حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

فيصل عبد الساتر ومصطفى حامد أغلو

 

محمد علوش: بعد مضيّ قرنٍ على تشكيل الخارطة السياسية للشرق الأوسط، هل يُعاد بناء دوله من جديد؟ ثلاثة مؤتمراتٍ في شهرٍ واحد هي لرسم التحالفات الدوليّة والإقليميّة في قضايا المنطقة، من مؤتمر وارسو حول إيران، إلى مؤتمر دبلن حول صفقة القرن الأميركية.

الخلاصة المحوريّة في وارسو، إيران هي العدوّ، إسرائيل هي الشريك لمواجهة هذا العدو، أما التطبيع فهو كلمةٌ ملطّفة إذا ما قورنت بمستوى العلاقات بين إسرائيل ودول عربية.

على الضفة الأخرى من أوروبا، قمّة سوتشي تجمع اللاعبين الفاعلين في الإقليم، روسيا، إيران وتركيا. من حيث الشكل، القمّة لبحث التعاون في مكافحة الإرهاب وإطلاق عمليةٍ سياسيةٍ في سوريا. من حيث المضمون، تدشين حلفٍ ثلاثيّ مضادٍ لحلف وارسو، أقلّه رفض أطرافه محاصرة إيران واستعدائها.

فهل حقّق مؤتمر وارسو أهدافه؟ وهل ستنجح قمّة سوتشي في الحفاظ على مصالح أطرافها؟ ما هي الخطوة التالية لمؤتمر وارسو في مجال التطبيع والقضية الفلسطينية؟ وإلى أين يقود التقارب بين دول خليجية وإسرائيل؟

للنقاش معنا مدير مركز دال للإعلام فيصل عبد الساتر، ومن إسطنبول مصطفى حامد أوغلو الكاتب والباحث في الشؤون السياسية.

 

(فاصل)

 

محمد علوش: حيّاكم الله وأهلاً بكم مشاهدينا في حوار الساعة، ونرحّب بضيفينا، ونبدأ بضيف الاستوديو الأستاذ فيصل عبد الساتر. أهلاً وسهلاً بك. صباح الخير.

 

فيصل عبد الساتر: أهلاً وسهلاً بك. صباح الخير.

 

محمد علوش: ما أخباركم؟

 

فيصل عبد الساتر: أهلاً وسهلاً بكم.

 

محمد علوش: أيّهما كان مهمّاً، هل قمّة سوتشي أم مؤتمر وارسو، في تقديرك لأهمية المنطقة فيه؟

 

فيصل عبد الساتر: ثمّة مقارنة قد تكون إلى حدٍ ما غير متطابقة، إذا ما أردنا أن نأتي لصيغة تقارب بين المؤتمرين، فالمؤتمر الأول الذي أعلن عنه قبل فترة طويلة، وكانت الغاية المعلنة منه تحشيد دولي ضدّ إيران، وتأسيس ما يسمّى ناتو عربي ضد إيران، وقمة سوتشي هي قمة أصبحت وكأنّها قمّة متّفق عليها مسبقاً، بمعنى أنّها ليست المرّة الأولى، وهناك اجتماعات ضمّت هذه الدول الثلاث، كلّ منها يتعاطى في المشهد من زاوية مختلفة. الزاوية التي تهمّنا في هذه المنطقة هي ارتسام المشهد السياسي بشكلٍ أو بآخر، بما يعني المنطقة. المؤتمر الدولي في وارسو لا يمكنه رسم المشهد السياسي، إذ إنه ليس له أيّة أرضية ميدانية، بينما قمّة سوتشي تتعاطى مع وقائع ميدانية، وأهمّها ما يجري في سوريا منذ أكثر من ثماني سنوات.

 

محمد علوش: ربما هذا يصحّ في سوريا، ولكن في قضايا المنطقة بشكل عام، العلاقة مع إيران، الثقل النفطي الخليجي، وجود إسرائيل كلاعب قوي جداً، ألا يُعتبَر هنا، مقرّرات مؤتمر وارسو تكون أكثر أهمية؟

 

فيصل عبد الساتر: أعتقد هنا القطبة المخفية دكتور محمّد، أنّ مؤتمر وارسو في إعلانه العام كان موجّهاً ضدّ إيران، أو كانت معنية به إيران بشكل واضح. الشيء الذي حصل فعلاً أننا ذهبنا باتجاه حلف عربي إسرائيلي أو حلف بعض العرب مع إسرائيل بشكل واضح، وبيع للقضية الفلسطينية بشكل واضح، ولم تكن إيران هي الحاضرة بما كان متطلباً من هذا المؤتمر. لذلك رأينا الموقف الأوروبي، على الأقلّ ألمانيا وفرنسا، اللتين تحدّثتا بشكل واضح أنهما في حلف الناتو الحلف الدفاعي وليس لأغراض هجومية أو لأغراض تحشيد ضد إيران، وأعتقد هنا أنّ الأميركي وُجّهت إليه صفعة من داخل بيته.

أما في ما عدا ذلك، فإنّ الأميركي، نعم، حقق نجاحات. نحن لم نعد نتحدّث عن تطبيع، والتطبيع أصبح حالة خلف ظهورنا مع الأسف الشديد، عندما نرى هذا التهافت العربي، وعندما تعلن الصحافة الصهيوني اليوم وأمس وقبل أمس، أننا بدأنا مرحلة جديدة مع العرب وتعني السعودية والإمارات والبحرين بشكل أساسي، فهذا يعني أنّ التطبيع لم يعد له أيّة قيمة بالمعنى الحقيقي، نحن أمام حلف قد يُعلَن بشكل رسمي، وإن كان الآن قد أصبح بشكل رسمي، وهذه هي القضية الخطيرة في هذا الموضوع، كنّا في إيران، ذهبنا باتجاه فلسطين.

 

محمد علوش: البعض اعتبرها زفّة لعلاقات إسرائيلية عربية أكثر منها، والبعض اعتبرها عرساً إسرائيلياً خليجياً أكثر منه تدشين حلف لمواجهة إيران، بمعنى وكأنّ الولايات المتحدة الأميركية تريد أن تضفي نوعاً من الرسمية على هذه العلاقات بحسب ما تقول بعض الصحافة المعارضة لهذا التوجّه.

دعنا نتحوّل إلى ضيفنا من إسطنبول مصطفى حامد أوغلو. صباح الخير أستاذ مصطفى. بدايةً، تركيا غابت عن مؤتمر وارسو وحضرت بقوّة على صعيد رئيسها ووزير دفاعها في قمّة سوتشي. ما الذي أبعدكم عن مؤتمر وارسو؟ هل تجد تركيا ألا مصلحة لها في الحضور إلى جانب حلفائها، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية؟

 

مصطفى حامد أوغلو: تحية للجميع. طبعاً تركيا تنظر بمنظار آخر صراحة، ترى أنّ هناك تغيّرات فكرية وتغيّرات سياسيّة، وتوجد حروب صراحة وعدم استقرار في المنطقة، هناك بعض العملية الديمقراطية، هناك حقوق الإنسان مهدورة في كثير من هذه البلدان، حقوق المواطنة أيضاً غير موجودة. تركيا ترى، وكانت دائماً تركّز وتقول إنّ هناك لاعبين أساسيين في هذه المنطقة، أبناء هذه المنطقة، هناك دول إقليمية، إيران، تركيا، مصر، حتى المملكة العربية السعودية، يجب أن تكون التحرّكات في هذه المنطقة نابعة صراحة من تلبية احتياجات أبناء المنطقة، ولا يحق لمن يأتي من وراء المحيطات أن يرسم ويخطط لأبناء هذه المنطقة، وعادة هي تقول إن أميركا عندما تأتي إلى هذه المنطقة لا تخطّط إلا للدمار وعدم الاستقرار وتقسيم المقسّم وتجزّيء المجزّأ، ليس هناك خلاف صراحة ما بين أميركا وما بين تركيا على وحدة الأراضي السورية، وهذا ما يجمع تركيا مع روسيا، لذلك تركيا تلتقي مع روسيا على وحدة الأراضي السورية، وأيضاً تلتقي مع إيران على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، قد تكون هناك خلافات على مستقبل سوريا.

 

محمد علوش: بماذا تختلف تركيا عن السعودية والإمارات والبحرين في الموضوع السوري حتى لا تذهب إلى هذا المنتدى إذا كان هذا المنتدى العنوان الأساسي له طبعاً كان الحديث أو تدشين منتدى للسلام العالمي؟

 

مصطفى حامد أوغلو: اليوم الكثير من تحرّكات بعض دول الخليج هي ليست موجّهة صراحة لمصلحة أبناء المنطقة، هناك ربما محاولات، أنها تحاول أن تعيق الدور الإيراني أو حتى تعيق الدور التركي، وكأنّ الدور التركي، خاصة الدور التركي نتكلم، أنّه هو أكبر مشكلة في هذه المنطقة، بينما هناك كما ذكرت تهافت للتقارب مع العدو الإسرائيلي المغتصب للأراضي المقدّسة. تركيا تنظر من هذا الموضوع صراحةً، أولاً هي تريد استقرار المنطقة، لكن هناك الخلاف صراحة اليوم ما بين الحكومات العربية وما بين الشعوب العربية، تركيا تريد أن يكون هناك دعم لحقوق المواطنة، لمتطلبات الشعوب العربية، لذلك لا أقول إنّ هذا اللقاء هو حلف عربي إسرائيلي، أنا أقول إنه حلف ربما إسرائيلي مع بعض الأنظمة العربية.

 

محمد علوش: لكن قد يقول البعض أستاذ مصطفى، إن تركيا غابت عن هذا المؤتمر، لكن حضرت مؤتمرات سابقة عديدة إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، وكان يومها طبعاً تدخل مباشر في سوريا وفي قضايا أخرى، ولم يكن الموقف التركي عنده هذا التحفّظ.

سأعود إليك بكل تأكيد. إسمح لي أن أعود إلى ضيفي في الاستوديو لأسأل، تقديرك، إلى أيّ حدّ كان هناك انسجام بين الرؤى الثلاث، تركيا، روسيا، إيران في قمّة سوتشي؟

 

فيصل عبد الساتر: هذا هو السؤال المهمّ، في تقديراتي أنّ الذي حصل في سوتشي لم يكن واضحاً تماماً، إذ إن هناك تباينات واضحة تظهر على السطح في أكثر من مرّة وفي أكثر من اجتماع. لاحظنا التصريح الإيراني أنه قال إنّه يدعم التفاهم الروسي التركي في شأن منطقة.

 

محمد علوش: حتى يتفّهم هواجس ومخاوف الأتراك.

 

فيصل عبد الساتر: صحيح.

 

محمد علوش: وأبدى رغبة في تدشين أو إعادة ترميم العلاقة بين سوريا وتركيا، موقف متقدّم جداً.

 

فيصل عبد الساتر: صحيح، وأبدى أيضاً تفهّماً أو ربما أعلن عن وساطة يمكن أن يقوم بها هو والجانب الروسي في إطار إعادة العلاقات بين روسيا وسوريا بشكل من الأشكال. لكن المشكلة هي دائماً في النوايا التركية الحقيقية، فهنا إسمح لي أن ندخل إلى عالم النوايا في السياسة، صحيح أنّ البعض يقول إنّه ليس من حقّك أن تحاكم النوايا، لكن عندما تكون أمام دولة لا تفهم بالضبط ما الذي تريده بعد كل هذه السنوات الطويلة من الحرب في سوريا، في كلّ مرّة تتقلّب بحسب المصالح التي تريدها، وبالتالي يكون لديك الكثير من المخاوف.

 

محمد علوش: تقصد بالنسبة لتركيا؟

 

فيصل عبد الساتر: نعم.

 

محمد علوش: الموقف الإيراني والروسي بالنسبة إليك واضح جداً؟

 

فيصل عبد الساتر: الموقف الإيراني، دعني أقول لك بكل صراحة، نحن الآن نتحدّث على الميادين، والبعض قد يقول إنّ الميادين ربما هي تكشف كلّ ما يجري في المنطقة من وجهات نظر متعدّدة، لكنها تتبنّى على الأقلّ ما يخصّ مصالح المنطقة، وفي النهاية ليس هناك من إعلام يمكن أن يكون فقط لأجل الفانتازيا، الإعلام أيضاً صاحب موقف في نهاية المطاف. دعني أقول لك بكل صراحة إنّ الوجود الإيراني في سوريا هو وجود سابق لكل ما جرى في سوريا، وهو وجود استراتيجي ضمن إطار حلف منذ العام 1979، منذ أن انتصرت الثورة، لم يتغيّر شيء في الوجود الإيراني سوى أنه زاد من جرعة الالتفاف حول سوريا. أما في ما خصّ العاملين أو الدولتين الأخريين.

 

محمد علوش: روسيا وتركيا.

 

فيصل عبد الساتر: صحيح أنّ روسيا كانت في إطار حلف تاريخي مع الرئيس الراحل حافظ الأسد، لكنّها غابت عن المشهد السوري فترات طويلة في ما خصّ الكثير من المحطات، وأيضاً تركيا كانت على علاقة دائماً في صعود وهبوط في كل المراحل السابقة، إلى أن توطّدت العلاقة مع وصول الرئيس بشّار الأسد إلى السلطة في سوريا، وبعد ذلك وصول الرئيس أردوغان، كانت العلاقة في أتمّ ما يكون، ثمّ بدأت تنحدر على خلفية الأحداث في سوريا، ثمّ بدأت إلى حال العدائية الواضحة، وأنّ تركيا تتحمّل جزءاً كبيراً ممّا جرى في سوريا.

على كل حال، هذا سرد تاريخي كان لا بدّ له بإشارة سريعة. أعود إلى مسألة النوايا. عندما نقول إن تركيا دائماً لديها نوايا غير واضحة، الآن سمعنا من الضيف الكريم الأستاذ مصطفى حامد أوغلو، يقول إنه دائماً الارتسام العام، أو الموقف العام بهذه الدول الثلاث، وحدة الأراضي السورية وسيادة سوريا على أراضيها. هنا السؤال، المشكلة هي في وحدة الأراضي السورية. تركيا لم تذهب في أيّة مرّة من المرّات لتطبيق هذا المفهوم في كل ما جرى في سوريا. أكثر من ذلك، أنّ وحدة الأراضي السورية من المفهوم التركي هو عدم حصول الكرد على ما يشبه الإدارة المحلية، أو تمدّدهم إلى حدود تركيا في حال من الأحوال.

أما مشكلة وحدة الأراضي السورية بالمفهوم الإيراني، هو أن تعود سوريا لتبسط نفوذها على كل الأراضي السورية، وتطرد جميع الإرهابيين، من دون أن يكون هناك الحقّ لأيّة دولة في أن تدخل أي شيء على الخريطة السورية، سواء بالقهر أو بالاتفاق أو بأي شيء من الأشياء. أما روسيا، روسيا الهامش الذي تعمل من خلاله في سوريا هو هامش ما دون الإسرائيلي إذا صحّ التعبير، أي هو هامش يريد أن يلعب بكل المساحات، لكن في مسألة ما خصّ العدو الإسرائيلي، دائماً الروسي متفهّم لما يقوم به الإسرائيلي، حتى أنّ ما حُكي عن اتفاق الجنوب، كان للروسي دور كبير فيه، وإن لم يكن موقّعاً، إن لم يكن هناك اتفاق واضح في شأنه، لكن الروسي لعب دوراً كبيراً في هذا الأمر لكي يحاول أن ينزع فتيل الصاعقة.

هنا أعود إلى مشكلة النوايا التركية. النوايا التركية، بالأمس سمعنا تصريحات أنّ مسلحي النصرة وإلى آخره لن يقوموا بأيّ إزعاج للقوات الروسية في شمال سورية. هذا كلام خطير.

 

محمد علوش: ممّن صدر هذا الكلام؟

 

فيصل عبد الساتر: من بعض الصحافة التركية أو بعض المسؤولين الأتراك.

 

محمد علوش: لا تستطيع أن تحمّل تركيا الرسمية صحّة هذا الكلام. هي تصنّف هذه الجماعات على أنها تنظيمات إرهابية.

 

فيصل عبد الساتر: لأنّ تركيا على المستوى الرسمي، لا تزال تقول بالموقف ونقيضه في آن معاً. لا تزال تركيا تسوّق في قضية المعركة المفصلية.

 

محمد علوش: إسمح لي أستاذ فيصل، قبل أن نأخذ التقرير التالي الذي هو مرتبط بالمصالح المشتركة والمختلفة بين الأطراف على قمّة سوتشي، أعود إليك لأسأل بشكل سريع أستاذ مصطفى، هل النوايا التركية واضحة تجاه سوريا؟ هل تركيا لديها رؤية بالأساس متكاملة وواضحة إزاء ما يحدث في سوريا، وبالتالي هي تطرح هذه النوايا أو هذه الرؤية على شركائها اليوم، روسيا وإيران؟

 

مصطفى حامد أوغلو: قبل أن أجيب على هذا السؤال، يجب أن تعطيني على الأقلّ نفس الوقت الذي أعطيته لضيفك، والذي أختلف معه في.

 

محمد علوش: سأبذل جهدي، ولكن الوقت يداهمني. تفضّل. خذ راحتك. تفضّل.

 

مصطفى حامد أوغلو: السرد التاريخي يجابَه أيضاً بسرد تاريخي، ونحن نعلم أنّ تركيا هي تحارب حزب العمال الكردستاني الإرهابي منذ أكثر من 30 سنة، والداعم الرئيسي والأول والذي كان يحتوي ويؤمّن معسكرات التدريب لعبد الله أوجلان هو النظام في سوريا. لذلك، كانت هناك حشود عسكرية في العام 1998، ومن ثمّ تمّ الاتفاق على توقيع اتفاقية أضنة التي يذكّر بها اليوم الرئيس بوتين، ويريد أن تكون هي بوابة الالتقاء ما بين تركيا وما بين النظام في سوريا.

هذا السرد أهمل جداً واختزل ما حصل في سوريا وكأنّ هناك نظاماً كان يحافظ على الحقوق ويلبي مطالب الشعب الذي أراد مطالب بسيطة جداً جداً في البداية، وتركيا صراحة وكانت على علاقة جيدة، ولذلك قامت بنصح النظام في دمشق عن أنه يجب أن يكون هناك تغيّر، يجب أن يكون هناك تلبية لهذه المطالب. نحن نذكر أنّ مطالب الشعب السوري كانت في البداية، الشعب السوري يريد محاربة الفساد، يريد إصلاح النظام، لكن ما حصل في سوريا من تدمير ومن قتل ومن تشريد، ضيفكم نسي البراميل التي دمّرت وقتلت الشعب السوري، نسي تهجير أكثر من سبعة ملايين سوري، نسي قتل أكثر من مليون سوري، كلّ هذه الأمور لا يمكن أن نختزلها، ونريد من تركيا أن يكون لها موقف اليوم يغاير ما حصلت عليه.

تركيا موقفها صراحة واضح، وثابت، ولمن يريد أن يفهمه كما هو صراحة، أما من يريد أن يبحث عن نوايا بعيدة جداً عن نوايا الموقف التركي، الموقف التركي يريد أن يكون هناك استقرار في هذه المنطقة، يريد أن يكون هناك انصهار في هذه المنطقة، يريد أن يكون محافظة على معالم وحدود وخرائط هذه المنطقة، صحيح هو له مشكلة كبيرة مع حزب العمال الكردستاني، لكن حزب العمال الكردستاني هو مشروع أميركي يريد تفتيت المنطقة، والضرر لا يقع على تركيا فقط، إنما يقع على تركيا وسوريا وإيران والعراق وكلّ هذه المنطقة، لذلك الموقف التركي واضح.

كانت تريد أن يكون هناك، حتى أنني أعرف أنّه تمّ تقديم خطة للنظام في دمشق، أن تكون هناك انتخابات تضمن للنظام، أصلاً اليوم الحصول على الأغلبية، وأن يكون هناك تنفيذ لنوع من الديمقراطية، وكان ربما الشعب السوري هو الذي سيحافظ على هذا النظام، لو أنّ النظام قام ببعض التعديلات. لكن ما حصل صراحةً، اليوم داعش، إذا تكلمنا عن داعش، القيادة الأميركية الجديدة تتهم القيادة الأميركية بأنّها هي من دعمت داعش، السعودية تتّهم إيران بأنّها هي التي دعمت داعش، إيران تتهم السعودية بأنّها هي التي أوجدت داعش، أميركا تتهم النظام بأنه هو الذي أوجد داعش، من الذي أوجد داعش؟ صراحةً كلّ هذه.

 

فيصل عبد الساتر: والبعض يقول إنّ تركيا أوجدت داعش أيضاً.

 

مصطفى حامد أوغلو: لذلك، يجب أن يكون صراحة، صحيح أنّ لكلّ جهة إعلامية ولكلّ دولة لها مصالحها الأولية، تركيا تقول دائماً تركيا أولاً، هناك تقاطع مصالح، اليوم تركيا وإيران وروسيا تلتقي على وحدة الأراضي السورية، لأنها صحيح تهدّد الأمن القومي.

 

محمد علوش: أستاذ مصطفى، لم أحاول مقاطعتك، لكن أظنّ الفكرة قد اكتملت، واسمح لي أن نأخذ التقرير التالي قبل أن أعود طبعاً للنقاش، لأنه بين روسيا وتركيا وإيران مصالح مشتركة في سوريا كما يقول البعض، لكن هناك أيضاً مخاوف تخصّ كلّ بلد منها، فكيف عالجت قمّة سوتشي مخاوف أعضائها؟

صحيفة القدس العربي تجيب.

 

القدس العربي: إيران وروسيا تستجيبان لمخاوف تركيا من الكرد

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمّة سوتشي الأخيرة، إن بلاده ستخرج من المناطق التي سيطرت عليها في سوريا بعد تطهيرها من الإرهابيّين، وتعيدها إلى الشعب السوري.

هذه التعبيرات الفضفاضة، لا يمكن أن تخفي القرار التركي الذي يبدو من الواضح أن تركيا قد اتخذته منذ اليوم الأول لدخولها تلك الأراضي السورية، بالتنسيق مع روسيا في إطار سوتشي، التي سمحت لتركيا بالدخول لطرد الخصوم المشتركين لأنقرة ودمشق، المتمثّلين في الانفصالين الكرد، وتنظيم "الدولة"، وفق استراتيجية محدّدة ومعلنة في تفاهمات سوتشي، منشورة في بياناتها الرسمية، وهي ألا تتعارض أية تحركات لأعضاء سوتشي داخل سوريا مع هدف إعادة سلطة الدولة السورية إلى الأراضي السورية كافة مستقبلاً، وهذا هو نص ما قاله كل من الرئيس الروسي والرئيس الإيراني.

التحركات التركية داخل الأراضي السورية، في عمليات غصن الزيتون ودرع الفرات، لم تصطدم أبداً مع قوات النظام السوري، بل مع أطراف معادية لأنقرة ودمشق، وهذا يعكس مدى التنسيق بين موسكو وطهران وأنقرة، بحيث يتم تأمين مصلحة تركيا الملحّة بضرب الانفصاليين الكرد، وهذا يخصّ أولويات السياسة التركية التي تجعل القوى الكردية خطراً وعدواً أولاً، لا نظام الأسد، ولكن اللوم يجب أن يقع على مَن يظن أن تركيا ستخوض معركته نيابة عنه، وأن على أنقرة أن ترى الصراع في سوريا بعينيه وأولوياته هو المتمثلة بالإطاحة بالأسد لا الإطاحة بمشروع روجافا.

 

محمد علوش: أعود إليك أستاذ فيصل. بالفعل، بحسب ما تقول المقالة، إنّ التحرّكات التركية بحسب المراقبين طبعاً، داخل الأراضي السورية، هي لم تستهدف يوماً قوات النظام السوري، بقدر ما كانت تستهدف الأطراف المعادية لكل من دمشق وأنقرة. التفاهم التركي الإيراني على مستويات عالية جداً، أكثر بكثير من النقد الموجّه أحياناً لتركيا في وجودها داخل سوريا.

كيف يمكن أن نفسّر هذه المعضلة؟ ما السبب الذي قد يدفع الإيرانيين إلى هذا المستوى العالي من التنسيق مع الأتراك والتفاهم والتناغم، في الوقت الذي يطلق فيه الرصاص باتجاه الدور التركي الذي يعتبره البعض، بالفعل كان دوراً إيجابياً في ترتيب كثير من الأوضاع في الشمال السوري؟

 

فيصل عبد الساتر: هناك تصريحات لمسؤولين إيرانيين، كانت تصريحات لافتة، وصفوا العلاقة ما بينهم وبين روسيا بأنّها علاقة استراتيجية، في حين أنهم وصفوا العلاقة مع تركيا بأنها علاقات جيدة، والفرق بين العلاقات الاستراتيجية والجيدة يعطيك الجواب على مثل هذا الأمر. صحيح أنّ أكبر تفاهمات اقتصادية وتجارية هي قائمة بين إيران وتركيا، بخصوص ما يسمّى المناطق المتجاورة أو الدول المتجاورة، ويُعتبَر هذا الميزان التجاري بين البلدين هو الأكبر من حيث الحجم، وتأتي الإمارات الدولة الثانية ربما بين إيران ودول الجوار، لكن هذا لا يعني أنّ الأمور على المستوى السياسي، كانت بين البلدين، هي في محلّ تقارب إلى مثل هذا المستوى، في حين أنّ التفاهم الإيراني الروسيّ ربما ذهب بعيداً أكثر من ذلك في مواجهة السياسات الأميركية، في مواجهة ما يسمّى بدول أوراسيا أو إلى آخره، هذه المنطقة في آسيا الوسطى إلى آخره، أكثر بكثير من تركيا. هذا إن دلّ على شيء، عِلماً أنّ ما بين تركيا وإيران قد يكون العامل المشترك بما يسمّيه اصطلاحاً الإسلام السياسي، هو أقرب بكثير من أيّة دولتين أخريين على وجه العموم. لكن المشكلة، وهنا أعود إلى بداية ما كان يحصل في سوريا، الآن الضيف الكريم حاول أن يردّ عليَّ بسرد تاريخي.

 

محمد علوش: هو قدّم رواية واضح أنّها الرواية التركية، وحضرتك قدّمت رواية أيضاً.

 

فيصل عبد الساتر: دعنا نقول الآن، انطلاقاً من سؤالك بشكل أساسي، إذا ما أخذنا غصن الزيتون ودرع الفرات كشاهدين عمليّين على ما كانت تريد تركيا القيام به داخل سوريا، لكن هذا يتناقض مع ما جرى في بداية ما جرى في سوريا. تركيا طرحت أكثر من 13 مبادرة أو 12 مبادرة عبر زيارات مشتركة ولقاءات مع القيادة السورية، كانت تطرح أن يكون هناك حكومة أكثرها من الإخوان المسلمين، في أكثر من مرّة، ثمّ بعد ذلك تدرّج الوضع إلى أن تكون الحكومة فيها الثلث من الإخوان المسلمين، لقيت رفضاً واضحاً من القيادة السورية، لأنها كانت تدرك تماماً أنّ تركيا تحاول أن تدخل على خطّ الأزمة والأحداث في سوريا لتفرض شيئاً على المستوى السياسي. هذا الأمر ووجِه من قبل القيادة السورية بالرفض التام لعِلم سوريا أنّ هذا الأمر قد يجعل لتركيا دالّة كبيرة في ما يجري في سوريا في المستقبل.

بعد ذلك، ذهبنا من هذا الموضوع إلى دعم مباشر لكل المجموعات من قبل تركيا، وفتح الحدود بشكل كامل، وكان واضحاً أنّ هناك نيّة لدى الأتراك لاقتسام أجزاء من سوريا، وتحديداً إدلب ومحافظة حلب، وأنت تعرف أنّ حلب في التاريخ التركي هي جزء من تركيا بحسب ما كان يتحدّث به الأتراك. هذه أيضاً سقطت، ثمّ رأينا بعد ذلك تحوّلاً باتجاه الذريعة التي بدأت الآن تطفو على السطح، أنّ التمدّد الكردي والنفوذ الكردي إلى آخره. أولاً، لا بأس، لنعد إلى الموضوع، رئيس حزب العمال الكردستاني ألم تشارك دمشق في تسليمه؟

 

محمد علوش: عبد الله أوجلان، سلّمته دمشق.

 

فيصل عبد الساتر: صحيح، هذا يعني أنها طوت صفحة في هذا الإطار وبنت علاقات تفاهم مع تركيا، وأكثر من تفاهم، علاقات صداقة وصلت إلى حدّ وصفناه سابقاً. إذاً الموضوع الكردي لم يكن حاضراً في بداية ما حدث في سوريا ولا في أواسطها. هو حضر في المرحلة الأخيرة التي يريد التركي من خلالها إيجاد ذريعة ما لتدخله. هنا أعود إلى المسألة ما بين الذي تفضّلت به دكتور محمّد الآن، بالقول إنّ إيران أبدت تفاهماً في هذا الموضوع، التفاهم يناقضه ما يجري في الميدان السوري. الكلّ اتفقوا في المرحلة السابقة على ضرورة أن نعجّل في موضوع إدلب وإيجاد حلّ لموضوع إدلب وأن تكون هناك معركة واضحة لطرد الإرهابيين عبر، أول مرة اتفقوا على الفصل والمناطق المنزوعة.

 

محمد علوش: أين عرقل التركي؟ باختصار قبل أن أذهب إلى ضيفي.

 

فيصل عبد الساتر: الآن واضح، مثلما يقولون، الأرض هي التي تعطينا الخبر الصحيح، إما أن يذهب الأتراك إلى تبنّي مثل هذا الأمر، وننهي هذه الصفحة من شمال سوريا وشرق سوريا، لا شرق فرات ولا غرب فرات، وكلّ هذا هروب من المشكلة الأساسية. المشكلة الأساسية وجود جماعات إرهابية أتت إلى سوريا من داخل الأراضي التركية.

 

محمد علوش: موجودة في سوريا، ويريد الروسي والإيراني التخلّص منها.

 

فيصل عبد الساتر: بالضبط، يجب أن تنتهي هذه الصفحة.

 

محمد علوش: دعني أتحوّل إلى إسطنبول مرّة أخرى مع مصطفى حامد أوغلو لأسأل، الخطوة التالية بعد قمّة سوتشي تركياً ما هي؟ وهل يمكن بالفعل أن ينتهي الأمر بخضوع أو تفهّم تركي وتعاون تركي لإعادة بسط سيطرة الدولة السورية متمثلة بالرئيس الأسد ونظامه على كامل الأرض السورية؟

 

مصطفى حامد أوغلو: أولاً، من طوى الصفحة الكردية صراحةً هي تركيا وليست سوريا، عندما تمّ حشد حشود عسكرية، وبوساطة إيرانية ومصرية.

 

محمد علوش: حتى لا نستغرق كثيراً بالتاريخ. واضح أنّ هناك، ولا حتى تركيا اتهمت سوريا، ولا سوريا اتهمت تركيا في هذا الخصوص، الإشكال هو مختلف. تفضّل.

 

مصطفى حامد أوغلو: دعني أوضح الفكرة. لذلك تركيا، رغم أنّها فقدت عشرات الآلاف من أبنائها، طوت هذه الصفحة وفتحت علاقة جديدة جيدة مع سوريا. لكن ما حصل صراحةً، اليوم يتحدّث ضيفكم عن العناصر الإرهابية التي تدعمها تركيا. يا أخي، هناك ميليشيات إيرانية تدعمها إيران بشكل مباشر، على الأقلّ تركيا لم تقم بالتدخّل إلا من خلال العمليات العسكرية الرسمية، من خلال الجيش التركي.

ثانياً، أنت قلت، ذكرت أنّ تركيا تحارب عناصر معادية للنظام ومعادية لإيران، رغم هذا، رأينا في عملية غصن الزيتون، كانت هناك محاولات لوقف العملية العسكرية، لإنجاح عملية غصن الزيتون. أنا أقول إنّ إيران وروسيا وتركيا متّفقة على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، لكن هناك خلافات وخلافات ليست بالسهلة، ربما تكون هناك خلافات عميقة. هذا لا يعني أن يكون هناك تواصل على اليوم الحلّ نحو على الأقلّ، الحلّ الذي تقبله جميع الأطراف.

 

محمد علوش: أستاذ مصطفى، الإشكال، حضرتك تحدّثنا عبر الهاتف، وبعد الفاصل لا نستطيع الاستمرار فقط عبر الهاتف، فأنا أريد أن أستفيد بنقاط محدّدة. أنا سألت، هل تقبل تركيا بعودة سيطرة النظام السوري على كامل الأراضي السورية؟ هل هناك استعداد تركي لمثل هذه الخطوة التي من الواضح جداً أنّ إيران وروسيا تسعيان إليها؟

 

فيصل عبد الساتر: نعم، أنا أقول إن النتائج الإيجابية، إذا ما نظرنا إلى النتائج الإيجابية لقمّة سوتشي، فإنّها على الأقلّ أوقفت التدمير وقتل الشعب السوري، وأوقفت الاقتتال، كان إسمها خفض التصعيد، بالفعل هذا كان له نتائج إيجابية، لكن إذا كانت الرؤية هي لإيران ولروسيا وللنظام في دمشق، أنّ كلّ من خرج معارضاً للنظام هو إرهابي ويجب سحق هؤلاء الناس وقتلهم وتطويعهم وإذلالهم، هذه هي نقطة الخلاف التي بدأت الأزمة في سوريا منها، عندما نظر النظام إلى هؤلاء المتظاهرين أنّهم أعداء وإرهابيون، بدأت المشكلة، وهو الذي يتحمّل صراحةً هذه المسؤولية، اليوم مليون إنسان يُقتل، سبعة ملايين يُهجَّرون، عادة عندما يحصل ذلك في نظام ديمقراطي، تستقيل الحكومة. المهمّ، تركيا تريد أن يكون هناك صراحة تفعيل لعملية صوغ الدستور، ومن هناك الاتفاق على حلّ جذري يشجّع الناس.

 

محمد علوش: إذاً هو تفعيل الخيار السياسي، وهو خلاف للخيارات العسكرية التي كانت مطروحة من قبل. شكراً جزيلاً لك الأستاذ مصطفى حامد أوغلو الكاتب والباحث في الشؤون السياسية، كنت معنا من إسطنبول.

الحلقة مستمرّة مشاهدينا، لكن بعد فاصل قصير. أرجو أن تتفضّلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في حوار الساعة، نخصّصها للحديث عن مخرجات قمّة سوتشي ومؤتمر وارسو.

طبعاً في مقارنة بين مؤتمر وارسو وقمّة سوتشي، يشكّك جورج شاهين في صحيفة الجمهورية اللبنانية في جدية واشنطن بالانسحاب العسكري من سوريا. كيف ذلك؟ نشاهد معاً.

 

الجمهورية اللبنانية: سوتشي تقرأ في وارسو: انتهت رواية الانسحاب الأميركي، جورج شاهين

كان من الواضح بالنسبة إلى عددٍ من المراجع العسكرية والدبلوماسية أنّ المواجهة ستقع حتماً بين قمّة سوتشي الثلاثية ومؤتمر وارسو، إذ لم يلتقيا عند النقاط الجامعة التي عبّرت عنها تفاهمات سابقة روسية ـ أميركية.

وبمعزل عن خصوصيات المناسبتين وبفارق يتعدّى الهموم المشتركة بين مجموعتي الدول التي شاركت في هذين الحدثين، ليس من الصعب على أيٍ من المراقبين أن يكتشف ما ستؤول إليه التطوّرات على الساحتين الإيرانية والسورية تحديداً. وفي مقارنةٍ بسيطةٍ بين النتائج التي أسفر عنها الحدثان، فإنّ حجم الخلاف الاستراتيجيّ يظهر بينهما.

وفي ظل التشكيك الذي عبّرت عنه قمّة سوتشي بانسحاب القوات الأميركية من سوريا، فقد برز خلاف قوي بين أطرافها الثلاثة حول الخطوة والقدرة على تنفيذها. وهو ما عَبّرت عنه مواقفهم المتناقضة، فبوتين يصرّ على أن يملأ الجيش السوري الفراغ، فيما أكد أردوغان إنّ المنطقة تقع تحت نفوذه وحده وإنه قادر على إدارتها، أمّا روحاني فاكتفى بعرض الوساطة بين أنقرة ودمشق.

وأمام هذه الوقائع، لا تتردّد المراجع العسكرية والدبلوماسية عن التأكيد أنّ الحديث عن الانسحاب الأميركي من سوريا قد تحوّل ربما إلى مشروع سابق في ظل الحاجة إليه إلى وقت غير محدّد على وقع المعارضة الأميركية القوية التي يلقاها ترامب في مختلف الأجهزة العسكرية والاستخبارية، والتي ستدفعه إلى التراجع عن قراره قريباً. ولذلك، قد تظهر سيناريوهات أخرى لم يرصدها أحد بعد على رغم وضوح مسارها.

 

محمد علوش: ما صحّة هذه المصادر، المراجع العسكرية والدبلوماسية ربما، في التأكيد أنّ الانسحاب الأميركي هو سابق لأوانه؟ ربما نحن أمام خطة جديدة، بحسب ما أفهم مما يقوله جورج شاهين، الزميل في صحيفة الجمهورية، حول أنّ الولايات المتحدة الأميركية تعيد رسم هذه القوة والحضور لها عبر مؤتمر وارسو، أي أنّ مؤتمر وارسو هو خطوة للأمام وليس خطوة للتراجع.

 

فيصل عبد الساتر: دكتور محمّد، لو تسنّى للمرء أن يقول ما يجري في كواليس الحلقات الإعلامية، يكون أفضل بكثير ممّا يقوله، فخارج الكاميرا يتحدّث المرء بأريحيّة أكثر.

 

محمد علوش: يمكنك أن تقول ما تشاء على الكاميرا.

 

فيصل عبد الساتر: لا، أنه عادة يحصل عصف أفكار أكثر، من دون تحفّظ، المرء دائماً عبر الإعلام يرسم المشهد أكثر بدقّة. أنا ما أودّ قوله، في مؤتمر وارسو، أولاً هذا مؤتمر مقرّر منذ فترة، وهذا يعلن عن طبيعة النوايا الأميركية في ما خصّ كلّ المنطقة، أي ليس حيّزاً واحداً بما خصّ سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة وإلى آخره، إنما يرسم مشهداً أكبر بكثير على المستوى الدولي، وخصوصاً أنّه في مواجهة روسيا، التي كانت تعتبر وارسو أو بولونيا مركزاً لحلفها التاريخي، أي كان هناك رسائل رمزية وإلى آخره، وليس عن عبَث اختيار هذا الأمر، وأيضاً هذا له علاقة بسباق التسلّح القائم في موضوع الصواريخ ومعاهدات الصواريخ. إذاً وارسو هو أكبر بكثير من اللعبة الجغرافية في هذه المنطقة، لكن ضمناً كانت الولايات المتحدة الأميركية رسمت أهدافاً واضحة وحقيقية في هذا الأمر، إذ إنّها كانت تريد أمرين إثنين، وأحد الأمرين هو أهمّ من الآخر، بمعنى أنّها أخذت العرب لما تسمّيه بحلف ناتو ضد إيران، لكنّها عملياً كانت تريد أن يلتقي العرب بالإسرائيليين ويكون المشهد أكثر، أي خارج قضية التطبيع التقليدية، ليصبح أكثر إنجازاً على المستوى الرسمي، أنه بعد قليل أكلوا مع بعضهم ولا أعرف إذا ناموا في الغرف نفسها.

 

محمد علوش: كسرة الخبز، ذكّرتنا بقصة المسيح عليه السلام، كسرة خبز، كأنّهم أعطوا بُعداً مقدّساً للجلسة بين الطرفين.

 

فيصل عبد الساتر: صحيح.

 

محمد علوش: أو هكذا الأميركي، لا أعرف.

 

فيصل عبد الساتر: لذلك أقول مؤتمر وارسو صحيح أنّه أخفق في كثير من القضايا، لكن على الأقلّ من حيث الشكل، بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، حصل ما كانت تريده بكل ما للكلمة من معنى. أكثر من ذلك، لاحظنا وزير خارجية بولندا بتصريح خطير، لا أعرف إذا التفت إليه أحد، كان يتحدّث عن ضرورة أن يأتي النفط والغاز من إيران. عن أيّ إيران يتحدّث؟ إيران هذه الموجودة أو إيران التي تريد الولايات المتحدة الأميركية تغيير النظام فيها على ما دعا بولتون في أكثر من مرة، وقالوا لا يكملون 40 سنة وإلى آخره؟ إذاً القضية في بُعد بعيد المدى بهذا الموضوع. أما في موضوع سوتشي، لم يكن الأمر مقرّراً للرد على وارسو. قلنا إن هذه القمّة هي قمّة تعقد دورياً.

 

محمد علوش: صحيح.

 

فيصل عبد الساتر: لكن الواضح أنّ عدم ذهاب تركيا إلى هذا المؤتمر وعدم مشاركتها كان واضحاً أنه رسالة مشتركة تفاهمت عليها ما بين روسيا وإيران، لحساباتها هي وليس لحسابات روسيا وإيران بالمناسبة.

 

محمد علوش: هل أفهم من هذا الكلام أنّ الولايات المتحدة الأميركية ستسحب قواتها من سوريا أم لن تسحبها؟

 

فيصل عبد الساتر: هنا أريد الذهاب إلى هذا الموضوع. ما زال التركي إلى هذه اللحظة لم يقطع العلاقة بالكامل مع الأميركي، بمعنى أنه صحيح، ذهب في اتجاه الروسي أكثر، لكنه ما زال يبقي على علاقة واضحة وقوية مع كل من جهتين أساسيتين، الحلف الأطلسي كونه أحد أهمّ أقوى الجيوش فيها، وثانياً مع الولايات المتحدة الأميركية لأنّه جرّب في المرّة الأخيرة أو في المرّة السابقة، ورأينا كيف أنّ الاقتصاد أو البورصة في تركيا هوى إلى أدنى درجاته، وكانت هذه رسالة أميركية واضحة بالمناسبة. ومن هنا، التركي دائماً لديه محاذير في هذا الأمر.

الأميركي الآن يلعب لعبة أخرى تماماً، هو يريد أو يعلن في كل مرة أنه جدول الانسحاب، قال مرّة إنه في 24 ساعة، ثمّ عاد وقال بعد أسبوع، ثمّ قال، والآن يعلن أنّه في نيسان سيسحب قواته. على كل حال قواته رمزية في شرق الفرات، ليس هذا العدد، عملياً هو يستقوي بالحال الكردية، وداعش عملياً. الآن الأميركي نقل المواجهة إلى مكان آخر تماماً. إذا ما انسحب من سوريا، هو قال سيُبقي على قواته على أهبة الاستعداد في العراق، وهنا المشكلة الكبرى بالنسبة لإيران، قد تتحوّل المشكلة أكبر، سينقل الأميركي.

 

محمد علوش: المشكلة تصبح أكبر إذا نقل الأميركي؟

 

فيصل عبد الساتر: طبعاً، طبعاً.

 

محمد علوش: كيف؟ كيف بالنسبة للإيراني؟

 

فيصل عبد الساتر: طبعاً، أولاً لأنه في العراق، حتى الآن ليس هناك من وضوح في الموقف بالنسبة إلى السياسة، رأينا كيف أنّ الأمور في العراق تتجاذبها الأطراف السياسية. الواضح أنه ليس هناك اتفاق حاسم باتجاه موضوع التواجد الأميركي والقوات الأميركية.

 

محمد علوش: أو وضع جدول زمني لوجودهم.

 

فيصل عبد الساتر: وهذا يشكّل تهديداً واضحاً لإيران من أنّ القرب الجغرافي هو مهمّ جداً بالنسبة إلى إيران، نتحدث عن قواعد كبيرة، ولديها القدرة على الانطلاق في حال تهديد أو في حال القيام بأيّ عمل عسكري. من هنا نرى أنّ الأميركي يلعب لعبتين في آن، سيترك الأرض مكشوفة في سوريا لتنازع لا أعرف كيف سيذهب أو لقتال لا أعرف كيف سيذهب، إذا ذهب الكرد فعلاً باتجاه المواجهة مع الأتراك، أو الأتراك فعلاً سيدخلون إلى شرق الفرات.

 

محمد علوش: أي أن خروجهم من سوريا، تقصد، يهدف إلى دقّ إسفين بين القيادات الثلاث تركيا، إيران، روسيا؟

 

فيصل عبد الساتر: طبعاً، طبعاً. بالتأكيد، أو أنّ الأمر قد يتّخذ مواجهات معيّنة، بمعنى ما أنّ السوري سيكشف النوايا التركية، التركي سيكشف النوايا الروسية والإيرانية، الكلّ سيلعب هذه الورقة التي تسمّى بشرق الفرات بناءً لمصالحه الاستراتيجية والحيوية، لأن ليس هنالك من نوايا واضحة في هذا الإطار، وقلت إنّ لدى التركي حتى الآن، لماذا يبدأ بشرق الفرات ولا يبدأ بغرب الفرات، لماذا لا يبدأ بإدلب الآن، يعطي رسائل اطمئنان أكثر إلى هذا الحلف الروسي الإيراني السوري التركي؟ لماذا لا يعطي رسائل اطمئنان أكثر؟ لماذا دائماً يلوّح بشرق الفرات؟

 

محمد علوش: استكمالاً لهذه النقطة، من مؤتمر وارسو إلى اجتماع ميونيخ، ما هو أثر الانسحاب العسكري الأميركي من سوريا على بقاء قوات التحالف فيها؟

صحيفة الأخبار اللبنانية كتبت عن هذا الموضوع. نشاهد معاً.

 

الأخبار اللبنانية: التحالف للأميركيين: إن خرجتم خرجنا!

خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليبشّر بإعلان "عظيم" سيصدر من واشنطن اليوم (السبت) عن "تدمير داعش"، بعدما وعد الأسبوع الماضي بإشهار "النصر وإنهاء الخلافة" رسمياً، ليكون ذلك مفتاح البدء بسحب القوات الأميركية من سوريا. بُشرى ترامب هذه خرجت وفق طريقته المعتادة، توازياً مع لقاء هام بين عدد من وزراء الدول الأعضاء في التحالف الدولي ومسؤوليها، على هامش "مؤتمر ميونيخ للأمن". وركّز اللقاء على نقاش ملف الانسحاب الأميركي من سوريا، وانعكاسه المرتقب على عمل التحالف.

وكان أبرز ما كشفته المعلومات التي رشحت عن اجتماع ميونيخ، هو أن النقاش تخطّى مرحلة معارضة الانسحاب الأميركي، ومحاولة ثني ترامب عن القرار، وتحوّل نحو الخوض في الخيارات المتاحة أمام أعضاء التحالف بعد الانسحاب.

ومن الطبيعي أن يقود حسم التوجّه الأميركي إلى السؤال عن مصير قوات التحالف من الدول الأخرى، الموجودة على الأرض السورية، ولا سيما أن واشنطن كانت قد اقترحت مشروعاً لإنشاء قوّة مراقبة يقودها التحالف في شمال شرقي سوريا. غير أن اجتماع ميونيخ أمس لم يخرج بأيّ توافقٍ في هذا الشأن، وفق تصريحاتٍ متقاطعةٍ خرجت عن عدّة أطرافٍ مشاركةٍ فيه.

أما مصير المنطقة الآمنة وقوّة المراقبة، فلا يزال ملفاً مفتوحاً، ولم يتأخّر الجانب التركي، على لسان وزير الدفاع خلوصي أكار، ومن ميونيخ، عن التأكيد على أن "قيام التحالف بتأمين المنطقة الآمنة لن يكون مناسباً ولا كافياً"، مشدّداً على أن بلاده يجب أن تتولّى "وحدها" إدارة تلك المنطقة.

 

محمد علوش: طبعاً عنوان لافت في صحيفة الأخبار، "التحالف للأميركيين: إن خرجتم خرجنا". تقديرك، على افتراض أنّ الانسحاب الأميركي هو انسحاب حقيقي، سيكون في نيسان بحسب ما هو مقرّر، وإن كان باتجاه العراق، إلى أيّ حدّ هو يؤثر على وجود التحالف الدولي خاصة في شقّه السياسي، في الضغط على مقرّرات آستانة أكثر من واحد، وإضعاف لمقرّرات فيينا أو اتفاقات فيينا الدولية لجهة الحل السياسي في سوريا؟

 

فيصل عبد الساتر: دعنا نقول إنّ التحالف الروسي التركي الإيراني بلا شكّ وجّه ضربات قاصمة إلى التحالف، ما يسمّى بالتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، والواضح أنّ هذا التحالف سنوات ولم يحقّق أي شيء، بل إنه كان يسعى إلى قبض المزيد من الأموال من دول النفط العربية التي كانت تدفع من دون أيّ حساب.

في المشهد السياسي العام، نعم، الأميركيّ تلقى ضربة كبيرة، وخسر خسارات كبيرة في الداخل السوريّ، على مستوى كل ارتسام الخارطة السياسية، وأنا كنت أقول وما زلت أقول إنّ إعادة رسم الخارطة السياسية لا يمكن أن تبدأ إلا من خلال سوريا، سوريا المنتصرة، وليست سوريةا التي تتنازعها الكثير من الدول لتحقيق مكاسب سياسية، بمعنى أنّ سوريا هي التي ستكون صاحبة القول الفصل في رسم الخارطة، بدليل أنّ صمود هذه القيادة وصمود هذا الجيش أمام هذه الهجمة الشرسة التي لا مثيل لها في العالم على مستوى العصر الحديث، هو الذي سيحدّد الموضوع.

هناك موضوع، كان الضيف التركي تحدّث عن موضوع داعش وأنّ هذه الذريعة التي كان الكلّ يتّهم بها الآخر. أنت من الخبراء في موضوع النظريات الإسلامية السياسية والحركات الإسلامية السياسية. كلنا يعلم أنّ داعش منبتها التاريخيّ منبت ثقافي، ليس مسألة اختراع، في بطون الكتب التي تتحدّث عن هذا الموضوع، وأطعِمت بكثير من العناصر الأخرى لتكون هذه المنظمة أو هذه الحركات، أن تخدم المخابرات الأميركية في نهاية المطاف أيضاً.

 

محمد علوش: تمّ توظيفها وتأطيرها.

 

فيصل عبد الساتر: وضع بذور هذه الحركات في سجون الاحتلال الأميركي في العراق على خلفية البعثيين السابقين الذين كانوا قريبين من صدّام، تجمّعت عدّة عناصر تحت عنوان قومي فارسي وقومي عربي.

 

محمد علوش: تقصد في نهاية المطاف أنّ هذا المشروع أجهِض؟

 

فيصل عبد الساتر: بالضبط، هذا المشروع الآن أجهِض، لم يعد له اليوم القدرة على المنافسة.

 

محمد علوش: لم يبق لدينا الكثير من الوقت. ما الذي بقي أمام الأميركان؟ بأقلّ من نصف دقيقة.

 

فيصل عبد الساتر: الذي بقي أمام الأميركان هو التسليم بأنّ ما سعوا إليه في المنطقة من خلال إسقاط النظام في سوريا، ومن خلال إسقاط بذرة المقاومة، ثقافة المقاومة في المنطقة.

 

محمد علوش: هذا فشل.

 

فيصل عبد الساتر: بالتأكيد يجب عليهم أن يعيدوا النظر. الحال الوحيدة التي ممكن أن تريح المنطقة من عدم تفجير كبير هي التسليم بأنّ سوريا يجب أن تعود واحدة موحّدة، وأن يُسعى في هذه المنطقة إلى فعلاً تجفيف منابع التفجير، بعيداً عن القضية الفلسطينية التي ستكون هي وحدها باقية، لا يستطيع أحد طمس هذه القضية تحت عناوين متعدّدة، من هنا وهناك، لأنّ أميركا تلعب في فنزويلا، على أساس هي مرتاحة الآن لما يجري في المنطقة، ذهبت باتجاه فنزويلا وأميركا اللاتينية.

 

محمد علوش: كل الشكر والتقدير لك أستاذ فيصل عبد الساتر مدير مركز دال للإعلام، ونجدّد الشكر طبعاً لضيفنا من إسطنبول، كان معنا عبر الهاتف، الأستاذ مصطفى حامد أوغلو.

ولكم كل الشكر مشاهدينا لحُسن المتابعة. وإلى اللقاء.