أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

التركيبة النفسية والاجتماعية لجمهور الدعاة

نجح الكثير من الدعاة والمتشددون منهم على وجه التحديد على استقطاب مئات الآلاف من الأنصار والأتباع، حتى أصبح جمهور الدعاة بدون حدود على عكس جمهور المثقف الذي إنزوى وتراجع دوره إلى أن صنفه البعض ميتاً ومنتهياً. ومما قاله الدكتور فؤاد زكريا: إن دعاة تطبيق الشريعة يرددون عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير، ونتيجة لهذا التأثير العاطفي تمر هذه العبارات دون أن يتوقف أحد لمناقشتها، وتتناقلها الألسن محتفظة بمحتواها الهلامي، حتى تشيع بين الناس و كأنها حقائق نهائية ثابتة، مع أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط.

 

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

نجح الكثير من الدُعاة والمتشددون منهم على وجه التحديد في استقطاب مئات الآلاف من الأنصار والأتباع، حتى أصبح جمهور الدعاة من دون حدودٍ على عكس الجمهور المثقف الذي انزوى وتراجع دوره إلى أن صنّفه البعض ميتاً ومنتهياً.

وممّا قاله الدكتور فؤاد زكريا، إنّ دعاة تطبيق الشريعة يردّدون عبارات ذات تأثير عاطفي هائل على الجماهير، ونتيجةً لهذا التأثير العاطفي تمرّ هذه العبارات من دون أن يتوقّف أحدٌ لمناقشتها، وتتناقلها الألسن، محتفظةً بمحتواها الهلاميّ حتى تشيع بين الناس وكأنها حقائق نهائية ثابتة، مع أنها في ضوء التحليل العقلي عبارات مليئة بالغموض والخلط.

وقد تمكّن الدعاة من استقطاب الجماهير من خلال المساجد الكبيرة ومعاهد العِلم، ثمّ استثمروا ثورة المعلومات والاتصال ببُعدها التكنولوجيّ مثل مواقع الإنترنت، القنوات الفضائية وأسطوانات الليزر.

أول ما ساهم في ظاهرة انتشار الدعاة هو الخطاب البسيط والسطحيّ الذي لبّى الرغبة في التديّن عند جموع الشباب. ولم يرهقهم بمصطلحاتٍ وكلماتٍ لا يستطيعون فهمها، وقد أخرج هؤلاء للناس خطاب الحماسة وتقديم مسارات التاريخ الإسلاميّ بطرقٍ مغايرة.

ويُشار إلى أنّ العديد من الدعاة الذين فجّروا الأمن القوميّ العربي ليسوا من أهل الاختصاص، وهم لم يدرسوا الشريعة الإسلامية لا في معهدٍ مُعاصرٍ ولا على الطريقة الكلاسيكية القديمة. كثيرٌ منهم توجّه من الزراعة والطبّ والهندسة إلى المنابر، متحدّثاً عن أعقد القضايا العقديّة والكلامية والفقهية والأصولية والفلسفية. وخطابهم يتميّز بالتناقض وغياب الوحدة المنطقية للموضوع وغياب التحقيق والجرح والتعديل في أيّة مسألة.

حوَّل هؤلاء الدعاة الدين من ممارسةٍ سلوكيّةٍ أخلاقية إلى دينٍ يُكتفى بممارسته عبر الشاشة الصغيرة. أقنعوا المسلمين بأنّهم أقرب إلى الله بمشاهدة قناةٍ بعينها أو مشاهدة داعيةٍ معيّن، ومن خلال هذه الشاشة كفّروا، وزندقوا، وحرّضوا على الفتن العمياء. والعجيب أن هذه القناة تبثّ مثلاً من دولةٍ في المشرق العربي يتماهى معها سكان المغرب العربي ويذهبون مع هذا الداعية في ما يذكره فتندلع فتنةٌ هنا وهناك.

فما هو السرّ الذي جعل مئات الآلاف ينصاعون لهؤلاء الدعاة الذين لديهم أتباعٌ بالملايين في وسائط الاتصال الاجتماعي؟ هل يرتبط الأمر بغياب الثقافة الشرعية الأصيلة والتأسيسية، وغياب الحُجَج والبراهين لدى الناس، بحيث سلّموا عقولهم لهؤلاء الدعاة؟

وظاهرة قادة الرأي المُتزندقين ليست حالةً راهنةً، بل هي حالةٌ تاريخيّةٌ أيضاً. ويزدحم تاريخنا الإسلاميّ بقصص الدعاة الفاتنين والخطباء الزنادقة والولاة الكَذَبة، وهذا أحدهم شرب الخمرة بالكوفة وقام يصلّي بالمسلمين صلاة الصبح في المسجد الجامع، فصلّى بهم أربع ركعات بدل ركعتين، ثمّ التفت إليهم، فقال أأزيدكم، وتقيّأ في المحراب بعد أن قرأ بهم رافعاً صوته في الصلاة، علق القلب الربابا بعدما شابت وشاب، ولم يُشكِل عليه أحدٌ، وكان جمهور المصلّين طائعاً، تابعاً صامتاً، خاشعاً.

التركيبة النفسية والاجتماعية لجمهور الدعاة، عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب المفكّر الدكتور خليل أحمد خليل الأكاديمي المعروف، ومن الجزائر المفكّر الجزائري حسين قهام الباحث أيضاً والمتخصّص في التاريخ الإسلامي والدراسات الإسلامية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعا.

 

 

كتاب "سيكولوجية الجماهير" لغوستاف لوبون:

يرى المؤلف أن الجماهير لا تعقل فهي تلفظ الأفكار أو تقبلها كلاً واحداً من دون أن تتحمّل مناقشتها، وما يقوله لها الزعماء يغزو عقلها سريعاً، فتتجه إلى أن تحوّله إلى حركة وعمل وما يُحابيه إليها ترفعه إلى مصاف المثال ثم ترتفع به في صورة إرادية إلى التضحية بالنفس.

إنها لا تعرف غير العنف الحاد شعوراً، فتعاطفها لا يلبث أن يصير عبادة، ولا تكاد تنفر من أمر ما حتى تسارع إلى كرهه، وفي الحال الجماهيرية تنخفض الطاقة على التفكير ويذوب المغاير في المتجانس، بينما تطغى الخصائص التي تصدر عن اللا وعي.

وحتى لو كانت الجماهير علمانية، تبقى لديها ردود فعلٍ دينيّة تفضي بها إلى عبادة الزعيم، وإلى الخوف من بأسه، وإلى الإذعان الأعمى لمشيئته، فيصبح كلامه دوغما لا تناقش وتنشأ رغبة في تعميم هذه الدوغما.

أما الذين لا يشاطرون الجماهير إعجابهم بكلام الزعيم، فيصبحون هم الأعداء. لا جماهير من دون قائد كما لا قائد من دون جماهير، كتب لوبون قبل قرن من الزمن.

 

يحيى أبو زكريا: هي ثالثة الأثافي دكتور خليل، هي كارثة حقيقية عندما يصبح العقل في الأسْر، وعندما يصبح الناس إمّعةً، وعندما يسلّمون قرار دنياهم وآخرتهم لفقيهٍ لا نعرف هويته ولا ماهيته، ربما نعرف جهله.

لماذا بنظرك هذا الاندفاع الجماهيري الذي رأيناه في المغرب العربي كما في مشرقه؟

 

خليل أحمد خليل: هذا سببه واضح جداً، إهمال العقل بدل إعماله، إهماله والفصل بين العقل واللا عقل بخط وهمي، أنا أسميه الخط الاستوائي. المثقفون والعلماء الحديثون يخاطبون العقل وما بعد، هؤلاء الدعاة يخاطبون ما هو دون خط العقل، يخاطبون الوَهْم كما في كتابي "عقل العلم وعقل الوَهْم".

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: لأنك أنت تريد أن تبني سلطة، لا بدّ من معتقد يحوّل الجماعات إلى مجتمع، هم ركّزوا على ضرب هذا المعتقد، وجعلوا الناس يعتقدون أن دينهم فيه أسوأ شيء في العالم، وجعلوا الآخرين يظنون أن دينهم غير قابل للتطبيق إلى آخره، فأنت عندما تخاطب جمهوراً سياسيّاً باسم الدين، كأنّك تجعله يخال أنّ كلامك مقدَّس، وطبعاً نحن نعرف أنّ المجتمعات المقدّسة هي مجتمعات مغلقة، إلا إذا لعبت النخبة، القرّاء، الصحابة، كما في الإسلام الحنيف، لعبت دورها الخلّاق، هنا نحن نتحدّث عن الدين بالمعنى القرآني، للكافرين دين وللمسلمين دين، "لكم دينكم ولي ديني" أي لكم طريق ولي طريق.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: لكنه لا يكفّرهم، قل أنتم كافرون ونحن مؤمنون، هذا طريق وهذا طريق.

 

يحيى أبو زكريا: لكل خياره.

 

خليل أحمد خليل: لكل خياره، فعندما يميّع الرأي العام، الرأي العام برأي بورغيه وغيره، هو شيء خرافي، لأن الفرد هو الذي يوجّه. تزرع فكرة، صحيحة أو خاطئة حسب الهدف، لأن الإصابة من الصواب وأنت تصوّب، فالداعية، وهنا نرى كيف وبماذا تميّز الإسلام في مكّة ثم خاصة في المدينة، بالدعوة، دعوة الناس مثلاً إلى الصلاة، والدعاء غير الصلاة، الدعاء هو إذا أردت صلاة غير منتظمة وغير طقوسية، بينما الصلاة هي دعاء منتظم.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: فكان مثلاً يهود العرب يدعون إلى دينهم بالطبلة، ثم جاء النصارى العرب بعد مئات السنين، واستعملوا الناقوس.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: فجاء الإسلام بالدعاء بالأذان، بالكلمة.

 

يحيى أبو زكريا: صوت الإنسان.

 

خليل أحمد خليل: صوت الإنسان، فخاطب الإنسان، إلى أن وصلنا الآن إلى وسائل التواصل التي تحدّثتم عنها.

 

يحيى أبو زكريا: لكن الفرق بين دعاة تاريخئذٍ غير الدعاة اليوم؟

 

خليل أحمد خليل: الداعي وظيفته أن يوهِم المدعو بأنه هو على حق، كما يقول المعرّي، كلٌ يعظّم دينه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: وهذا لا يمكنك أن تأتي وتقول إنه لماذا تعظيم اليهودي ليهوديته والنصراني لنصرانيته والمسلم لإسلامه، هذه طبيعة الحال، ولكن إذا كنت تدعو الناس إلى ما أنت غير مقتنع به، فكيف ترجو أن يقتنع به الآخرون؟ هنا يأتي قوله، قول موريس ديفيرجيه مثلاً، "تريد أن تحكم أوهم، اخدع".

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: وهذه الفارابي أمسك بها منذ زمن، السياسة مخاتلة، فهنا نكون قد انتقلنا من الدعوة إلى سبيل الله مثلاً، شيء، ودعوة إلى سبيل الإنسان، الحاكم، إلى آخره.

 

يحيى أبو زكريا: وهذا ما انطلى على كثير من الناس عندما اختلط السياسي بالديني وطرحت مشاريع.

 

خليل أحمد خليل: طبعاً، لأنه تحت خط العقل لا يوجد عقل ناقد.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، صحيح.

 

خليل أحمد خليل: لا يوجد نقد، هناك، الدماغ، أصلاً المشكلة هي في الدماغ، الدماغ تنقل إليه العين والأذن واللسان.

 

يحيى أبو زكريا: الحواس الخمس.

 

خليل أحمد خليل: فيسجّل ولكن يحتاج إلى وقت ليتحوّل الدماغ إلى دور العقل الناقد.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

خليل أحمد خليل: يخبرك واحد، تأتي إشاعة، تسمعها، تخالها صحيحة أو تقبلها أو قد تسجلها على الأقل في دماغك كما الكمبيوتر، أو مثلما تأتيك مكالمة هاتفية تسجلها لكن لاحقاً ترى.

 

يحيى أبو زكريا: تغربلها.

 

خليل أحمد خليل: إذا اتصل بي واحد أنه يتحدث معي من السعودية، ثم تبيّن أنه من إسرائيل يتحدّث، تعرف كيف يدخلون على الاتصالات اليوم، وأنا ليس لديّ سوى خط هاتف واحد، وبالتالي ليس صعباً الدخول عليّ ولكن استغرق وقتاً معي.

 

يحيى أبو زكريا: هنا فتحت قوساً خطيراً، للتنبيه فقط، كثيراً ما يلجأ صحافيو إسرائيل إلى محاورة مثقفين عرب.

 

خليل أحمد خليل: قلت له مَن يتحدّث معي، قال لي جهاد.

 

يحيى أبو زكريا: بالادّعاء أنها إذاعة هولندية عربية أو دنماركية عربية، فيجد المثقف العربي مصرّحاً لإسرائيل من دون أن يعي.

 

خليل أحمد خليل: من السعودية، صحيح.

 

يحيى أبو زكريا: سنستكمل كل النقاط، لكن دعني أشير إلى كتابك "عقل العِلم وعقل الوَهم" الذي أشرت إليه قبيل قليل.

أستاذ حسين قهام، طبعاً هذه الظاهرة الإمّعة، أي أن يتبع الناس جمهور الدعاة، ويكفي أن يرتقي أحدهم المنبر ليقول جملة يحسن السكوت عليها، ليجد الكثير من الأتباع ثم يأمر بالجهاد فيُطاع، ويدعو إلى الفتنة الكبرى فينخرط معه الآلاف، كما حدث في معظم الأقطار العربية والإسلامية.

هل الجماهير العربيّة والإسلاميّة هي قطيع للأسف الشديد، ألغت العقل بالكامل بحيث لا تفكّك نصّ الداعية، ولا تسأله من أين لك هذا؟ هل أصبح هذا نصّاً مقدّساً بحيث لا يناقش بتاتاً؟

 

حسين قهام: شكراً أستاذ يحيى. بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حقيقة ما ذكره الأستاذ الفاضل كلها ثابتة من الواقع ومن الجانب العلمي أيضاً، لكن دعنا نلقي نظرةً على تاريخ الإسلام، تعلمون بأنّ الخطاب الديني هو خطاب الحشد، الأنبياء أنفسهم تلقوا ضربات في زمانهم، كان هناك من يطوّر خطاباً موازياً لخطاب الأنبياء حتى يفرّق الشمل ويجمع أو يحشد إليه الجماهير.

ما حدث لسيّدنا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المدينة المنوّرة، من حيث أنّ المُنافقين أقاموا مسجداً موازياً لمسجد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو مسجد ضرار، كان يهدف إلى هذا الجانب أي حشد الحشود وتكوين جماعة موازية تتحدّث بالدين، لكن لكي توصلك إلى غير الدين.

السبب في هذا لربما أيضاً قصّه علينا القرآن العظيم حين تحدّث عن فرعون، فقال "وقال فرعون يا قومي ما أريكم إلا ما أرى"، فهو أراد لقومه ألا يبصر إلا ما أبصره هو فيكون هو العين ويكون هم العميان.

وفي آيةٍ أخرى أيضاً، أوضح الله سبحانه وتعالى كيف هذا التلاعب السيكولوجي بعقول الجماهير حيث استخدم في العون هذه الحيلة، حين قال سبحانه وتعالى "فاستخف قومه فأطاعوه"، والاستخفاف بالعقول، وقد قصّ الله سبحانه وتعالى عن أهل النار بقوله تعالى "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، فالقضاء على العقل يقضي على الإنسان الإنسان يصبح ليس إمّعة فقط ولكن عبداً، فالعبيد الذين عبدوا البشر مذكورون في القرآن العظيم، حتى نرجع دائماً إلى النصوص التي نعتمد عليها في حياتنا وفي عقيدتنا، "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله".

هذه الربوبية التي يريد بعض العلماء وبعض من يسير أو يستخدم العلماء حدثت في التاريخ الإسلامي منذ الأول، فإذا رجعنا إلى التاريخ الإسلامي نعلم بأن أسس الانحراف في الشريعة الإسلامية هو كما ذكر الأستاذ، أكيد القضاء على العقل ولكن قبل القضاء على العقل أيضاً كانت هناك محاولات وعملية ميكانيكية أو عملية ديناميكية قوية جداً في قضية سلب الحريات من الناس، من المسلمين، فالناس كانوا مقيَّدين، كانوا مقيَّدين من ناحية أن التفكير كان مقيَّداً، كان يسيَّر ويوجَّه من طرف بعض العلماء الذين كانوا يخدمون خطاً سياسياً معيّناً، وفي الجانب المقابل إذا ما شذّ أحد من الناس أو من العلماء أو من المجتهدين فكان له رأي مخالف، كان يُحكَم على هذا الرأي المخالف بالإعدام والإقصاء بعد أن يتم تحضير أو صناعة ملف خاص به، فيُصنَّف في خانة المُبتدِع أو المُشرِك أو الضال أو الزنديق، فكان الرأي المخالِف يُقتَل، إلا أن الشريعة الإسلامية، من الثابت في أصول ديننا، أنّ الرأي المخالِف لا يُحكَم عليه بالقتل ولا بالإعدام ولا يُجرَّم، لأنّ الرأي المخالِف هو أصلاً هو جوهر الشورى، "وأمرهم شورى بينهم".

الشورى تقضي باختلاف الآراء، فنحن رفضنا أن يكون هناك رأي آخر، لماذا؟ لأن استخدام الدين كما هي العادة في كل الأديان المُنزلة كانت هناك جماعات انتهازية، ما يسمّيه الإسلام أو القرآن بالمُنافقين، يدخلون في الدين لكن لأغراض شخصية، لأغراض دنيوية، لأغراض أكيد مادية، فقصّ عنهم القرآن في آيات كثيرة "الذين يكتمون الحق"، "الذين يوهنون الحق"، "الذين إشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ويصدّون عن سبيل الله في نفس الوقت".

هم الذين ملأوا تراث المسلمين، وبدأت العملية من عهد انتهاء الخلافة الراشدة بالتحديد ونشأة ما يسمّى بالمملكة في دولة الإسلام، والمملكة لا بدّ من أن تنبني على القمع وعلى استعباد الناس، ذلك الاستعباد كان بمثابة القنابل الموقوتة التي زُرِعت في صدر الإسلام، والآن هذه القنابل الموقوتة تنفجر من قرن إلى آخر كل حسب معطيات زمانها.

في العصر الحالي بكلّ تأكيد، هذا الفكر الذي صار له أتباع، كما ذكرتم، بالملايين، هو نحن من الناحية الشرعية إذا أردتم، إذا سمحت أستاذ يحيى، نحن في حقيقة الأمر والله حين نرى هؤلاء الناس الذين يخاصموننا ويدعون إلى العنف ويدعون إلى ما لا يتقبّله الإسلام ونرى لهم أتباعاً بالملايين، يزيدنا إيماناً وقوّة في أننا على الصواب، لأن الله سبحانه وتعالى قد قال "وإن تطع أكثر مَن في الأرض يضلّك عن سبيل الله"، ما أكّده سيّدنا رسول الله في حديث معروف قال "مساجدهم يومئذ عامِرة وقلوبهم فارِغة".

هذا دليل على أن الكثرة دائماً تميل إلى الباطل أو إلى الخطأ لكن لماذا؟ لماذا الكثرة تميل إلى الخطأ؟

 

يحيى أبو زكريا: نعم أستاذ حسين، وفقط قبل أن تستكمل لديّ فاصل، ثم إن شاء الله نستكمل بقية المحاور، لكن أذكّر فقط أن القلّة لفظة مرتبطة بمسارات القرآن، قليلٌ ما هم، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم، ثلّة من الأوّلين وثلّة من الآخرين، فالكثرة لا تدلّ دائماً على الحق والوجهة الصحيحة.

مشاهدينا فاصل قصير ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

 

"سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق الأوسط المعاصر"، خليل أحمد خليل:

يهدف الكتاب إلى إثارة إشكالية الجمهور في علاقاته المزدوجة برجالات الدنيا والدين معاً، ويؤسّس لمحاورة معرفية مع هذا الجمهور الذي قد يُمنَع من قراءته لأسباب جمّة.

ولكنه مع ذلك محاولة لمكاشفة الجمهور بما يحدث له من قهرٍ واستغلال واستبداد تحت لافتات تُرفَع له، مثل أن الدولة الحديثة هي الحل والأصوليات الإسلامية هي الحل، فيذهب إلى هذه وتلك، فلا يجد سوى الفراغ والفشل، ويأخذ بالتنبّه إلى أنّ الحلّ عنده هو ولكن.

في الحديث عن السياسيّ ورجل الدين، يسعى خليل إلى وضع اليد على صُلب بعض أهم المشكلات في هذه المنطقة من العالم، يقول سائلاً، من هو السياسي؟ من هو رجل الدين في المفترضات الأولية؟

يقال إن السياسي هو الرجل العام، رجل الدولة وأنه المدبّر المسؤول عما يفعل أمام سائليه، مواطينه، هنا نقول أمام جمهوره لكن هل هناك تكافؤ في علاقة الحاكم بالمحكوم بين مسؤول لا يُسأل عما يفعل وبين سائلٍ يُمنَع من تحويل سؤاله إلى مُساءلة ويحال في الوقت عينه إلى مجهول تارة وإلى ممنوع من الصرف تاراتٍ، فيلتجئ إلى تكرار أسئلته الاجتماعية بطرق فردية جزئية نفسية أو طقسية من دون أن يتمكّن من صوغها في مسائل سياسية تُعيد السياسي إلى الاجتماعي وتواجه الديني في صميم الصراع المجتمعي كما هو.

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "دولة الدُعاة الجُدُد"، المؤلف وائل لطفي:

كتاب "دولة الدُعاة الجُدُد" لمؤلفه الكاتب الصحافي المصري وائل لطفي يعالج أسباب ميلاد ظاهرة الدُعاة الجُدُد وتطوّرها وعلاقتها بالعولمة.

يبدأ الكتاب بمقدّمة عامة للتعريف بظاهرة الدُعاة الجُدُد وبدايتها، ثم يبدأ الفصل الأول بعرض الأسباب التي أدت إلى نشأة هذه الظاهرة وتناميها، حيث طرح المؤلف عدّة تفسيرات لها أهمّها أن المناخ العام في مصر كان بحاجةٍ مُلِحّةٍ إلى طرح نمطٍ جديدٍ من الدُعاة الجماهيريين يسحبون البساط من تحت أقدام الجماعات الراديكالية العنيفة ذات القوّة والنفوذ في ذلك الوقت، ولا سيما أنّ مشاهير العلماء التقليديين من أمثال الشيخ محمّد متولي الشعراوي والشيخ محمّد الغزالي كان موقفهم متفاوتاً، رغم إدانتهم للعنف، فضلاً عن افتقار دعاة المؤسّسة الدينية إلى التجديد.

ويبيّن المؤلف من هم الدُعاة الجُدُد حيث أنه يرى أنهم ليسوا أولئك الدعاة القدماء أو التقليديين أو الرسميين الذين يلتزمون بالزيّ التقليدي وبلغة الخطاب التراثية، أو بطرح موضوعاتٍ قطعاً لا تهمّ السامِع بقدر ما تهمّ المتحدّث، ويصف المؤلّف في معرض تحليله ظاهرة الدُعاة الجُدُد أنها بروتستانتية إسلامية جديدة.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد، ومن أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج التركيبة النفسية لجمهور الدعاة، وأذكّر أنّه في هذا السياق، صدرت بعض الكتب، منها "دولة الدُعاة الجُدُد" لوائل لطفي، وكتاب "نهاية الشيوخ" لمحمّد دسوقي رشدي، ويعالج فيه نهاية سيطرة الشيوخ على العقل الإسلامي، طبعاً أشكّ في ذلك لأن السيطرة مستمرة، كتاب للدكتور خليل أحمد خليل ضيفي الكريم "سوسيولوجيا الجمهور السياسي الديني" وهو كتابٌ قيّمٌ جداً، وأيضاً غوستاف لوبون عالج هذا الموضوع بفصول متنوّعة "سيكولوجيا الجماهير".

دكتور خليل، عندما نُمعِن النظر في هذه الكثافة الجماهيرية التي تتبع الدُعاة، في المساجد تجدها عامرة، آذانٌ تصغي إلى داعية يسبّ ويشتم ويلعن ويكفّر، شيعة، سنّة، إباضية، دروز، وما إلى ذلك، والمسلمون ساكتون، صامتون لأنه من مسّ الحصى فقد لغى، أي بطلت صلاته.

في الإذاعات، في القنوات التلفزيونية، وتشعر أن هنالك مَن مكّن لهؤلاء، وأعطاهم حيّزاً في فضائيات واسعة، وأعطاهم حيّزاً في مجال التأسيس لمواقع إلكترونية وما إلى ذلك.

هل هنالك من يخدم هذا الخط؟ هل هنالك من يروِّج لمثل هؤلاء الدُعاة حتى يذهب الجمهور العربي إلى الغيبيات، إلى الميتافيزيقا وينسى ظلم الطغاة والجبابرة والحكام وما إلى ذلك؟

 

خليل أحمد خليل: بالطبع، بالطبع، أشرت إلى كتاب غوستاف لوبون "سيكولوجيا المجانين"، fool لا تعني الجماهير، تعني المجانين ما تحت خط العقل.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: هم يخاطبون الوَهْم بالوَهْم، بالتوهيم.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: لذلك الرد سيكون ليس بأن نعقد ندوة أو نؤلّف كتاباً عن الموضوع، الرد يكون في التعليم، في الجامعات، في المدارس والتعليم العقلاني.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت، نشر التنوير.

 

خليل أحمد خليل: نشر التنوير بالعِلم، لأن الإسلام في خلاصاته الأخيرة كما فهمت أنا هو ليس ديناً علمياً، هو أعلم من ذلك، ويدعو إلى العِلم، "قل ربي زدني عِلماً"، يزيدك عِلماً من أين إن كنت لا تبحث فيه؟ فهذه التغطية على جهالة، أسمّيها الجهلانية وليس الجهالة، الجهلانية، الرهان يرى مثلاً كتاب أحمد رواجعية، ترجمته للعربية "الإخوان والجامع"، و أعيد طبع الكتاب في الجزائر، نحن طبعناه في بيروت منذ زمن، هي أطروحة دكتوراه وكتاب جيد جداً يظهر لك كيف أن الجزائر مثلاً بعهد بومدين كما كان فيها جوامع وفي عهد الشاذلي بات هناك 4500 جامع وكلها خارج السيطرة فكانوا كما يقول احد الشعراء العباسيين وصاروا يفعلون في المسجد ما لم يكن يفعل الأبرار في المسجد.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

خليل أحمد خليل: تعرف الأبرار يذهبون إلى المسجد ليسجدوا، ليذكروا الله، فهؤلاء باتوا يفعلون كل ما يريدونه في المسجد بالعصر العباسي.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: في عصرنا نحن المشكلة الآن.

 

يحيى أبو زكريا: العصر العباسي الأندلسي الذي نتغنّى به وقعت وقائع كارثية لا نستطيع أن نذكرها.

 

خليل أحمد خليل: أنا لا أعرف، فالآن المشكلة الآن في العالم العربي، لا أنسنة للإسلام في العالم، لأنّ الإسلام بدولة وبلا دولة ينتشر، وكلٌ، أنا آخر مرة كان لديّ طالب من كوريا الجنوبية أذكره بالخير، وأنجز دكتوراه عن تعدّد الزواجات في لبنان بالعربية، وزرت تلك البلاد، وهو قد اعتنق الإسلام بعد درس، ولم يصبح شيخاً، رفض أن يكون شيخاً، ورفض أن يعيش من عِلم الإسلام، وذهب يعلّم في الجامعة ليعيش.

 

يحيى أبو زكريا: حتى لا يقتات من الإسلام كما يفعل كثيرون.

 

خليل أحمد خليل: فالإسلام ينتشر كما قال إبن إباض لمعاوية، بدولة وبلا دولة، ولا يربّحنّ أحد جميلة، وحتى أحدهم الذي كتب كتاب الدفاع عن القرآن، ضحكت، أنت تدافع عن كتاب لا يحتاج إلى دفاع، هو دفاع، أكثر كتاب يدافع عن أفكاره هو القرآن.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: فجاء واحد من دون أن نذكر الأسماء، رحمه الله. إذاً هؤلاء الدعاة دعوا إلى المزيد من الجهلنة، واعتمدوا بعض المصطلحات كنا من ضحاياها، أنت ذكرت مفتاحاً من هذه المفاتيح عن الزندقة، الزندقة، أدخلوا إلى النظام الإسلامي ثلاثة مصطلحات غريبة عنه وسيّئة الترجمة، الزندقة من إيران، والهرتقة من اليونان إريزيا، والعلمنة من أوروبا التي تعني الناس الأميين.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: لأنه هناك كثر لا يعرفون أن الإكليروس كانوا هم المتعلّمين في أوروبا والناس الأميّون سمّوهم لاييك، هذه اللاييك اليوم نحن لا نريد لاييك، نحن أيضاً، لا نريد أن يبقى الناس أميين بل نريدهم ان يتعلموا، لكن لا نريدهم أن يصبحوا إكليروس لأنه ليس كل الناس سيصبحون علماء دين. هناك علماء طب، وعلماء فيزياء، وكيمياء، ورياضيات والفضاء والأرض والإنسان مثلما أسمّيه هو كائن برجه مائي بري وجوي ومائي، يتحدّثون عن الحيوانات البرمائية، ينسون الجو كأن الناس يمكنهم أن  يعيشوا من دون شمس وأوكسيجين فهذا عندما كنت في الجزائر.

 

يحيى أبو زكريا: طرحت هذا الموضوع؟

 

خليل أحمد خليل: ظهرت معي الفكرة، وتحدّثنا عنها في وزارة الثقافة آنذاك، وطبعاً هذا المصطلح لا يسير كثيراً، كمصطلحات تتحدّث عن الزمان والمكان، لا يوجد زمان من دون مكان ولا يوجد شيء صالح لكل زمان ومكان إلا في إطار معين.

 

يحيى أبو زكريا: إذاً الخلاصة لدفع الخصاصة، أنّ غياب العقل هو الذي.

 

خليل أحمد خليل: ليس غياب العقل، العقل موجود، إهمال.

 

يحيى أبو زكريا: تغييب العقل.

 

خليل أحمد خليل: إهمال العقل أو عدم إعماله، لا يوجد إنسان سويّ من دون دماغ، وعادة الناس يخلطون بين دماغ ومخ.

 

يحيى أبو زكريا: والحل في التعليم، هكذا هو؟

 

خليل أحمد خليل: الحل في التعليم من البيت، إلى المدرسة، إلى الدولة، وعندما تنكسر السلطة وهنا المشكلة في العالم العربي، هي أن الذين يحكمون هذا العالم هم دون مستوى العقل.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، دعني أستكمل هذه الفكرة مع الجزائر إذا سمحت.

أستاذ حسين، رأينا في السنوات الماضية عندما اندلعت ثورات الدماء والقهر والتفجير والتدمير في العالم العربي، كيف كان راسبوتين الإسلاميّ، أي فقهاء الدم، كانوا أصحاب المشهد، هم الذين دفعوا إلى الكثير من الثورات، إلى الكثير من التدمير، وسار وراءهم الجمهور.

وأنت من الجزائر، ولعلك تذكر في العشرية السوداء، كان الجزائري في بوزكزا، في بجايا، أي في الجبال يتلقّى فتوى من أبي قتادة، اقتل الدَرَك، اقتل الشرطة، والجزائري يقول إنني أنفّذ حكم الله وإنني أرضي رسول الله وغداً سألقى محمّداً وصحبه وسأتزوّج بحور العين، بمعنى صار الراسبوتينيون الجُدُد يسيطرون على العقول الإسلامية بشكل كبير.

هنا هل في منطق هؤلاء الشيوخ وهؤلاء الدُعاة ما يدعو إلى الإعجاز الفكري؟ هل هؤلاء بالفعل يملكون قوة ثقافية وفكرية حتى يأخذوا الجماهير إلى الدماء؟

 

حسين قهام: والله أستاذ يحيى، هذه مسألة في حقيقة الأمر أنا أدرسها أو أنتقدها من جوانب أخرى، لا أنظر إلى هذا المظهر، مظهر الانحراف، أما جذوره فحقيقة ترجع إلى مسائل، حتى الشارِع الله سبحانه وتعالى قد ذكرها في كتابه العزيز الحكيم. فأولاً، الجماهير التي تُستقطَب إلى هذا الانحراف وهذا العنف وهذا فقه الدم وفقه الجريمة والتقرّب إلى الله بالشرّ، ودخول الجنّة بالسيّئات، هذه العقيدة كلّها انتشرت على يد أناس لا تحقّ لهم الفتوى.

أولاً، ضوابط هذا مذكورة في كتاب الله سبحانه وتعالى، فحينما قال مثلاً عن الأعراب أنهم أجدل ألا يفقهوا حدود ما أنزل الله ورفع عنهم المرجعية الدينية، الأعراب واليوم تعلمون بأن أصحاب التفجيرات هذه كلهم استقوا من عقيدة أسّسها رجل من الأعراب، رجل عاش في القرن الثامن عشر من العصر الحديث فهو الذي أسّس لهذه، نواقد الإسلام، وقسّموا التوحيد أيضاً في القرن الثامن، فأصبحوا بهذه المعادلات وهذه القواعد الزائفة المزيّفة، حكموا على المسلمين بأنهم خرجوا عن الحق ولا بدّ من أن يطهّروا الأرض منا، نحن في نظرهم مشركون أنجاس يجب أن يطهّروا الأرض بعقيدتهم التي قسّموا بها التوحيد وحكموا علينا إسلامياً بأنه منقود أو ناقد.

هذه حقيقة الأعراب، ثانياً لديك ما نسمّيه وهذا رأيي الخاص وذكرته في كل القنوات والكل يعلم هذا الرأي ولا أخفيه وأبديه وأدافع عنه، أنّ الإسلام بعدما حرفه ناس في عهد السلف خدمة لتوجّهات سياسية معروفة مع الأمويين وغيرهم، جاء القرن الثامن ليؤصّل للجريمة التي تأسّست على يد إبن تيمية وكذا أصَّل للجريمة وأعطاها مخرجاً شرعياً وكذا، حتى أضفى عليها الشرعية، جاء القرن هذا الذي ذكرت فيه قرن الشيطان أسّس للجماعات الإرهابية التي يوم انتشرت عبر العالم بوجود المال وكثرته، لكن أيضاً الحركات الإسلامية، أنا من الذين يقولون بأن الحركات الإسلامية إنما صُنِعت، والكل يعلم مَن هو صانعها، لتدمير الإسلام. يتكلّمون بالإسلام لقتله، هم من صنف مَن ذكرهم الله، إن كثيراً من الأحبار والرهبان يصدّون عن سبيل الله يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله، ويتحدّثون بإسم الإسلام ليصدّوا عن سبيل الله.

رأينا مشايخهم هم الذين أفتوا بالقتل في الجزائر فترة التسعينات وذقنا ويلات هذا المذهب وهذا التيار الذي استباح دماء المسلمين، ورأيناه في ما سمّوه بالربيع الفاسد الذي هدم نصف العالم العربي اليوم، وكذلك هؤلاء المشايخ كانوا ينتمون إلى تيارات دينية تخدم أجندة أجنبية.

 

يحيى أبو زكريا: لكن أستاذ حسين، ممّا يؤسَف له أنّ الجزائر ذُبِحت من الوريد إلى الوريد بفقهٍ سلفي، وما زالت اليوم السلفية الجهادية من خلال مشايخها ودُعاتها تنتعش في الجزائر، لم يكُ هنالك مشروع تنوير، مشروع ثقافي حقيقي للحفاظ على أمن الجزائر ثقافياً أقلاً.

 

حسين قهام: أنا لا أفرّق في السلفية، لا أسمّي هذه علمية وجهادية، أنا أقول السلفية كلها خرجت من نفس الرحم، هم توأمان، الأول يكفّر والثاني يذبح، الأول يُجنّد في المساجد والثاني يذبح في الجبال. الذين قالوا لا نخرج على الحاكم هم الذين يفتون بكفرنا، هم الذين يحكمون علينا بالكفر والبدعة والضلال والشرك، السلفية أقول هي يد الشيطان في الأرض، خدمها مَن خدمها، المستعمر السابق، ليعود إلى الوطن العربي من بوابة الإسلام الذي يحبّه المسلمون، فاستولوا على السلطة الدينية لتوجيه الرأي العام في ما لا يخدم مصلحتنا بل يهدمنا ويخدم مصلحة الغرب، ورأيناهم، والصراع السوري كشف كل الأوراق وعرّى كل هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم بحركات إسلامية تريد أن تُعيد الخلافة، ولا خلافة هناك إلا خلافة إبليس في الأرض، هذه التي يخدمونها فقط.

فأحدهم كنا نعتبره أكبر عالم في الأرض، ليتبيّن أنه يُنادي على القنوات بذبح المسلمين، أنا أقول هذا جرّبناه في الجزائر، ذكرت لك أخ يحيى والمستمعون استمعوا في إحدى الحلقات حين دخل غزو الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر عام 1830 وما بعدها، كان يدفع لبعض الشيوخ ليفتوا بمقاومة المقاومة. عجيب كيف يصير الإسلام، تحوّل القرآن إلى مقاومة أهل الوطن المقموعين، ويدافع عن المستعمرين، نفس الأمر اليوم.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين، صدّقني، الاستعمار، عندما تقرأ مذكّرات ضبّاط الاستعمار، لقد أعطوا مئات الآلاف لمشايخ ودُعاة في مصر، في الجزائر، في العراق، دعني كما أقول دائماً، سرّ يا حصاني قبل أن يطول لساني. أرجو أن تبقى معي.

دكتور خليل، للأسف أشار الأستاذ حسين إلى دور الدُعاة. مثلاً عبد الله عزام في كتابه "آيات الرحمان في جهاد الأفغان" يقول إنّ الملائكة تقاتل مع الفصائل الأفغانية، ورأينا داعية سعودياً يقول إنّ الملائكة تناصر الثورة السورية، ثمّ وقع انشقاق بين جبهة النصرة وداعش، فلا نعرف الملائكة تقاتلت في ما بينها، مًن أيّدت عندها.

هنا إذا دعوتك، وللأسف كان يفترض على الدول العربية أن تؤسّس خلايا أزمات لتدرس ماذا جرى، لكن هذا للأسف النظام الرسمي العربي لا يؤمن بالفكر ولا يتعاطى مع الفكر. إذا دعوتك إلى وضع آليات لمواجهة هذه ثقافة الإمّعة والتبعية وتسليم العقل، ما هي الآليات غير التعليم الذي أشرت إليه؟

 

خليل أحمد خليل: غير التعليم، العَلمَنة.

 

يحيى أبو زكريا: العَلمَنة.

 

 

خليل أحمد خليل: العَلمَنة تحفظ حرية الاعتقاد، وتبني دولة القانون، العَلمَنة.

 

يحيى أبو زكريا: دولة المواطنة.

 

خليل أحمد خليل: والمسلمون والإسلام ليس ضد العَلمَنة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، فُهِمت خطأ.

 

خليل أحمد خليل: فُهِمت خطأ، خطأ في الترجمة، وهؤلاء الدُعاة هم استعملوا، وهنا أود أن أميّز، تتمة لكلام الأخ العزيز في الجزائر، الاستعمار الخارجي ما زال مستمراً عندنا من خلال الاستعمار الداخلي.

 

يحيى أبو زكريا: جميل.

 

خليل أحمد خليل: والهدف، ما هو الهدف بعد انتهاء ما سمّيت الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، ما هو هدف الولايات المتحدة وإسرائيل؟ تفكيك الإسلام من داخله. كيف يكون ذلك؟ كيف يمكن تدمير الإسلام من داخله؟ ضمن هذه الآليّة، دخلوا بأمر، أنّ الإسلام المعتدل والإسلام غير المعتدل، لا يوجد إسلام معتدل وإسلام غير معتدل، هناك الإسلام القرآني وهذا له علماؤه، فليسحبوا الفكر الإسلامي من بين أيدي الجَهَلة ويُعتمَد أكاديمياً، وأنا دعوت وأدعو مجدّداً إلى إنشاء أكاديمية للعلوم الإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: ممتاز، وأنا معك في هذا.

 

خليل أحمد خليل: لأنه اليوم لديك مليار و500 مليون مسلم، أنت لا تستطيع أن تحيط بهذا الكمّ الهائل ببضعة طلاب يأتون لديك إلى حوزة او إلى زاوية في مسجد أو على معهد شرعي. أنت بحاجة إلى نهضة حقيقية. هذه النهضة ستأتي ولكن بعد حرق الغابات، هذه الأنظمة التي موّلت الدُعاة، والاستعمار موّلهم ودسّهم لإعطاء أبشع صورة ممكنة عن الإسلام والمسلمين.

 

يحيى أبو زكريا: للأسف الشديد.

 

خليل أحمد خليل: ولكن ربك بالمرصاد، المقاومون موجودون، الشعوب المقاوِمة، الجزائر عاشت مرارة نحن نعرفها وعشناها، ولكن الجزائر بقيت، ومصر بقيت، ولبنان بقي.

 

يحيى أبو زكريا: ولبنان بقي.

 

خليل أحمد خليل: بعد عشرين سنة، لم يترك الإسرائيلي وسيلة لتدميرنا إلا واستخدموها، ونحن هنا. العالم العربي لا يؤكَل.

 

يحيى أبو زكريا: رحم الله الرجال الرجال الذين حرّروا لنا لبنان، لله ذرّهم سنذكرهم دائماً وأبداً إن شاء الله.

 

خليل أحمد خليل: طبعاً، طبعاً، طبعاً، فالآن المطلوب وقف الاستثمار في الدين، ومَن يريد الاستثمار، يذهب للاقتصاد، هناك سوق مفتوح. السودان ليس بحاجة لدُعاة مثلاً، بحاجة لقمح، بحاجة لخبز، ازرعوا.

 

يحيى أبو زكريا: أنت تعرف الجزائر جيّداً، هواري بومدين كان يقول كلمة جميلة، الذي يريد الثروة يخرج من الثورة، إما ثورة أو ثروة، واحدة من إثنين.

 

خليل أحمد خليل: ولكن ما حدث هو أن الاستعمار جاءنا من الداخل، ليس فقط عبر الدُعاة ورجال الدين، أيضاً عبر الحكّام الذين لديهم عدّة جنسيات. أنت عندما تقول رئيس الحكومة معه جنسية فلانية ورئيس المجلس ورئيس الجمهورية وكلهم أجانب يا أخي، كيف أنت، وكيف يصبح العرب ملوكهم عَجَم، عَجَم ليسوا فقط الفرس، لا، العَجَم كل غير العرب، كيف أنت ستفلح بحكم بلدك وأنت لست في خدمة هذا البلد.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

خليل أحمد خليل: فالدُعاة سهل كشف أوراقهم، نقد الفكر الديني هو نقد لرجال الدين وليس للدين، هذا ما نُسيء فهمه.

 

يحيى أبو زكريا: ذكّرتني بالمناسبة، وزير خارجية دولة عربية، ذهب إلى حاكم خليجيّ، قال له يا هذا نريد أن تسكتوا هذا الشيخ الذي يكفّرنا، قال له هذا الشيخ هو كذا وكذا، أي سمّاه بإسم حيوان، قال له نحن نُنطِقه ونحن نُسكِته متى ما تطلّبت المصلحة.

أستاذ حسين، انتهى زمن الشيوخ، هذا كتاب نهاية زمن الشيوخ. هل هو أفول دُعاة الدم وبالتالي عودة العقلانية؟ وما الذي تقوله في ما ذكره الدكتور خليل أحمد خليل، ضرورة تأسيس أكاديمية لتخريج عقول إسلامية جبارة وليس عقول متخصّصة في التاريخ، قالوا قلنا، ذكروا ذكرنا، ذهبوا ذهبنا؟ اذهبوا إلى المستقبل قليلاً. تفضّل.

 

خليل أحمد خليل: افتح الباب قليلاً يا ولد.

 

حسين قهام: شكراً، والله أنا الذي أخشاه على الأمّة الإسلامية خاصة الدول العربية، هو ليس فقط نهاية الشيوخ، ولكن، وهذه والله حقيقة يندى لها الجبين، نهاية الإيمان، فالآن في العالم العربي ظهرت هناك موجات وظاهرة جديدة وهي الإلحاد، لماذا؟ لأن هؤلاء الشيوخ الذين أفسدوا الدين، وهذه الكلمة لا أستطيب أن تُطلق عليهم لأنهم ليسوا شيوخاً، ولكن دجاجلة هم متنبئون كذابون، أو كما سمّاهم سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هؤلاء دفعوا بالأمّة اليوم إلى الإلحاد.

نحن نلتقي بالناس في الشارع، يستوقفنا بعض الشباب في كل مكان، بعضهم الآن ينكر الإسلام، يكفر به، يخرج من الدين، لماذا؟ لأنهم شاهدوا العَجَب مع هؤلاء الناس، بالأمس يفتون بفتوى غداً يغيّرونها، اليوم يذبح غداً يقول لك لا يجوز، بعد غد أيضاً يُعيد الكرّة ويقتل ويكفّر، عقولهم ميتة، يقتلون العقل، يحرمون التفكير، يفتون فتاوى غريبة عجيبة، يضحك منها المجانين، ولا أقول الأسوياء، هؤلاء سيقضون على الإسلام وسيعود الإسلام كما قال سيّدنا رسول الله بسبب هؤلاء الجهّال.

 

يحيى أبو زكريا: أستاذ حسين وقد ذكرت في المقدّمة نبأ ذلك الإمام الذي صلّى سكراناً بالناس، صلّى صلاة الصبح أربع ركعات وقال هل أزيدكم والمسلمون ساكتون.

الأستاذ حسين قهام من الجزائر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الدكتور خليل أحمد خليل من لبنان الحبيب شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

"نهاية زمن الشيوخ" محمد الدسوقي رشدي:

يقدم الكاتب في كتابه "نهاية زمن الشيوخ" تحليلاً مهماً لعدد من شيوخ السلفية ويقول، اعتدنا من أهل العلم إن أفتوا تريثوا وإن فاجأهم السؤال تمهلوا في الرد وربما أجلوه للدراسة ومزيد من البحث والتأصيل.

ياسر برهامي لا يفعل ذلك، هو بندقية آلية سريعة الطلقات، يسألونه عبر مواقع الإنترنت فيردّ سريعاً، يستفتونه في وسائل الإعلام فيرد قبل أن ينتهي المذيع من سؤاله، ويطلبون منه الفتوى في درس المسجد، فيكون جوابه حاضراً في السياسة والفن والرياضة والاقتصاد، هكذا من دون العودة إلى مصدر أو من دون رد سؤال أو طلب مهلة للبحث في مسألة اقتصادية أو سياسية ليست في مجال تخصصه.

هو يعلم كل شيء وأي شيء ويؤصل لذلك دوماً بآراء تدفع في اتجاه واحد وهو أن العامة لا يتحركون إلا بظلال من أوامر العلماء وتشريعهم ووصيتهم. هكذا قالها بمنتهى الصراحة مع الانتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة. والعامة ويقصد بهم الشعب لا يحق لهم الاختيار، تلك مهمة أهل العلم، وطبعاً يقصد بهم الشيوخ.