذا النظام الدولي.

أليسار كرم: بالحديث عن دور الولايات المتحدة ودور القوى الكبرى بنحو عام، كان لافتاً في قمّة وارسو انخفاض مستوى التمثيل أو انخفاض المشاركة لنقل ما يعكس ربما عجزاً أميركياً عن حشد التأييد للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط، ألا ترى أنّ هناك تحوّلاً حقيقياً على مستوى العالم يشير إلى أن الولايات المتحدة تضعف تدريجياً وهناك من بدأ يجرؤ بالتصدّي لها وبالوقوف في وجه الولايات المتحدة؟

علوان أمين الدين: سأعطيكِ عدّة مؤشّرات، الحرب على جورجيا في 2008 كانت مؤشّراً على بداية العودة الروسية وموضوع الأمن القومي، هذا موضوع، هذا إذا بدأنا من حيث ابتدأ التغيّر نوعاً ما، بدأت ملامح التغيّر.

خسارة الولايات المتحدة لأميركا اللاتينية والقارة اللاتينية أيضاً هذا مؤشر عندما صعدت الأنظمة اليسارية بكثرة في القارة اللاتينية، واليوم نرى استعادة هذه الحديقة الخلفية.

في ما يخصّ مؤتمر وارسو، الأوروبيون اليوم يخافون جداً من السياسة الأميركية وخصوصاً نقد المعاهدات، كما ذكرت في أول الحلقة، الاتفاقيات التجارية وغيرها يقلق الاتحاد الأوروبي بشكل كبير. اليوم بالنسبة للاتفاق النووي الإيراني، ما يهم الأوروبيون هو الأمن ومن ثم الاقتصاد، يعني هناك شركات كبيرة جداً أوروبية موجودة في إيران يتم الضغط عليها لسحب أموالها ووقف عملها.

أليسار كرم: بالأمس مايك بنس دعا الأوروبيين إلى الانسحاب من الاتفاق النووي وقال إن بعضهم يُقوّض الجهود الأميركية أو يقف في وجه أميركا، هل هذا يعني أنّ أوروبا ربما تنصاع لهذا الضغط الأميركي ولا سيما أنها ما زالت تعمل وتحاول جاهدة لتشغيل أو تسيير الآلية الأوروبية للتجارة وهي وجدت خصوصاً لمحاولة الالتفاف على العقوبات الأميركية ضد طهران؟

علوان أمين الدين: هناك عدّة أمور أو إجراءات تم أخذها من قبل الاتحاد الأوروبي في التعامل مع إيران بالنسبة للمصارف وتحويل الأموال، يعني هذا مؤشّر على عدم القبول بنقض الاتفاق النووي، هناك مصالح للأوروبيين كبيرة جداً، لنعود إلى أيام الشاه في إيران من بدأ بالمفاعل النووي الإيراني هي شركة سيمنز الألمانية، يعني هي التي بدأت، اليوم هناك شركة الرينو أيضاً تصنّع في إيران.

أليسار كرم: للسيارات الفرنسية.

علوان أمين الدين: للسيارات الفرنسية، هناك شركات توتال وغيرها من الشركات النفطية. فالأوربيون اليوم لا يريدون نقد هذا الاتفاق، والدليل على ذلك أن فيديريكا موغيريني رفضت حضور المؤتمر وتحجّجت بأنّ جدول أعمالها مكتّظ، وأيضاً بالنسبة للألمان وغيرهم من الشركاء الأوروبيين أيضاً خفّفوا التمثيل في هذا المؤتمر، وأنا أعتقد أنه لم يكن له جدوى إلا في بعض الأمور والمؤشّرات، وبرأيي كان له أربعة مؤشّرات:

أولاً، عقده في مدينة وارسو تحديداً، نحن نعلم أن العالم كان مقسوماً بين ما يسمّى بدار السلام والعالم الحر، كانت وارسو هي المقر العسكري لدار السلام.

أليسار كرم: هناك رمزية لوارسو.

علوان أمين الدين: وإشارة إلى أن ما كانت تقول به ألمانيا من أن أي وجود أو تقدّم روسي ستواجهه بولندا، بالتحديد بولندا، هذه أول نقطة.

النقطة الثانية، أنه هو أول مؤتمر يجلس فيه العرب مع إسرائيل في مواجهة عدو مشترك وليس في قضايا متضاربة في ما بينهم.

النقطة الثالثة، هي موضوع إنشاء ما يسمّى "الميسا" أو الناتو العربي في التعبير وهو أيضاً أداة للابتزاز.

تاريخياً، إن سياسة الأحلاف هي التي أدّت إلى الحرب العالمية الأولى، يعني موضوع الأحلاف العسكرية ستقوّض الأمن والسلام العالمي. بالنسبة لهذا الموضوع أنا أعتقد أن موضوع الناتو العربي هو موضوع ابتزاز أميركي وأيضاً تصدّ عسكري.

أما الموضوع الرابع، فهو طبعاً تهديد إيران أو محاولة تطويقها على الأقل من جهة الغرب والخليج العربي.

أليسار كرم:  سنعود للأستاذ رودولف إذا سمحت لأسأل الأستاذ رودولف إلى أي مدى يمكن أن تواجه أوروبا الإدارة الأميركية وكما لاحظنا بالأمس في وارسو التمثيل الأوروبي كان ضعيفاً وكان هناك بين مزدوجين نوع من التهرّب أو محاولة الإفلات الأوروبي من الضغوط الأميركية المتوقّعة خلال هذا المؤتمر، إلى أي مدى يمكن أن تذهب أوروبا بعيداً في مواجهة الإدارة الأميركية وتحدّيها وخصوصاً في الملف الإيراني؟

رودولف القارح: لا مجال للاتحاد الأوروبي للخروج من المظلة الأطلسية طالما أن معظم أعضائه وخاصة فرنسا النووية هي عضو في الناتو، هذه نقطة أولى.

النقطة الثانية، لا يبحث الأوروبيون عن مخارج للإفلات من بعض الضغوطات الأميركية إلا عندما تكون مصالحهم الخاصة مهدّدة مباشرة وهذا ما رأيناه عندما اكتشفوا أو وضعوا آلية للتبادل التجاري مع إيران.

ولكن إسمحي لي هناك ملاحظة، إسمحي لي سيّدة أليسار هناك عدّة نقاط تفضلتي بها بالسؤال السابق لضيفك وهناك ضرورة لتوضيحها.

أولاً، النقطة الأولى أنه نحن نعيش اليوم مخاض صعب جداً وحاد جداً وقاصي جداً لعالم متعدد الأقطاب، عندما نقول إنّ الأمم المتحدة إنها المرجعية طبعاً لم أنس ولا أغضّ النظر عن ألاعيب القوى، ولكن الأمم المتحدة جاءت لتقونن هذا الصراع وألاعيب القوى وتحويله لسياسات على الأرض. أريد أن أذكّر ضيفك أن يترك عصبة الأمم جانباً، الحرب العالمية الثانية كانت نتيجة سياسة مواجهة موازين القوى وتصارعها، من بعد الحرب العالمية الثانية أنشئت الأمم المتحدة للجم هذا المسار، يعني إذا نريد أن نرجع لقوانين شريعة الغاب التي كانت قائمة في القرن التاسع عشر وقبل الحرب العالمية وقبل الحرب العالمية الثانية فلنعرف، ولكن نحن مرجعيتنا اليوم هي الأمم المتحدة.

أليسار كرم:  ليس هذا المقصود أستاذ رودولف، تفضّل ولكن للتوضيح فقط.

رودولف القارح: الولايات المتحدة منذ إنشاء الأمم المتحدة تحاول الإفلات، جون بولتون الذي قال إذا مسحنا عشر طوابق من الأمم المتحدة لا يتغيّر شيء، ولكن الهدف كان الضغط على الأمم المتحدة، لنقولها بطريقة يفهمها المشاهد، انتهت عملية رفض أو محاولة إلغاء بين مزدوجين التي بدأتها السيّدة أولبرايت سنة 1996 عندما أرادت إنشاء تحالف ديمقراطيات وأفشلتها فرنسا، انتهت بتعيين الوزير المساعد الأميركي جيفري فيلتمان تعيّن كنائب للأمين العام. وبالتالي المطلوب من الولايات المتحدة شيئين بالنسبة للأمم المتحدة، أولاً أن تختفي أو تتحوّل إلى أداة فقط بينما هي ساحة صراع، ساحة مواجهة فعلية، أو تخضع للسياسات الأميركية.

 ما يحصل اليوم اكتشفت أميركا واكتشف البعض، اكتشفوا لأنهم كانوا مخبئين عيونهم، أنّ هناك مجالاً في الأمم المتحدة أن يقف أحد في وجه هذه المسار المتّجه نحو الهيمنة المطلقة وأن يضعوا حداً على الصعيد القانوني، أي لا يعطي الشرعية لأيّ تدخل، موازين القوى طبعاً تلعب دوراً، يعني عندنا ثلاثة مؤتمرات، بالنسبة للمنطقة عندنا مؤتمر سوتشي - واضح ما هو منحاه.

 بالنسبة لمؤتمر وارسو المتزامن مع مؤتمر ميونيخ، إسمحي لي أن أقول لك أمرين، أولاً مؤتمر فاشل، نحن نعرف ما يُقال داخل أروقة الدول حتى أروقة الاتحاد الأوروبي، السيّدة موغيريني رفضت أن تشارك بمؤتمر وارسو، يعني الاتحاد الأوروبي كاتحاد لم يشارك في مؤتمر وارسو.

النقطة الثانية، أنه نعم سمح المؤتمر لعنتريات السيّد نتنياهو يُظهر عن مشاريعه وعن مشاريع بعض الدول الخائفة اليوم وتحاول أن تقول - أريد أن ألفت نظره لضيفكم، لا يستخدم كلمة العدو أنه معتبرها عدواً، هم الذين يتكلّمون هذه اللغة، نحن لا نحكي لغة بين العرب أو الجامعة العربية ودولة إيران هناك عدو ليست هكذا الأمور.

أليسار كرم: طبعاً له وجهة نظره أستاذ رودولف. لا مشكلة هو قدّم وجهة نظره في جميع الحالات، سوف نتوقف مع فاصل قصير إذا سمحت ومن بعد الفاصل نتحدّث أكثر عن مؤتمر سوتشي الذي تطرّقنا إليه كثيراً في هذا الحوار ونتحدّث أيضاً عن المتوقّع والنتائج المرتقبة من قمّة ميونيخ للأمن. إذاً فاصل قصير ونعود.

المحور الثاني

أليسار كرم: أهلاً بكم من جديد مشاهدينا وأهلاً بك الأستاذ علوان أمين الدين معنا في الاستديو والأستاذ رودولف القارح من بروكسل.

فقط لإعطائك حق الرد وننتقل سريعاً إلى مقال صحيفة الأخبار. تفضلت بتوصيف إيران من دون أن تسميها بأنها العدو المشترك لكلٍ من الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة، هذا من وجهة نظرهم، ولكن هل تعتقد أو هل تريد أن تضيف شيئاً في ما يتعلق بقدرة هذه الدول على التصدّي فعلاً لهذه القوى الناشئة في المنطقة؟

علوان أمين الدين: فقط للتوضيح مثل ما تفضلتي، العدو بمفهوم المؤتمرين وليس بمفهومي أنا، أنا أتكلم من وجهة نظرهم هم.

ثانياً، هناك موضوع طرحه أستاذ رودولف عن موضوع عالم متعدّد الأقطاب، العالم اليوم ليس متعدّد الأقطاب، العالم اليوم في نظام لا قطبي، اليوم ما زالت الولايات المتحدة دولة عظمى وهناك دول كبرى، اليوم الولايات المتحدة قادرة على التخريب في أي مكان في العالم وإنهاك هذه القوى لأن لديها القدرة. فالعالم اليوم يتّجه من عالم أحادي القطب إلى عالم يتكوّن، وهذه الصراعات التي نجدها اليوم هي تسبق عادة تغيّر أي نظام دولي في العالم، اليوم لا يوجد تعدّد الأقطاب حتى بوجود الفيتو الصيني والروسي في أماكن معينة حسب مصالحها.

بالنسبة لموضوع الأوروبيين وموضوع الناتو، طبعاً هم الأوروبيون ما زالوا تحت تأثير مشروع مارشيل في الخمسينيات، واليوم يحاولون الخروج ولكن إمكانية هذا الخروج لا تزال غير معروفة.

أليسار كرم: ربما أبرز محاولة هي محاولة إنشاء جيش أوروبي مشترك بقيادة ألمانيا وفرنسا.

علوان أمين الدين: تماماً، وهذه اصطدمت بالرئيس ترامب وكلنا عرفنا التغريدات التي أطلقها.

أليسار كرم: سنتحدّث عنها أكثر بالتفصيل، ولكن فقط كي لا نبتعد كثيراً عن الموضوع الرئيسي إسمح لنا أن نتابع الآن أبرز ما ورد في صحيفة الأخبار اللبنانية عن ثلاثية سوتشي تحت عنوان " توافق على التنسيق في إدلب وشرق الفرات" نتحدّث فيه أو نطّلع فيه على أبرز ما ورد في البيان الختامي لقمّة سوتشي، إذاً نتابع.

- تقرير: الأخبار اللبنانية: "ثلاثية سوتشي": توافق على التنسيق في إدلب وشرق الفرات

نصّ بيان قمّة سوتشي المشترك لقادة روسيا وإيران وتركيا، على تنسيق الأنشطة لضمان الأمن والاستقرار في شمال شرقي سوريا، مع احترام سيادة البلاد وبما يتضمّن الاتفاقيات القائمة. وتُعدّ هذه الإشارة الأوضح إلى الجهود الروسية الحثيثة الرامية إلى إحياء اتفاق أضنة بين دمشق وأنقرة، والرهان عليه ليكون باباً لعودة العلاقات والتنسيق بينهما.

ولم يكن الحضور الطاغي لقضية الانسحاب الأميركي، على أهميتها، كافياً لتهميش ملف إدلب، إذ أكّد البيان الختامي المشترك على ضرورة التصدّي بفعالية لمحاولات هيئة تحرير الشام الإرهابية فرض سيطرتها على منطقة خفض التصعيد، إلى جانب اتخاذ خطوات ملموسة للحد من الانتهاكات في المنطقة المنزوعة السلاح، من خلال التنفيذ الكامل للاتفاقات المتعلقة بإدلب، بما يتضمّن مذكرة التفاهم الموقّعة في أيلول / سبتمبر الماضي، ويشير ما سبق، تقاطعاً مع تصريحات الرؤساء الثلاثة أمس، إلى أن الفرصة لا تزال متاحة أمام أنقرة للعمل وفق اتفاق سوتشي الأخير، مع ترك الباب مفتوحاً لاستهداف الجماعات الإرهابية، وفق ما تنصّ عليه مذكرة التفاهم الروسية - التركية. وإلى جانب ملفي إدلب والانسحاب الأميركي، اتفق ثلاثي أستانا على ضرورة انخراط المجتمع الدولي، وخاصة وكالات الأمم المتحدة، في استعادة أصول البنية التحتية... بما في ذلك مرافق إمدادات المياه والطاقة والمدارس والمستشفيات.

وهو توجّه تدفعه موسكو تمهيداً لإطلاق عملية إعادة الإعمار في سوريا، في مواجهة الطروحات الأميركية والأوروبية التي تشترط حلاً سياسياً ناشطاً للمشاركة في تغطية تكاليف تلك العملية. كذلك أكّد البيان أهمية تهيئة الظروف للعودة الآمنة والطوعية للاجئين والمهجرين داخلياً... والتفاعل على نحو إيجابي مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك مفوضة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أليسار كرم: أستاذ علوان، هل تكون إعادة إعمار سوريا سبباً مباشراً لدول أو لتكتلات كبرى كتركيا مثلاً أو الاتحاد الأوروبي لتعلن صراحةً تباينها مع الموقف الأميركي والإرادة الأميركية ؟

علوان أمين الدين: قد تكون سوريا جزءاً من ملف متكامل بالنسبة لهذه العلاقة وليست هي الجزء الأساسي، يعني الرابح الأكبر في الاقتصاد في سوريا طبعاً هي الصين وروسيا من خلال إعادة الإعمار والغاز والنفط، طبعاً هناك شركاء آخرون مثل إيران وغيرها، وقد يكون هناك إرضاء لتركيا في مكان ما بالنسبة كجارة ولإعادة تطبيق اتفاق أضنة وغيره.

طبعاً الجميع اليوم يريد الدخول إلى سوريا، وهناك مباحثات نحن نعلم من تواصلنا مع بعض النواب في سوريا، هناك وفود تأتي أحياناً تكون غير معلنة للتنسيق في هذا الموضوع، ولكن المطلب السوري الرئيسي أن يكون هذا التنسيق إذا أردتم العودة إلى سوريا سيكون علنياً وعبر السفارات والتنسيق الدبلوماسي وليس هروب من تحت الطاولة في وجه الولايات المتحدة وأخذ المشاريع، فهذا أهم نقطة في هذا الموضوع أنّ التنسيق العلني هو ما تريده الحكومة السورية.

أليسار كرم: أنقل السؤال للأستاذ رودولف القارح، هل يمكن أن تكون إعادة إعمار سوريا وأهمية المشاركة فيها - بالنسبة للجانب الأوروبي تحديداً أسألك - هل يمكن أن تكون سبباً لموقف أوروبي حازم في مواجهة الولايات المتحدة، وأتمنى عليك الإجابة مباشرة عن هذا السؤال لضيق الوقت ؟

رودولف القارح: يا سيّدتي إذا تريدين إجابة مباشرة، الأوروبيون لن يدخلوا إلى سوريا طالما لم يرفعوا العقوبات وطالما استمروا في هذه الطريقة بالتعامل مع الموضوع السوري.

لكن إسمحي لي، الكلام الذي تفضلتم وعرضتموه من خلال الأخبار نموذجي، موضوع سوتشي نموذجي ونعود إلى الكلام الذي قلته سابقاً، ما الذي حصل في سوتشي؟ نحن نعود مجدّداً إلى مرجعية ميثاق الأمم المتحدة، يعني احترام المعاهدات التي وُقعّت، عندما يعود السيّد أردوغان ويقول إنني أريد أن أعود لاتفاقية أستنة يعني يعود لاحترام القانون الدولي، وهذه النقطة نموذجية لأنه نتأرجح في الموضوع السوري من باب تركيا بين مستويين، مستوى التلاعب على موازين القوى، وموازين القوى أصبح ليس لصالح الدولة التركية، والعودة لتنظيم العلاقة وهي العودة إلى الأمم المتحدة. وهنا أريد أن أذكّرك بنقطة مهمة جداً، هناك شيء في ميثاق الأمم المتحدة سيّدة إليسار إسمه معاهدات الأمن الجماعي، أنا أتذكّر أنه من عشر سنوات كانت هناك بداية نقاش بين دولة الإمارات ودولة إيران حول قيام معاهدة مشتركة في هذه المنطقة، ماذا حصل؟ سياسة الإيذاء الأميركية، صحيح عندهم قدرة على الإيذاء، لكن أريني أين يبنون؟ أين لا يدمرون؟ هَروَلَ الأستاذ روبرت غيتس وزير الدفاع آنذاك إلى الإمارات ليقول لماذا تقومون بإنشاء معاهدة تعاون مع دولة إيران عليكم أن تبقوا تحت حماية ومظلة الصواريخ الأميركية، هذا الفرق اليوم بين العالم المتوجهين له والعالم الذي يريد الأميركي أن يستمر عليه، ولكنهم فشلوا في كل مؤتمراتهم ومحاولاتهم أن يقوموا به.

أليسار كرم: نعم، تماماً. أستاذ علوان هل يمكن لمسألة النازحين أن تكون مسألة حاضرة اليوم في مؤتمر ميونيخ وربما تكون أداة لابتزاز بعض الدول من جانب الولايات المتحدة أو حتى أوروبا؟

علوان أمين الدين: مسألة النازحين طبعاً هي من ضمن أيضاً الخوف من الهجرة عبر المتوسط وغيرها، والرئيس أردوغان تحدث أمس وقال أنّ تركيا دفعت بحدود الـ 40 مليار دولار على النازحين في هذه الفترة. هناك العودة الطوعية وهي موجودة في لبنان، طبعاً هذه مسألة ضغط على الحكومة السورية بما أنّ الوضع العسكري الميداني هو لصالح الدولة السورية والوجود الروسي بجانب الحكومة السورية وأيضاً الدعم الصيني الخفيّ نوعاً ما وطبعاً الوجود الإيراني.

في الشق العسكري لا يستطيع الضغط  كما كان من قبل. يعني أنا بالنسبة للشمال السوري عندي رأي خاص، أنّ الولايات المتحدة كانت تراهن على سقوط سوريا بعد الربيع العربي وتفكك سوريا، عندما فشلت في هذا الموضوع من تفكيك هذه الدولة أو تغيير النظام فيها أرادت أن تحجز لها مكاناً على الطاولة السورية، فبدأت بعد الوجود الروسي في سوريا أخذت مناطق في الشمال وأرسلت حوالى 2000 جندي وهناك عدة قواعد. بالنسبة للشمال السوري حسب الخرائط الجيولوجية وغيرها النفط أو الموارد الطبيعية موجودة في محافظة حمص، هذا النفط البري، لا يوجد شيء في المنطقة الشمالية، إلا أنها خزان زراعي لسوريا لأنها تقع ما بين النهرين، يعني حتى القطاع 36 الموجود فوق هو ليس بكافٍ لكي يُغري الأميركيين للوجود هناك، والدليل على ذلك أن الرئيس ترامب قال للعرب إذا أردتم أن نبقى في سوريا فعليكم أن تدفعوا وإلا سنغادر، هذا الموضوع لم يقله في العراق لأن العراق يعرف أنه ستكون له حصة - طبعاً هو ما يتمناه - أنه ستكون له حصة كبيرة من النفط، وخصوصاً إذا تذكّرنا زيارة العبادي إلى الولايات المتحدة، رئيس الوزراء السابق وقال أنه نحن دفعنا تريليونات الدولارات في الحروب في الشرق الأوسط ولم نحصل على شيء.

فبالنسبة لسوريا هي ستكون ورقة مقايضة أميركية في أية محادثات ستجري في ما بعد.

فالجزء المتعلق بعودة النازحين هو طبعاً جزء مهم للضغط على الحكومة السورية من هذا الباب.

أليسار كرم: هل يمكن أن يُمثّل مؤتمر ميونيخ اليوم نقطة تحول في هذا الملف أم أنه عاجز في هذا المكان أيضاً؟

علوان أمين الدين: كما تفضل الأستاذ القارح الموضوع هو أصبح منتدى أكثر مما هو مُقرّر وفاعل، يعني اليوم أنت تستشفين السياسات العالمية من خلال هذه المؤتمرات ومنها مؤتمر ميونيخ للأمن الذي هو أصبح مثل منتدى عالمياُ، كما تحدث أيضاً عن دافوس أنه منتدى اقتصادي.

أليسار كرم: ولكنه قد يُمهّد لبعض المتغيرات ولا سيما في اللقاءات الهامشية التي تحصل بين صنّاع القرار أكانوا رؤساء أم رؤساء حكومات أم حتى رؤساء منظمات دولية، لذلك نطرح السؤال.

علوان أمين الدين: طبعاً، في الكواليس هناك اجتماعات أيضاً تكون موجودة ثنائية واجتماعات بين القوى والأطراف، ولكن كمؤتمر لا توجد هناك نتائج مباشرة من خلال هذا المؤتمر، أما من خلال اللقاءات التي قد تكون وراء الكواليس طبعاً قد ينتج منها أمور كثيرة.

أليسار كرم: هناك بعض الدول ربما ما زالت تعوّل على هذا المنتدى أو المؤتمر في ميونيخ وأبرزها مصر لذلك سنتابع الآن تقريراً ورد في صحيفة الأهرام المصرية يتحدث عن روشتة أو وصفة مصرية لمواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط، سنتابع أبرز ما نصّت عليه هذه الروشتة ونناقش.

- تقرير: الأهرام: روشتة مصرية... لمواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط - رشا عبد الوهاب

الأزمات تضرب في أواصر العالم، من الاضطرابات الداخلية إلى الصراعات بين الدول، التي وصلت إلى مرحلة الذروة خلال 2018 وبدايات 2019. فمن الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي، خروج بريطانيا من التكتل الموحّد " بريكست" إلى الخلافات الثنائية الناشبة بين فرنسا وإيطاليا من جهة، وفرنسا وألمانيا من جهة أخرى، ودول شرق القارة العجوز وغربها، إلى المشكلات الداخلية مثل السترات الصفر واليمين الشعبوي والإرهاب والهجرة، إلى جانب السياسات المثيرة للجدل الأميركي دونالد ترامب، التي تمثل تهديداً للأمن العالمي مثل مواقفه من الصراع العربي الفلسطيني، والانسحاب الأميركي من سوريا، والحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، والملف الإيراني... وغيرها الكثير من التحديات، التي جعلت التحذير من تفكك النظام العالمي العنوان العريض لمؤتمر ميونيخ الأمني.

ويمثل حضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمؤتمر ميونيخ خطوة مهمة باتجاه طرح رؤية مصر للقضايا الأمنية والاستراتيجية التي تهدد الشرق الأوسط والعالم، وذلك مواكبة لتوليها رئاسة الاتحاد الأفريقي خلال 2019. مشاركة مصر تأتي ضمن سياق دورها في التنمية ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، كما أنّ مصر تؤدي دوراً كبيراً من أجل حلّ الصراعات التي تعصف بالمنطقة، ما يجعلها الأكثر دراية بالقضايا الأمنية والتحديات التي تهدّد الشرق الأوسط، سواءً على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وملف المصالحة، إلى جانب التحديات في سوريا وليبيا واليمن، وغيرها من القضايا التي تثير مخاوف وانقسامات عالمية.

أليسار كرم: نطرح السؤال على الأستاذ رودولف القارح، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر تحديداً بعد مشاركتها في قمّة ميونيخ أو مؤتمر ميونيخ وهي تعوّل عليه على ما يبدو، هل هو دور يقتصر على شمال أفريقيا أم يمكن أن يصل إلى سوريا ومنطقة بلاد الشام عموماً؟

رودولف القارح: إذا أخذنا الموضوع من زاوية فقط الأمنية، طبعاً لمصر ولجوار مصر ولكل دول شمال أفريقيا والمنطقة دور في مواجهة آفة الإرهاب ولكن الإرهاب ليس مشكلة أمنية، الإرهاب بالأساس سياسي، وبالتالي الحكومة المصرية إذا كانت تبحث عن دورٍ اليوم يجب عليها إعادة النظر بكامل سياستها في هذه المنطقة، أولاً علاقتها ببعض دول الخليج، ثانياً بعلاقتها مع الولايات المتحدة، لا يمكن لمصر بدورها وموقعها أن تستمر في هذه السياسة وتلعب دور كاسحة ألغام لغيرها، على مصر أن تعود إلى الحضن السياسي الفعلي القومي العربي وتنتهج خطاً جديداً في مواجهة كل مشاكل المنطقة.

طرحتِ سؤالاً سابقاً حول هل سيتمخض مؤتمر ميونيخ عن توجهات؟ رأيي بمؤتمر ميونخ قد أعطيتك إياه، ولكن أؤكد لك أنه لن يكون لمؤتمر ميونيخ أية فعالية فعلية في ظل الأوضاع الراهنة، سيكون مرحلة، محطة في هذه المواجهة الشاملة، وسنرى في الأيام المقبلة بعض الدول التي - وأتكلم تحديداً عن العدو الإسرائيلي الذي يُعنتر اليوم لأنه يظن  نتانياهو أنه يمكن أن يُوظّف مآسينا وما يحصل عندنا في حملته الانتخابية - هذه مسألة أخرى.

بغض النظر عن كل هذا، لا يمكن لمؤتمر من هذا النمط كما لم يحصل مع دافوس أو غيرها سوى أن يكون مؤشراً لتوجّهات، وعلى هذه المؤشّرات، على هذا التقييم ستحدّد سياسات الدول.

أليسار كرم: فرملة صفقة العصر، بالحديث عن العدو الإسرائيلي ولا سيما أنّ فلسطين ستشارك للمرة الأولى بصفة دولة فلسطين في هذا المؤتمر ألا يمكن أن يلعب دوراً ولو بسيطاً في فرملة لصفقة القرن؟

رودولف القارح: صفقة القرن باعتقادي الشخصي أصبحت بلا أجنحة، يعني الطائر يحاول أن يطير ولم يعد عنده جناحان للطيران ويسير على الأرض،  صفقة القرن كانت تتطلب إسقاط سوريا، كانت تتطلب ضرب الذي نسميه نحن محور المقاومة، كانت تتطلب شروط مختلفة كلياً، كانت تتطلب إجماعاً أميركياً وأممياً على هذا الموضوع، أقول أميركياً لأنه دور الولايات المتحدة في إسرائيل أساسي، ليست إسرائيل الذي تقرّر، إسرائيل تشارك بالقرار ولكن القرار أساساً أميركي.

وضع  ترامب الداخلي اليوم صعب جداً، فشله في فنزويلا، فشله في أمكنة أخرى، فشله في سوريا حيث ستنسحب القوى الأميركية، مهما قالوا وركّبوا، أميركا تنسحب وليس معنى ذلك أنه اختفت أميركا وأنها لا تستطيع أن تؤذي، طبعاً يمكنها أن تؤذي، ولكن الموضوع الأساسي ألا ننجر نحن في المنطق أو في مسار المنطق الذي يريدونه، نحن أيضاً عندنا منطقنا في هذا الموضوع. ماذا تعني صفقة القرن؟ يعني إلغاء القضية الفلسطينية، لن تُلغى القضية الفلسطينية والمشاهد والناس يعون هذا الموضوع، ولا مؤتمر ميونيخ ولا أي مؤتمر آخر ولا وارسو يمكن أن يُنهي قضية مرجعيتها الأساسية، أعود وأكرر، هي الأمم المتحدة.

أليسار كرم: كي لا نستغرق كثيراً في الشأن العربي على أهميته تفضلت بالحديث عن فنزويلا وأود أن أسأل الأستاذ علوان أمين الدين عن فنزويلا هل يمكن أن تنزلق فنزويلا إلى اقتتال داخلي وهل يمكن أن تُنفّذ الولايات المتحدة تهديداتها بتدخل عسكري في فنزويلا؟

علوان أمين الدين: سأعطيك بعض المؤشرات، أيضاً برأيي الشخصي أنّ موضوع ضرب فنزويلا وما يحدث في فنزويلا إذا ما عدنا إلى ما قبل رأس السنة، في أواخر الـ 2018، وصول البجعة البيضاء الروسية  وهذا سلاح استراتيجي ثقيل إلى فنزويلا، هذا مؤشر خطير على الأمن القومي الأميركي، طبعاً موضوع النفط هو موجود، حسب الدراسات يُقدّر الاحتياط النفطي المؤكّد هو الأعلى لفنزويلا بحدود 24.8%، ولكن الموضوع في فنزويلا هو أيضاً موضوع أمني، يعني فنزويلا ما زالت من الأنظمة اليسارية التي لم تستطع الولايات المتحدة إسقاطها، نعود أيضاً إلى كتاب مهم لجورج فريدمان إسمه العقد المقبل، تُرجِم بالعربية إسمه الامبراطورية والجمهورية في عالم متغيّر، ضمن هذا الكتاب يضع - طبعاً هذا ليس موضوعاً مُقدّساً - ولكن نستشفّ منه أموراً كثيرة خصوصاً أن جورج فريدمان هو رئيس مركز تراتسفور التابع للبنتاغون، يقول بالنسبة إلى موضوع الشرق الأوسط لنعود إلى فنزويلا، المهم ثلاثة أمور، أولاً استمرار تدفّق النفط، ثانياً القضاء على الإرهاب وهذا مفهوم أيضاً ملتبس لأن الإرهاب بنظرنا غير الإرهاب بنظر الولايات المتحدة، ومواجهة إيران.

بالعودة إلى أميركا اللاتينية، طبعاً فصّل كثيراً بموضوع أميركا اللاتينية ولكن أهم أو أبرز ما قاله إنّ أهم دولة بالنسبة للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية هي البرازيل وبشرط واحد أن تحصل على قوى بحرية تستطيع أن تقطع طريق محيط الأطلسي ما بين القارة الأفريقية وما بين البرازيل، واليوم كما نرى أنه تمّ وصول بولسونارو إلى البرازيل واليوم هناك مشكلة بالنسبة إلى موضوع البريكس وأين سيكون مستقبل البريكس مع وجود البرازيل ضمن المحور الأميركي.

أليسار كرم: البرازيل خارج هذا المحور.

علوان أمين الدين: فاليوم بالنسبة إلى فنزويلا أعتقد أنه قد تمّ استيعاب الأزمة.

أليسار كرم: استيعابها وليست آخذة في التصاعُد.

علوان أمين الدين: لا، الموضوع مُرشّح، لا تعرفي الولايات المتحدة وسياساتها، ولكن هناك مَن توقّع، لا أحد يعرف ما سيحصل في المستقبل، ولكن إلى حد الآن الرهان على انشقاق الجيش والتحاقه بالرئيس غوايدو أو المُعترَف به من قِبَل الولايات المتحدة، طبعاً الرئيس بنظرهم أو سنرجع لنفس الموضوع، فهو أنا أعتقد أنه إلى حد الآن المراهنات لم تُجدِ نفعاً إلى حد الآن.

أليسار كرم: سقط هذا الرهان. للأسف الوقت انتهى بالكامل كنت أودّ ألا نغيب عن موضوع بريكست ولكن ربما نخصّص له حلقة أخرى أو حوار آخر.

شكراً جزيلاً لضيفينا الكريمين الأستاذ علون أمين الدين مدير مركز سيتا للدراسات، والأستاذ رودولف القارح الأستاذ الجامعي والمستشار في المؤسّسات الأوروبية وكان معنا من بريكسل عبر سكايب. والشكر موصول لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة إلى اللقاء.