أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

القرآن الكريم بين العربية والآرامية

منذ نزول القرآن الكريم وهو يتعرض للقصف من قبل كثيرين وإنطلقت محاولات للتشكيك في صدوره عن المولى عز وجل, وقد كثرت في الآونة الأخيرة إدعاءات المستشرقين وغيرهم بأن القرآن الكريم ليس عربيا بل إقتبسه رسول الإسلام من السابقين بدليل أن بعض ألفاظها سريانية أو آرامية لا فرق، لقد دأب العلماء على تقسيم اللغة أو اللهجات الآرامية إلى فئتين كبيرتين: شرقية عراقية، وغربية شامية.. وإذا نظرنا إلى مادة "القرآن" التى كتبها بالإنجليزية ويلش فى دائرة المعارف الإسلامية، نجد أنه يقول: إن المستشرقين قد قبلوا النظرية التى قال بها المستشرق الألمانى شڤالى فى كتابه "تاريخ القرآن : إن لفظة "القرآن" مأخوذة من الكلمة السريانية قِريُنُاqeryānā، ومعناها: القراءة المقدسة، ثم تناول الكاتب أراء علماء الإسلام فى لفظة "قرآن" ،مقرراً أن النظرة الغالبة لدى الدوائر الإسلامية ترى أن كلمة "قرآن" اسم من "قرأ".. وحاول البعض تفسير الكلمات المقطعة في القرآن الكريم وإدعو أن ال م, أل م ص, أل ر, كهيعص وغيرها هي أرامية ولها معاني, وهذا مجرد إدعاء, فالذين قدموا هذا الطرح قرأوها بالعبرية وليس بالأرامية.. ويدعي البعض أن مفسر القرآن لا يستطيع أن يفسره بشكل صحيح إلا إذا أتقن اللغة السريانية القديمة. هذا إدعاء واضح السقوط والبهتان.

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكم، وجعل الجنة مثواكم.

منذ نزول القرآن الكريم وهو يتعرض للقصف من قبل كثيرين، وانطلقت محاولات للتشكيك في صدوره عن المولى عزّ وجل.

وقد كثرت في الآونة الأخيرة ادعاءات المستشرقين وغيرهم بأن القرآن الكريم ليس عربياً، بل اقتبسه رسول الإسلام من السابقين بدليل أن بعض ألفاظ القرآن سريانية، أو آرامية لا فرق.

إن اللغات السامية كانت معروفة عند العرب، فقد ذكر الخليل إبن أحمد الفراهيدي في كتابه "العين" العلاقة بين العربية والكنعانية، وقال وكنعان إبن سام إبن نوح يُنسب إليه الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية كما ذكر إبن حزم الأندلسي.

العلاقة بين العربية والعبرية والسريانية: قال في كتابه "الأحكام في أصول الإحكام في أصول الأحكام" من تدبر العربية والعبرانية والسريانية، أي  أن اختلافها إنما هو من تبديل ألفاظ من الناس على طول الأزمان، واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل.

والعربية من الآرامية يجتمعان في الأصل السامي العربي، إلا أن الآرامية من الفرع الشمالي والعربية من الفرع الجنوبي.

والحديث عن كون الآرامية أصلاً للعربية، أو كون العربية لهجة متفرّعة من الآرامية فيه تعجّل وتعسّف وعدم فهم للغة العرب وروح هذه اللغة وفقهها.

فلماذا لا يقال أن اللغة العربية هي أصل اللغات؟ وهي لغة وقفية على رأي، فهذا فقيه اللغة وراهبها الموسوعي العراقي الأب أنستاس ماري الكرملي المطّلع على السريانية والعبرانية والحبشية، فضلاً عن دراسته للفارسية والتركية، وإتقانه للإنكليزية والفرنسية، يقول إن اللغة العربية كيان مستقل بذاته ونفسه.

إن أقدم النصوص التي وصلتنا باللغة الآرامية ترقى إلى القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، وفيها يبدو التطوّر واضحاً من اللغة الكنعانية إلى اللغة الآرامية.

لقد دأب العلماء على تقسيم اللغة أو اللهجات الآرامية إلى فئتين كبيرتين شرقية عراقية، وغربية شامية.

وإذا نظرنا إلى مادة القرآن التي كتبها بالإنكليزية ولش في مادة القرآن في دائرة المعارف الإسلامية، يقول إن المستشرقين قد قبلوا النظرية التي قال بها المستشرق الألماني شافاللي في كتابه تاريخ القرآن، وأكد أن لفظة القرآن مأخوذة من الكلمة السريانية قريانا كما قال.

ومعناها القراءة المقدّسة، ثم تناول الكاتب آراء علماء الإسلام في لفظة قرآن مكرّراً أن اللفظة الغالبة لدى الدوائر الإسلامية ترى أن كلمة قرآن إسم من قرأ.

وحاول البعض تفسير الكلمات المقطّعة في القرآن الكريم، وادّعوا أنّ أ ل م، أ ل م ص، أ ل م ر، ك ه ي ع ص، وغيرها هي آرامية ولها معانٍ في هذه اللغة. وهذا فعلاً مجرد ادعاء، فالذين قدّموا هذا الطرح قرأوها بالعبرية وليس بالآرامية.

ويدّعي البعض أن مفسّر القرآن لا يستطيع أن يفسّره بشكل صحيح، إلا إذا أتقن اللغة السريانية القديمة وهذا ادّعاء واضح السقوط والبهتان.

"القرآن الكريم بين العربية والآرامية" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من سوريا الحبيبة الدكتور علي الشعيبي الكاتب والباحث والأكاديمي، ومن مصر الحبيبة الدكتور منصور مندور من علماء الأزهر الشريف.

مشاهدينا أهلاً بكم جميعاً.

 

 

"تفسير القرآن بالسريانية، دسائس وأكاذيب" للدكتور بهاء الأمير

 

يمتد الكتاب على 410 صفحات ويتصدّى لأسطورة تفسير القرآن الكريم باللغة السريانية، وهي فرية متعصّبة تبنّاها بعض الحاقدين، وحملها بعض المغفّلين والمدسوسين من المنتسبين إلى عائلات مسلمة وحرصوا على ترويجها بين العوام مستغلّين مواقع التواصل الاجتماعي التي تضمّ الغثّ والسمين.

يروي المؤلّف في المقدّمة أن ما دفعه إلى تصنيف كتابه هذا مقطع مصوّر لشخص ما أرسله إلى الدكتور بهاء يسأله إن كانت محتويات الفيديو صحيحة أو لا.

ثم تلت ذلك المقطع مقاطع تصبّ في الاتجاه الطاغي نفسه وخلاصته، أن العربية فرع من الآرامية السريانية وأن نصّ القرآن سرياني.

ومن ثم فإن التفسير الصحيح للكثير من كلماته وعباراته يكون بالرجوع إلى السريانية.

ويرى الكاتب أن الحروف المقطّعة بالسريانية والدعوة أن نصّ القرآن سرياني وتفسيره بالسريانية مسألتان تبدو متشابهتين، أو كأنهما مسألة واحدة إلا أنهما في الحقيقة مسألتان مختلفتان.

 

يحيى أبو زكريا: الدكتور علي الشعيبي، كأنّ القرآن الكريم يقال فيه ما يقال ويتحدّث عنه بهذه الطريقة يهدف هؤلاء إلى المساس بقدسيّته وكأنّ الرسول كان جوّالة، كان رحّالة يتنقل بين الأمم ويركّب كلمات من الآرامية السريانية وهكذا أوجد القرآن.

ماذا تقول في أساس هذه الشبهة التي عالجها بعض علماء الإسلام من أساسها؟

 

علي الشعيبي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبعد.

هذا الموضوع كما تفضلتم قديم حديث في العصر الحديث، أو في السنوات الأخيرة هذه كرد فعل على الإرهاب والحركات التكفيرية بدأت ضربات كبيرة جداً للإسلام، وعلى رأس هذه الضربات محاولات النَيْل من عربية القرآن الكريم.

هذا أمر مهم جداً، هذا يجب أن ننتبه إليه أنه رد فعل يحاولون الآن نسف الإسلام من جذوره، وبدأوا برأس الإسلام القرآن الكريم.

هذا القرآن الكريم حين ندخل فيه، علينا أن نبحث عن شجرة اللغات السامية كما تفضلتم في مطلع حديثكم.

وشجرة اللغات السامية علينا أن نتذكّر العربية، الآكادية، السريانية، أو الآرامية، العبرية، الأوغاريتية، وقديماً قالوا حتى الهيروغليفية في لحظات قديمة تاريخية كانت تنسب إلى العربية، ثم سحبت منها.

ثم اللغات السامية هذه التي أتينا على ذكرها نقف عند أقدمها وهي اللغة العربية، العربية أقدم اللغات السامية وهي أكثرها غزارة، نطقاً، لفظاً، مفردات، تحكّماً. عجيبة اللغة العربية سنأتي أثناء البحث على أشياء غريبة جداً في عَظمة العربية وهي التي اختارها الله سبحانه وتعالى لغة لكتابه ولغة لأهل الجنة غير ذلك وغير ذلك كثير.

الآن نركّز على لغة الكتاب، هناك من حيث اللغة لغة منطوقة ولغة مدوّنة مكتوبة، فالعربية كتبت هناك بالخط المسند يعود تاريخ كتابتها إلى 1800 قبل الميلاد سيما العربية الجنوبية والعربية الشمالية، كذلك كانت ووجدوا نقشاً أو نصّاً  في حوران جنوب سوريا في بلاد الشام يعود لسنة 328 قبل الميلاد.

اللغة أخي الكريم كائن حيّ ينمو، يعيش، يتطوّر، يتبدّل، فإذا ذهبت مع جنابك إلى سوق الخضار وقلت لبائع خضار أعطيني رطلين من الخد سيلتفت إليه بائع الخضار ويضحك فتقول لي أنت قل له يا علي ما الخد فأقول له أعطيني رطلين من الباذنجان كان الباذنجان عند العربية هو الخد، فماتت هذه اللفظة جاءت لفظة فارسية، العربية بحد ذاتها يموت منها، ويتفرّع عنها. فنحن نعرب أيضاً مفعول مطلق، لكن أين فعله اضا أضا هذا الفعل انقرض انتهى جاء بمعلّقة لبيد إبن ربيعة العامري في المعلّقة يتحدّث عن أتان الوحش أضا وأضت الخ.

فهذه اللغة على عظمتها كلما ماتت منها بعض المفردات تولّدت عنها عشرات المفردات إلى أن وصلت قبيل الإسلام إلى عهد من النضج والتصوير الفني الرائع جداً، حيث تتلاعب الحروف بالصوَر الفنية.

فإذا وقفنا مثلاً عند معلّقة الأعشى لاحظوا ودع هريرة كيف يتلاعب بالأحرف الآن ودع هريرة إن الركب مرتحل، وهل تطيق وداعاً أيها الرجل، فالتلاعب بالحروف وهذا ما جعل المستشرقين يقفون مبهورين أمام عظمة اللغة العربية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور علي أول من رد هذه الشبهة هو المولى عزّ وجل في كتابه المقدّس القرآن الكريم الذي حفظه المولى عزّ وجل وقد وردت آيات عدّة وكثيرة "إن أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" ، وكذلك "أنزلناه حكماً عربياً ولإن اتبعت أهواءهم" إلى آخر الآية وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً غير ذي عوج، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعملون وما إلى ذلك.

أما الثعالبي في فقه اللغة وسر العربية يذهب إلى القول من أحب الله تعالى أحب رسوله ومن أحب رسوله محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم أحب الرسول العربي، أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي نزل بها أفضل الكتب.

هذا من جهة ومن جهة أخرى عندما نعود إلى الأحرف الأبجدية الآرامية. الآرامية في الأعلى 22 حرفاً والعربية 28 حرفاً لا يمكن للغة فيها 22 حرفاً أن تكون بغنى اللغة العربية مع احترامنا لكل اللغات.

دعني أذهب إلى مصر، دكتور منصور هذه الشهبة التي يلوكها البعض اليوم ويفسّرون الحروف المقطّعة أ ل م، ك ه ي ع ص، باللغة الآرامية السريانية.

ما الهدف من هذه الشبهة؟ وهل الغرض الادّعاء أن رسول الإسلام لم ينزل إليه هذا الكتاب من قِبَل المولى عزّ وجل عن طريق جبرائيل إنما هو كتاب أنسي؟ وبالتالي لا حجّة لهذا الكتاب إذا فعلوا ما يحلو لكم وتحرّروا من الأحكام الشرعية وكل الالتزامات العقدية والكلامية.

 

منصور مندور: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في محكم التنزيل، هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا وما يتذكروا إلا أولو الألباب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب.

وأشهد أن سيّدنا محمّد عبد الله ورسوله القائل في ما روي عنه إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم.

والقائل أيضاً صلوات ربي وتسليماته عليه إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعلموا به وما تشابه عليكم فآمنوا به، والقائل أيضاً صلوات الله وسلامه عليه اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر، أو هكذا قال في ما روي عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

أولاً، أحيّي قناة الميادين وخاصة برنامج أ ل م على تناول هذا الموضوع الذي كثر منذ بضع سنوات على مواقع التواصل الاجتماعي، يتحدّثون ويتخبّطون بلا ضابط وبلا رابط كل يدّعي رأيه أنه الصواب، وكل يعتقد أنه على حق وكل يتناول القضية بلا أدوات وبلا قواعد وبلا أصول وبلا ضابط وبلا رابط يتحدّثون بأهوائهم وشهواتهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، وكل يريد أن يسجل موقفاً كل يريد أن يحظى مكانة وأن ينشر مواقع الفيديو على أوسع مستوى، فيتخبط في ما يقول ولا يدري ما سيقول، ويدّعي أنه ينسب هذه الأقوال لنفسه في حين أن هذه الأقوال وهذه التفسيرات، وهذا ما يجب أن نلتفت إليه أن هذه التفسيرات موجودة في كتب المستشرقين منذ القرن السابع عشر الميلادي، ومكتوبة نصاً ومن أحب أن يرجع إليها فليرجع إليها بمقاطع للشباب الذين ردوا على هؤلاء المراهقين، ليس هناك وصف أجده مناسباً لهم، إلا أنها مراهقة علمية.

القرآن الكريم في 11 موضعاً في القرآن الكريم يؤكّد سبحانه وتعالى عربية هذا القرآن، وكما ذكرت من آيات "إن أنزلناه قرآناً عربياً إنا جعلناه قرآناً عربياً" مثلاً حكماً عربياً. كل هذه الآيات التي وردت في 11 موضعاً بداية من سورة يوسف ويتحدّث عن عربيته، وأنه بلسان عربي مبين. من أين جاءت الآرامية أو السريانية أو غيرها من هذه اللغات.

اللغة العربية لغة بداية جميع لغات العالم، لها أصل ولها فرع ولدت من رحم لغات أخرى إلا اللغة العربية فهذه اللغة العربية ليس لها أب وليس لها أمّ لأنها نزلت مع آدم عليه السلام، وأول ما نطق به آدم بعد النفخ الحمد لله، وكلمة الحمد لله من الأمور العجيبة إنها ليس لها ترجمة في أية لغة أخرى لا تجدوا لها ترجمة، ومن ترجمها ترجمها تقريبياً بمعنى الشكر، لكن كلمة الحمد لا تستطيع أية لغة أن تستوعبها أو أن تحتويها أو أن تقدّرها، أو أن ترادفها الذين يترجمونها يترجمون تقريبياً أن الحمد يعني الشكر.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور منصور، والإشكال الكبير أن العرب أضاعوا لغتهم، أضاعوا زلالها، أضاعوا قطرها، أضاعوا عذوبتها ولم يحيطوا بعلمها، فتجد كل من يحفظ ما تيسّر من سورة الإخلاص قل هو الله أحد، يقول أنا إبن جليّ وطلاع الثنايا، جامع المنقول، وصاحب العقل، والنصّ. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

بُعيد الفاصل سوف نكمل كافة المحاور.

مشاهدينا، فاصل قصير، ثم نعود إليكم فابقوا معنا.

فاصل

 

قراءة نقدية في (تاريخ القرآن)، للمستشرق ثيودور نولدكه- لحسن علي حسن مطر الهاشمي  

 

إنّ كتاب تاريخ القرآن لشيخ المستشرقين الألمان (ثيودور نولدكه) قد مرّ بعدّة منعطفات، فقد كان في بدايته عبارة عن أطروحة لنيل شهادة الدكتورا، كتبها باللغة اللاتينية عام ألف وثمانمئة وستة وخمسين للميلاد (1856م) في جزء واحد، وقد تناول فيه آنذاك ظاهرة الوحي وشخصية النبي الأكرم (ص)، وترتيب نزول القرآن من الناحية الزمنية، ثمّ نقله بعد أربع سنوات إلى اللغة الألمانية، وقام بنشره بعد أن أدخل عليه بعض التعديلات الجوهرية، وذلك في عام ألف وثمانمئة وستين (1860م).

ولكن سرعان ما حكم عليه في ما بعد بأنه عمل غير ناضج، وأنّه أنجزه بنحو متسرّع. وقد فضّل أن يتركه طيّ النسيان، حتى فوجئ بعد ذلك بنصف قرن تقريباً، أي في عام ألف وثمانمئة وتسعين (1890م) بالتحديد، بالناشر يسأله عما إذا كان يرغب في إخراج طبعة ثانية له، ولما لم يكن في وسعه –لأسباب عديدة- أن يمنح العمل الشكل الذي يرضيه، فقد فضّل أن يعهد بهذه المهمة إلى تلميذه وصديقه  الأستاذ (فريدريش شفاللي)، فقام هذا بإتقان عمله بحدود الإمكان، ومع ذلك لم يرضَ (نولدكه) عن هذه الطبعة الثانية كلّ الرضا، معتبراً أنّ مسؤوليتها يتقاسمها إثنان، وهكذا كانت الطبعة الثانية للجزء الأول عملاً مشتركاً بين علمين  من أعلام الاستشراق (نولدكه) و (شفاللي).

 

 

نشوء اللغة العربية واكتهالها – الأب أنستاس ماري الكرملي

 

أسّس الكرملي مجلة لغة العرب عام ألف وتسعمئة وأحد عشر للميلاد (1911م) وقد قدّمت هذه المجلة خدمات كثيرة للعربية، فالكلرملي مؤسّسها علّامة عصره في الأدب واللغة والتاريخ وغيرها لذلك كان ذلك من أسباب شهرتها، وأوقف الكرملي قلمه للدفاع عن العربية في وقت عصيب كانت فيه سياسة التتريك أداة لتقليل شأن العربية ، فكانت (أول مجلة عراقية تعدّت حدود العراق لتجد لها آفاقاً رحبة في البلاد العربية وفي البلاد الأجنبية، فقد كانت الرسائل والتعليقات والاستفسارات والمقالات تتوالى عليها من داخل العراق وخارجه لتجد جواباً لكلّ سؤال. وشغف الأب أنستاس باللغة العربية شغفاً ملك عليه قلبه، فانكبّ عليها قارئاً ودارساً ومتذوّقاً ومنقّباً، وحرص على خدمتها ونصرتها بكل ما يملك، ودفعه حبها لها إلى أن يلمّ باللغات السامية الأخرى ويقف عليها كالسريانية والعبرانية والحبشية، فضلاً عن دراسته للفارسية والتركية وإتقانه للإنكليزية والفرنسية.

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع القرآن الكريم العربي اللسان والمسلكية والتركيب والسياق، القرآن بين العربية والآرامية.

وأذكّر في هذا السياق أنّه من جملة الكتب المهمة التي تقرأ في هذا السياق (القرآن ولغة السريان) – (نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها للأب أنستاس الكرملي)، رحمه الله كان موسوعياً  من العراق، وأيضاً كتاب الدكتور بهاء الأمير ( تفسير القرآن بالسريانية- دسائس وأكاذيب) وكتاب أيضاً نقدي لما ذهب إليه المستشرقون (قراءة نقدية في تاريخ القرآن للمستشرق ثيودور نولدكه للأستاذ علي مطر الهاشمي). وطبعاً نواصل دكتور علي الرد على هذه الشبهات .

هنالك لدى بعض المقاربات والمقارنات بين بعض ألفاظ القرآن وبعض ما ورد في ألفاظ السريانية بعض التشابه، فقيل طه على سبيل المثال وردت في السريانية ومعناها أيها الرجل، وبالتالي أن طه يعني  أيها الإنسان أيها الرجل، وهكذا دواليك.

ما هو الخلل الأكاديمي أو الشبهة المنهجية في مثل هذا التصرّف؟

علي الشعيبي: أعود مرة أخرى دكتور، هذا الخلل يجب أن ننتبه إلى أنّ اللغات السامية في الأصل هي من جذر واحد، لكن بعضها لم يتطوّر، وبعضها تطوّر وما زال يتطوّر وسبق الأخوات من هذه اللغة وهي العربية حتى أنها دخلت في باب التطوير في أشياء اجتماعية كثيرة. فعند العرب المرأة التي أمامها ولد وخلفها ولد وعلى صدرها ولد وفي بطنها ولد مرأة عروبة، يعني هذه الغزارة والنماء في اللغة والعطاء.

لقد عملت عدّة سنوات في تفسير القرآن الكريم (الوجيز في تفسير القرآن العزيز)، فحين وقفت خلال السنوات الأربع على بعض المفردات التي زعم أعداء العربية أنها سريانية أو آرامية أو أو، حين أقف على هذه اللفظة وأعود إلى الآرامية أو السريانية فأجد أنها مأخوذة من العربية، وقد فعل هذا الأب إميقيوس داوود الدمشقي الذي ألّف كتاباً في النحو السرياني (اللمع الشهية في نحو السريانية) وإمقيوس يوسف داوود تكلّم في هذا النحو المقارن السرياني العربي عن الكمّ الهائل الذي أخذته السريانية عن العربية.

وهنا يقع الجاهل في علم العربية، وتأتيه دعوات الشطط الفكرية، يقع في مصيدة اللغة فيعتقد أنّ هذه اللفظة في القرآن أخذت من السريانية، بل إن بعضهم أخذه الشطط بعيداً والجهل في العربية، ادّعى إلى أنّ نسبة عالية وصلت إلى 85 % من المفردات العربية في القرآن ليست عربية، في حين أنّ أصحاب اللغات ومعاجم اللغات والذين بحثوا المفردات كالراغب الأصفهاني في كتابه الرائع (مفردات القرآن الكريم) حين كان يقف عند كلّ مفردة من مفردات القرآن الكريم ويعود بها إلى الأصل.

ثمّ أخذ بهم الجهل مدداً، فوقفوا مثلاً عند كلمة أباً من الآية القرآنية فاكهة وأبّاً فقالوا هذه سريانية، ولاحظ بقية الآية حين تقول فاكهة وأباً لكم ولأنعامكم، فالفاكهة للإنسان والأبّ- العلف للحيوان. فكثير من هذه المفردات اعتقدنا أنها سريانية لكنها عربية، وبعض هؤلاء الذين ذهب بهم الشطط بعيداً سألوه قالوا له كيف تقابل الآية القرآنية الآية الثانية من سورة يوسف (إنّا أنزلناه قرآناً عربياً) فقال نعم عربي، لكنّ العربية لهجة من السريانة.

لاحظوا أين وصل بهم الشطط بل الحقد، ودعني أقول لكم أيضاً حين كان الاستعمار موجوداً على الأرض العربية شجّع على اللغات غير العربية، فشجّع الفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا، والآشورية في العراق.

سأنبّه، وآسف لاستخدام هذه الكلمة إلى أنّ اتفاقية سايكس بيكو لم تكن الخسارة العظمى في تقسيم الشام فحسب بل كانت الخسارة العظمى في ضرب اللغة العربية. قبل اتفاقية سايكس بيكو كان هناك أكثر من 22 بلداً يدرسون العربية لغة وكتابة وتدويناً، فكان من جملة المؤامرات على العرب والقرآن نسف العربية في تلكم البلاد.

لاحظ في علم اللينغويستك (اللسانيات) إذا وقفنا عند عَظَمة القرآن، أنا لم أبدأ بالحديث عن الآيات في القرآن لأنهم يفترضون غير ذلك، هم لديهم خلفية تسيء إلى القرآن والنبي والإسلام، لذلك أنا نزلت إلى المخبر اللغوي العلمي. لاحظ في العربية كما ذكر ذلك أحمد بن فارس اللغوي في كتابه (مقاييس اللغة) لاحظ إذا أخذنا كلمة والعالم كله يسأل (اللغويون) ما هو أصل اللغة؟ أهو ثنائي؟ أم ثلاثي؟ أم هو رباعي؟ ما هو أصل اللغة؟

إبن فارس يضرب المثل على ذلك بالعربية، فيرى أنّ أصل اللغة ثنائي، ويأتي الحرف الثالث فيعطي هذا المعنى الكبير، فإذا أخذنا فق ووضعنا لها الألف فتصبح فقأ خرجت حبة في جبيني ففقأتها أخرجت ما بداخلها وفقب أخرج ما في داخله وفقش الجوزة أخرج ما بداخلها وفقس البيضة إلى أن تصل إلى فقيه في العربية يدخل إلى أعماقها.

 

يحي أبو زكريا: دكتور علي للأسف الشديد أنا أقول لا شبهة للآرامية على العربية لأنّ العرب لا يعرفون لغتهم. يأتي شاب ويقول لهم أ ل ر، ألف في اللغة الآرامية تعني القوة ولر تعني أنظر إلى القوة فيصدقون من دون أن يكونوا عالمين بلغتهم. شيء آخر إنّ الاستعمار الغربي أول ما قام به قبل التمكين العسكري قام بقصف اللغة العربية، ألغى اللغة العربية في مصر وصار يعطي جوازاً لمن يكتب الرواية باللهجة المصرية، في الجزائر حوّلوا المساجد إلى اسطبلات وألغوا تعليم اللغة العربية وكان كل من يريد يدرّس اللغة العربية يسجن خمس سنوات، وهكذا فعلوا.

نائب بريطاني أيام الاستعمار البريطاني تقدّم للمنصّة وقال لن نتمكّن من المسلمين حتى نمزّق القرآن. قام نائبٌ آخر مزّق القرآن، قال له ما عنيت التمزيق الظاهري، مزّقوا القرآن في قلوب المسلمين.

من هنا دكتور منصور بالنسبة لشبه الآرامية اليوم الشباب العربي للأسف الشديد الذي أصبحت لديه نزعة للتحرّر من الذين بات يتمسك بأية دعوة تدعوه للانفصال عن الدين، زمنها شبهة أنّ الرسول لم يأتِ بالقرآن من السماء إنما التقطه من الأرض هنا وهناك.

ما هي الأسس الأخرى التي نعتمد عليها في دكدكة هذه الشبهة؟   

منصور مندور: عزيزي الدكتور يحيى أنت تعلم ولك باع في هذا الأمر أنّ الأمّة الإسلامية أمّة مخترقة، يعني تاريخها وتراثها تعرّض للتشويه والتحريف والزيادة والنقص، وأنت تعلم ذلك وأعتقد أن لك كتابات في هذا الموضوع ويا ليتك تذكّرنا بها، لك بحث لم يقع تحت يديّ لكني استمعت لك في إحدى  اللقاءات وأنت تتحدّث عن هذا الأمر، أنّ هذه الأمّة تم اختراقها وحدث عبث في تاريخها وتراثها، ومن ثمّ أصبحت هذه الأمّة هويتها ضعيفة هزيلة، لأنها هي نفسها لم تحترم هويتها ولم تحافظ عليها فأصبحت كالإناء الفارغ يتلقى أي شيء فرحاً وطرباً من دون دراسة ومن دون ومن دون فَهْم. بعض الشباب الذين يريدون أن يرجعوا اللغة العربية التي هي تسع وعشرون حرفاً إلى لغة مكوّنة من 22 حرفاً هذا عبث.

الأمر الثاني أنّ هؤلاء الشباب يحرّفون الكلم عن مواضعه، وقد يحدث في المستقبل أن ترى هؤلاء الشباب كما حدث لبعض الشباب في مصر من بني جلدتنا ويتحدّثون بألسنتنا، وهم الذين يخرّبون ويسعون إلى تخريب الأمّة بداية مما ذكر الدكتور علي اتفاقية سايكس بيكو، فالهدف ليس تقسيم الأرض وإنما تقسيم الأمّة إلى دويلات هشّة ضعيفة لا قيمة لها ولا وزن، ومن ثمّ يأتي أيضاً تقسيم اللغة وتشجيع اللغة العامية وإهمال اللغة الفصحى وتضييع العلاقة ما بين اللغة والقرآن الكريم.

فهم فعلاً لا يريدون نزع القرآن من يد المسلمين وإنما يريدون نزع القرآن من قلوب المسلمين حتى يصبحوا أمّة هزيلة لا قيمة لها ولا وزن، زمن ثمّ تأتي التبعية كاملة  في حين لو فهموا وعلموا أنّ اللغة العربية لغة تعبّدية وهي في حد ذاتها يقرأ فيها المسلم غير العربي، لا يستطيع أن يصلّي إلا وهو حافظ للفاتحة ويعرف النطق بـ الله أكبر والحمد لله وسبحان الله  وغير ذلك.

ثمّ بعد ذلك هي لغة إبداع وتفكير ولغة معامل ولغة أكاديمية. رحم الله القائل لو تعلّم الطير ما في النحو من شرف حنت وأنّت إليه بالمناقير إنّ الكلام بلا نحو يشابهه نفخ الكلاب وصوت السنانير. هذه اللغة ليست مجرد أدوات هذه اللغة مشاعر ووجدان وأحاسيس يعبّر عنها بوضوح. عندما تتأمّل قول الله تعالى ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك، ثم تتأمّل بعد ذلك يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العُسر . لنرى الفرق بين هذه اللغة وتلك، وبين هذه اللهجة وتلك، وبين هذه المفردات وتلك تجد أنها لغة فعلاً اختارها الله عزّ وجلّ لتحمل آخر خطاب السماء إلى أهل الأرض لتكون حجّة عليهم جميعاً.

هؤلاء الشباب أن أدعوهم  وأرجو منهم أن يتأنّوا ويرجعوا إلى المختصين، وألا يستعجلوا. هؤلاء الشباب في مصر والسعودية الذين يتم تسخيرهم وتجنيدهم لضرب هذا الدين والعبث وينفق عليهم ببذخ في مصر، وقد نبذوا وطردوا. وعندما أرى في المملكة من يدّعي هذا ويحمل هذا الأمر بلا فَهْم أو وعي ويتخبّط في كلامه وينقل كلاماً من القرن السابع عشر لينسبه إلى نفسه مثل كهعص أو كلمة طه، هذا الكلام كله قتل عدواناً وردّ عليه، هم لم يستمعوا إلى الردود، هم مجرد شباب مراهق يفرح بما تناوله من بعض الأفكار التي جذبت بعض الشباب الهاوي والفارغ في نفس الوقت والذي لا يملك من العلم ما يردّ به على هؤلاء الشباب.

 

يحي أبو زكريا: دعني أقول إنّ المستشرقين عندما تأمّلوا الواقع العربي والإسلامي، طبعاً هم أوهمونا في البداية أنّا كأمّة عربية أمّة جاهلية لا شِعر لنا لا فكر لنا لا فلسفة لنا، وبالتالي مادة قرأ وكتب، كيف تسلّلت إلى النسيج العربي؟  

طبعاً نحن كمثقفين عرب وعلماء اقتنعنا أنّ العرب أمّة جاهلية ومنكوبة لا تعرف إلا الغزو، ويوجد من أكّد ذلك في السيرة العربية.

ثمّ جاء مستشرق يدعى لتسمبورغ، أنظر ماذا قال؟ قال المرحلة الأولى كانت السريانية كريانة بمعنى قرين، والمرحلة الثانية حذف حرف الياء من قرين بلا عوض فنشأت بالصيغة المختصة قرن، ثمّ أضيفت الألف فصارت قرآن، يعني محمّد بن عبد الله كان صاحب معجزة.

إنّ العرب الأقحاح كانوا إذا استمعوا إلى القرآن الكريم وهم يفرّقون بين الدخيل والأصيل في اللغة إنّ له لحلاوة وعليه لطلاوة ولو كان القرآن غير عربي لما هزّ القلوب ودكدك الأركان وهيّأ الأنفس لاستقبال فكر السماء وفيضها.

ثم نحن أيضاً قصّرنا في علوم ومعارف القرآن، وذهبنا إلى الخلافات والتكفير والزندقة والطائفية والمذهبية.

دكتور علي الشعيبي، وتستمر معركة المستشرقين ضد القرآن الكريم.

اليوم للأسف الشديد، البحوث في مجال عروبة القرآن لا وجود لها، عندك كتب في عذاب القبر وإرضاع الكبير وإطاعة الأمير، أما القرآن الكريم فمهجور.

 

علي الشعيبي: نعم مهجور، ولغته مهجورة، وكما تحدّث الأخ الدكتور عن أناس من مصر والسعودية، نعم يا سيّدي هناك أناس ذهب بهم الشطط كبيراً وكثيراً وانساقوا وراء الدعوات الإلحادية فظهرت عندهم هذه الأفكار التي تحاول النَيْل من عروبة القرآن.

وهنا هذا الموضوع إن لغة القرآن لغة عجيبة ومن يمتهن العربية ويحترفها ويتكلّم بها ليلاً نهاراً في حديثه وكلامه وكتاباته وإبداعه سيجد نفسه إنساناً آخر، وحين يأتي إلى القرآن الكريم سيجد الملاذ، هنا يجد الملاذ.

هناك رحلة طويلة تعرفها جنابك جاوزت العشرين عاماً وأنا أبحث في معجم ما ألف عن القرآن الكريم فجمعت كل ما كتب في لغات العالم حول القرآن  في 122 لغة ، فوجدت أنّ كل كتب اللغات تلك بعضها كان من صنع أصحاب دور النشر آنذاك الخطاطين، وبعضها كان من النقاد غير المسلمين الذين اختفوا وراء أسماء إسلامية. وتحدّثنا حول إبن الراوندي – أبي الحسن إبن الراوندي، إبن الراوندي هذا نال من القرآن ومن عروبته ولغته ونسفها وحاول بعد ذلك كثيراً.

 

يحيى أبو زكريا: نعم دكتور علي، للأسف وقتي صار ضيقاً لكن أذكّر مشاهدينا بموسوعتك الراقية (معجم مصنّفات القرآن الكريم)، آمل أن يعودا إليها.

دكتور منصور، هل هي معركة القرآن؟ لقد دكدكت كلّ حصوننا وقلاعنا، وأزيلت كل حواجزنا، لم يبقَ لنا ملاذ إلا القرآن الكريم.

فهل هي الضربة التي توجّه له حتى نبقى بلا حصن حصين؟

 

منصور مندور: سيّدي الفاضل اطمئن قلباً وقالباً أنّ الله سبحانه وتعالى حافظ  كتابه، فهو القائل في محكم التنزيل (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون). إذا تأمّلت قوة وبراعة اللغة العربية في هذه الآية خاصة، ففيها خمسة ضمائر إنا نحن نزلنا، الضمير المتصل في نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون الضمير المتصل أيضاً في حافظون. خمسة ضمائر يتعهّد سبحانه وتعالى حفظ كتابه إلى قيام الساعة.

 وهو القائل أيضاً في سورة المائدة على أنّ القرآن الكريم نزل مهيمناً، فهو المهيمن على كلّ الكتب السماوية السابقة، وهو الناسخ لها. ومن ثم اطمئن القرآن الكريم يجنّد الله عزّ وجل رجالاً يدافعون عنه، وقد أعجبني كثيراً في الرد على هؤلاء الشباب المراهقين، أعجبني أنّ هناك شباباً يدرسون اللغة العبرية والآرامية والسريانية، ويردّون على هذا المراهق الذي لا يحسن اللغة السريانية أيضاً باعترافه وهو يكتب باللغة العبرية وينقل عن اليهود مفاهيمهم وآراءهم في القرآن الكريم على أنها من ابتداعه وكيسه وذاته.

والحقيقة أنه ينقل، وأتمنّى أن يلتفت الشباب إلى هذا الأمر، أن هؤلاء ينقلون كما يحدث في مصر والسعودية وبعض البلاد، يجنّدون وينقلون شبهات المستشرقين التي عفا عليها الدهر، ينقلونها كأنهم يجدّدون الشبهات، فتعيش الأمّة الإسلامية في موقف المدافع، تدافع عن نفسها، ونحن أمّة لم نحسن لغتنا وإدراك قيمة ما في أيدينا من نصوص شرعية ولغوية وأحكام تربوية وثقافية. لو كنا أحسنا هذا ما كنا تعرّضنا لهذه المواقف.

رحم الله الإمام الشيخ الغزالي الذي يقول إنّ القضية الإسلامية قضية ناجحة وقعت في يد محامٍ فاشل، وهذه الأمّة هي المحامي الفاشل التي لم تعرف أن تدافع عن دينها ولغتها وقِيَمها وهويتها.

 

يحيى أبو زكريا: والذي يقرأ قليلاً اللغة السريانية مع احترامنا لها واللغة الآرامية، وآرام هو إبن نوح سلام الله عليه أحد أبناء الأنبياء يجد الفرق الكبير والشاسع، وهنا كتاب (السريانية العربية الجذور والامتداد لسمير عبده) يمكن لأيّ باحث أكاديمي أن يكتشف الفرق.

لكن القرآن الكريم سيظلّ عملاقاً عظيماً عربياً عروبياً ذا لفظ جليّوتركيبة بديعة، لا يمكن لأيّ أحد أن يأتي بمثله هذا ما قاله الله وأكّده رسوله وصدّقنا الله ورسوله والصالحين في هذه الأمّة.

دكتور منصور مندور من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك، الدكتور علي الشعيبي من سوريا الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن نلقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

 

كتاب القرآن ولغة السريان للدكتور أحمد محمد علي الجمل

 

يقول الكاتب في مقدمة الكتاب:

 لغة السريان هي اللغة السريانية وهي تعتبر واحدة من اللغات المعروفة باللغات السامية، وهي امتداد للغة الآرامية في العصر المسيحي، والآراميون هم بنو آرام بن سام بن نوح عليه السلام...

وكانوا يعيشون في البلاد التي تسمى في التوراة آرام وهي المعروفة ببلاد الشام والعراق...

ويستمر الكاتب في قوله: وقد يتساءل البعض: ما علاقة القرآن بلغة السريان؟ ونجيب فنقول: إن المستشرقين توهموا أنّ كلمة القرآن لفظ سرياني الأصل وهذا ما تبناه المستشرق الألماني شفالي الذي زعم أنّ لفظ القرىن مأخوذ من الكلمة السريانية كريانة.

وهذا المستشرق يهدف إلى نسف عروبة القرآن وأنه بلسان عربي مبين... وهو يمهد لإقناع الجميع بأنّ القرآن ليس وحياً ولم ينزل على محمد رسول الله بل هو مقتبس من الأوائل ولغتهم..