أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

عقيدة المشروع الإسرائيلي

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، قال إسحاق شامير الرئيس رقم 7 لحكومة إسرائيل "إن الجيل الحاضر تكفيه الحدود الحالية والجيل المقبل بحاجة لحدود أخرى، وإنه من الخطأ أن نوهم شبابنا ويقصد هنا الشباب الإسرائيلي بأن سلاماً يمكن أن يُكرَّس بيننا وبين العرب". يختصر شامير المولود في بولندا وزعيم عصابة شتيرن والعامل في الموساد والمشارك في مؤتمر مدريد ومفخّخ بنوده توصيف المشروع الإسرائيلي لأنه يستبطن الحرب ويعلنها معاً ويؤدّي إلى استحالة السلام، أو أن السلم الإسرائيلي هو مجرّد استسلام أو لا سلم البتة. إن المشروع الإسرائيلي مشروع تأبيد القوة مقابل ضخّ الضعف في المنطقة العربية، مشروع حربي يعتمد التفوّق الدائم وتفتيت المشرق من خلال احتراباته الداخلية، يوسف الأشقر المفكّر والسياسي والكاتب عالج المشروع الصهيوني مذ تحدّث في مطلع السبعينات عن مجتمع الحرب إلى اقتراح جبهة الرفض وصولاً إلى عولمة الرعب، وأخيراً من خلال أطروحة يُعدّها عن أن مقتل إسرائيل مشروعها الحربي وغباؤها، أستاذ يوسف أهلاً وسهلاً بك في أجراس المشرق.

يوسف الأشقر: شكراً.

غسان الشامي: هي فرصة أن نتكلم معك عن نصف القرن الماضي مما عملت فيه على المشروع الإسرائيلي، لذلك حتى نقدّم للسادة الذين يشاهدوننا هذا الخبز المعرفي الذي قدّمته، لنبدأ من تاريخية المشروع الإسرائيلي منذ إنشاء الكيان عام 1948 سيّدي.

يوسف الأشقر: المشروع الإسرائيلي الذي أسس إسرائيل والذي حقق انتصار 1967 أصبح معروفاً تاريخياً وأصبحت قراءة أحداثه واضحة، برأيي أنه ما بعد 1967 حصل خطأ أساسي في معرفة حقيقة الحرب "النيو صهيونية".

غسان الشامي: قبلها كانت صهيونية.

يوسف الأشقر: نعم، هي استمرارية لكن نشأ ما يسمّى "النيو صهيونية" عام 1968، السبب الأساس في نشأتها أن الصهيونية سألت نفسها أنا عملت 50 عاماً من مؤتمر بال حتى 1947- 1948، أسست إسرائيل وهذا إنجازي الأول ثم عملت 20 عاماً قهرت فيها الجيوش العربية والأنظمة العربية والدول العربية، ما هي مهمتي انطلاقاً من الآن؟ عندها نشأ ما يسمّى بعقيدة حربية جديدة " الحرب على المجتمعات". انتهينا من الجيوش والدول ماذا تبقى؟ الحرب على المجتمعات.

غسان الشامي: هذه هي عقيدة المشروع؟

يوسف الأشقر: في الأساس الحرب على المجتمعات التي هي حرب فريدة من نوعها لأن الناس تخلط دائماً بين الاستعمار والكولونيالية والامبريالية وهذا المشروع الحربي، مختلف كلياً. هي الحال الوحيدة في العالم اليوم القائمة على إبادة شعب بكامله، حرب إبادة، وهي أطول حرب استمرت 50 عاماً عدّاً ونقداً، الخطأ الكبير الذي نرتكبه هو أننا لا نرى أن هذا مشروع حربي على كل منطقة المشرق العربي، أنا أريد أن أحصر موضوعي بالحرب في المشرق العربي وهنا أتحدّث عن الخطأ. أريد أن أتحدّث عن قصة أستاذ يلوم أحد الملوك، كان أستاذه السابق، يعنّفه، قال له يا أستاذي أنت تبالغ في تعنيفي، هل ارتكبت جريمة؟ فأجابه لقد ارتكبت أكثر من الجريمة، ارتكبت خطأً، وهذا الخطأ القاتل في عدم معرفة حقيقة هذا المشروع الحربي منذ 50 سنة حتى اليوم هو شيء قاتل. 

غسان الشامي: هل نوصّف عقيدة هذا المشروع أستاذ يوسف؟   

يوسف الأشقر: عقيدة هذا المشروع هي كيف حرب المجتمع على نفسه وحرب العالم على هذا المجتمع، فلننسى 1968، الآن أوليس شعبنا يحارب بعضه؟ حرب المجتمع على نفسه وحرب العالم على هذا المجتمع وكأننا نحن أعداء الإنسانية، ويجب أن يُشكر الإسرائيلي على هذه الحرب لأنه في خط النار مع هذا التوحّش الذي يهدّد الإنسانية، هذه هي العقيدة الأساسية. من هنا أن غرفة عمليات الحرب على المجتمعات في الأساس لم تقم على خرّيجي المعاهد العسكرية بل إن غرفة عملياتها مكوّنة من علوم إنسانية أي أن من يقومون بهذه العمليات هم علماء اجتماع، مؤرّخون، أنتروبولوجيا، إدارة عامة، هذا هو نوع غرف العمليات هذه.

غسان الشامي: أنت طرحت عام 1971 مشروع مجتمع الحرب، على أي أساس طرحت هذا المشروع؟ ولماذا كبُت هذا المشروع أو انكفأ؟

يوسف الأشقر: للأسف أنه بعد مرور 50 سنة لم يدركوا طبيعة هذا المشروع وجذوره فكيف كانت الحال في بدايته، أنا كنت أتابع هذا الموضوع وحصلت على كتاب عبر "middle east record" من أربعة أجزاء، وبعد أن بدأنا بذكر هذا المصدر في الإعلام أوقفوه بعد 1968، صدرت عنه أربعة أجزاء فقط.   

غسان الشامي: لأنه كشف المشروع.   

يوسف الأشقر: لأنه كشف المشروع كله. في العام 1971 تم تعييني رئيساً للحزب القومي الاجتماعي وأنشأت مشروع المجتمع الحربي وشرحناه، المجتمع الحربي ليس مجتمع حَمَلة سلاح وخوذات، المجتمع الحربي هو المجتمع الواعي أنه هو ساحة الحرب وأنه هو ضحية الحرب وأنه هو طرف الحرب الأساسي للمواجهة فيها، من هنا قلت أن المجتمع الحربي هو الذي يجب أن يواجه، الإسرائيلي اعتقد بعد 1967 أن الصعب قد ولّى وبقي السهل، أنه هزم الدول والجيوش في غضون خمسة أو ستة أيام، المجتمع وضع له خطة، صحيح أنه سيقاوم لكن الأمر سهل عليه.

غسان الشامي: في العام 1974 أيضاً اقترحت ما يسمّى بجبهة الرفض وهذه الجبهة أيضاً لم تحقّق حضوراً في المجتمع ورُفضت، ما موضوع جبهة الرفض؟ ما علاقتها بمجتمع الحرب؟ ما علاقتها بالمشروع الإسرائيلي؟   

يوسف الأشقر: قبل علاقتها بمجتمع الحرب ما علاقتها بالمشروع الإسرائيلي، في العام 1968 - 1969 عرضوا مشروعهم الحربي وكأنه مشروع سلام واستكتبوا أناساً لتصوير إسرائيل، تصوّر أن إسرائيل المنتصرة تطلب السلام، كان مشروعاً حربياً عنيفاً جداً وضعوه بأسلوب مشروع السلام الذي حُكي عنه عام 1968 من قبل أبا إيبان. أنا ألقيت محاضرة عام 2000 أظهرت فيها كيف أن هذا المشروع الحربي الموضوع صيغة مشروع سلام الذي أخذه لاحقاً بيريز ورابين وعرضوه كمشروع حربي، وضعت النصوص نفسها، هذا المشروع الحربي عرضوه كمشروع سلام. في العام 1974 طُرح موضوع جنيف وكانت الفكرة الرئيسية للاختصار أنه إذا كنا عاجزين عن الحرب مع إسرائيل عسكرياً من دون أن تتهدد جيوشنا بالزوال فنحن أكثر عجزاً عن تحمّل شروط هذا السلم الإسرائيلي من دون أن يصيب مجتمعنا الزوال، أي مجتمعاتنا عاجزة عن تحمّل شروط السلم الإسرائيلي أكثر من جيوشنا عن تحمّل الحروب.

غسان الشامي: أستاذ يوسف بعد اجتياح 1982 ووصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت ظهرت استراتيجية سُمّيت الاستراتيجية الإسرائيلية في الثمانينات، ماذا أضافت هذه الاستراتيجية إلى عقيدة الحرب الصهيونية ضمن المشروع الإسرائيلي؟

يوسف الأشقر: كشفت، كانت في البداية مستورة وسألوهم، أول من اكتشف هذه الوثيقة أنا وروجيه غارودي واستشهدنا بها وعلم بها العرب بعد 25 عاماً، سألوهم كيف تتجرأون أن تعتمدوا خطة إبادية لهذه الشعوب، هذا النمط الحربي الإبادي للشعوب، كيف تتجرأون على إعلانه، فكانت إجابتهم أنه من حق الإسرائيليين أن يعرفوا مخططاتنا أما العرب فلا يقرأون، هذا كان جوابهم، وبالفعل ظهرت هذه الخطة "استراتيجيات إسرائيل" في الثمانينات ونُشرت في إحدى الصحف العربية منذ خمس أو ست سنوات، بدأت بالتداول منذ عشر سنوات فقط.

غسان الشامي: إذا أخذنا الأمور بهذه الطريقة التصاعدية، في العام 1993 هناك أوسلو، هناك عقيدة إسمها عقيدة "السلم الإسرائيلي"، ما طبيعة هذا السلم؟    

يوسف الأشقر: عقيدة "السلم الإسرائيلي" هي نفسها عقيدة الحرب الإسرائيلية.    

غسان الشامي: كيف؟  

يوسف الأشقر: بواجهة سلمية، لقد تكلمت عنها في العام 1974، ما هي شروطها؟ على الكتاب المدرسي، على مناهج التعليم، على الصناعات التي فرضوها لاحقاً على مصر حين فاوضوا السادات ومنعوا المصريين من نشر صناعاتهم أينما كان وألزموهم بإقامة منطقة صناعية، حتى يتمكنوا بغارة حربية واحدة من تدمير كل صناعة مصر. شروط هذا السلم الإسرائيلي هي كلياً لإفقار المجتمع، تفكيكه، وكل من يقول في الحياة السياسية كلمة العدو الإسرائيلي يكون مصيره السجن، توتاليتارية مطلقة يفرضها عليك من بعيد ماذا يجب أن تقول، بالإضافة إلى الحدود المفتوحة، أنا قلت في العام 1974 أن إسرائيل لا تطلب حدوداً آمنة بل حدوداً مفتوحة أي تريد الدخول إلى مجتمعاتنا وتدميرها من الداخل.  

غسان الشامي: بعد تاريخية وعقيدة المشروع الإسرائيلي، هذا المشروع له طبيعة، ما هو توصيف طبيعة هذا المشروع أستاذ يوسف؟

يوسف الأشقر: هي غرفة عمليات تضم مختصين في علم الاجتماع، في المجتمع، لا ترصد المواقع العسكرية بل ترصد نقاط القوة في المجتمع لتضربها ونقاط الضعف لتعزّزها وتفاقمها، وهكذا حصل. غرفة العمليات هذه قائمة على بنك معلومات عن كل مواطن في هذه المنطقة بكل شيء عنه. بالأمس تم القبض على أشخاص وتم الإفراج عن أحدهم يقومون بأخذ بصمة كل مواطن في المنطقة ومعلومات عن حياته الخاصة.

غسان الشامي: أخذوا الداتا.  

يوسف الأشقر: علماً أنه في مجتعمنا وهنا الخطأ، الفساد، الفساد موجود بشكل دائم عندنا، الفرق بين الفساد الذي هو شائع عندنا وعند غيرنا ولكن عندنا بشكل أكبر وبين كيف نوظّف الفساد لاستنزاف الشعب والدولة.

غسان الشامي: هذا المشروع كما قلت اعتمد خطة حرب المجتمعات على نفسها، دعنا نوصّف هذه الحرب ولنبدأ بفلسطين ولبنان، كيف كانت حرب المجتمعات على نفسها في فلسطين ولبنان؟

يوسف الأشقر: في لبنان كان هناك ما يسمّى بالحرب الأهلية، قاموا بتخويف كل طرف من الآخر وحرّضوه عليه ثم وعدوا كل طرف بأنه سينتصر على الآخر، وقدّموا السلاح للجميع. في العام 1974 حين قلت أن المصدر واحد لهذا التسليح من الجهتين، التحريض واحد من الجهتين، لم يصدق أحد ولذلك استقلت حينها من مسؤوليتي، وقلت إما أن نواجه هذا المشروع من موقع المسؤولية وإلا لا يمكننا فعل أي مشروع آخر، دخلوا إلى الاقتصاد، إلى الثروة البشرية، إلى خدمات الدولة، كل النزعات المريضة في مجتمعنا عزّزوها، ولذلك أنا أقول أن ما هو قائم الآن في لبنان أننا لا زلنا في حال الحرب، هذه الحرب لا زالت مستمرة، الشيء المهم الذي نخطئ فيه، البارحة كانوا يتكلّمون عن ما بعد الحرب في الجمهورية السورية، هي حرب واحدة، قامت في لبنان، حرب على المجتمعات، قامت في العراق، قامت في الجمهورية السورية وهي ما تزال قائمة ليس فقط في الجمهورية السورية وإنما في لبنان وفي العراق أيضاً بأشكال مختلفة، ماذا أورثت في لبنان؟ أورثت نظاماً جديداً غير نظام 1943، نظام المرجعيات الطائفية التي هي أخطر بكثير من الإقطاعات السياسية، النظام الذي أورثته الحرب في التسعينات أسوأ وأخطر بكثير من نظام 1943، الناس تعتقد أن نظام 1943 هو استمرار، كلا، في 1943 كانت هناك إقطاعات سياسية ولكن لها مصلحة في استمرارية الدولة وكانت تحكي بالجغرافيا وكان الإقطاعي يقول أنا زعيم المنطقة الفلانية، ثم نشأ نظام المرجعيات الطائفية الذي يحكمنا حالياً في لبنان حيث يقول كل واحد أنا الطائفة، طائفتي دولتي بالمضمر، تيتّمت الدولة، أليست هذه حالنا الآن؟ هذا على صعيد الدولة أما على صعيد المجتمع ففي كل طائفة نزاع دائم على هذه المرجعية وبين كل الطوائف. أورثوه شيئاً آخر، الدين العام، برأي أن الدين العام هو مشروع سياسي وليس فقط مشروع فساد، الدين العام هو مشروع سياسي حربي. نحن في لبنان أمام نظام مرجعيات طائفية ورعايا طوائف غابت المواطنة فيه، ثانياً مشروع الدين العام في لبنان، هذان مثلان لكيفية محاربة المجتمع. 

غسان الشامي: بأقل نسبة من الوقت في هذا المحور، مَن الجهات المحرّكة والمديرة لهذا المشروع؟    

يوسف الأشقر: هناك غرفة عمليات حربية.

غسان الشامي: لنوصّفها، هل هي في أميركا؟ في إسرائيل؟ في أوروبا؟  

يوسف الأشقر: هي في إسرائيل ولديها غرف عمليات للضغط في أميركا وفي أوروبا وفي العالم كله، لديها غرفة عمليات في أميركا الجنوبية تحرّض على لبنان، أما غرفة العمليات المركزية فهي في إسرائيل تديرها النيو صهيونية من بعيد وتحرّك مئات وآلاف غرف العمليات الأخرى في العالم للتحريض علينا.    

غسان الشامي: إسمح لي أن نذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الأستاذ يوسف الأشقر عن المشروع الإسرائيلي، انتظرونا.   

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، بما أن الحرب على مجتمعاتنا تقوم على الدراسات والأبحاث نقدّم لكم تقريراً عن مراكز الأبحاث في إسرائيل ثم نتابع الحوار مع الأستاذ يوسف الأشقر.

تقرير:

يعود اهتمام الحركة الصهيونية بمراكز الأبحاث إلى ما قبل إعلان قيام إسرائيل حيث تأسس معهد هنريتا سالد عام 1941، وتتابع الاهتمام وصولاً إلى عشرات المراكز المختصة بالأمن والسياسة والعلوم الإنسانية والطبيعية أُنفق عليها عام 2015 نحو 13 مليار دولار.

 وأهم المراكز المهتمة بالأمن معهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، ومركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا، والمعهد الدولي لمكافحة الإرهاب، ومركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية، وكذلك معهد مراقبة وسائل الإعلام الفلسطينية، والمركز الإسرائيلي الفلسطيني للأبحاث والمعلومات، ومعهد هاري ترومان في الجامعة العبرية، وهناك أيضاً مراكز تهتم بوضع خطط استراتيجية وسياسات منها مركز هرتسليا، ومعهد أورشليم لدراسة السياسات، ومركز أبحاث ومعلومات الكنيست، ومركز دانيال ابراهام للحوار الاستراتيجي التابع لكلية نتانيا الأكاديمية، ومركز شاشا للبحوث الاستراتيجية التابع للجامعة العبرية وغيرها.

وهناك مراكز مختصة بالقضايا الاجتماعية منها معهد رينوت ومركز طاوب ومركز أدفا، ومراكز تهتم بالشؤون الفكرية كالمعهد الإسرائيلي للديمقراطية ومركز شاليم ومعهد فان لير، ومراكز مختصة بالاقتصاد مثل معهد القدس لدراسات السوق، ومراكز تختص بالتعليم مثل معهد هارتمان شالوم ومعهد هنريتا سالد، ومراكز للدراسات التاريخية مثل معهد كوهين لدراسة تاريخ العلوم والأفكار وفلسفتها في جامعة تل أبيب ومعهد بن غوريون، وكذلك الكثير من المراكز الأخرى وهي مؤثرة في صنع القرار ووضع الخطط ومساعدة الحكومة وتوجيه السياسات.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً في أجراس المشرق، أستاذ يوسف الأشقر تصرف إسرائيل بناء على معطيات منذ العام 2016 أكثر من 13 مليار دولار على مراكز الأبحاث سنوياً، إنه رقم خطير وأنت قلت إن الحرب على بلادنا هي حرب يقودها علماء الاجتماع والأنتروبولوجيون وعلماء الاقتصاد، معنى ذلك أن مراكز الأبحاث هذه لها دور في المشروع الأمني الإسرائيلي، في مقابل ذلك أين هي مراكز أبحاثنا؟

يوسف الأشقر: مراكز الأبحاث هذه ليس لها دور فقط بل هذا هو دورها الأساسي، مراكز الأبحاث هذه تستفيد منها في حقول أخرى ولكن دورها الأساسي وإنفاقها الأساسي على معلومات عن مجتمعاتنا بهدف ضربها. أما عندنا تغيب عنهم عقيدة هذه الحرب، لدينا مراكز أبحاث تختص بأمور ثانوية، بمسائل لا علاقة لها بكيفية الدفاع عن أنفسنا، هل نشأ مركز أبحاث حقيقي؟ كيف نرد على هذا المشروع الإسرائيلي؟ أين نقاط ضعفه؟ لم ينشأ، كيف ندافع عن أنفسنا ليس فقط في إسرائيل بل حيث تحاربنا إسرائيل في العالم كله؟ ليس لدينا خطاب سياسي ولا خطاب إعلامي وليس لدينا شي نقوله، مراكز الأبحاث هذه تمطرنا يومياً عبر أنفسنا أحياناً وعبر الخارج، وهذه المراكز لديها يومياً ما تقوله لنا، ونحن ليس لدينا ما نقوله لا لأنفسنا ولا للعدو.  

غسان الشامي: كي أضبط مسيرة حوارنا أستاذ يوسف تكلمنا عن تاريخية وطبيعية وعقيدة هذا المشروع الإسرائيلي، وصّفتها، بأية عدّة نواجهه؟ ما هي طريقة المواجهة؟

يوسف الأشقر: نحن لدينا خطآن في تشخيص هذا المشروع، معرفة هويته وعقيدته، والخطأ الآخر هو عدم معرفتنا بالعدّة الضرورية لمواجهته، وأكثر من عدم معرفتنا فنحن مكتفون بعدّتنا ونعتبر أن عدّتنا كافية.

غسان الشامي: كيف نوجّه هذا الصراع تجاه هذا المشروع؟

يوسف الأشقر: هناك أمران، ماذا نقول لشعبنا حتى نوعّيه أن هذه الحرب مستمرة وقائمة وهذه طبيعتها، وكيف نستنهض ليس فقط المواقع الدفاعية، لدينا مواقع دفاعية رسمية تواجه ولدينا آلاف من علماء الاجتماع القابعين في بيوتهم ولا مكان لهم. المشروع الضروري هو أن نأتي بهذه العقول ونقيم غرفة عمليات حربية ذات خلفية إعلامية وفكرية ونستنهض هذه العقول التي تعرف القليل جداً عن هذا المشروع، نوعّيها على كامل المشروع ونستفيد من خبراتها وكفاءاتها باتجاه معين، باتجاه مشروع إعلامي.

غسان الشامي: سآتي إلى المشروع الإعلامي، نحن لدينا خطاب إلى شعبنا، أنت أيضاً في الحوار قبل الحلقة معك، هناك خطاب إلى الإسرائيلي، هناك خطاب إلى العالم، أنت تعتبر أن إسرائيل مشروع سوف يقتله غباؤه، العالم العربي ينظر إلى إسرائيل كأعجوبة، العالم ينظر لها كموقع متقدم في التكنولوجيا والعلم، الخطاب تجاه الإسرائيلي كيف يمكن أن يتم؟

يوسف الأشقر: عصر المعارف يقتله غباؤه وإسرائيل نفسها التي تمتلك كل هذه المعارف يقتلها غباؤها، يجب أن نقول لها ذلك.   

غسان الشامي: أين الغباء؟  

يوسف الأشقر: أولاً اليوم هناك مسلّمات، نسمع أن إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ما هي الديمقراطية؟ المعرفة والقرار أن إسرائيل هي الدولة الأساسية المحرومة من الديمقراطية كلياً، وهي الدولة الوحيدة التي تحكمها المنظمة النيو صهيونية من الخارج، لا توجد حال مماثلة لها في العالم، وأولياء أمرها في الخارج يعرفون كل شيء ولهم حق القرار وكل ما دون ذلك في إسرائيل هو شكليات فقط، إذاً يجب أن نقول للإسرائيلي أولاً أنه ليس ديمقراطياً وبالتالي فهو لا يعرف ولا يملك حق القرار، وهي الحال الفريدة في العالم التي يتقرّر مصيرها من منظمتها في الخارج. ثانياً لا أمل لها بأن تصبح ديقمراطية لأن هذه المنظمة وليّة أمرها حريصة أن يبقى باب رزقها مفتوحاً وسلطتها في العالم مفتوحة لأن إسرائيل دكّانتها. ثالثاً إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم المحكومة كلياً من أولياء أمرها في مشروع حربي دائم، وهذا المشروع الحربي كان ذكاءً ودهاءً في الماضي حتى تمكّن من الاستمرار حتى الآن، الآن صار غباءً في ضوء ثورة المعارف، ثورة الوسائل الحديثة التي أصبحت منتشرة، هذا المشروع الحربي هو عدوها الأساسي. رابعاً عقيدة حربها على المجتمعات، خلال ستة أيام سلّمت الدول والجيوش، المجتمع منذ 50 عاماً لم يسلّم ولن يسلّم وخاصة إذا أدرك هذا المجتمع وهو مدرك أن هذا المشروع يتوخّى إبادته ولا خيار له سوى الرد وهو قادر على الرد عليه، فصار من الغباء الاعتقاد أنه سيسلم، هذا المشروع الإسرائيلي قد يبيدنا ولكنه سيُباد هو أيضاً. في ضوء معطيات العصر هو يملك طناً من السمّ كافٍ لقتل ألف طرف مثلنا ولكن نحن نملك ما نقتله به أيضاً وهو محكوم بهذا الأمر.

غسان الشامي: ما الفائدة من أن نقول للإسرائيلي أن مشروعه غبي؟ 

يوسف الأشقر: أمس ورد خبر في جريدة الأخبار على لسان مسؤول سابق، ودائماً يكون مسؤولاً سابقاً لأن المسؤول الفعلي لا يجرؤ على الكلام، قال "جيشنا البري عاطل عن العمل ولا يستطيع أن يعمل ولا ينجح ويُهزم إذا خاض الحروب". انهال عليهم 50 صاروخاً فأوعز إليهم أولياء أمرهم بالقول 20 صاروخاً، هذه الخديعة. ما سنقوله نحن في مشروعنا الإعلامي للإسرائيلي وهذا من المفارقات أننا نحن في خط النار وأعداؤه ولكننا نقول له كامل الحقيقة، بينما المشروع الإعلامي الذي يخضع له الإسرائيلي من منظمته هو خديعة.

غسان الشامي: ماذا سنقول للعالم؟ قلت في طريقة المواجهة هناك خطاب لشعبنا وخطاب للإسرائيلي وخطاب للعالم، وهل هذا العالم يسمع أستاذ يوسف؟

يوسف الأشقر: لتحديد إذا ما كان سيسمع فعليك بداية إسماعه، ما أقوله أنا هو مشروع إعلامي للعالم ولإسرائيل، المشروع الإعلامي هو حملة متكاملة وهادفة وليس خطاباً سياسياً عابراً. يجب أن تقول للعالم ماذا تفعل النيو صهيونية في العالم، إنها تغذّي التكفيريات في العالم، الناس تظن أن داعش وحدها تكفيرية، هناك تكفيريات، حتى المسيحية في تاريخها مرّت بالتكفيريات وكل الأديان، اليوم هناك تكفيريات إثنية، تكفيريات قومية في العالم، إنها تغذّي التكفيريات. باختصار العالم في القرن الحادي والعشرين في ثورة الوسائل وخاصة الوسائل الفتّاكة الموجودة لا تتحمّل هذه التكفيريات.

غسان الشامي: أين إسرائيل من التكفيريات؟

يوسف الأشقر: إسرائيل هي أمّ التكفيريات، لن نبحث في العقائد ولكنها أمّ التكفيريات. الآن صعود اليمين في أوروبا وفي الغرب من أين أتى؟ اليمن كان يهتم بالشؤون الداخلية، تغّيّرت طبيعة اليمين، اليمين هو شيء محافظ واليسار تغييري، هذا تقليدياً ولكنه محافظ لأمور داخلية. الآن أصبح اليمين في الغرب وفي العالم كيف يرى نفسه ويرى الآخر؟ أصبح عدائياً مع الآخر. في القرن الحادي والعشرين ومع تداخل حياة الشعوب ومع ثورة الوسائل، ثورة الوسائل هذه الصاعدة من دون حدود والتي لم ترافقها ثورة إنسانية تكون مسؤولة عن استخدام هذه الوسائل، بدلاً من أن يكون همّ الإنسانية هو كيف نردم هذه الهوّة ما بين صعود ثورة الوسائل وتخلّف الثورة الإنسانية جاء من يصنع التكفيريات ليزيد هذه الهوّة فيصنع وحوشاً ليس بالشكل الداعشي وإنما هم وحوش حقيقيون قابعون في ناطحات السحاب، جاء ليخلق قبليات من دون قبيلة، القبلية لها وظيفة حين تكون هناك قبيلة أما القبليات الآن تزرع في العالم تكفيريات وقيم قبلية برأيي أنا لا يستطيع أن يتحمّلها أمن الإنسانية. كيف يسمعوننا؟ لأن الأمن هو أولوية وإذا عرفنا كيف نعرض ما يمكن أن يصيب العالم في ضوء صعود التكفيريات والقبليات في العالم. أعتقد أن هذا الموضوع حساس جداً وله مردود قوي.

غسان الشامي: تتحدث دائماً عن المشروع الإعلامي المقاوم للمشروع الصهيوني وتحدثت عن غرفة عمليات، ولكن هذا المشروع له بنود ويجب أن يكون له عدّة، ما تصوّرك له؟   

يوسف الأشقر: لماذا نتكلم الآن؟ لأنه في النهاية المراجع المسؤولة التي لديها الإمكانيات والمواهب والإمكانيات في بلانا يجب أن نستنهضها، وستكون عدّتنا أقل كلفة من أية عدّة أخرى لأننا نقول الحقائق القائمة ذات المردود السريع، هي حقائق نائمة في المجتمعات، حتى الإسرائيليين أنفسهم في لاوعيهم هذا الخوف قائم، أما حين توثّق ما تقوله ولا تقول إلا الحقيقة فكلفتها أقل بكثير، صحيح أنها مكلفة. غرفة العمليات المطلوبة للإعلام مع العدو الإسرائيلي وللإعلام في العالم كلفتها ستكون أقل بكثير من كلفة ما ينفقه ال 10 مليارات، سينفق عشرة مليارات على الدراسات للبحث في كيفية تدميرنا في حين إذا أنفقنا نحن نصف مليار نستطيع أن نعطي المردود ذاته.

غسان الشامي: ولكننا في الوقت عينه أستاذ يوسف مجتمعات مأزومة، مجتمعات فيها حروب واحتراب، وصّفتها بأنه لم يعد هناك دولة بل مرجعيات. نحن بلاد تعوم على الفساد، تسبح في الطائفية، ألا يحتاج هذا قبل أن نقوم بغرفة عمليات أن نبحث عن تحصين هذا المجتمع؟ هذا مجتمع غير محصّن يا سيّدي.

يوسف الأشقر: نعم يجب أن نبحث عن التحصين ولكن هناك أولويات، كي لا نصعّب الأمور على أنفسنا، كيف سنخرج من هذا الوضع بعد 50 عاماً من الحرب علينا في لبنان؟ قلنا أن الحرب مستمرة.

غسان الشامي: وفي سوريا وفي العراق وفي فلسطين.

يوسف الأشقر: إذا استنهضنا نخبة واستنهضنا قسماً أو طرفاً او طرفين من أولياء الأمر أصحاب الإمكانيات لبذلها، هذه النخبة ستجد أن مردود عملها سيكون كبيراً جداً إذا كانت واضحة في ما تريد. كيف ستعمل؟ سنضع أولويات، إذا أردنا انتظار توعية شعبنا كله فيجب أن نوعّي نخبة من شعبنا ونقدم نماذج ناجحة ونستطيع ذلك. أنا شخصياً أقمت تجارب في حياتي وألقيت محاضرات في الخارج في فرنسا ولكنها محاولات شخصية تُنسى بعد أسبوعين أما لو كانت مشروعاً متكاملاً. حصلت معي تجارب في الخارج تبرهن فيها أن الصالة تكون في جوّ معين وتصبح في جوّ آخر، سألتهم مرة خلال الحديث عن أمن إسرائيل، قلت لهم أن الصهيونية التي أساسها الأمن وعدت وقالت لليهود في العالم "لن تكونوا آمنين إلا في دولتكم"، سألتهم أنا في العام 2008 بعد حرب 2006 في الصالة التي كان نصفها من اليهود "هل إسرائيل في 2008 بعد 60 سنة هي أأمن مكان لأبناء اليهود وأحفادهم"؟ جوابي هو لا، إذاً هذا الوعد كاذب. 

غسان الشامي: حتى نستفيد من كامل الوقت ولكن إسرائيل أثبتت كل التجارب بأنها لا تخشى إلا القوة، القوة حتى في الفكر الذي تحمله هي القول الفصل، نلاحظ أن إسرائيل حالياً تدرس تنامي قوّة المقاومة وتخشى حتى من الخطاب الصادق الذي يقوله السيّد حسن كقائد للمقاومة، كيف تتم المواءمة بين القوة والإعلام أستاذ يوسف؟

يوسف الأشقر: القوة الموجودة لدينا هي شرط ضروري لكنها ليست شرطاً كافياً، في التاريخ ما من شيء ينطق بذاته بل يجب أن تستنطقه. القوة العسكرية لن تحيمها إلا القوة الإعلامية التي تقول للعدو وتواجهه بالخديعة التي يخدعهم بها أولياؤهم، أولياؤهم يقولون لهم بأنهم سينتصرون على المقاومة وعلى حزب الله. أي طرف يشعر بأنه سيُباد كما هي عقيدته سيبيده هو بداية. الصورة التي نقدمها هي أن إسرائيل رهينة مشروع حربي لأولياء في الخارج مستعدون للتضحية بها في أية لحظة.

غسان الشامي: نحن يجب أن ننهي تفضل.

يوسف الأشقر: أحب أن أضيء على أمرين، إسرائيل مأزومة الآن برئيس وزراء مستعد لإدخال إسرائيل في حرب إفنائية لها كي لا يدخل إلى السجن بسبب فساده، وأميركا مأزومة أيضاً حيث تقسم النيو صهيونية نفسها إلى قسمينن قسم يهاجم ترامب وقسم آخر يقول له إلتجأ إلينا ونفّذ ما نريده ونحن نحميك.

غسان الشامي: نعم شكراً جزيلاً. إذا كان الأستاذ يوسف الأشقر يقول إنه بعد 50 عاماً على المشروع النيو صهيوني لا تزال الحرب في أول الطريق، فإن علينا كقوى مقاومة وكمجتمع لم يرضخ لمفاعيل القوى الإسرائيلية أن نصوغ مشروعاً معرفياً إعلامياً مقاوماً يواكب أي صمود في ساحة المعركة. نشكر الأستاذ يوسف الأشقر حضوره في أجراس المشرق، أشكر زملائي الأعزاء في البرنامج والميادين الذين يقرعون معي هذه الأجراس التي تحاول التنبيه إلى الحقيقة والواقع، لكم الشكر على طيب المتابعة، بانتظار آرائكم على موقع البرنامج على الميادين وفايسبوك، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.