حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

معتصم الحارث الضوي - الفاضل حاج سليمان

 

 

المحور الأول

 

رانا أبي جمعة: منذ كانون الأول (ديسمبر) وبعض مدن السودان على موعد شبه يومي مع تظاهرات تجوب الشوارع. الخلفية الاقتصادية للاحتجاجات ما لبثت أن تحوّلت إلى ما هو سياسي بامتياز. الاعتراض على قرار السلطات رفع سعر الخبز ثلاثة أضعاف وصل إلى مطالباتٍ بإسقاط النظام.

في الثاني والعشرين من شباط (فبراير) الماضي، قرّر الرئيس السوداني عمر حسن البشير فرض حال الطوارئ. بالأمس أقر البرلمان خفضها إلى ستة أشهر. كلامٌ صادرٌ عن السلطة يتحدّث عن إصلاحات مقبلة وحوار شامل يتزامن مع عنف واعتقالات وأحكام بالسجن.

حتى الساعة، يُحكى عن حصيلةٍ بلغت أكثر من 50 قتيلاً بحسب منظمة العفو الدولية، بينما تقول إحصاءات حكومية إن العدد بلغ 32. كلام السلطة يقابله إصرار المعترضين على التنحي الفوري للبشير عن حكم البلاد من دون قيد أو شرط. أما نوع الحكم المراد فهو غير معروف إلا بخطوطه العريضة.

ماذا عن أفق هذه الاحتجاجات، ومصير إعلان الحرية والتغيير لناحية التطبيق؟ أيّ هامشٍ لا يزال حاضراً للتحاور في ظل حال الطوارئ؟

هذه العناوين وغيرها نطرحها على ضيفينا الكاتب والباحث السياسي السوداني معتصم الحارث الضوي، وعضو لجنة العدل والتشريع في البرلمان السوداني الفاضل حاج سليمان.

أهلاً بكم.

 

(فاصل)

 

رانا أبي جمعة: إذاً مشاهدينا أهلاً بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من حوار الساعة، والتي نخصّصها للشأن السوداني، ونبدأ معك سيّد معتصم. أنت معنا من لندن.

أبدأ من مسألة إقرار البرلمان خفض حال الطوارئ إلى ستة أشهر. بدايةً، كيف ترون هذا الإقرار؟

 

معتصم الحارث الضوي: شكراً جزيلاً للفرصة. للتعريف بنفسي أنا أيضاً عضو لجنة تسيير نقابة الصحافيين الشرعية في المملكة المتحدة.

دعيني أبدأ من فضلك بالنقطة الأساسية، وهي أنّ إعلان حال الطوارئ في السودان هو غير دستوري، وأكرّر وأشدّد على هذه النقطة، لأنّه يتناقض مع الدستور المعمول في البلاد والذي وضعته السلطة القائمة أو سلطة الأمر الواقع في السودان سنة 2005.

المادة 210 من هذا الدستور تنصّ على التالي، إنه يمكن إعلان حال الطوارئ في حال تعرض البلاد لحالات الحرب، الغزو أو الحصار الجزئي أو الكارثة الطبيعية أو الأوبئة التي تستدعي اتخاذ إجراءات غير عادية وهي حال الطوارئ.

كل هذا لا ينطبق على الحال السودانية، وبالتالي هذا الإعلان في حد ذاته غير دستوري، كون أنّ البرلمان أو المجلس التشريعي في السودان بالأمس خفض الفترة من سنة إلى ستة أشهر، أيضاً هذا بحد ذاته مخالفة للمادة 212 من الدستور السوداني، والتي تنصّ على أن حال الطوارئ تنقضي بمرور ثلاثين يوماً إذا لم يقرّر المجلس التشريعي أو السلطة التشريعية تمديدها بموجب قرار. هنا حدث تلاعب لأن الرئيس بحكم الأمر الواقع عمر البشير عندما أعلن أن حال الطوارئ ستستمرّ لمدة سنة، فهو بالفعل وقع في تناقض وانتهاك صارخ للدستور الذي وضعته الحكومة بنفسها في العام 2005.

 

رانا أبي جمعة: إذا ما أردنا أيضاً أن نبقى في هذا الموضوع، في أي إطار يمكن وضعه؟ وبالتالي كيف يمكن للحركات الاحتجاجية التحرّك في ظلّه؟

 

معتصم الحارث الضوي: لا يمكن للحركات الاحتجاجية التحرّك في ظلّه، ودعيني، أنا أستغرب بعض الشيء أن يتم تعريف، مع كامل الاحترام لكم، ولكن أستغرب أن يتم تعريف ضيفك من الخرطوم بأنه عضو لجنة التشريع في البرلمان. فمن المعلوم سلفاً دستوراً وقانوناً أن إعلان حال الطوارئ يستدعي أو يفرض في الواقع أن البرلمان على أقل تقدير هو في حال تعليق، وفي حال إلغاء بالكامل، لكن حال الطوارئ، رأينا استخدام حال الطوارئ وقبل حال الطوارئ من قبل السلطات في العنف المفرط، اقتحام المنازل، من دون إذن للتفتيش، التعرّض للمتظاهرين السلميين، بل والتعرّض للذين يسيرون في الشارع، هذا أيضاً يختلف مع المادة 40.

هذا النظام عوّدنا على اختراق حتى الدساتير والقوانين التي يضعها بنفسه، لا يملك أي احترام أو يحترم الدساتير التي يضعها. على سبيل المثال، المادة 40 من الدستور السوداني تنصّ على حرية التجمهر السلمي، وعلى حرية التنظيم. لماذا لا يحترم النظام هذه المواد التي ذكرتها الآن في دستوره ولا قوانينه ولا قانون الإجراءات الجنائية للعام 91 وغيرها كثير؟ هذا النظام يعتمد أسلوباً وحشياً دانته كل المنظمات الدولية.

 

رانا أبي جمعة: إسمح لي سيّد معتصم، في الواقع أثرت أكثر من نقطة، إسمح لي أن أنقلها أيضاً لضيفنا من الخرطوم. أجدّد الترحيب بك سيّد الفاضل حاج سليمان.

إذاً ضيفنا من لندن يقول بأن الوضع في السودان لا يستدعي حال طوارئ، هو ليس في حال حرب، ليس هناك من غزو، ليس هناك من كارثة لنكون ضمن حال الطوارئ حتى وإن كانت لستة أشهر.

في الواقع ما الذي يستدعي هذه الحال؟ فقط الاحتجاجات في السودان؟

 

الفاضل حاج سليمان: شكراً جزيلاً لكم، وشكراً للأخ العزيز الزميل معتصم.

 

رانا أبي جمعة: أهلاً بك.

 

الفاضل حاج سليمان: على ما تفضل به من تعليق على الأوضاع وحال الطوارئ التي أعلنت في السودان.

أولاً، إعلان حال الطوارئ في السودان، تقدّر الأوضاع التي توجب إعلان حال الطوارئ، وتستدعي إعلان حال الطوارئ داخل السودان، ومن ولاياته المختلفة، ومن موانعه المختلفة، ومن الممارسات التي تُمارَس، سواء كانت في المجال الاقتصادي، وتهريب المنتجات السودانية، بما فيها الذهب والمعادن، التعامل في العملة.

 

رانا أبي جمعة: ولكن هل هذا بالأمر المستجد سيّد الفاضل؟ التهريب هو جديد بالنسبة إلى السودان؟ ما الذي استدعى في هذا التوقيت بالذات هذه الحال؟

 

الفاضل حاج سليمان: التهريب الذي انتشر في الفترة الأخيرة كان ظاهرة تستدعي أن توجد لها معالجة، مثل الحال التي أعلنت، إعلان حال الطوارئ في ولايات دارفور لمواجهة انتشار السلاح داخل القبائل وبين الأفراد، والذي لم تستطع السلطات أن تتعامل معه إلا من خلال فرض حال الطوارئ وجمع السلاح بالإجراءات التي أعلنت وتوبعت من قبل الأجهزة المختصة.

فلذلك إعلان حال الطوارئ، طبعاً لا يمكن أن نقول إنه غير دستوري، ونحن نتحدّث عن الدستور السوداني الانتقالي لسنة 2005، ونقرأ المواد التي وردت في الفصل الرابع عشر، المادة 210 و211 و212، هذه تتحدّث عن حال الطوارئ وتبيّن ما هي الأسباب والدواعي التي تستدعي حال الطوارئ، ومن هي الجهة التي تعلن أو لها الحق في إعلان حال الطوارئ، وما هي الإجراءات التي تتخذ لعرض حال الطوارئ على السلطة التشريعية أو الهيئة التشريعية القومية.

 

رانا أبي جمعة: أفهم منك سيّد الفاضل بأنّ حال الطوارئ اليوم هي موجّهة بوجه الأزمة الاقتصادية، الوضع الأمني، بمعنى أنّ هذه الحال ليست بوجه المحتجين في الشوارع؟ هذا ما فهمته منك؟

 

الفاضل حاج سليمان: الحال الاقتصادية هي واحدة من الحالات التي استدعت إعلان حال الطوارئ، أنا عضو في البرلمان.

 

رانا أبي جمعة: ماذا عن الشارع؟

 

الفاضل حاج سليمان: الشارع نفسه هو تحرّك ابتداءً لمواجهة الحال الاقتصادية التي عمّت البلاد وندرة الخبز وغيره، هذه هي التي قادت الشعب السوداني للخروج والمطالبة بتوفير هذه السلع، لكن التعامل مع هذه السلع وتوفير هذه السلع اقتضى، لأنه هنالك تهريب، هنالك إخفاء للكميات الوافرة من سلعة الدقيق التي تُوزَّع على المخابز، وإخراجها خارج السودان عبر الحدود، عن طريق التهريب، عن طريق التخزين، هذه هي المسبّبات التي أدت إلى ندرة الخبز والدقيق في السودان.

الحديث ينبغي أن يكون مبنياً على الواقع، والواقع لا يمكن أن يعيشه الإنسان وهو خارج إطار الواقع نفسه، وخارج إطار الدائرة التي تتمّ فيها هذه الممارسات.

 

رانا أبي جمعة: قبل أن أذهب إلى مقال، هناك أيضاً نقطة مهمة أثارها ضيفنا في لندن، وهي أن حال الطوارئ أيضاً ربما تستدعي حل البرلمان. لماذا لم يُحَلّ البرلمان إذاً؟

 

الفاضل حاج سليمان: وما الذي يقود إلى حل البرلمان؟ حال الطوارئ هي حال لمعالجة أزمة اقتصادية وأزمة أمنية أو غيرها بموجب إجراءات طوارئ يعلنها رئيس الجمهورية، وتوافق عليها الهيئة التشريعية القومية.

فما هي الأسباب التي تقود إلى حلّ الهيئة التشريعية القومية، لتصبح البلاد في حال عدم وجود سلطة تشريعية تراقب الأداء التنفيذي، وتتولّى أمر التشريع؟ هذه أمور، لا يمكن أن تكون الحلول بمثل هذه الإجراءات.

 

رانا أبي جمعة: سوف نتابع هذا النقاش سيّد الفاضل، وأيضاً السيّد معتصم، ولكن بعد هذا المقال في صحيفة النخبة السودانية، "طوارئ الفساد".

 

النخبة السودانية: على جناح السرعة أصدرت محكمة الامتداد أول من أمس حكماً بمقتضى عقوبتي السجن والجلد بحق تسع فتيات على خلفية مشاركتهن في الاحتجاجات التي دخلت شهرها الثالث.

وقضت محكمة الطورائ بحيّ الامتداد في العاصمة الخرطوم برئاسة قاضي الطوارئ تاج الدين إدريس بمعاقبة تسع فتيات بالسجن لمدة شهر لكلٍ منهنّ بجانب الجلد عشرين جلدة لكلّ واحدة.

وكانت السلطات قد أوقفت المتّهمات أثناء الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة يوم الخميس الماضي، ودُوّنت بلاغاتٌ ضدّهن استناداً إلى قانون الطوارئ تحت المادة الثانية.

=بغضّ النظر عن عدم اتفاق أوامر الطوارئ مع الحقوق الدستورية، وبعد مضيّ أكثر من 17 يوماً على صدور الأمر الخامس، ولم يُلقَ القبض على فاسد واحد أو يفتح أي ملف من ملفات الفساد الضخمة، سواء كان ذلك بخصوص مليارات إيرادات البترول وعقوده الفاسدة أو المنح والقروض المبدّدة أو ضياع حصائل الصادر أو في قطارات الخرطوم وأراضي الولايات المرهونة أو في تبديد مليارات الدولارات في الكهرباء وبيع كهرباء الفولة خردة، هل تحتاج هذه الملفات إلى أمر طوارئ؟ فليكُن. لكن ماذا عن عشرة كرام من النافذين يتحكمون في سعر الدولار ويتداولون عشرة مليارات دولار؟ من أحق بالجلد؟ الفتيات أم القطاط السمان؟

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد معتصم من لندن، اليوم لدينا تجمّع المهنيين السودانيين في الواجهة ولكن أيضاً لدينا أحزاب معارضة ضمن تحالف قوى الإجماع الوطني وقوى نداء السودان، وأيضاً هناك مجموعة الـ 52 باسم الإصلاح والسلام.

الصوت الأعلى اليوم في الشارع السوداني لمَن؟

 

معتصم الحارث الضوي: الصوت الأعلى هو لتجمّع المهنيين والقوى الأخرى التي انضوت معه لتوقّع مجتمعة على ما يسمّى بإعلان الحرية والتغييرية، أكبر كتلة سياسية تعمل الآن في الشارع السوداني وتحظى باحترام وقبول واسع، وقد رأينا ذلك جلياً في أن البيانات والمطالبات والنداءات التي تطلقها القوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير تحظى وتلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً، بدءاً من المطالبة بخروج المسيرات، الوقفات الاحتجاجية، حملات النظافة وما إلى ذلك وغيرها. هذه الكتلة أحد الأسباب التي تجعلها تحظى بهذا الاحترام، أنّها تعبّر عن تحالف ما بين قوى سياسية وقوى أيضاً تكنوقراط، وهذا هو المنظور المنشود في السودان بعد سقوط النظام الحالي بإذن الله.

لو سمحت لي أستاذة، فقط أنا أريد أن أعقّب على نقطة أو جزئية بسيطة تفضل بها ضيفك من الخرطوم، يقول الضيف وهنا في تلاعب واضح ومراوغة للقانون أو للدستور تحديداً، يقول تقدّر، استخدم مصطلح تقدّر الأوضاع. هذا غير صحيح. إعلان حال الطوارئ لا يتم بهذه الطريقة، ليس تقديراً للأوضاع، وإنما هناك مواد في القانون، الباب الرابع عشر المواد 210 و211 و212، تحديداً 210 تقول حرباً أو غزواً أو حصاراً أو كارثة طبيعية أو أوبئة. دعونا لا نتلاعب بالألفاظ، ليس سلطة تقديرية وإنما هناك نصوص واضحة يتم تطبيقها.

يتحدّث أيضاً عن التهريب في دارفور وهذه أول مرة أنا أسمع من شخص من جهة حكومية يقول إن إعلان حال الطوارئ بسبب تهريب السلاح في دارفور وما إلى ذلك، هذا يحدث منذ الثمانينات من القرن الماضي وقبل أن تتسلّم السلطة الحالية سدّة الحكم بانقلاب مشؤوم.

عندما يقول الضيف الكريم، يقول أنا خارج الواقع لأنني مقيم في بريطانيا، ألا يعلم ضيفك الكريم أنّ العالم أصبح قرية صغيرة كونية، أنّ كلّ شيء يصل في خلال ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي وما إلى ذلك؟

إذا لا داعي للمراوغة. هذا التطبيق لإعلان حال الطوارئ هو غير دستوري، شاء ضيفك الكريم أم أبى.

 

رانا أبي جمعة: لن نبقى في مسألة حال الطوارئ، وفي ما خصّ أيضاً مواد الدستور، لدينا نقاط أيضاً أخرى سيّد معتصم سوف نتطرّق إليها تباعاً، ولكن أعود إليك سيّد الفاضل.

لم أسأل ضيفنا من لندن حول المقال الذي أوردناه لصحيفة نخبة السودان كون رأيه سوف يكون واضحاً، ولكن اليوم يتم الحديث عن نوع من التخبّط داخل أروقة النظام حيث التناقضات في الخطوات واضحة.

هناك قرار رئاسي يقضي بإطلاق سراح جميع السجينات اللواتي تم اعتقالهن منذ اندلاع احتجاجات ديسمبر، يليه قرار للقاضي المشرف على محاكم الطوارئ تاج الدين إدريس بالحكم بالسجن وجلد وتغريم عدد من النساء اللواتي تم اعتقالهن إثر مشاركتهن في موكب الخميس الفائت.

لماذا نرى إعفاء ومن ثم سجن وجلد؟

 

الفاضل حاج سليمان: أولاً، لا بدّ من أن أصحّح ما ذكره الأخ الأستاذ معتصم في ما يخصّ المواد 210 و211 و212 من الدستور، والتي تتحدّث عن إعلان حال الطوارئ، والتي أجازت لرئيس الجمهورية عند حدوث أو قدوم أي خطر طارئ يهدد البلاد أو أي جزء منها، حرباً كان أو غزواً أو حصاراً أو كارثة طبيعية أو أوبئة، يهدّد سلامتها واقتصادها، أن يعلن حال الطوارئ وأن يتّخذ عند سريانها أية تدابير تنطوي.

 

رانا أبي جمعة: سأقول لك سيّد الفاضل، لن نبقى في مواد الدستور. إسمح لنا أن ننتقل إلى نقطة أخرى.

سألتك عن التناقضات في الخطوات التي نراها في الآونة الأخيرة في السودان. هناك إعفاء لعدد من السجينات، ومن ثم هناك سجن لعدد آخر، وأيضاً الحكم عليهن بالتغريم وبالجَلد.

هذه التناقضات في الخطوات ماذا يمكن أن نفهم من خلالها؟

 

الفاضل حاج سليمان: هو طبعاً لا تناقض إذا ما نظرنا نظرة موضوعية ونظرة حيادية للأمور. أنا لست مع حال الطوارئ كحال أدافع عنها، ولكن مع حال الطوارئ لمجابهة ومواجهة أحوال وظروف تقتضي أن يتعامل معها بموجب قانون الطوارئ.

عندما نتحدّث عن المحاكمات وإصدار العقوبات بالسجن أو الجَلد لماذا لا نتحدّث عن التخريب والحرائق والدمار الذي لحق بالمؤسّسات العامة ولحق بمؤسّسات الأفراد والأشخاص؟ لماذا لا نتحدّث عن ذلك؟

 

رانا أبي جمعة: إسمح لي أن أتدخّل في هذه النقطة بالتحديد، النساء اللواتي تم الحكم عليهن قاموا بهذه المخالفات وبهذه الاعتداءات على ممتلكات الدولة، وهل تستأهل المشاركة في احتجاجات الجَلد؟

 

الفاضل حاج سليمان: نعم؟

 

رانا أبي جمعة: هل تسمعني سيّد الفاضل؟

 

الفاضل حاج سليمان: نعم.

 

رانا أبي جمعة: أنا سألت عن نقطة محدّدة في ما خصّ النساء. هؤلاء النساء شاركن في اعتداءات على ممتلكات الدولة ليستحقّوا أحكاماً بالسجن والتغريم والجَلد.

هل تستأهل المشاركة في احتجاجات الجلد؟

 

الفاضل حاج سليمان: هذه مسألة لا أتدخّل فيها أنا باعتبار أن هذه الإجراءات التي تمّت هي إجراءات قانونية، قضائية، تمّت أمام سلطة قضائية، ومن حقّ من صدر ضدّه حكم حسب قانون الطوارئ سنة 97، وحسب إعلان حال الطوارئ الذي أجيز، له أن يستأنف هذه الأحكام لدى السلطة الاستئنافية، محكمة الاستئناف والمحكمة العليا، وله أن يصل إلى المحكمة الدستورية.

فينبغي أن لا نتحدّث حديثاً سياسياً صرفاً، ونحاول أن نسقطه على الإجراءات القانونية والقضائية. أنا لا أتدخل في أحكام القضاء، ولست على علم بالحيثيات والوقائع التي بموجبها صدر قرار القضاء بتوقيع عقوبة جلد أو عقوبة سجن على متهم، ولا أعلم تحديداً ما هي التهمة التي وجّهت لهذا المتهم. هذه مسائل قانونية قضائية.

 

رانا أبي جمعة: وربما السؤال نابع من الخبر الذي تلقيناه، كما تلقته جميع وسائل الإعلام، بأن الحكم أتى على هؤلاء النسوة نتيجة المشاركة في الاحتجاجات. السؤال انطلق من هنا.

إسمح لي أن أعود إلى السيّد معتصم، وهذا ليس تدخّلاً في القضاء، وإنما ربما معرفة الواقع اليوم كيف هو في السودان، الواقع القضائي والسياسي. أعود إليك سيّد معتصم من لندن.

اليوم تقول بأنّ الصوت الأقوى هو لتجمّع المهنيين السودانيين، وتحديداً لما أعلن من إعلان الحرية والتغيير، ولكن في هذا الإعلان هناك مطالبة بشكل مباشر بالتنحّي الفوري للبشير ونظامه من الحكم. هل هذا وارد اليوم؟ وما البديل؟

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، هذا وارد وهذا مطلوب بشدّة، خاصة وأنّ عمر البشير، ولا أقول إنه رئيس لأنه رئيس لنظام غير شرعي وأتى بانقلاب قوّض الديمقراطية في السودان في الثلاثين من يونيو 1989، فما بنيَ على باطل فهو باطل بأكمله مهما أسّس من مؤسّسات.

أي عليه كان الحل، هذا مطلب فوري خاصة وأن عمر البشير قد استنفذ كافة فرصه حتى إذا أخذنا تجاوزاً أو جدلاً الدستور الذي وضعه تجاوز هذه المرحلة، هناك مطالبة ومطالبة مشروعة من الشعب، وهنا أقول من الشعب وأكرّر على أنها مطالبة شعبية جارفة وعارمة وشاملة تطالب بتنحي الرئيس ونظامه بالكامل.

 

رانا أبي جمعة: ولكن في الشارع السوداني لم يظهر ذلك، لا يظهر هذا التعميم الذي تتحدّث عنه سيّد معتصم أيضاً، المشاركات؟

 

معتصم الحارث الضوي: بالعكس سيّدتي الفاضلة، لأنه عندما نرى حجم التظاهرات الشعبية تخرج عندما يدعو تجمّع المهنيين والقوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير، تدعو للتظاهرات أو المسيرات الشعبية، فإننا نرى عادة ما لا يقل عن 50 تظاهرة تندلع في مختلف أرجاء البلد، ليس فقط في العاصمة الخرطوم والتي تضم ربع سكان البلاد وإنما في كافة المناطق.

الحل المطروح هو بشكل مبسّط وباختزال، أتمنّى أن لا يكون مخلاً، هو فترة انتقالية تجمع ما بين تمثيل مختلف القوى السياسية للحركات الثورية والتكنوقراط، يكون فيها القدح المعلى للتكنوقراط باعتبارها هي القوى المحركة للوضع الحالي أو الحراك الحالي، والمنظور أنه ليس فقط تجمّع المهنيين هو القوّة الضاربة سياسياً إن صحّ التعبير، وإنما الآن هناك مطالبة بهذا الحكم التكنوقراطي لأنّ المشكلات التي أوقع فيها النظام الحالي البلاد خلال 30 سنة مشؤومة، تحتاج إلى معالجات بالفعل، ينبغي بل يجدر بل يجب أن تقدّم التكنوقراط على السياسيين المحترفين، لا بدّ من وجود السياسيين بلا شكّ، من يدّعي غير ذلك فهو ساذج، لكن التكنوقراط ينبغي أن يكون لهم القدح المعلى لأن المرحلة القادمة، عندما نرى انهياراً كاملاً في الصحة والتعليم والصناعة والزراعة والإسكان وعلى كافة مستويات الحياة نتيجة للسياسات الخاطئة والمشينة التي يرتكبها النظام والمجازر وما إلى ذلك في كل مكان.

إذاً هذا يتطلّب معالجات تكنوقراطية مباشرة، وهنا إذا سمحت لي بتعريف بسيط على ما تفضل به ضيفك الكريم بخصوص ضرب النساء، إنه يضيف الملح على الجرح، بينما يحتفل العالم أجمع بيوم المرأة العالمي، أن تصدر أحكام عن الجهاز القضائي التابع لهذا الحكم، يصدر أحكاماً بجَلد النساء ويصرّ وهو مخالفة، وأرجو أن لا يدّعي ضيفك الكريم انه لا يعرف عنها شيئاً، فهو قانوني.

عندما يصرّ القاضي تاج الدين إدريس على تنفيذ هذه الأحكام فورياً أو ما يسمّى إجازياً فهذا أيضاً يعدّ مخالفة قانونية. ضيفك دعانا للحديث قانونياً وليس سياسياً، هذا مخالف للإجراءات الجنائية لقانون الإجراءات الجنائية عام 91. إذاً هذه منظومة فاسدة منظومة لا تحترم حتى القوانين ولا الدساتير التي تفرضها، وبالتالي هذا الذي دعا السودانيين عبر تراكم ثلاثين سنة إلى المطالبة برحيل هذا النظام بدءاً من رئيس سلطة الأمر الواقع وحتى البقية.

 

رانا أبي جمعة: موقف المعارضة ربما واضح تجاه النظام في السودان، ولكن أيضاً يبقى المشروع البديل غير واضح في الواقع.

المتحدّث باسم تجمّع المهنيين السودانيين أصرّ على شعار تسقط، وفقط، وهذا لا ينبئ بالخير، إذا اختصرنا كل الحراك بهاتين الكلمتين، وأيضاً قال بأن انشغالنا هو إسقاط النظام بمعزل عما يليه.

سوف أستمع إلى إجابتك ولكن بعد فاصل قصير. إسمحوا لنا مشاهدينا.

 

 

المحور الثاني

 

رانا أبي جمعة: أجدّد الترحيب بكم مشاهدينا إلى حلقة حوار الساعة، وأجدّد أيضاً الترحيب بضيفينا من الخرطوم، عضو لجنة العدل والتشريع في البرلمان السوداني الفاضل حاج سليمان، وأيضاً من لندن الكاتب والباحث السياسي معتصم الحارث الضوي.

سوف نتابع هذا النقاش ضيفيّ الكريميْن، ولكن بعد هذه المقالة للانتباهة، "المؤتمر الوطني... رحلة البحث عن إسم".

 

الانتباهة: المؤتمر الوطني... رحلة البحث عن إسم، ندى محمّد أحمد

يُعَدّ خطاب رئيس الجمهورية ليلة الجمعة في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) الماضي نقطة فارقة في مصير ومستقبل المؤتمر الوطني الذي كانت صفته الحزب الحاكم لنحو ثلاثة عقود من الزمان، وانتهى أجلها ساعة خطاب الرئيس الذي حل الحكومة على مستوى المركز والولايات، وعيّن ولاة الولايات من القوات النظامية، الجيش، والشرطة، والأمن، وأعلن الرئيس أنه في منصة قومية وسيقف على مسافةٍ واحدة من كل القوى السياسية، وأنه أمر بتأجيل النظر في التعديلات الدستورية المتعلقة بتعديل الدستور، بحيث يتأتى له الترشّح في الانتخابات المقبلة بتاريخ أبريل (نيسان) .

وإثر هذه الأحداث التي أفرزت أوضاعاً جديدة، كان لزاماً على الوطني أن يواكب هذا التحول الضخم من ناحية تنظيمية. فما الجديد في جعبة الوطني ليختبره في المرحلة المقبلة؟

المؤتمر الوطني بعد خطاب الرئيس لم يعد الحزب الحاكم كما كان، وهو بصدد إجراء تعديلات تنظيمية كبيرة في هيكله، وذلك لمواجهة الواقع الجديد الذي وجد نفسه فيه، على نحوٍ ربما لم يكن في حسبانه، وذلك سعياً منه لتقديم ذاته إلى المواطن السوداني في ثوبٍ جديد. وستفصح الأيام المقبلة عن تفاصيل ذلك التغيير الذي سيطاول إسم الحزب نفسه وعن موقف السودانيين منه بالقبول أو الزهد والعزوف.

 

رانا أبي جمعة: أعود إليك سيّد الفاضل من الخرطوم. فقط لا أحبّ أن تبقى هناك نقطة عالقة. عندما تحدّثت عن أنه لا يجوز التدخّل في القضاء، وتحدّثت عن الاستئناف، بينما ضيفنا من لندن تحدّث عن تطبيق للأحكام بشكل فوري، هذا يعني بأن خيار الاستئناف غير وارد.

ولكن أيضاً في المقلب الآخر كان هناك حديث للرئيس عمر حسن البشير عن إصلاحات مقبلة، عن الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، عن أنه يريد حواراً شاملاً مع الأفرقاء. رغم ذلك كان هناك حل للحكومات على مستوى الاتحادي والولايات، وكان هناك نوع من العسكرة للحكم إن صحّ التعبير وهناك أيضاً استخدام للعنف في ما خصّ الاحتجاجات.

كل هذا المشهد هل يساهم فعلاً في الوصول إلى حوار شامل؟

 

الفاضل حاج سليمان: نعتقد أنّ الإجراءات التي اتخذها الأخ الرئيس استناداً إلى الوقائع وللأحوال التي عاشتها البلاد في الآونة الأخيرة، يمكن أن تعين وأن تساعد على معالجة الوضع الاقتصادي والوضع الأمني وغيره.

وأودّ الردّ على ما ذكره الأستاذ معتصم حتى لا تصبح الأمور حديثاً سياسياً، من دون أن يكون مربوطاً بالواقع، ومن دون أن يكون مربوطاً بالموضوعية. "تسقط بس" و"تبقى بس"، هذه كلمات ليست لها وقع دستوري يمكن أن يسندها وليس لها مجال.

 

رانا أبي جمعة: هذا الموضوع سأسأل عنه السيّد معتصم وأعطيه الوقت لكي يفسّر لنا ماذا يعني هذا الشعار وأي مستقبل يعد به من خلال هذا الشعار، ولكن سألتك عن موضوع آخر.

هناك حديث عن الوقوف على مسافة واحدة من الأفرقاء، هناك حديث عن حوار شامل. هل يمكن أن نصل إلى حوار شامل في ظل حال الطوارئ، في ظل أحكام، وفي ظل عسكرة الحكم إن صح التعبير كما ذكرت سابقاً، في ظل حديث عن عنف يتخلّل الاحتجاجات التي نراها في الشوارع؟ هل يمكن الوصول إلى حوار شامل سيّد الفاضل؟

 

الفاضل حاج سليمان: يمكن أن نصل إلى حوار شامل، ولا بدّ من أن نصل إلى الحوار الشامل، لأنّ قضايا البلاد لا يمكن أن تُحَلّ إلا عن طريق الحوار، وهذه مسألة لا تحتاج لحديث ولا تحتاج لإطالات. ولذلك، أنا عندما أتحدّث أنا عن "تسقط بس"، "تسقط بس" هذه ضد الحوار وضد التحاور بين جماهير الشعب السوداني ومؤسّسات الشعب السوداني للوصول إلى مرحلة تغيير للواقع.

الواقع السياسي كله يحتاج إلى تغيير، والواقع السياسي لا يمكن أن يتغيّر عن طريق إسقاط النظام، ولا عن طريق التظاهر، ولكن يمكن أن يتم التغيير والتحوّل عن طريق الانتخابات الحرّة والنزيهة والمراقبة، مراقبة داخلياً ومراقبة دولياً، وإخواننا الموجودون في الخارج، في لندن وغيرها، ينبغي أن يعودوا للسودان ليراقبوا هذه الإجراءات ويشرفوا على الانتخابات ويقودوا البلاد إلى انتخابات حرّة ونزيهة لم يتبقَّ لها غير شهور، وليسقطوا المؤتمر الوطني وليسقطوا كل النظام القائم وليأتوا بنظام جديد، لكن أن نتحدّث عن "تسقط بس" وأن يسلم الرئيس، يسلّم لمَن؟ هل هنالك جهة يمكن أن تسلّم السلطة الآن؟

 

رانا أبي جمعة: وهذا سؤال مشروع سيّد الفاضل، إسمح لي أن أنقله مباشرة إلى السيّد معتصم.

تريدون تسليم السلطة لمَن بالتحديد سيّد معتصم؟ وهل يُعَدّ كلاماً مسؤولاً ما قاله المتحدّث باسم تجمّع المهنيين السودانيين، "انشغالنا هو إسقاط النظام بمعزل عما سيليه"؟

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، هذا التصريح لم يكن دقيقاً في الواقع، أن "تسقط بس"، ولكن "تسقط بس" ما المقصود بها؟ المقصود بها، وهنا ألفت عناية المشاهد غير السوداني أو المشاهد السوداني الذي يكابر من جماعة الحزب الحاكم وما إلى ذلك، "تسقط بس" تعني تحديداً أنه لا قبول، وأكرّر على أنه لا قبول بغير سقوط النظام بدءاً من رأس النظام المدعو عمر البشير إلى آخر موظف فيه لأنه منظومة فساد غير كاملة لا تحترم حتى دساتيرها وقوانينها.

مسألة العنف الذي نعود ونستمع إلى الأسطوانة المشروخة بأنه هو السبب في فرض حال الطوارئ أو أحد الأسباب التي أدّت إلى فرض حال الطوارئ، هذا غير صحيح بشهادة، دعيني أعود لك، أنّ بعثة الأمم المتحدة في الخرطوم وأمنستي أنترناشنال وهيومان رايتس واتش والسفارات والبعثات الأجنبية كلها ترصد وتراقب الموقف، وكلها تجمع وأكرّر على كلمة تجمع بأن المتظاهرين سلميون، بالتالي هم لم يقعوا في أي خرق دستوري.

أعود إلى سؤالك المباشر، مَن البديل؟ مَن الذي سيستلم؟ هناك بالفعل منظومة، هناك دستور انتقالي تمّ إعداده، وهناك ترتيبات لإدارة المرحلة السياسية للتعامل مع كافة القضايا الآنية العاجلة، سواء الوضع الاقتصادي، الخزينة الفارغة وغيرها من المشكلات التي جرّها النظام الحاكم على البلاد، الخزينة فارغة، هناك مشكلة معيشية وهناك سعر صرف العملة متدنٍ للغاية وما إلى ذلك، هناك بالفعل تم وضع هذه البرامج، ولكن لا يمكن الإفصاح عنها، ليست ممّا يُعلَن لفائدة الحكومة، لأن الحكومة لا تستطيع أن تطبقها.

وعندما تحدّث النظام أو خطاب النظام او أبواق النظام عن مسألة الحوار وما الحوار، هذا الحوار منذ متى بدأ؟ بدأ منذ عشرات السنين ولم نرَ نتيجة. الحوار الأخير أو ما سمّي بمؤتمر الحوار الوطني الذي دام لمدة ثلاث سنوات ما الذي تمخّض عنه؟ حتى الجهات التي شاركت فيه خرجت الآن، كفرت به جملة وتفصيلاً وخرجت به لأنّ النظام يمارس الانتهاكات حتى لمقرّرات ما يسمّى مؤتمر الحوار الوطني، أناء الليل وأطراف النهار.

إذاً هذه الأحزاب خرجت، فما الذي يريده النظام؟ عندما نتحدّث عن انتخابات، ما إرث النظام في الانتخابات؟ ووأول انتخابات سنة 90 كانت مزوّرة.

 

رانا أبي جمعة: هذا في الواقع كلام، هو كلام مهم جداً مهمّ، عندما نتحدّث عن وضع دستور انتقالي هذا يعني بأن هذه المعارضة تعي كلّ الواقع السياسي السوداني، ولكن مَن وضع هذا الدستور الانتقالي؟ هل المعارضة في السودان على قلب رجلٍ واحد؟

نحن نرى أحزاباً وأطرافاً عديدة، كلٌ منها له رؤيته ومشاريعه. هناك مثلاً مجموعة الـ 52 تتكوّن من شخصيات أكاديمية وسياسية ومسؤولين، لستم على تواصل معها، لماذا؟ لا ندري، أليس هناك من تقاطعات بينكما على سبيل المثال؟

 

معتصم الحارث الضوي: دعيني أؤكّد لك أستاذة رانا، تمّ التوافق على دستور انتقالي يحكم المرحلة الانتقالية أو المرحلة التالية مباشرةً لما بعد سقوط النظام أو إسقاط النظام، أياً كانت الحال، هذا الدستور تم وضع أيضاً برامج عملية تفصيلية للتعامل مع المشكلات الآنية التي يجب التعامل معها. ذكرت منها منذ قليل مسألة الخزانة الفارغة، خزينة الدولة الفارغة، كيفية التعامل مع الاحتياجات المعيشية، الوقود، المحروقات، القمح وما إلى ذلك، هذه كلّها تم وضعها بالفعل، وبانتظار، ما زال العمل الجماهيري مستمراً لإسقاط النظام، وأكرّر مرّة أخرى بطريقة سلمية، لأنه حتى الآن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه لم تحدث أية تعديات تجعل ما يتشدّق به النظام من حدوث تعديات، جعلته مضطراً لفرض حال الطوارئ.

 

رانا أبي جمعة: فقط سؤال استيضاحي سيّد معتصم، مَن توافق على وضع هذا الدستور الانتقالي؟ مَن وقّعوا على إعلان الحرية والتغيير؟ هؤلاء مَن وضعوا الدستور؟ هذا يعني بأن حزب الأمّة، الحزب الشيوعي، حزب المؤتمر الشعبي، الحركة الشعبية لتحرير السودان، كلّكم وضعتم هذا الدستور؟

 

معتصم الحارث الضوي: بكل تواضع بالفعل، وضع هذا الدستور، ولكن لست مخوّلاً بالإفصاح عن الجهات الموقّعة، ليس لديّ التفويض بذلك.

 

رانا أبي جمعة: هذه نقطة جديرة بالتوقّف عندها ربما في فترات حوارية أو إخبارية. أعود إليك سيّد الفاضل. تحدّثت بأنّه لا يزال الحوار ممكناً اليوم على الساحة السودانية، لكن الحوار متى يمكن أن ينطلق؟ اليوم أو بعد ستة أشهر عندما تنتهي حال الطوارئ؟

 

الفاضل حاج سليمان: الحوار لن تمنعه حال الطوارئ، وما تمّ الاتفاق عليه من خلال الحوار الوطني الأخير، لا تزال مخرجات الحوار الوطني الأخير هي التي تحكم أحوال السودان وتحكم إجراءات التغيير في السودان. وبالتالي الخطاب الذي قُدّم أخيراً من الرئيس، كان يتحدّث عن الحوار من أجل مزيد من التداول، ومن أجل سماع المبادرات الوطنية من قبل القوى السياسية  لإصلاح الوضع.

 

رانا أبي جمعة: أية ضمانات يمكن أن يتمّ التوافق عليها في أي حوار مقبل؟ لماذا يجب أن يأمل المعارضون بحوار جدي في المقبل من الأيام إذا كانت الحوارات السابقة لم تأتِ بنتيجة؟ أية نقطة انطلاق يمكن أن يبدأ منها هذا الحوار الجديد الذي تؤمنون به؟

 

الفاضل حاج سليمان: لا أدري أستاذة من هم المعارضون الذين نتحدّث عنهم. الآن هنالك من يتحدّث عن أنه قد وضع دستوراً، وأنه من وضع معالجات.

 

رانا أبي جمعة: سيّد الفاضل أنت تقلّل من وقع أو تحرّكات الطرف الآخر؟ تقول من هم المعارضون، ألا نرى هناك احتجاجات في الشارع السوداني؟

 

الفاضل حاج سليمان: هو في مَن يعارض، ولكن مَن هم الذين يعارضون؟ من نواحي مَن هم الذين يعارضون، ما هو حجم هذه المعارضة؟ لأنه في المقابل هناك مَن لا يقبل هذه الاحتجاجات باعتبار أنها ستفوّت على السودان فرصة مهمّة جداً، وتفوّت عليه مرحلة هامة جداً، ظلّ الشعب السوداني يضغط على الأوضاع كلها في الداخل وفي الخارج للوصول إلى مرحلة انتقالية من خلال انتخابات حرة ونزيهة. هذه هي مطالبة الشعب السوداني الآن.

مطالبة الشعب السوداني الآن ليست هي تظاهرات وتخريب وتكسير وإحراق  للمؤسّسات العامة، مطالبة الشعب السوداني أن لا نصل إلى مرحلة 2020 ونخرج منها إلا بانتخابات حرة ونزيهة، وحتى التعديلات الدستورية التي يتحدّث عنها البعض ويحاول أن يجعل منها فعلاً أو عملاً يقود به معارضة مسلّحة، هذه الوسائل كلّها قد تجاوزها الزمن.

الآن نحن نتحدّث عن الانتخابات، الإخوة الموجودون في لندن عليهم أن يعودوا إلى السودان وأن يرتبوا أوضاعهم كقوى سياسية وكمعارضة سياسية، وأن يجمعوا القوى السياسية كلها في السودان لمواجهة المنافس الذي يعتقدون أنه هو المنافس، وهو الذي خرّب الأوضاع.

 

رانا أبي جمعة: إعادة فكرة دعوة من هم في لندن إلى العودة إلى الخرطوم، هي في إطار الاستفزاز المجدّد لضيفنا معتصم.

أذهب إليك سيّد معتصم. أوراق القوّة بيد المحتجين اليوم ما هي؟ غداً هناك عصيان مدني، حجم المشاركة المتوقّعة؟

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، أستاذة رانا، أكرّر أن ضيفك الكريم ربما لماذا يكرّر لنا، واسمحي لي أن أستخدم كلمة الأكذوبة، الجهات الدولية المختلفة، منظمات حقوق الإنسان، البعثات الدبلوماسية الأجنبية العاملة في السودان وغيرها كلها أثبتت، أكرّر بما لا يجعل مجالاً للشك أن هذه الاحتجاجات سلمية. إذاً عندما يتحدّث ضيفك الكريم عن تعديات وحرق للممتلكات العامة والخاصة، هذا هراء وليس أكثر ولا أقل.

لكن المرحلة القادمة، رأينا عندما يقول ضيفك الكريم إن الشارع يريد انتخابات 2020. لماذا لا يريد أن يقتنع بأن الشارع كفر بالنظام جملة وتفصيلاً؟ رأينا في الاحتجاجات والتظاهرات التي حدثت الأسبوع الماضي مدى الاحتضان والتطبيق الجماهيري عيانا، رأينا الشوارع فارغة، رأينا حتى العاملين في المؤسّسات الخاصة لم يتوجهوا إلى أعمالهم، رأينا أن العاملين والعاملات في شركتين من شركات الاتصالات وفي قطاعات حكومية أو شبه حكومية حتى هؤلاء توقّفوا، ورأينا أيضاً في وزارة الثروة الحيوانية وهو قطاع حكومي أن الموظفين شاركوا في التظاهرات والوقفات الاحتجاجية. الشعب أعلن صوته بشكل واضح، لا نريد استمرار هذا النظام، الشعب هو مصدر السلطات، حتى السلطة التشريعية اليوم.

 

رانا أبي جمعة: هناك سؤال يطرح سيّد معتصم.

 

معتصم الحارث الضوي: ينبغي أن تراقب الجهاز التنفيذي ولا تفعل ذلك، حتى الجهاز التشريعي الشعب أعلى منه لأن الشعب هو المصدر الأول للسلطة.

 

رانا أبي جمعة: سيّد معتصم، لماذا لا تنتظرون انتخابات 2020؟ إذا كنتم تتحدّثون باسم الشعب وتقولون بأنكم تشكّلون الرأي العام، لماذا لا تنتظرون، وربما تريحون قليلاً الساحة السودانية اليوم في ظل وضع المنطقة المتخبّط وأيضاً الحسّاس؟

 

معتصم الحارث الضوي: هذا سؤال وجيه أستاذة رانا. لماذا لا نريد انتظار انتخابات 2020؟ لأنّ الانتخابات في عهد الإنقاذ المشؤوم، منذ أول انتخابات أجراها النظام الحالي سنة 1996، ثبت أنها كانت انتخابات مزوّرة، لماذا ننتظر ونعيد ونكرّر ونجترّ نفس الأخطاء؟

هذا النظام لا يعرف معنى أو ذرّة في كلمة الديمقراطية أو الاحترام حتى لدستوره، حتى الاحترام لقوانينه التي يضعها بنفسه. إذاً ما الذي ننتظره؟ ما الذي نعوّل عليه؟ هل سننتظر عشرين سنة مثلاً حتى يتوفّى الله البشير إليه وحينئذٍ يسقط النظام؟ قضينا على الشعب السوداني بما فيه الكفاية.

 

رانا أبي جمعة: وربما سؤال يطرح سيّد معتصم، هل النظام يختصر بالبشير، بشخصه؟ هذا أعتقد بأنه أمر غير واقعي في الدول العربية.

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، النظام يختصر بشخص البشير، ورأينا، ودعيني أثبت لك ذلك بالدليل القاطع يا سيّدة رانا. حتى حزب المؤتمر الوطني الحاكم قضى عليه في ثوانٍ في خطاب في الثاني والعشرين من فبراير، قضى عليه وأصبح حزب المؤتمر المؤتمر الوطني الذي كان حاكماً في يوم من الأيام، قضى عليه، وأصبح كالدجاجة التي قطع رأسها، تركض خبط عشواء ولا تعرف أين تسير.

 

رانا أبي جمعة: وأنا بالواقع سأختم بهذه النقطة سيّد معتصم، إسمح لي أن أذهب بخلال دقيقة واحدة، إلى السيّد الفاضل. ما هو واقع اليوم حزب المؤتمر الوطني؟ هل هناك فعلاً رحلة بحث عن إسم؟ هل هناك نيّة للرئيس البشير بإنشاء حزب جديد تحت مسمّى آخر أم ماذا؟

 

الفاضل حاج سليمان: المؤتمر الوطني لم يحدث فيه جديد، سوى أن الرئيس قد فوّض سلطاته كرئيس للحزب إلى شخص آخر وأصبح هو رئيساً للدولة بعيداً عن العمل الحزبي والممارسة الحزبية. المؤتمر الوطني الآن يقود أمره كحزب من ضمن الأحزاب، وهذه فيها تأكيد لإصرار المؤتمر الوطني وإصرار الشعب السوداني على الانتخابات.

وأنا أقول لأخونا معتصم إذا كان في انتظار أن تعلن المنظمات الدولية والبعثات الدبلوماسية، أنّ الانتخابات ستكون حرة ونزيهة لأنه لا يثق في ما يقوله الشعب السوداني وتقوله المؤسّسات السودانية، عليه أن ينتظر المنظمات الدولية لتقنعه بأنّ الانتخابات القادمة انتخابات حرّة ونزيهة وعليه أن يعود ويشارك فيها، فله ذلك.

لكن أعتقد أنه يفترض أن يكون هو الأحرص على الحضور ومراقبة هذه الانتخابات، لأنّ هذه مسؤولية وطنية عليه أن لا يتركها للمنظمات الدولية، ويقول لنا إنّ المنظمات الدولية هي التي قرّرت أنّ الوضع في السودان.

 

رانا أبي جمعة: بما أنك تحدثت عن هذا الموضوع ربما لم يعد لدينا من الوقت الكثير، بثلاثين ثانية سيّد معتصم، هل لك أن تعود إلى الخرطوم؟ سريعاً.

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، هنا أتوقّف عند جملة أقحمها ضيفك، يقول إنني لا أثق بالشعب السوداني. لا أثق بالشعب السوداني، هذا غير صحيح، أنا لا أثق بالنظام القائم لأنه نظام قائم على التزييف وعلى التزوير.

 

رانا أبي جمعة: لماذا أنت في لندن سيّد معتصم؟

 

معتصم الحارث الضوي: في كل الانتخابات السابقة منذ 1996، لأنني لا أودّ التحدّث عن شخصي، لكن سؤال هنا يطرح نفسه، دعيني أرد على سؤالك بسؤال، هل الناشطون السياسيون والحقوقيون الذين يمارسون العمل داخل السودان ينجون من الاعتقال والاغتصاب والتهديد والحرب والقتل والمجازر أم لا؟ هذا هو السؤال.

 

رانا أبي جمعة: شكراً جزيلاً لك سيّد معتصم الحارث الضوي الكاتب والباحث السياسي كنت معنا من لندن، وأيضاً الشكر موصول لعضو لجنة العدالة والتشريع في البرلمان السوداني الفاضل حاج سليمان، شكراً لكما من الخرطوم ولندن.

الشكر الأكبر لكم مشاهدينا. حلقة حوار الساعة انتهت لليوم. شكراً لكم.