أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

إشكالات التأليف في السيرة النبوية

على الرغم من أن حياة الرسول الأعظم كانت مزدحمة بالإنجازات و التطورات و تمكن من إحداث تغيير جذري في المجتمع العربي آنذاك , إلا أن السير التي كتبت عنه و عن مسيرته شابه الكثير من التقصير لجهة تغليب النقل على العقل , و لكثرة عبث المستشرقين لا حقا بهذه السيرة المباركة والذي حدث بعد وفاة رسول الإسلام أنّه تمّ التجاوز عن النص إلى التأويل , وتمّ التجاوز عن سيرة المصطفى إلى سيّر بعض أدعياء العلم والفقاهة , و بهذا الشكل كثرت المذاهب و الطوائف والملل والنحل والتفسيرات والتأويلات حتى أصبح الإسلام إسلامات و الدين ديانات و الرأي آراء والوحي الواحد الذي يمثلّه جبرائيل مجموعات من الوحي , وأصبحت كل طائفة وكل ملة وكل نحلة تقتبس من مصادر التشريع القرآن والسنة على وجه التحديد ما يقوّي موقف هذه الطائفة وتلك الملّة وذينك النحلة.

 

المحور الأول

كتاب "الاستشراق الفرنسيّ والسيرة النبوية"، الدكتورة أميرة قاسم أبو هاشم:

وقع اختيار الدكتورة أميرة قاسم أبو هاشم على موضوع "الاستشراق الفرنسيّ والسيرة النبوية" ليكون عنوان كتابها، منطلقة من عدّة أهداف أهمها رسم ملامح موثّقة لشخصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم وخلفيته التاريخية والظروف التي عاشها، إضافة إلى محاورة آراء المستشرقين وتقدير بحوثهم، الفرنسيون منهم بشكل خاص، في ما كتبوه في موضوع السيرة النبوية الشريفة ومعرفة أسس المواجهة الحضارية مع الغرب دفاعاً عن الكيان والهوية وتبيان دور فرنسا تاريخياً والذي تميّز بأهمية خاصة بحكم علاقتها مع الشرق.

هذه الأهداف مجتمعةً مع ما يكتنف هذه المهمّة من مصاعب وإشكالات ولا سيما تلك المتعلقة باللغة وندرة المؤلفات الفرنسية، اختارت أبو هاشم كتاب "بولنفييه" ليكون محوراً لدراستها لأنه يمثل أول إنتاج استشراقي فرنسي عن السيرة النبوية الطاهرة، لكن حالت صعوبات فنية دون تصويره وترجمته ما اضطرها إلى توسيع مساحة الموضوع زمنياً وعلمياً، فأخضعت للدراسة عدداً من المستشرقين الفرنسيين واعتمدت كتاب إميل درمنغم نموذجاً.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم وجعل الجنة مثواكُمُ.

على الرغم من أنّ حياة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت مزدحمةً بالإنجازات والتطوّرات، وتمكّن من إحداث تغييرٍ جذريّ في المجتمع العربيّ آنذاك، إلا أنّ السيَر التي كتبت عنه وعن مسيرته شابها الكثير من التقصير لجهة تغليب النقل على العقل، ولكثرة عبَث المستشرقين لاحقاً بهذه السيرة المباركة.

والذي حدث بعد وفاة رسول الإسلام أنه تمّ التجاوز عن النصّ إلى التأويل، وعن سيرة المصطفى إلى سِيَر بعض أدعياء العلم والفقاهة، وبهذا الشكل كثرت المذاهب والطوائف والمِلَل والنِحَل والتفسيرات والتأويلات، حتى أصبح الإسلام إسلاماتٍ، والدين دياناتٍ، والرأي آراء، والوحي الواحد الذي يمثّله جبرائيل عليه السلام مجموعاتٍ من الوحي.

وأصبحت كل طائفة، وكلّ ملّةٍ، وكلّ نِحلةٍ، تقتبس من مصادر التشريع، القرآن والسنّة على وجه التحديد، ما يقوّي موقف هذه الطائفة وتلك الملّة وذينك النِحلة. وأصبح القرآن الذي وُجِدَ ليكون أساساً للرؤية الكونية، سبباً لتبرير هذه التصرّفات الطائشة للكثير من المسلمين.

وحتى السيرة النبوية كُتِبت بمناظير متعدّدة وأمزجة مختلفة وأهواء متشعّبة، ومع مرور القرون تشكّلت رؤى إسلامية ونظريات إسلامية ومفاهيم إسلامية، مردّها ومرجعها قرون التفتّت والافتراق، والتقاتُل والتباغُض، وكان أول من اهتمّ بكتابة السيرة النبوية عروة إبن الزبير المتوفّى في العام 92 للهجرة، ثمّ وهب إبن منبه المتوفّى سنة 110، ثم شرحبيل إبن سعد، ثمّ إبن شهاب الزهري.

وهؤلاء يأتون في مقدّمة مَن اهتموا بتدوين السيرة النبوية، ويأتي في مقدّمة الطبقة التي تلي هؤلاء محمّد إبن إسحاق الذي توفّى العام 152 للهجرة، واتفق الباحثون على أنّ ما كتبه محمّد إبن إسحاق يُعَدّ من أوثق ما كُتِب في السيرة النبوية في ذلك العهد، ويأتي من بعده محمّد عبد الملك المعروف بإبن هشام الذي توفّى العام 213 للهجرة. فروى لنا في كتابه السيرة النبوية وقال عنه إبن خلكان، وإبن هشام هذا هو الذي جمع سيرة المصطفى من المغازي والسير لإبن إسحاق وهذّبها ولخّصها، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس والمعروفة بسيرة إبن هشام.

ولأن السيرة لم تُكتَب في عهد رسول الله، فقد كثر فيها التدليس والتزوير، وأجمع العلماء على أن ليس كلّ ما في كتب السيرة صحيحاً، بل منه الضعيف الذي لا يصحّ، وهناك الكثير من الإسرائيليات والمرويات وكبار العلماء من أمثال إبن سيّد الناس في كتابه "عيون الأثر في المغازي والشمائل والسيَر"، والذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام"، عندما كتب السيرة النبوية، اعتمد أيضاً على الكتب الستّة، البخاري ومسلم وابن داوود والترمذي والنسائي وإبن ماجا، وهؤلاء كلّهم لم يعاصروا رسول الإسلام، وإنما جاؤوا بعده. فكيف نكتب سيرة لرجل لم نعايشه؟ ذلكم هو الإشكال.

إشكالات التأليف في السيرة النبوية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش الدكتور فرح موسى عميد كلية الدراسات الإسلامية في الجامعة الإسلامية، ورئيس منتدى البحوث القرآنية، ومن مصر الدكتور محمّد بن سقاف الكاف الباحث والمتخصّص في الشريعة والتاريخ الإسلامي.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

"صوَر من حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم"، تأليف محمّد متولي الشعراوي:

إن ملامح النور المحمّدي تتجلّى واضحة في معرفة سيرته العطرة وحياته الطيّبة المباركة التي لاقى فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما لاقى من أجل تبليغ دعوة الله تعالى إلى بني البشر.

فكان صلوات الله عليه بشيراً ونذيراً كما وصفه سبحانه وتعالى، وسيرته صلّى الله عليه وسلّم منبع لا ينضب لما احتوته من صوَر تمثل المنهج التربوي الأعلى في كل شؤون الإنسان، نقرأها لنستلهم من خلالها معاني وعِبراً تهذّب نفوسنا وتثقّف عقولنا، وتُنير لنا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

"صوَر من حياة الرسول صلّى الله عليه وسلّم" يستعرضها الإمام الداعية محمّد متولي الشعراوي، يبيّن من خلالها جوانب العَظمة والرحمة والعطاء في سيرته صلّى الله عليه وسلّم، كيف لا وهو مَن وصفه الله تعالى بقوله "وإنّكَ لعلى خُلقٍ عظيم".

 

يحيى أبو زكريا: دكتور فرح، حيّاك الله وبيّاك. إشكال كبير عندما نتحدّث عن السيرة النبوية. اليوم، إذا فرشنا هذه السيَر جميعها سنرى تناقضاً، سنرى اضطراباً، سنرى عدم الصفاء حتى في تشخيص حياة رسول الله.

لماذا يمكن القول علمياً وأكاديمياً أنّ السّيرة النبوية فيها الكثير من الإشكالات؟ وما هي تلكم الإشكالات في نظرك؟

 

فرح موسى: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيّدنا ونبينا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

لقد أفضت دكتور فعلاً في ما قدّمته في هذه المقدّمة الرائعة، فعلاً هي رائعة، والإشكال في محله علمياً، وأكاديمياً، ودينياً، وسياسياً. فالإشكال هو أنه، أي سيرة نقرأ؟ سيرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فهذه السيرة لم تُكتب في زمن رسول الله.

والبحث هنا، التصحيح لهذه السيرة، حتى تكون الفكرة جوهرية، على فرض أننا سلّمنا، وهو مسلّم طبعاً، أنها كُتبت أو بدات بالكتابة على رأيين، بعد القرن الأول وبداية القرن الثاني للهجرة، وعلى رأي الذهبي وإبن رية ومحمّد عبده رضوان الله عليه يقول إنه في سنة 41 للهجرة بدأ تدوين السنّة لا السنّة، خرافات السنّة في مقابل حرف حقائق السنّة النبوية الشريفة، بدأت بعد الخليفة علي إبن طالب سلام الله عليه.

كثيرون يذهبون إلى هذا الرأي أنه في آخر خلافة عثمان إبن عفان، بدأت الأحاديث التي لا تمّت بصلة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: والتاريخ آنذاك تاريخ فتنة وافتراق وتقاتُل، حتى الخليفة قُتِل.

 

فرح موسى: أحسنت، ولهذا يقول الشيخ محمّد عبده، بعد الفتنة العظمى ويعبّر عنها حتى الذهبي يقول الفتنة العظمى.

إذا هناك مسلّمات أساسية أنه في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه منع تدوين الحديث لمسوّغات شتّى، نكتفي منها الخوف من أن تختلط بالقرآن وهذا لا وجهة له.

 

يحيى أبو زكريا: أحسنت.

 

فرح موسى: ثانياً الحرص على ذاكرة الناس، لا الحفظ، أنه إذا بدأوا بالتدوين فنبدأ نخسر حفظ هذه السنّة، والمطلوب هو أن تُحفظ وأن نحمي القرآن، هذا المبرّر، ولهذا رفع الشعار، هنا الإشكال الذي يتمّم إشكالك دكتور، إشكال أنه منعك من كتابة السنّة لحماية القرآن في ظلّ شعار حسبنا كتاب الله بعد نبيه.

ثم توالت حينما نقول إنها لم تُكتب وقد توفّى رسول الله وحدثت السقيفة ثم حدثت الفتنة العظمى، في ظل هذه الأجواء دخلت العناصر الغريبة، العناصر السياسية التي تريد أن تستثمر في الإسلام الجاهلية الجديدة تحت عنوان إسلامي، ونحن نعرف أنّ القرآن يرشدنا إلى هذا، أنه حينما تحدّث عن فرعون وجاهلية فرعون نأتي نتحدّث عن جاهلية ما قبل الإسلام، كلها جاهلية بمعنى أنه الفرعوني أو الطاغوت حينما لا يستطيع أن يتابع مسيرته في ظل عنوانه الفرعوني فيأتي إلى العنوان الغالب الذي هو عنوان ديني فيلبسه ويبدأ بطغيانه الجديد. هذه الأمّة جاءت ردّة فعلها عنيفة على نفسها، هكذا نستطيع، الأمّة الإسلامية.

 

يحيى أبو زكريا: من التألّق إلى السقوط.

 

فرح موسى: نعم، نعم، هي اختارت، هي، لا نستطيع أن نحمّل المسؤولية لأشخاص أو لعلماء فقط، هذه الأمة الله فتح لها باب الرحمة، فتح لها باب العِلم، فتح لها باب التألّق، أن تكون أمّة عالمية، ان تكون خير أمّة، أن تكون أمّة شاهِدة، أن تكون أمّة وسط، لكن هذه الأمّة اختارت أن تكون بخلاف ذلك.

أنت اليوم حينما تقف عند السنّة النبوية الشريفة، تقف عند مراحل، طبعاً في مرحلة المئة سنة الأولى وما جرى فيها من صراعات، تداعيات السقيفة، تداعيات حروب الجمل وصفين، والنهروان، تداعيات استشهاد الإمام الحسن، تداعيات استشهاد الإمام الحسين، بالله عليك كيف يمكن أن تكتب سُنّة تخدم هذا الخط الذي يقتل خط السنّة النبوية الشريفة؟ مَن هم أهل بيت رسول الله؟ هم السنّة، رأس السنّة، نحن نقول حتى حينما نقول إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وسنّتي أو تقول عترتي، ما هو الفارق؟

رأس السنّة هم أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: فالذي نقل من هذه السنّة قليل جداً، الذي نسمّيه حقائق السنّة.

 

يحيى أبو زكريا: وهذا ما يقوله بالمناسبة محمّد أبو زهرة.

 

فرح موسى: أحسنت.

 

يحيى أبو زكريا: رحمة الله عليه.

 

فرح موسى: لهذا نحن نحتاج اليوم فعلاً لهذا النهوض، أنتم اليوم مسؤولية العلماء، مسوؤلية مراكز البحوث الإسلامية القرآنية، السنّة، العلماء، الحوزات، الجامعات، كل هذا يجب أن يقوم بردّة فعل لإعادة تمحيص وتحقيق ما نحتاج إليه في نهوضنا، وأكتفي بهذه الكلمة التي أعبّر فيها عن المكنون. أكبر دليل على هذه الأمّة لم تعمل بالقرآن، ولم تعمل بالسنّة، ولم تهتدِ إلى شيء من هذا، ما هي عليه اليوم.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: لأن القرآن منهج، والسنّة منهج حياة، فحينما تموت الأمّة كيف تكون هي قد عملت بالقرآن والسنّة؟

 

يحيى أبو زكريا: للأسف الشديد، وذلك هو الإشكال الكبير.

 

فرح موسى: نعم، لأنّ ما نحتاجه هو إعادة النظر في ما نحن عليه.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح، وفي نظري لمّا تخلّينا عن القرآن للأسف البؤس عمّ في ديارنا. دعني أستكمل بقيّة الأفكار مع مصر ثم أعود إليك.

شيخنا الدكتور محمّد حيّاك الله وبيّاك وجعل الجنة مثواك. بين يدي ها هنا السيرة النبوية لإبن هشام وقد قرأتها لمّا كنت فتياً، لمّا كان عمري 15 سنة، وأيضاً سيرة إبن إسحاق.

الملاحظة الأولى أن إبن هشام وإبن إسحاق لم يكونا على عهد رسول الله، فدوّنا السيرة، وإبن خلدون لديه إشكال كبير على الطبري وغيره، أنّهم جمعوا مرويات من كل حدب وصوب، وتعرف أنت أنّ العرب لم تكُ أمّة كاتبة، العرب ما كانوا يكتبون، كانوا أصحاب سليقة وذاكرة قوية، كانوا يحفظون فقط.

كيف إذاً جُمِعت سيرة المصطفى التي امتدّت، تستطيع أن تقول، تاريخ الدعوة الإسلامية والبعثة 23 سنة، لكن عندنا أيضاً الرسول وهو صبيٌ، وهو يافع، وهو طفل، مَن حفظ هذه الجزئيات والتفاصيل، وكيف كثر التدليس فيها للأسف الشديد، لأنّ التناقض سِمة في كثير من كتب السيَر التي موجودة بين أيدينا اليوم؟

 

محمّد بن سقاف الكاف: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله وآله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن صحابته الأخيار المتّقين.

أحيّيكم سيّدي الدكتور يحيى أبو زكريا والقناة الكريمة والمشاهدين الكرام.

يحتاج الموضوع أولاً إلى تأصيل، التأصيل من حيث التسمية، تسمية الفن الذي نسمّيه السيرة، هذه التسمية كما يقول إبن سيّد الناس أنها تسمية محدثة، نشأت ما بعد القرن السادس أصلاً كإسم، وهم اهتموا هؤلاء المدونون ابتداء من عروة وما ذكرته، وهب ومحمّد إبن إسحاق، وهذب مغازيه إبن هشام، كلّ الاهتمام نجده على المغازي في الأصل.

الموضوع الثاني، موضوع تعريف السيرة، السيرة هو ما يتعلق بحياة سيّد الخلق محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم في جميع شؤونه وأموره، فيدخل فيه الشمائل، ويدخل فيه الأحداث، ويدخل فيه المغازي، ويدخل فيه الأخلاق، أمور طويلة وعِلم كبير، مصدره ثلاثة أمور: القرآن الكريم لأن القرآن ذكر السيرة، سواء في المغازي أو الشمائل أو الخلاق أو في غيره. المصدر الثاني نأتي إليه وهو صحيح السنّة النبوية، ما أتانا في الصحاح وغيره. المصدر الثالث التاريخ، أخبار التاريخ الذي تناقله سواء كان الصحابة، أو التابعون، في ظلّ فقد التدوين كما أشار الاستاذ الدكتور فرح. هنا منع التدوين تحت شعار أنه خوف الاختلاط بالكتاب.

هنا أصبحت الحاجة إلى التدوين ملزمة. الذي اصطدم به مؤرّخو الاستشراق عند بحثهم في تواريخ المسلمين وأخبارهم وسيَرهم، هذه وجدوها، كمّ من التناقضات الإخبارية والروائية، الأمر ونقيضه، الأمر وعكسه، هذا لم يجدوه في شأن الأمم السابقة، عندما يؤرّخون لعظمائهم وملوكهم وحكمائهم، لا يوجد تناقض في الأخبار، والسبب في هذا هو وجود الدوافع السياسية. بداية كتابة المغازي سببها كان في العهدين الأموي والعباسي، فكان هؤلاء تمهيداً لموضوع الحروب وشنّ الغارات على الأمم وأن يجعلوا لها مستنداً نبوياً ومختلقاً، فيأتي المؤرّخ هذا الذي يكون غالباً من أتباع البلاط أو المُقرّبين من السلاطين، ينسج من الأخبار والروايات، وحتى مَن ذكرتموهم بداية.

أول مَن بدأ يبحث في السيرة عروة ما هو إلا من نتاج الجمل، وإبن شهاب الزهري ما هو إلا من نتاج بني أمية وصفين، وهو كان من حرّاس خشبة الإمام زيد، كان على خشبة زيد حارساً، إبن شهاب الزهري، كان ضابط شرطة لدى بني أمية. هؤلاء عندما يكتبون السيرة ويقصّون، كان عندنا كمٌ ضخمٌ من المسيئات والمنقصات في حضرة سيّد الخلق صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا مما أعطى مستندات قوية للمستشرقين أن يخوضوا الطعن في حق سيّد الخلق سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: نعم، أذكّر دكتور محمّد، أذكّر فقط أن الإشكال يبدأ من العنوان، لماذا سُميت سيرة المصطفى بالمغازي، كأنّ الرسول كان يقتل وكان يستخدم السيف وكان يعيش في كل دقيْقة غزوة معينة، ولذلك قيل الإسلام انتشر بالسيف، والمسلمون لأنهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يحفظون وإذا حفظوا لا يستوعبون، للأسف لم يعالجوا هذا المصطلح، فجرت كلمة المغازي على ألسنتهم إلى يوم انفجار التكفير في العالم العربي والإسلامي.

سرّ يا حصاني قبل أن يطول لساني.

فاصل ثم أعود إليكم.

 

"الاستشراق في السيرة النبوية" الكاتب عبد الله محمّد الأمين النعيم:

يناقش الباحث عبد الله محمّد الأمين النعيم والمشهور في هذا البحث الماتع مسألة الموقف الاستشراقي من السيرة النبوية الشريفة، وما حظيت به من اهتمام بالغ من قِبَل المستشرقين، فيوضح لنا المؤلّف مكانة السيرة النبوية عند المستشرقين واتجاهاتهم في تناولها، ويبدأ بالتعريف بثلاثةٍ من أشهر روّاد هذا المجال وأشهر مَن كتبوا في السيرة النبوية وهم المستشرق مونتغمري وات، والمستشرق بروكلمن والمستشرق فلهاوزن.

ويوضح لنا مواقفهم ومزاعمهم تجاه السيرة النبوية والدوافع التي انبنت عليها أفكارهم والمآلات التي ذهبوا إليها، وبعد ذلك يذهب المؤلف للتعريف بالاستشراق عموماً وعلاقته بالإسلام، ثمّ بعد ذلك يبدأ في تناول ومناقشة منهج كل من المستشرقين الثلاثة في تناول السيرة بمختلف مراحلها من الميلاد إلى البعثة ثم الدعوة ثم الهجرة والفتوحات.

 

 

المحور الثاني

 

"فقه السيرة النبوية" للدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي:

يتناول الكتاب السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة، ولأنّه فقهٌ وليس مجرّد سردٍ للسيرة النبوية، فيبدأ بمقدّمات تفصيلية عن أهمية السيرة في فَهْم الإسلام، وكيف تطوّرت دراستها وكيف يجب أن نفهمها، ثم ما المنهج العلمي في رواية السيرة النبوية.

بعد ذلك يبدأ بسرد السيرة النبوية على مراحل تاريخيّةٍ من ميلاده حتى وفاته صلّى الله عليه وسلّم. ويختم بموجز جامع لتاريخ كل خلافة من الخلافات الراشدة، ويتحدّث عن أهمّ الأحداث التي جرت في عهد كل خليفة ويعقّب عليها، ولا سيما حين تتعلّق بفتنة أو شُبهة.

والجدير بالذكر أن الكتاب نتاج سلسلة دروس كان الشيخ يلقيها في مسجد الإيمان بدمشق، وهي متاحة على الأنترنت مسموعة ومرئية تحت العنوان نفسه "فقه السيرة النبوية".

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد، ومن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج الإشكالات التي يصادفها الباحث في سياق قراءته للسيرة النبوية وهنالك كتب كثيرة وضِعت في هذا السياق من جملتها كتاب "الاستشراق في السيرة النبوية" للدكتور عبد الله الأمين النعيم، "الاستشراق الفرنسي والسيرة النبوية" للدكتورة أميرة أبو هاشم، وكتاب محمّد متولي الشعراوي "صوَر من حياة الرسول"، وأيضاً "فقه السيرة النبوية" للدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي رحمة الله عليه شهيد المحارب. ويوجد كتاب صدر أخيراً وأثار ضجّة كبيرة في الأوساط العلمية "الأيام الأخيرة لمحمّد إبن عبد الله" صلّى الله عليه وآله وسلّم للدكتورة هالة الوردي.

دكتور فرح، بالعودة دائماً إلى السيرة النبوية، لماذا أخذت السيرة النبوية على أنها بديهيات، لا المتقدّمون ناقشوا، ولا الذين جاؤوا بعدهم من التابعين ناقشوا، ولا الأكاديميات العلمية اليوم ناقشت، لأن كل رسائل الدكتوراه في الشريعة الإسلامية وجنابك عميد كلية شرعية تعرف ذلك ملياً، تعاملت من منطلق الاطمئنان العلمي إلى هذه السيرة النبوية.

لماذا انعدم النقد فيها؟

 

فرح موسى: بالتأكيد، حينما نتحدّث نحن عن السيرة النبوية، قديماً، بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نحن نعرف أنّ الأحداث السياسية والانقلابات السياسية التي حصلت، لا نستطيع أن نحمل الأحداث على حُسن النيّة، هناك برنامج، هناك خطة قام بها أعداء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ومنهم مَن كتب في السيرة.

 

يحيى أبو زكريا: كان لبني أمية غوبلز عربي.

 

فرح موسى: هذا الذي أريد أن أسلّط الضوء عليه، نحن في ظلّ، اليوم أيّ باحث، اليوم في ظلّ النظام الأموي أو العباسي، في ظل الأنظمة الطاغوتية منذ 61 للهجرة منذ كربلاء إلى نهاية العهد الأموي وبداية العهد العباسي والسلاطين العباسيين، لم يجرؤ أحد من الناقدين ومن الكُتّاب أن يغيّر في أيّ حديثٍ تم وضعه، دسّه في السيرة النبوية، لأنه يخدم السلطة السياسية.

حينما نتحدّث عن عروة، حينما نتحدّث عن وهب إبن منبه، وحتى حينما نتحدّث عن عبد الله إبن سلام، وحتى نتحدّث عن كعب الأحبار.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً وهب هو من الإسرائيليين، وكعب من الإسرائيليين.

 

فرح موسى: طبعاً، وأبو هريرة مثلاً، محمد بن كعب القرظي، الآن إذا أتيت إلى الأحاديث التي رويت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لو عاش رسول الله 7000 سنة ما استطاع أن يروي هذه الأحاديث. من أين أتيتم بها؟ وإذا كانت الظروف السياسية والاجتماعية والطاغوتية لم تسمح للعلماء المتقدّمين أن يغيّروا، أن يبدّلوا، ميزان النقد، الرؤية النقدية، لماذا غابت عن العصور اللاحقة؟ وكأننا نريد الآن، نحن الآن هذه الأمّة، في ما تظهّرت عليه من مدارس وحوزات ومناهج، وكأنّها مصرّة على المحافظة على هذه السنّة التي بين أيدينا، رغم أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يعلم ماذا سيحدث بعده، وقال القول الفصل الحاسم، "إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفع وماحل مصدق مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار".

رسول الله أرشد الأمّة في كل زمان أن تلجأ وأن تفهم رسول الله من خلال القرآن الكريم، عرض السنّة على القرآن. لماذا نحن اليوم في عصرنا هذا لا نجد أيّ مركز، أية دائرة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: لا تقوم بإعادة التمحيص والتحقيق، الآن يحدّثونك عن الأسانيد، إذا كانت قد رويت، نسمّيه عصر الرواية والأسانيد وعصر ما بعد الرواية والأسانيد، هذه نسمّيها العنعنة، وجاؤوا إلى المتون، منهم من شجّع على تصحيح في السند من دون المتن، وقليلٌ هو الذي دعا إلى تصحيح المتن، وهم يعرفون، علماء الأصول يعرفون وعلماء التاريخ يعرفون ألا تلازم بين صحّة سند وصحّة متن، ولا تلازم أيضاً بين ضعف سند وضعف متن.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: نحن لماذا هذه الأمّة لم تلجأ وتتّخذ خياراً مبدئياً أن تعيد النظر في ما كتبه هؤلاء سواء من إسرائيليين أو غير ذلك؟ أعطيك مثالاً، هل ما بين أيدينا اليوم منذ ألف سنة هو تفسير قرآن كريم؟ تجربة وحيدة أستاذ، اطّلعت عليها، حينما ذهبوا لتفسير سورة الإسراء، لماذا هذا الذي يبعث على بني إسرائيل هو نبوخذ نصر؟ أمّة لم تميّز بين معنى البعث والإرسال في القرآن الكريم، كيف تريد لها أن تصحّح سنّة نبوية شريفة؟ ونحن نعلم أنه لا قرآن من دون سنّة، لا قرآن من دون سنّة.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: السنّة مبينة، السنّة مؤكّدة، السنّة تبيّن المجمل، تخصّص العام وتبيّن المجمل وتقيّد المطلق وتفسّر القرآن كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه "وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم ولعلّهم يتفكّرون". الرسول يبيّن القرآن. أين بيّن القرآن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ إن قلتم بين القرآن فإذاً أين هو؟ وإن قلتم إنه لم يبيّن القرآن، يعني قصّر رسول الله في أداء الرسالة.

أنتم إيها المسلمون اليوم، نحن نخاطب ونتحدّث من موقع العلم، وهذه الإشكالية التي نريد اليوم البحث عنها. أين هي الأمّة؟ أين هي المعاهد العلمية؟ أين هي الجامعات؟ أين هي الحوزات العلمية، من الأزهر، إلى النجف، إلى قم؟

 

يحيى أبو زكريا: إلى الزيتونة، إلى القرويين؟

 

فرح موسى: لماذا لا تعيدون النظر ليس فقط بالسنّة، حتى في تفسير القرآن الكريم؟

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور فرح، كم نسبة الدراسات القرآنية في كل المعاهد التي جئت على ذكرها؟

 

فرح موسى: قليلة جداً.

 

يحيى أبو زكريا: والله إن حضرت مشايخ وعلماء وكبار في الأسماء لا يحفظون من القرآن إلا ما تيسّر من قل هو الله أحد.

القرآن مهجور، القرآن متروك، القرآن لا أحد يعتدّ به، القرآن ترك وراء ظهورنا، الرسول قال ربي إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً، قالها قبل 14 قرناً، لو يأتي رسول الله اليوم يقول يا ربي إن أمّتي قتلت القرآن وذبحت القرآن.

بربك لو كان القرآن بين ظهرانينا ينتشر الفساد، يظهر علماء الضلالة، فقهاء الدم، للأسف الشديد؟

دكتور محمّد، استكمالاً للفكرة رجاءً، هناك إشكال، شئنا أم أبينا، دخل المستشرقون على الخط فكتبوا السيرة النبوية. اليوم عندما أنا كنت أزور مكتبات أوروبا، وأطّلع على ما كتبه المستشرقون سواء في الكتب المطبوعة، أو في المخطّطات، للأسف حتى إبن خلدون المستشرقون هم من كشفه وقدّموه للعرب.

نحن لم نفعل شيئاً للأسف الشديد، وتحديداً في القرن الواحد والعشرين. لماذا هذا التقصير في ملاحقة سيرة من أحدث تغييراً جذرياً في أمّة العرب والمسلمين، وفي الإنسانية أيضاً؟

 

محمّد بن سقاف الكاف: الموضوع هنا يكمن في إعداد منهج نقدي، كان في السابق هؤلاء الجمّاعون من كتبة المغازي وكتبة السير والمحدّثين وغيرهم يجمّعون، يقمّشون من الأخبار، يسمع شرقاً وغرباً، ويحطبون ولا يعتنون لا بتصحيح ولا بتضعيف.

فهنا يلزم لنا نحن كلاحقين، أن نجعل منهجاً نقدياً واعتبارياً في أخذ الرواية أو ردها، فهنا يكون عندنا القرآن أورد سيرة، وهي محكّمة، صحيح سنّة موجود، ما روته العترة الطاهرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم موجود، هذا يكون غربالاً لعملية التصفية لهذا الكمّ الهائل، لأن السيَر عندنا منها المنظوم ومنها المطوّلات التي بلغت عشرات المجلّدات، ومنها الصغير ومنها الكبير، ويحتاج هذا كله في هذا الخضم إلى غربلة، الغربلة بمنهاج نقدي.

طبعاً في العصر الحديث لا نظلم بالمطلق الكاتب الإسلامي، هناك جهود، قال الدكتور أكرم ضياء العمري، كذلك السيّد جعفر مرتضى العاملي، هؤلاء لهم جهود في مسألة النقد الروائي للسيرة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، إذا سمحت، هنا، نعم، توجد جهود، لكن المشكلة أين؟ لقد مذهبنا السيرة النبوية، أي مثلما كان القرآن منطلقاً للتأكيد على هذه الرؤية المذهبية أو تلك، لم ننطلق من القرآن لصناعة ابستمولوجيا معرفة، لا، أنا أنتمي إلى الطائفة الفلانية، آخذ من القرآن ما يقوّي موقفي الطائفي. هكذا في السيرة النبوية.

دعني أقول لك، السنّي أخذ من السيرة ما يقوّي سنّيته، والشيعي أخذ من السيرة ما يقوي شعيته. يا أخي رسول الله لم يكن مذهبياً.

 

محمّد ابن سقاف الكاف: هذا منهج غير علمي. المنهج العلمي هو الاستخلاص المجرّد بعيداً عن الأهواء المذهبية، ولذلك كتّاب السيرة هم الذين الجأوا المستشرقين للإساءة إلى مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله، كذلك ظهور الدواعش والقتلة، الذي يقول ضحوك قتال أو غيره، هؤلاء مما استقوه من كتب السيرة التي جمع فيها الطام والرفض.

يجب علينا أن نكون مقيّدين للمناهج العلمية، أما يأخذ بهواه هذا ليس بحثاً علمياً، هذا بحث هوى أو منهج التقاطي، يأخذ ما وافقه ويترك ما خالفه. لا، الأمر كما هو على حقيقته، القرآن ذكر سيرة، الرسول  صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الرحمة المهداة، قال "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فلا يكون الصورة التي صوّروها وُعّاظ السلاطين وفقهاء البلاط، أنه قتّال وأنه جزّار وأنه يسبي النساء وأنه يأكل أموال المستضعفين وغير ذلك من كمّ هائل، حتى ما خرجت الأفلام وغيرها المسيئة إلى رسول الله، قالوا نحن ما أتينا بهذا إلا من كتبكم.

التراث موجود، عندنا جوامع ضخمة للتراث، يجب أن نضعها على غربال النقد، ويحكَّم فيها المنهج العلمي، وهنا الإفراز الحقيقي لأن نكون مسلمين، لنا حوزاتنا، ولنا جامعاتنا، ولنا معاهدنا التي يلزم أن تكون لها مخرجات نقدية رصينة في هذا الأمر، وهم حتى أفشلوا، الناقدون واجهوا من المسلمين نقداً لاذعاً، يقول لك كفى لم يبقَ لدينا سيرة إذا أنتم نقدتم السيرة، لا، نحن أمامنا كتاب الله، ما بلغكم عني كما يقول المصطفى صلّى الله عليه وآله فاعرضوه على كتاب الله، هذا منهج أين نحن منه؟ عندما نخالف كتاب الله الرحمة العظمى نجعله جزّاراً.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور طبعاً للأسف الشديد لو وجِد المقياس الحقيقي لانتفت كل هذه الإشكالات. في صحيح البخاري ورد حديث عن رسول الله لقد جئتكم بالذبح، تعرض حديث مجيء رسول الله بالذبح على قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

 

محمّد بن سقاف الكاف: جئتكم بالذبح وبعثت بالسيف وجعل رزقي تحت سن رمحي.

 

يحيى أبو زكريا: عندما تسمع قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" تقول لهذا الحديث تعساً لك فأنت موضوع، فأنت دخيل، لكن الإشكال الذي طرحه الدكتور فرح، أين القرآن في هذه الأمّة؟

يا أخي، علماؤنا هجروا القرآن، دعاتنا هجروا القرآن، تجد الخطيب يرتقي المنبر 90 بالمئة من حديثه سياسة وتعاسة وكياسة. أرجو أن تبقى معي.

دكتور فرح، هنا، وأنا أشدّ على يدك أن تكمل مسيرتك القرآنية، امضِ، لا نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا، إنّا ها هنا قاعدون معك إن شاء الله من أجل إعادة الاعتبار للقرآن الكريم. يا أخي مَن أراد أن يكلمه الله فليقرأ القرآن.

كيف يمكن أن نطبّق منهج القرآن كغربال على السيرة النبوية؟ القرآن لا توجد فيه تفاصيل، لا يوجد فيه تفصيل محمّد كان في مكّة وانتقل إلى المدينة، وكان معه فلان أو فلان، وفي المدينة وقعت هذه الواقعة، فإذاً أنت أمام كليات، كيف تصحّح بها الجزئيات؟ ما هو السبيل العلمي لذلك؟

 

فرح موسى: طبعاً هذا موضوع بدأت منذ خمس سنوات بتأصيل منهج جديد حول تفسير القرآن الكريم.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أشير إلى بعض كتبك ها هنا، على سبيل المثال "أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب في الخطاب القرآني: قراءة نقدية"، وأيضاً بين يدي "اليهود والذين هادوا في القرآن الكريم" أيضاً من كتبك، ولديك كتب أخرى حول فلسطين والقرآن الكريم وما إلى ذلك.

 

فرح موسى: نعم، خصوصية مصطلح القرآن، وضرورة فَهْم هذا المصطلح وفق القرآن الكريم، من منظور قرآني أيضاً، لأن القرآن المبين إذا كان هو فيه تبيان لكل شيء، فمن باب أولى أن يكون مبيناً لنفسه. القرآن لا يحتاج إلى شيء لكي يظهر نفسه، هو مبيّن، الله وصفه بالكتاب المبين، مبيّن لكل شيء، فكيف لا يكون مبيّناً لنفسه؟

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: حينما بدأت هذا المنهج هو الذي نحتاج إليه في عصرنا، نحن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال إذا جاءكم عني كلام حديث فاعرضوه على القرآن فإن وافقه فخذوا به وإن خالفه فاضربوا به عرض الحائط فإنه زخرف.

هذا كلام رسول الله ونسلّم به جميعاً طوائف، ومذاهب، وفرق وأحزاب. المسألة تحتاج كيف نعرض هذا الحديث على القرآن الكريم؟ السنّة كما سبق وتقدّم في الكلام، هي مبيّنة، السنّة مؤكّدة، موضحة، ونعم، هناك رأي يقول هناك سنّة مستقلة، هذا رأي ذهب إليه بعض العلماء ولم يفهموا ماذا يقولون، وكأنّ بعضهم يريد أن يقول هناك سنّة مستقلة عن القرآن، أي ليس لها أصل قرآني. هم لم يفهموا القرآن فقالوا لا أصل لها، رسول الله لم يأتِ بشيء خارج القرآن الكريم.

نعم هناك كما قلنا، يبيّن، يخصّص العموم، يقيّد المطلق، يبيّن المجمل، رسول الله وأهل البيت سلام الله عليهم بيّنوا الكثير وحتى هناك صحابة نقلوا بعض الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ووصلت ولم تختفِ كلها.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

فرح موسى: نحن نحتاج اليوم لمنهج جديد.

 

يحيى أبو زكريا: لكن أهملوا لمواقفهم، أبو ذر، عمار، والمقداد إبن الأسود.

 

فرح موسى: لكن توجد عندنا في السنّة أمور مهمة جداً، فقط نحتاج إلى المنهج، المنهج المعرفي، منهج لا نفسّر السنّة بأنظمة معرفية مثل الاشتراكية والليبرالية وغير ذلك، نحتاج إلى المنهج الإسلامي الذي يرشدنا إليه القرآن الكريم، "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، لا شيء أقوم من القرآن في الهداية إلى مسألة الفَهْم وطريقة التعاطي مع أمور حياتنا.

نحن نعرج إلى منهج ضروري هنا. المنهج الموضوعي، التفسير الموضوعي أننا إذا جئنا بالسنّة النبوية ودرسناها موضوعياً أيضاً من خلال مثلاً، الجانب العسكري، الجانب السياسي، الجانب الاجتماعي، الجانب الثقافي، كل الجوانب، لو جئنا بمنهج كما يفعل الفقيه في الروايات، يأخذ بكل الروايات من كل الكتب ليستنبط حكماً شرعياً، أي هو يعرض كل الروايات، رواية تنهى، رواية تأمر، رواية تقول هذا مندوب، رواية تقول هذا حرام، رواية ثالثة تقول مكروه، يأتي الأصولي والفقيه ويستنبط الحكم من خلال هذا المنهج الذي يستقطب كل الروايات.

لماذا لم تفعلوا مع سُنّة رسول الله؟ اليوم حينما يقول الصحيح، المسند، كله صحيح، عجباً لأمّةٍ، حينما نتحدّث عن الاستشراق، مَن الذي قدّم مادة سوء النيّة للمستشرق؟

 

يحيى أبو زكريا: لكن دكتور فرح، هنا إشكال، في مصادر الاستنباط والتشريع نقول إن القرآن الكريم والسنّة النبوية التقريرية الفعلية والقولية والإجماع والعقل على مذهب قومٍ، والقياس على مذهب قوم آخر.

لكن عندما يبدأ الفقيه يتعامل لاستنباط الحكم الشرعي، لا يذهب إلى القرآن، يذهب مباشرةً إلى الأحاديث النبوية، فيقرأ مثلاً مَن لا يحضره فقيه، يقرأ هذا الكتاب، ذاك الكتاب، ويعود إلى كتب الرجال وكتب الجرح والتعديل. لمَ لم يعط القرآن هذه الأهمية في تكريس استنباط قرآني متكامل؟

 

فرح موسى: للأسف، هنا مسألة أعتقد العلامة الطبطبائي في المجلد الخامس في الميزان، أرشد إلى أنه أصبح اليوم المجتهد يُقال له مجتهد بالقدر الذي يكون فيه مبتعداً عن القرآن الكريم. أنا أدعو الآن المسلمين إلى أن يراجعوا الصفحة 276، كلام خطير جداً للعلامة الطبطبائي.

 

يحيى أبو زكريا: طبعاً أنا أعطيك قول العلامة الحلي أخطر، العلامة الحلي كان يشترط أن يكون الفقيه المجتهد عالِماً بلغة العرب برمّتها، بقضّها وقضيضها، جاء الفقهاء المعاصرون، المجتهدون المعاصرون، قالوا لا بأس بمعرفة بعض اللغة العربية، والقرآن كتاب عربي.

 

فرح موسى: للأسف. لهذا، اليوم خصوصية المصطلح القرآني، وطريقة عرض السنّة على القرآن الكريم، نحتاج نحن إلى هذا المنهج، المنهج الذي، والقرآن يفسّر بعضه بعضاً، والسنّة مسألة، القرآن والسنّة كلاهما وحي فمحال أن يختلفا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور، نحتاج إلى حلقات وإن شاء الله ستكون لنا.

دكتور محمّد، هناك إشكالية في التعامل ونقد السيرة. العلماء انتقدوا العنعنة، أي عن عن عن، لكن لم ينتقدوا المتون. مثلاً قد يقول لك العنعنة صحيحة، لكن المتن لا يتدخّل فيه مطلقاً، لماذا؟ ليس هذا خلل ابستمولوجي علمي؟

 

محمّد بن سقاف الكاف: هذا خروج طبعاً عن المنهج العلمي لأنه حتى تعريف الصحيح هو ما رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علّة قادحة، فأخذوا ما يخصّ العدالة والضبط ونسوا المتن، ولا تجد ينبروا في هذه الأمور إلا في النوادر جداً التي تخدم أهواءهم، وهذا تجلّى عند الذهبي بشكل قوي جداً، يجعل الهوى محكماً في المتن، أما غير، ما لا يخدم هواه فالموضوع مسألة، نقدي يدخل في الرجال ولكن في المتون لا، وهذا خلاف المنهج العلمي الإصطلاحي الذي وضعوه هم نفسهم. فيكون هنا يلزم النظر في المتون وهو الأصل في المنهج النقدي، من يسألنا عن البحث في الرجال كما علمنا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في قاعدة العرض على الكتاب، ما بلغكم عني فاعرضوه على كتاب الله، هذا العرض على كتاب الله أساس.

هنا، هل النظر في لفظ أو في رجال؟ النظر في لفظ، النظر في خبر. الآن عندما يأتي يقول لي إن هذا النصّ منافٍ لعصمة المصطفى صلّى الله عليه وآله فما موقفي منه؟ هذا يرمى به عرض الحائط قطعاً.

ينافي القرآن في أن سيّد الخلق محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي قال في وصفه بارئه جلّ وعلا، "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، تكون هذه الرحمة سيفاً مصلتاً على رقاب البشرية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، الحديث ذو شجونٍ، ونحن أمّة السجون. دكتور محمّد، إلى الله المشتكى تركنا القرآن وراءنا دهرياً، واتخذنا من فقهاء الضلال ومن مدعي العلم وسيلة لتفجير الأمن القومي العربي.

الدكتور محمّد بن سقاف الكاف شكراً جزيلاً لك. الدكتور فرح موسى شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

كتاب "الأيام الأخيرة في حياة محمّد"، هالة الوردي:

سعت هالة الوردي من خلال كتابها إلى الابتعاد عن مفهوم القداسة في السيرة النبوية، ولقد ظهر محمّد الرسول ومن بعده الصحابة في كتاب "الأيام الأخيرة في حياة محمّد" كشخصيات تاريخية يمكن تتبّعها، ونقد آرائها وتقييم أفعالها. فقد فهمت الوردي أثناء بحثها، أنّ الرجوع إلى العقل وتقديمه على النقل هما السبيل الوحيد لإعادة ترتيب الأحداث التي اختلط فيها الواقعي بالخياليّ.

منهجية الكاتبة التونسية كانت واضحة تذكّرنا بكتابات الدكتور هشام جعيط، إنزال شخصية النبي ومن بعده الصحابة من عليائها وتجريدها من القداسة التي أطفاها عليها الفقهاء والمؤرّخون القدامى. ها هنا تتمكّن وردي من توضيح الرؤية من خلال تعاملها العقلاني مع ما تمّ تجميعه من كتب الموروث أثناء البحث، كذلك لا يمكن أن نتغافل عن نقطةٍ أخرى مهمّة، وهي أن هذا البحث في حيثيات الأيام الأخيرة التي عاشها محمّد، يعيدنا إلى فكر المعتزلة الذي انتصر للعقل أمام النقل، وتعامل بعقلانيّةٍ مع النصوص والروايات.