خاص الميادين

تخصص الميادين حلقة خاصة لعدد من المناسبات التي تنسجم مع سياساتها العامة، إن كانت حلقة لتحية شخصية مميزة، أم للإضاءة على حدث عسكري أو سياسي على صعيد كبير، أو للإحتفاء بذكرى راحل كبير، وتختلف صيغة الحلقة حسب الموضوع، ولكن العنصر الجامع هو عدد التقارير والمؤثرات الصورية والموسيقة التي تطغى على الحلقة لتوحي بجو الإحتفاء المطلوب.

مراجعة الحرب السورية (1)

ثمانية اعوام مرت على أكبر محنة في تاريخ سوريا المعاصر، مرت ما يطلق عليها الأزمة او الحرب او الثورة بمراحل متعددة، وأن كان البعض ينسبها إلى الحراك العربي الذي انتفض ضد الأنظمة والأوضاع المتردية التي عمت البلدان العربية، فإن آخرين يرون أن ما يسمى الربيع العربي كان فرصة التقطتها القوى الكبرى وجيرتها لتحقيق أهداف سياسية ضد الخصوم. سوريا كانت بموقعها ودورها وتحالفاتها بلا شك حالة استثنائية حساسة دفعت الأحداث لأن تكون بمستوى خطر، وصلت إلى مرحلة الصراع الدولي. استخدمت فيها القوى المختلفة كل ما تستطيع لتحقيق أهدافها .. ولكن هل كان الحراك شعبيا وعفويا في البداية وأدى قمعه واستعمال القوة ضده إلى منزلقات التسلح والعنف المفرط، أم أن كل ما جرى كان مخططا له منذ اللحظة الأولى. لماذا طغى الطابع الاسلاموي على المشهد منذ الايام الاولى، وأصبحت المساجد منطلق التحركات الاحتجاجية، ولماذا طفى الخطاب الطائفي بوقت مبكر، ومن المسؤول عنه. كيف كان تعامل السلطة مع مطالب الشارع، وهل كانت المسؤولة عن بدء العنف ما أدى إلى جعله حالة عامة في البلاد... لماذا فشلت محاولات الحوار الداخلي، وكيف تحول الوضع إلى العسكرة؟؟ هذه أسئلة البدايات التي اختلفت حولها الروايات. لم يكن حينها ثمة فرصة لأي مراقب للتأمل بصورة موضوعية، فقد تسيد خطاب التجييش والتحريض والتهديد واختلطت الأساطير بالوقائع. كان الرأي العام العربي والسوري على وجه التحديد مملوكا لوسائل إعلام دخلت معركة إسقاط النظام وتخلت عن دور الناقل المحايد للأحداث. كل هذا كان البداية .. ولكن المسارات تشعبت بعد ذلك ومع مرور الوقت دخلت الأزمة في أتون المراحل انتهى حراك الشارع و فتحت الحدود للمقاتلين من أنحاء العالم ، شكلت قوى إقليمية بالتعاون مع الولايات المتحدة غرف عمليات مشتركة على الحدود الجنوبية والشمالية لسوريا هدفت لإدارة معركة إسقاط النظام ، تدفقت الأموال إلى الجماعات المسلحة، ودخل الجيش السوري بحرب ضروس معها ، شكل مجموعة من رجال الدين غطاء شرعيا للمقاتلين عبر الفتوى، دخلت القاعدة وبعدها داعش لتمدد في الجغرافية السورية فارضة نفسها على السكان بالرعب والقتل. تجمعت المعارضة السياسية في الخارج بهدف تشكيل هيكل سياسي موحد، لم تنجزه حتى اليوم وبدأت القوى الكبرى بإطلاق مسار سياسي تمثل بجولات حوارات بين السلطة والمعارضة في جنيف لم يفض إلى شيء ، بعد عامين من الحرب تدخلت إيران و دخل حزب الله الى جانب السلطة، وبعد أربعة أعوام دخلت روسيا كذلك ، تمركزت القوات الأمريكية ومعها إعداد محدودة من قوات اوربية في شمال شرق سوريا ، لدعم الكرد ضد داعش، ودخلت تركيا إلى الشمال بذريعة مواجهة المسلحين الكرد . حاولت إسرائيل مد نفوذها إلى الجنوب السوري، بينما استعملت السماء لشن عشرات الغارات على مواقع تقول انها تابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني في سوريا.

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا.

ثمانية أعوامٍ مرّت على أكبر محنة في تاريخ سوريا المعاصر، مرّت ما يُطلَق عليها الأزمة، أو الحرب، أو الثورة، بمراحل متعددة، وإن كان البعض ينسبها الى الحراك العربي الذي انتفض ضدّ الأنظمة والأوضاع المتردّية التي عمّت البلدان العربية، فإنّ الآخرين يرون أن ما يُسمّى الربيع العربي كان فرصةً التقطتها القوى الكبرى وجيّرتها لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ ضدّ الخصوم.

سوريا كانت بموقعها ودورها وتحالفاتها بلا شكّ حالةً إستثنائيةً حساسةً، دفعت الأحداث لأن تكون بمستوىً خطر، وصلت الى مرحلة الصراع الدولي. استخدمت فيها القوى المختلفة كلّ ما تستطيع لتحقيق أهدافها.

ولكن هل كان الحراك شعبياً وعفوياً في البداية وأدّى قمعه واستعمال القوّة ضدّه الى منزلقات التسلّح والعنف المفرط؟ أم أنّ كل ما جرى كان مخطّطاً له منذ اللحظة الأولى؟ لماذا طغى الطابع الإسلاموي على المشهد منذ الأيام الأولى وأصبحت المساجد منطلق التحركات الإحتجاجية؟ لماذا طفى الخطاب الطائفي بوقت مبكّر ومَن المسؤول عنه؟ كيف كان تعامل السلطة مع مطالب الشارع وهل كانت المسؤولة عن بدء العنف ما أدى الى جعله حالةً عامّةً في البلاد؟ لماذا فشلت محاولة الحوار الداخلي وكيف تحوّل الوضع الى العسكرة؟

 

هذه أسئلة البداية التي اختلفت حولها الروايات، لم يكن حينها ثمّة فرصة لأي مراقبٍ للتأمّل بصورة موضوعية، فقد تسيّد خطاب التجييش والتحريض والتهديد واختلطت الأساطير بالوقائع. كان الرأي العام العربي والسوري على وجه التحديد مملوكاً لوسائل إعلامٍ دخلت معركة إسقاط النظام وتخلّت عن دور الناقل المحايد للأحداث.

 

كل هذا كان البداية، لكن المسارات تشعّبت بعد ذلك، ومع مرور الوقت دخلت الأزمة في أتون المراحل، انتهى حراك الشارع وفُتحَت الحدود للمقاتلين من أنحاء العالم، شكّلت قوى إقليمية بالتعاون مع الولايات المتّحدة غرف عمليات مشتركة على الحدود الجنوبية والشمالية لسوريا، هدفت لإدارة معركة إسقاط النظام، تدفّقت الأموال الى الجماعات المسلّحة ودخل الجيش السوري بحربٍ ضروسٍ معها. شكّلت مجموعة من رجال الدين غطاءً شرعياً للمقاتلين عبر الفتوى، دخلت القاعدة وبعدها داعش لتتمدد في الجغرافيا السورية فارضةً نفسها على السكان بالرعب والقتل، تجمّعت المعارضة السياسية في الخارج بهدف تشكيل هيكلٍ سياسيٍ موحّد لم تُنجزه حتى اليوم، وبدأت القوى الكبرى بإطلاق مسارٍ سياسي تمثّل بجولات حوارٍ بين السلطة والمعارضة في جنيف لم يُفضِ الى شيء.

بعد عامين من الحرب تدخلت إيران ودخل حزب الله الى جانب السلطة، وبعد أربعة أعوامٍ دخلت روسيا كذلك، تمركزت القوات الأميركية ومعها أعداد محدودة من قوات أوروبية شمال شرق سوريا لدعم الكرد ضد داعش، ودخلت تركيا الى الشمال بذريعة مواجهة المسلّحين الكرد. حاولت إسرائيل مدّ نفوذها الى الجنوب السوري بينما استعملت السماء لشنّ عشرات الغارات على مواقع تقول إنها تابعةٌ لحزب الله والحرس الثوري الإيراني في سوريا.

 

مشاهدينا في هذه الحلقات من قواعد الإشتباك نراجع هذه المراحل، محاولين تقييمها بموضوعية مع نخبة من الباحثين، هنا في الإستديو سيكون معنا الباحث محمد سيّد رصاص، الأستاذ محمد مفكّر وباحث سوري له العديد من المؤلّفات في الفكر السياسي مثل "إنهيار الماركسية السوفياتية"، "ما بعد موسكو"، وكذلك "المعرفة والسياسة في الفكر الإسلامي"، وكتاب بعنوان "الأخوان المسلمون وإيران"، وترجم أيضاً كتاب إريك فروم "مفهوم الإنسان عند ماركس".

من ضيوفنا أيضاً من دمشق الأستاذ خالد العبود أمين سرّ مجلس الشعب السوري وأمين سرّ حزب الوحدويين الإشتراكيين ومدير تحرير صحيفة الوحدويين، لديه أكثر من إصدار في الفكر السياسي منها كتاب "حوار على أرض محايدة"، وكتاب في نقد الخطاب الديني السياسي.

سيكون معنا أيضاً من لاهاي دكتور نيكولاس فان دام، دكتور فاندام مشترقٌ هولندي وسفير سابق في العراق ومصر وإندونيسيا، حاصلٌ على دكتوراه في الأدب وفي العلوم السياسية والإجتماعية. له إصدارات منها "الصراع على السلطة في سوريا"، "الطائفية والإقليمية والعشائرية في السياسة"، وهولندا والعالم العربي منذ القرون الوسطى حتى القرن العشرين"، وأيضاً كتابه الأخير عن الحرب السورية بعنوان "تدمير وطن".

 

أحييكم ضيوفي الثلاثة وأحيي أيضاً المشاهدين في بدء سلسلة هذه الحلقات. أستاذ محمد الموضوع ربّما شائك وطويل ومعقّد وفيه أكثر من مرحلة ولكم سنحاول عبر هذه الحلقات إن شاء الله أن نُقدّم نقداً وتقييماً موضوعياً لكل ما جرى، سنحاول ذلك قدر الإمكان إن شاء الله. لأبدأ معك من توصيف ما جرى في سوريا، بشكل علمي هي أزمج، هي ثورة، هي حرب على سوريا، هي مؤامرة؟ ماذا يمكن توصيف كل ما شهدناه منذ 15 آذار 2011 وحتى هذا اليوم؟

 

 

محمد سيّد رصاص: الأزمة تعريفها بشكل علمي هي نزاع داخلي لا يستطيع فيه طرفا هذا النزاع الحسم لصالح أحدهما، ولا التسوية بينهما، هذه الأزمة ممكن أن تكون داخلي محضة وممكن أن تتفرّع الى أزمات أبعد. الأزمة السورية..

 

 

كمال خلف: أي أنت توافق على تسميتها أزمة.

 

 

محمد سيّد رصاص: طبعاً هي أزمة، هذه الأزمة هي أكبر أزمة منذ الأزمة الإسبانية في الثلاثينيات، هي أزمة أيضاً أنتجت أزمات دولية من خلال إشتراك الألمان والإيطاليين بالحرب بجانب فرانكو، وأيضاً مشاركة الحركة الشيوعية بجانب الجمهوريين، والى حدٍّ ما فرنسا. الآن هذه الأزمة السورية هي أكبر أزمة منذ ذلك الوقت أي منذ ثمانين عام، من حيث تأثيرها على الإقليم، على العالم، وأيضاً من حيث كونها تربة خصبة لمنظّمات عابرة للحدود مثل داعش أو النصرة وطبعاً من ورائهما القاعدة.

 

 

كمال خلف: إذاً التوصيف بأنّ ما جرى هو أكبر محنة واجهت سوريا في تاريخها المعاصر هو توصيف دقيق.

 

 

محمد سيّد رصاص: بالتأكيد هي أكبر إنفجار حصل منذ تأسيس الدولة السورية في عام 1920 مع مملكة فيصل، والآن هذه الأزمة هي أكبر من كل الأزمات التي عاشتها سوريا سابقاً، سوريا عاشت أزمتين كبيرتين، في 1957 انتهت بالوحدة، وأزمة 1979-1982 انتهت بانتصار السلطة على المعارضة المسلّحة. الآن هذه الأزمة أصبحت مركّبة بثلاثة طوابق، الطابق الأول داخلي بُني عليه طابق ثانٍ هو طابق إقليمي، والطابق الثالث هو الصراع الدولي، ويمكننا إضافة طابق رابع هو المنظّمات العابرة للحدود.

 

 

كمال خلف: هنا أستاذ محمد عندما يقول مسؤولون غربيون معتبَرين في الغرب بأن ما يجري، ووسائل إعلام غربية أيضاً، أنّ ما يجري هو حرب أهلية، هذا التوصيف خاطئ؟

 

 

محمد سيّد رصاص: الحرب الأهلية تتمّ بين اتّجاهات سياسية، أو بين طوائف، في سوريا لم يحصل ذلك، حصل صراع بين سلطة ومعارضة، وفي البداية، لنكن صريحين، الحراك كان عفوياً وكل الأحزاب المعارضة تفاجأت به وحتى السلطة ربّما تفاجأت به، لأنهم كانوا يقولون في زمن مصر وتونس في كانون الثاني 2011 بأن سوريا مختلفة، ثمّ تفاجؤوا بأن سوريا انفجرت، وبصراحة هي كانت أكبر إنفجار بين الدول الخمس التي انفجرت، مع هذا الوحيدة التي لم يجرِ فيها التغيير هي سوريا.

 

 

كمال خلف: عندما تقول أستاذ محمد بأنّها عفوية هذا يعني أنّ كل ما يُقال أن هذا السيناريو كان مُدبّراً لسوريا غير صحيح.

 

 

محمد سيّد رصاص: أنا رأيي أنّ هذا الإنفجار تزامن مع إنفجارات ورياح، يمكننا القول أن ما جرى في تونس كان بدايةً وحصل في خمس جمهوريات عربية خلال ثلاثة أشهر. نحن لاحظنا في تجربة أوروبا الشرقية أن الرياح تشمل دائماً إقليم معيّن، مثلاً أوروبا الشرقية وانهيار الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية تمّ في الثمانينيات، الأمر نفسه في آسيا الشرقية. أي الشيء الذي حصل في 2011 في العالم العربي بالتأكيد كان ناتجاً عن مجموعة مشكلات انفجرت، الخارج أكيد تدخّل وطبيعي، هذا لا يسمونه مؤامرة بل تخطيط.

 

 

كمال خلف: أنا فهمت منك أستاذ محمد أن الحراك بدأ في سوريا عفوياً نابعاً من مشكلات داخلية ولكن جرى فيما بعد استثماره، تجييره، البناء عليه لإنشاء حطط فيما بعد لجهات إقليمية أو غير ذلك.

 

 

محمد سيّد رصاص: الآن لاحظنا أمراً أن مَن حاول إستغلال الأزمة من المتقاربين مع النظام أو مع السلطة، مثل فرنسا في عهد ساركوزي في 2007، أو تركيا أو قطر أو حتى أميركا التي انفتحت على سوريا في عهد أوباما في 2009، هؤلاأ كلهم حاولوا استغلال الأزمة، وفي البداية لم ينسّقوا مع بعض، حتى السعودية وربّما هي آخر مَن تدخّل في الأزمة، والذي يراقب مثلاً قناة العربية أو غيرها يلاحظ أنها لم تأخذ منحى تشجيع المعارضة لل2012. هذا الوضع كل طرف حاول أن يستغلّ هذه الأزمة لكن الأمر الأساسي أنه كان هناك الكثير من الحطب السوري الذي اشتعل، الخارج ربّما صبّ الزيت على النار أو أحضر أوانيه من أجل طبخات خاصة به.

 

 

كمال خلف: ممتاز، دعني أسمع رأي الأستاذ خالد العبود، أسعد الله مساءك أستاذ خالد من دمشق وعلينا أن نعترف بأنّ الحديث عن البدايات مهمّة شائكة قليلاً لأنّ في البدايات كانت هناك روايات مسيطرة، ربّما اليوم هناك كل مَن حاول نقضها أو حتى تقييمها، جرى نوع من الصدمة، نوع من الرفض، نوع من الى آخره، لكن علينا هنا أن نوصّف الأمور كما هي. اسمح لي بدايةً أن آخذ رأيك بالتوصيف العام، إن كان فعلاً حراكاً عفوياً جرى نتيجة ظروف موضوعية داخلية وبعد ذلك جرى البناء عليه في الخارج، والمسألة الأخرى التي سنتحدّث عنها في هذا القسم وهي سوريا ما قبل 2011 أي العوامل التي هيّأت لوصول يوم 15 آذار، أتحدّث هنا عن عوامل ربّما بدأت بعد حرب الخليج الأولى أو حرب العراق في 2003.

 

 

خالد العبّود: بدايةً صديقي كمال لك التحية ولضيوفك والسادة المشاهدين جميعاً. أنا أشكرك وأشكر الميادين على هذه الإطلالة وهذه المنصّة التي تفتحها الميادين باتّجه الحدث، ليس السوري، أنا أقول هو الحدث الإقليمي الأساسي، سوريا لم تُستهدَف وحدها، لا، أنا في تقديري أن المعركة كانت أكبر من دور سوريا حتى، وإنّما باعتقادي أن هناك اشتباكاً فذّاً حصل على مستوى الإقليم وهو اشتباك دولي يُعبَّر عنه في هذه اللحظات. يا أخ كمال البعض ينسى منّا ويحاول أن يقوم بفعل قطع ليس مع التاريخ وإنّما أيضاً قطع مع الجغرافيا، بمعنى يريد أن ينزع سوريا من موقعها ودورها لجهة كثير من العناوين على مستوى المنطقة، ويريد أيضاً أن يتناسى أو يقوم بفعل قطع مع التاريخ لجهة التحوّل الكبير الذي حصل في 2001 في 11 أيلول، عندما نعود الى هذا الحدث الكبير الذي حصل وأنتَ كنتَ قد أشرتَ إشارة أنني أنتمي لحزب الوحدويين الإشتراكيين، وأنا عضو في المكتب السياسي فيه، كان يقول لي المرحوم أبو بعث الأستاذ فائز اسماعيل، كان يقول لي في صبيحة هذا اليوم، أي في11  أيلول، يقول لي يا خالد سوف يتغيّر وجه العالم، وأنا يومها لم أفهمه، كانت الإمبراطورية الأميركية بجذرها الأساسي، بعمقها المركزي تريد أن تُعيد تشكيل العالم وليس المنطقة يا صديقي، بعد 11 أيلول خلقت منصّة مالية، خزينة مالية، مليارات من الدولارات وضعتها من جديد من أجل غزو المنطقة، زحفت باتّجاه العراق، وجاءنا كولن باول وطرق باب الرئس بشار الأسد وأراد أن يُلزمه بأكثر من 15 مطلباً كان أساسها أن يتنازل الأسد عن مجموعة من المواقف الأساسية التي كانت تسجّلها سوريا. ما الذي حصل؟ هل أذعن الأسد؟ هذا سؤال، على العكس إذا ما عدنا الى الأدبيات في ما بعد والى المواقف السياسية نجد أن الرئيس بشار الأسد الوحيد الذي عبّر من موقعه كرئيس للجمهورية العربية السورية والوحيد على مستوى الإقليم الذي وعد الأميركان بهزيمة من العراق.

 

 

كمال خلف: إذاً تريد أن تقول بأن جزء من الأزمة له علاقة بتدفيع سوريا ثمن مواقف وثمن الدور الذي لعبته خلال المرحلة السابقة.

 

 

خالد العبّود: أريد أن أصحح لك بعض المفردات، وأنت صحفيّ لمّاح ورائع وأنا أحبّك يا أخ كمال، أريد أن أصحح لك بعض المفردات، هم لم يريدوا أن يدفّعوا سوريا والرئيس بشار الأسد، لا، هم اشتبكوا مع سوريا، هم أرادوا أن يقوموا بليّ عنق الموقف السوري، لهذا لاحظ مثلاً ما الذي حصل بعد العراق؟ اغتيال الحريري هل هذا كان بعيداً عن محاولة إلحاق الهزيمة ببشار الأسد شخصياً؟ ماذا حصل في 2006  يا صديقي؟ ألم يكن هناك عدوانٌ أميركيٌ وليس إسرائيلياً كما يقدّمه البعض، باتّجاه هذا المحور الذي كان الأسد أساسياً فيه؟ إذاً هذه المحطات يجب أن ندرسها في هذا السياق.

 

 

كمال خلف: أنا عندي عدد من الأسئلة حول هذه المراحل التي ذكرتها، وبما أننا في هذا القسم وهذه الحلقة نحاول أن نسلّط الضوء على الظروف السياسية التي مهّدت لما جرى في سوريا، لكن اسمح لي لأننا تأخرنا قليلاً على الدكتور نيكولاس فان دام في إشراكه معنا في هذه الحلقة. دكتور فاندام حيّاك الله وأسعد الله مساءك وعذراً على التأخّر قليلاً عليك، ولكن كما تعرف في البدايات علينا أن نمهّد كي نفهم. أنا أريد أن أسألك في مجموعة قضايا سبقت ما جرى في عام 2011 في سوريا، الأولى كانت تتعلق بمشروع الإصلاح الذي أطلقه الرئيس بشار الأسد فور تسلّمه السلطة، كان هناك في سوريا نوع من الأمل باتّجاه المستقبل، وكان هناك عملية إنفتاح موعودة ما أدّى الي تشكيل ربيع دمشق في ذلك الوقت، ولكن هذا المسار توقّف. أريد أن أسمع ما هي الأسباب التي جعلت مسارات الإصلاح في سوريا تتوقف في ذلك الوقت، وهل كانت الأسباب السياسية والأحداث الكارثية التي كانت تجري في المنطقة سبباً لها؟

 

 

نيكولاس فان دام: أظنّ إذا كانت هناك إصلاحات أو غي إصلاحات فلم يكن هناك مفرّ من هذا الربيع العربي، الربيع العربي أظنّ عفوي، بدون الربيع العربي والكردي، الربيع الدموي، ما كان هناك ثورة في سوريا على ما أظنّ، ثانياً يوجد حدثان مهمّان، أولاً إسقاط نظام الرئيس صدام حسين الذي فتح الطريق لقوى أخرى كإيران وآخرين ليتدخّلوا في المنطقة، لاحقاً إذا أردنا إسقاط نظام يجب أن يكون هناك ترتيب وأن يكون كل شيء مجهّز، ولكن أنا سمعت أيضاً من الزملاء الحاضرين أنه كان هناك مؤامرة أو تخطيط، إذا كان هناك تخطيط أو مؤامرة ففعلاً مؤامرة سيّئة جداً والتخطيط سيّئ جداً، كل الأطراف التي تدخّلت في سوريا حصلت على شيء معاكس، حصلوا على شيء سلبي جداً، مثلاً تركيا تدخّلت، أحد الأنظمة التي أرادت أن تُسقط النظام، ولكن هم حصلوا على ردّ معاكس أي القضية الكردية، في أوروبا مثلاً حصلت على لاجئين وتخريب وإرهاب، فكل النتائج صارت نتائج سلبية للدول المتدخّلة كما أيضاً للسوريين، كل السوريين إذا كانوا على جانب النظام أو على جانب المعرضة، لكلاهما ضحايا من هذه الحرب.

قبل 2011 كان هناك عوامل ربّما أدّت الي هذه الثورة أو الحراك، مثلاً كان هناك جفاف في سوريا ربّما عشر أو خمس سنوات، كان هناك هجرة من الريف الى المدينة، أي كانت هناك عوامل، كان هناك إمكانية للإصلاح ولكن لا تستطيع أن تُنتج المطر فهذا شيء طبيعي. فما يُسمّونه بالربيع العربي أدّى الى تخيّل من قبَل معارضين كثيرين ما يجري في تونس أو في مصر أو في ليبيا، ليبيا بمساعدة التدخّل العسكري الخارجي، فسوف يحدث أيضاً في سوريا، ولكن الوضع في سوريا مختلف جداً خصوصاً من قبَل القوات المسلّحة.

 

 

كمال خلف: هذه نقطة مهمة للغاية سيّد فان دام سأعود إليك فيها بعد فاصل قصير، عندما تقول إذا كان هناك خطة فإنّ الخطة كانت فعلاً فاشلة في سوريا، لكن الخطة ذاتها، تقريباً نفس الإجراءات جرت في ليبيا ولكنها نجحت، بمعنى أن التدخل الخارجي نجح في ليبيا، تم تشكيل مجلس إنتقالي في ليبيا استلم السلطة بالفعل، جرى إعادة العلم السابق للملكية السنوسية الليبية، جرى رفعه واعتماده، كل هذه المسائل نُقلَت الي سوريا بعد ذلك ولكنها لم تنجح، أريد أن نستمع للأسباب لكن أتوقّف مع فاصل قصير بعده نعود مباشرةً.

 

 

فاصل

 

 

كمال خلف: تحية من جديد مشاهدينا في القسم الثاني من قواعد الإشتباك نراجع فيها الأزمة السورية ونحن في الحلقة الأولى من هذه المراجعة.

سيّد نيكولاس فان دام كنتَ قد تحدّثت قبل هذا الفاصل عن بعض المقدّمات، أشرت الى ليبيا والى إن كان هناك مخطط فهو مخطط انعكس سلباً على مَن شارك، أو على جميع الأطراف التي شاركت فيه. لماذا رأينا تشابهاً كبيراً بين الأدوات التي استُخدمَت في العراق، أو السيناريوهات إذا أردت أن أكون دقيقاً، في العراق، في ليبيا، تماماً تشبه السيناريوهات التي جرت في سوريا من حيث المجلس الإنتقالي، من حيث التسليح، من حيث الخطاب الإسلاموي، من حيث العلم القديم، من حيث المطالبة بالتدخّل الخارجي، الى آخره، لماذا جرى استنساخ نفس النموذج في سوريا ولماذا نجح هنا ولم ينجح هناك؟

 

 

نيكولاس فان دام: أظنّ في البداية كل التدخّلات العسكرية تؤدي الى كوارث كما رأينا في أفغانستان، في ليبيا، في سوريا، في العراق، في اليمن وفي أمثلة أخرى. فأقول الثورة في ليبيا لم تنجح، إسقاط نظام ما لا يعني نجاح لأن الوضع الحالي بعد ثماني سنوات، صعبة جداً، يوجد حرب أهلية في ليبيا. ثمّ أن الفرق الكبير بين التدخّل الخارجي في ليبيا وفي سوريا، في ليبيا كان تدخّلاً عسكرياً مباشراً، في سوريا كان هناك تدخّل عسكري عبر تسليح المعارضات، هذا هو الفرق. طبعاً المعارضة أرادت أو تخيّلت بأن بعض الدول الغربية كالولايات المتّحدة سوف تتدخّل ولكنها ما تدخّلت، أي كان هناك إنطباعات بأنه بعد ليبيا يوجد تدخّل عسكري في ما بعد ولكن حتى إذا كان هناك إسقاط نظام، إن كان هناك نجاحاً هذا يعني بأن الوضع فيما بعد أفضل بكثير، ولكن الدول الغربية أرادت نظام ديمقراطي ولكن هذا غير واقعي..

 

 

كمال خلف: دكتور بتقديرك الولايات المتّحدة لم تستطع أن تتدخّل في سوريا أم لم ترغب في التدخّل؟

 

 

نيكولاس فان دام: ما أرادت، لم ترغب أن تتدخل، حتى الرئيس أوباما تكلّم عن الخطوط الحمراء، ولكن عندما كان هناك عبور للخطوط الحمراء ما تدخّل، المشكلة أن تهدد بأمر ما ولاحقاً لا تفعل ذلك هذا أيضاً يُشير الى الضعف، ما أرادوا، لم يكن هناك أي دولة أرادت أن تتدخّل مباشرةً، ربّما الآن الوضع في الشمال مختلف لأن تركيا عندها صعوبة مع الأكراد هناك، فهي تتدخل مباشرةً. ثمّ أن التدخلات العسكرية مثلاً إذا كنا نتحدّث عن الإيراني والروسي فهذا نتيجة التدخلات الأخرى.

 

 

كمال خلف: سنتحدّث عن ذلك في وقته في الحلقات المقبلة دكتور، لكن ما قبل ما جرى في سوريا كان هناك سياسة الرئيس بشار الأسد اختلفت من حيث الإنفتاح على حزب الله وعلى إيران عمّا كان في زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد، بمعنى أن هناك مَن يقول اليوم بأنّ الرئيس بشار الأسد كسر معادلات أو كسر قواعد إشتباك مع الولايات المتّحدة الأميركية ومع الغرب من خلال زيادة تسليح حزب الله بأسلحة كانت خط أحمر، والإنفتاح أكثر على إيران، هل تعتقد أن الرئيس بشار الأسد كسر التوازنات مع الغرب ولذلك بدأت مشكلات تواجه سوريا منها الخروج من لبنان والعقوبات وصولاً الى ما جرى في 2011؟

 

 

نيكولاس فان دام: أظنّ موقف إيران وحزب الله داخل سوريا نتيجة التداخلات الأخرى، يعني الحليف بين سوريا وإيران هو حليف إستراتيجي، فإذا سوريا أو النظام السوري مهدد من قبَل آخرين، هذا يعني تدخّل أو تأييد من حلفاء سوريا مثل إيران وروسيا، لو لم تكن هذه التدخّلات العسكرية غير المباشرة والمباشرة من الخارج ربّما وضع روسيا ما كان بهذه القوة.

 

 

كمال خلف: اسمح لي أستاذ محمد أراجع معك مجموعة نقاط، مشروع الإصلاح الذي بدأ به الرئيس بشار الأسد في 2001 توقّف لأي أسباب برأيك؟

 

 

محمد سيّد رصاص: أولاً أريد أن أتكلّم عن أمر أساسي جداً، الرئيس بشار الأسد لم يطرح موضوع الإصلاح، في خطاب القسم وما بعده طرح موضوع التحديث والتطوير، وهذا يختلف كثيراً عن موضوع الإصلاح. هذه نقطة، النقطة الثانية كان هناك إنفتاح كبير من المعارضة على السلطة الجديدة ولكن هذا لم يتمّ تلاقيه من قبَل السلطة. النقطة الثالثة، جرى بشكل سريع ضرب المنتديات وضرب الحراك الذي سُمّي بربيع دمشق ابتداءً بشباط 2001 تمّ تسكير كل المنتديات وتُرك منتدى واحد وهو منتدى جمال الأتاسي الذي تمّ إغلاقه في 2005.

 

 

كمال خلف: لماذا برأيك؟

 

 

محمد سيّد رصاص: هناك أمر أساسي جداً يجب أن نراه، في المغرب بشكل متزامن أيضاً جرى انتقال في المغرب وجاء ملك جديد، وفي سوريا أيضاً جاء رئيس جديد، نلاحظ بأنّ مستوى الإصلاح الذي تمّ في المغرب أكبر بكثير من الذي جرى في سوريا، لذلك في 2011 عندما جرت حراكات في المغرب لم تشتعل المغرب، سوريا اشتعلت في 2011، وأنا برأيي لو جرى إصلاح في 2001 ما اشتعلت سوريا بعد 10 سنوات.

نحن يجب أن نقارن بين أحداث 1979 و1982، نلاحظ أن السلطة في 79 كانت قاعدتها الإجتماعية أكبر بكثير من 2011، حتى في تلك الفترة كانت قاعدتها ريفية أساساً، إضافة الى تجار دمشق، كان الحراك مديني في حلب وحماه، والأخوان المسلمين تزعّموه وأيضاً شاركت المعرضة الديمقراطية التي كانت طلاب ومثقّفين وبعض الفئات العمالية، نلاحظ أن عملية تراكم المشكلات في سوريا في 2011 كانت كبيرة جداً لذلك انفجرت سوريا بهذا الشكل الكبير جداً الذي هزّ العالم.

 

 

كمال خلف: إذاً أنت أجريت مقارنة بين المغرب وسوريا، هل نستطيع أن نُجري مقارنة بين المغرب وسوريا إذا كانت ظروف كلا الدولتين تختلف؟ يعني أنت تتحدّث سوريا بال2003 كان هناك غزو العراق، في 2005 اغتيال الحريري، في 2006 حرب تموز، بمعنى أن هناك مَن يقول أن سوريا لم ترتح سنة واحدة كي تنجز إصلاحاً.

 

 

محمد سيّد رصاص: في 2000 عندما جرى تسلّم للسلطة من قبَل الرئيس الجديد كانت سوريا مرتاحة، وإذا لاحظنا جنازة الرئيس الراحل مَن حضرها نعرف مَن هم الداعمون للطلة الجديدة. كان الشرق والغرب وأيضاً كل الدول العربية والنظام العربي الرسمي يؤيّد ذلك، حتى أحمد سيزر الرئيس التركي حضر رغم كل المشكلات التي كانت بين سوريا وتركيا.

نحن نتكلّم عن فترة لم تتجاوز الثمانية أشهر، بين حزيران وشباط، ربيع دمشق انتهى عملياً في شباط 2001 عندما جرى إغلاق المنتديات ثمّ جرت الإعتقالات في أيلول 2001. السلطة بصراحة..

 

 

كمال خلف: حضرتك شاركت في ربيع دمشق؟

 

 

محمد سيّد رصاص: طبعاً، أنا وقّعت على بيان 99 وأيضاً شاركنا في بيان الألف، وحزبنا الحزب الشيوعي المكتب السياسي كان أساسياً في هذا الموضوع، هذا الموضوع لم يتجاوز أشهر وعملياً انتهت العملية كلها، لذلك موضوع الخارج، موضوع المشكلات التي جرت مع الحريري أو غزو العراق ليس لها علاقة بربيع دمشق، هي جرت لاحقاً.

أُضيف للمسألة الأساسية الموجودة في سوريا وهي مشكلة عدم وجود ديمقراطية سياسية، يشعر الكثير من السوريين بأنهم غير ممثّلين في السلطة السياسية، هذه نقطة، النقطة الثانية هي أنّ هناك فوارق طبقية نشأت في العهد الجديد مع الإتّجاه لليبرالية الجديدة بعد 2004، نشأت أيضاً مشكلة زراعية في 2008 مع مرسوم المازوت. لذلك لاحظنا مثلاً في 2011 أن الحراك ريفي، حراك ريفي أساساً.

 

 

كمال خلف: أفقد السلطة وزنها في الريف؟

 

 

محمد سيّد رصاص: طبعاً، نلاحظ أنّ الأوصليين الدينيين دائماً جماهيرهم دينية وليست ريفية، بينما السلفيين ريفيين، باستثناء حمص لا يمكننا أن نقول أنه لا يوجد حراك مديني في 2011، أمّا الباقي حراك ريفي ، للذك السلفية لاقت أرضاً خصبة. طبعاً في البداية كان حراماً لمثّقفين ولطلاب، الحقيقة ضُرب كل ذلك في الستة أشهر الأولى، والذي يلاحظ المعتقلين الأوئل معظمهم من الحراك المدني، والسلفيين الذين كانوا في العراق أو مؤيّدين..

 

 

كمال خلف: إذاً من البداية أستاذ محمد منذ اليوم الأول كانت الناس تخرج من المشاجد ولم تكن تخرج من الجامعات أو النقابات أو المستشفيات.

 

 

محمد سيّد رصاص: مي سكاف حين ذهبت الى جامع الحسن في الميدان، أولاً إنسانة مسيحية مع إحترامي، وثانياً علمانية ويسارية وغير محجّبة، لأن هذا المكان الوحيد الذي كان ممكناً التجمّع فيه.

 

 

كمال خلف: لماذا هذا هو المكان الوحيد؟

 

 

محمد سيّد رصاص: هذا يجب أن تسأل عليه السلطة، لا يمكن التجمّع في مكان آخر، وعلى كل حال الناس حاولت التجمّع في أماكن متعددة مُنعَت وضُربَت، والحقيقة كان الحراك سلمي وعفوي، وأنا أعرف أن المعارضة تفاجأت به ولم يكن علاقة بالأشهر الأولى.

 

 

كمال خلف: اسمح لي أن آخذ رأي الأستاذ عبود في مجموعة من النقاط. أستاذ خالد العبود رأيك في البدايات كما وصفها الأستاذ محمد؟

 

 

خالد العبّود: أكثر من ذلك أيضاً أخي كمال، عندما يتحدّث بعض المثقّفين عن المؤامرة نقول المؤامرة ونقول فشلت، أنا في تقديري في اللغة يجب الإنتباه أيضاً بين البُعد الثقافي والمعرفي، والمدلول الحقيقي لما نقوله، لا، أنا في تقديري بأن المؤامرة نجحت في ليبيا لكنها أُفشلَت ولم تفشل في سوريا. ثانياً أريد تثبيت أمراً ولأول مرّة، أنّ الدولة السورية لم تُفاجأ بالذي حصل، ربّما مجلس الشعب تفاجأ، ربّما الإعلام السوري تفاجأ، لكن الدولة كمؤسسة أساسية لا يا صديقي، لديّ من المعلومات والبراهين ما تؤكّد على أن الدولة السورية لم تُفاجأ بهذا العدوان على الإطلاق، لكن أن يخرج خالد العبّود مرتبكاً على الإعلام ويقول أننا تفاجأنا هذا لا يعبّر عن دماغ الدولة وجذر الدولة أو عمق الدولة أو موقفها أو حتى معلوماتها، لا، لديّ معلومات من اليوم الثاني يوم السبت بعد أحداث 18-3 أُعطيت معلومات كافية عمّن هم الذين خرجوا في درعا وعمّن هم الذين تظاهروا، وحتى بالأسماء، لا أريد أن أستطرد في هذا الجانب.

 

 

كمال خلف: نحن سنتحدّث عن البداية في درعا في القسم الثالث وأرجو إذا كان هناك رواية مهم أن نذكر هذه الرواية التي ألقت الأحداث في 27-2 تقريباً كان اعتقال أطفال درعا حسب التاريخ، لكن سنتحدّث عنها في التفصيل في الجزء الثاني، لكن بالنسبة لنقوص مسألة الإصلاح في سوريا بعد إنتخاب الرئيس بشار الأسد.

 

 

خالد العبّود: إذا ما عدنا الى خطاب القسم وأنا كتبت في هذا، وأنا شخصياً فاجأني سيادة الرئيس بشار الأسد لجهة العناوين التي طرحها، نعم طرح مشروع التطوير والتحديث وإذا ما جمعنا، وأنا علّقت في بحث طويل على هذا الجانب وبنيت عليه كثيراً خاصّةً في مفهومه وما قدّمه لجهة مفاهيم التطوير والتحديث، أنا في تقديري بأنه كان فتحاً كبيراً، لكن علينا أن ننتبه جيّداً بأن الحراك الداخلي السوري إذا سمّيناه حراكاً، لم يساعد إطلاقاً السلطة ، بين قوسين، على هذا التطوير أو هذا التحديث أو حتى هذا الإصلاح، على العكس تماماً، شعروا بأن الرئيس بشار الأسد هو عبارة عن السادات الثاني يريد أن ينقضّ على شيء ماضاوي، وأنا كنت قريب جداً من الأخوة الذين وقّعوا ال99 والألف وبيان دمشق وبيان بيروت دمشق-دمشق بيروت، كل هذه القضايا أنا كنتُ مطّلعاً عليها وقريباً منها، هم الذين في تقديري لم ينتبهوا للحظة التي كانوا يتحرّكون بها، إذ أنّ هناك فعل إعاقة خارجي كان يواجه الرئيس بشار الأسد وهذه الطبقة بين قوسين الذين حاولوا أن يستثمروا في هذا الضعف الذي ظنّوه ضعفاً في لحظة من اللحظات فرفعوا سقف مطالبهم. خذ يا أخي كمال على سبيل المثال، في اللحظة التي اغتيل بها الحريري مثلاً خرج علينا بعض الأخوى في بيان دمشق بيروت-بيروت دمشق، اقرأ هذا البيان أرجوك، أحد أهم أساسيات هذا البيان ترسيم الحدود بعد 2006 بين سوريا ولبنان، أنا في تقديري على العكس تماماً أحمّل هذه الطبقة المثقّفة وزر إعاقة نجاح مشروع التطوير والتحديث والإصلاح الذي كان يمكن أن يمرّ على تعديل الدستور وعلى قانون الأحزاب وعلى قضايا كثيرة.

 

 

كمال خلف: أستاذ خالد يوجد مجموعة أشياء أو ملاحظات طرحها الأستاذ محمد جديرة بالإنتباه والمناقشة، لحظة..

 

 

محمد سيّد رصاص: أنا عندي تعليق على نقطة، نحن في المؤتمر التداولي للحزب الشيوعي السوري المكتب السياسي في آذار 2001 كنّا 45 واحد، كان كل المؤتمرين ما عدا إثنين محمد سيّد رصاص ورياض الترك معارضين لفكرة أنّ النظام ينقسم الى تيارين إصلاحي ومحافظ، كان الكثير من قياداتنا وقواعدنا مؤيّدين لهذا الشيء، هذا الرأي كان موجود في حزب الإتّحاد الإشتراكي وكان موجود في كل التجمّع الوطني الديمقراطي وموجود عند المثقّفين، وأصلاً ميشال كيلو في مقال في 4 آب 2000 في النهار هو الذي أطلق فكرة أنّ هناك تيار إصلاحي سيظهر.

أنا كان رأيي، وعبّرت عنه في جريدة النهار في 2002، أنه لا يوجد تيارين في السلطة وإنّما تيار إستمراري وهو تيار إستمراري وكان رأي رياض الترك هذا الرأي. أنا أذكر أننا كنّا معزولين داخل المعارضة، والمعارضة قسم كبير منها كان يراهن على ذلك وخاصّةً المثقّفين، أن هناك إصلاح، وأنا بصراحة لم أكن مقتنع بهذا الأمر وأيضاً أذكر رياض الترك أبو هشام لم يكن مقتنعاً بذلك، حتى في هذا المؤتمر التداولي في آذار 2001 الذي عقدناه في بيت رياض الترك.

 

 

كمال خلف: لماذا لم تكونا مقتنعين؟

 

 

محمد سيّد رصاص: لأنّ برأينا أن هذا النظام أو هذه السلطة لا تنوي الإصلاح ولا تنوي، حتى التحديث والتطوير ليس إصلاحاً ولا يمكن أن يرتقي الى إصلاح.

 

 

كمال خلف: لأنتقل للأستاذ خالد لأن هناك ملاحظة حول موضوع الريف، إنطلاق الحراك أو البدايات أو الإحتجاجات وحتى البيئات الحاضنة للتطرّف لاحقاً في السنوات اللاحقة أو في المراحل اللاحقة، كان ريفياً، أي لم تكن مراكز حتى دمشق وحلب، بقيت حتى اللحظات الأخيرة حلب وتمّ الدخول إليها عسكرياً، المدن الكبيرة لم تكن بحدّة بما جرى في الأرياف. يُشير أستاذ محمد الى أنّ هناك مشكلة بدأت منذ العام 2008 وهي تهميش الريف لحساب المدينة بانتهاج النموذج الليبرالي.

 

 

خالد العبّود: بهدوء، أنا في هذه الأمسية أحاول أن أقارب المسائل من زاوية هادئة. لننتبه الى ما الذي حصل، لماذا الريف بالضبط؟ ليس لأن الريف بجوهره وعمقه لم يكن الى جانب الدولة أو الى جانب النظام السياسي كما قرأه بعض الأخوة للأسف منذ اللحظات الأولى، وأنا قلت ردّاً لهؤلاء الأخوة، قلت تخطئون في التوصيف، لماذا؟ لأنني أجزم في هذا السياق على أنّ الريف كان الخاصرة الرخوة ليس لجهة أنّ مع هذا النظام السياسي أو ليس معه، وإنّما في تقديري أنّ الريف تمّ الإنقضاض عليه من قبَل أطراف إقليمية واستخبارات إقليمية، وإلّا يا صديقي كيف ينتهي هذا الريف الثائر على نظامٍ ليس مرتبطاً به بمجموعات إسلامية وهابية إخوانية ظلامية تحمل السلاح في وجه الجميع، لماذا لم يعبّر هذا الريف الذي كما يقول بعض الأخوة أنه ليس منحازاً للنظام السياسي في سوريا؟ وإنّما وقف ضده، عظيم، هذا الريف الذي يصفه البعض بذلك يجب أن يعبّر عن ذاته السياسية، أيضاً بمواقف سياسية تليق بهذه الصفة التي يتحدّث عنها البعض، وإلا خذ علي سبيل المثال، الريف الحوراني وقف منذ الأيام الأولى، وأنا أقول لك بأن هناك إستخبارات أردنية عبثت به منذ اللحظات الأولى، إذا كان هذا الريف الحوراني لا يوالي الدولة المركزية في دمشق كان يجب علي هذا الريف الحوراني وأنا جزء منه ويشرّفني ذلك، أن يعبّر هذا الحراك حقيقةً عن جوهر ما يطرحه بمشاريع سياسية يمكن أن تشكّل ندّاً للدولة اليوم، أين هو هذا الريف؟ لاحظ، وآسف جداً لا أريد أن أحرق عليك المراحل وأنا أعلم أنّك جزّأت هذه الإطلالة، في نهاية هذا الحراك الريفي الذي يصفه البعض بأن علاقته ليست طيبة مع الدولة المركزية، الأردن ذاتها منعت هؤلاء الثوار من أن يذهبوا باتّجاهها وتصفهم اليوم بالإرهابيين.

 

 

كمال خلف: يوجد نقطة أخرى أستاذ خالد قبل أن أذهب الى لاهاي عند ضيفي، موضوع المساجد لافتاً أنّ كل مَن خرج في البداية خرج من المساجد، كل التظاهرات كانت من المساجد، تفسير أستاذ محمد أنه لم يكن هناك مكان آخر للتجمّع غير المساجد في سوريا.

 

 

خالد العبّود: عظيم جداً، لا، أنا في تقديري بماّ أنّ، لماذا لم تخرج من الكنائس؟ خذ على سبيل المثال، هل مسموح في المساجد وممنوع في الكنائس؟ لا يا صديقي. التدخّل منذ اللحظة الأولى كان تدخّلاً باتّجاه عناوين طائفية مذهبية، لماذا؟ لأنّها ليست عناوين وطنية في أساسها كانت ترمي الى تقسيم الوطن السوري، الى تطويف، إن صحّ الكلام، الوطن السوري، وإلا ما رأيك بمَن قال منذ الأيام الأولى قبل حتى أن يكون سلمية سلمية، وهذه نردّ عليها في ما بعد، عندما رفع شعار بأنّ المسيحي لا أعرف الى أين والعلوي لا أعرف الى أين، هذا كلام البعض ربّما ظنّ بأنّ هناك جهة إستخباراتية سورية، أنا كنتُ أظنّ أنها ربّما لعبة إستخباراتية بين مخابراتنا ومخابرات أطراف أخرى، لا يا صديقي، في ما بعد ذلك خرجت علينا داعش وجبهة النصرة كي تقتل على الهوية وعلى الطائفة وعلى الاسم.

 

 

كمال خلف: ظلّت عندي نقطة واحدة أستاذ خالد لم آخذ رأيك بها، لكن اسمح لي أن أتوجّه الى الدكتور فان دام ببعض الأسئلة أيضاً حول تلك المرحلة، ما قبل 2011، العلاقة بين سوريا وتركيا كما تذكر دكتور كانت ممتازةً بين سوريا الرئيس بشار الأسد وبين الرئيس أردوغان، علاقة صداقة، كانت هناك علاقة متينة بين سوريا وقطر كما تعرف، هؤلاء أوّل مَن تدخّل ضد الرئيس الأسد وتبنّى التظاهرات ضد السلطة في سوريا، هل لديك تفسير يتعلّق بذلك؟ وهل لحركة الإخوان المسلمين، هل هي كانت نقطة الإفتراق بين هذه الأطراف؟

 

 

نيكولاس فان دام: أظنّ أهمّ شيء بالنسبة لتركيا لها بعد ديني، النظام التركي عنده بُعد ديني ولكن لو سمحت بالنسبة للمنتديات هذه فرصة للنظام، الحكومة كانت تسيطر على الجيش، على المخابرات أي لا يوجد خطر أبداً، ثمّ أريد أن أعلّق بالنسبة للبعر الريفي والديني، لو تكلّمنا عمّا قبل نصف قرن كان ربّما صحيحاً، ولكن خلال الخمسين سنة الماضية كان هناك هجرة كبيرة، المدينة أصبحت ريفاً تقريباً، يوجد ناس كثيرين هاجروا الى دمشق، الى حلب والمدن الكبرى، طبعاً الريف له هوية ولكن كثيرين من الريفيين موجودين في المدن. أمّا بالنسبة لتركيا، وزير الخارجية التركي كان يتكلّم مع الرئيس بشار الأسد ستّ ساعات ولم ينجح، في البداية كانت هناك نيات طيّبة ولكن في نهاية المطاف الدولة التركية عندها طموحات أخرى أكثر من الحجم التركي، لذلك أرادوا أن يؤيّدوا البُعد الديني أو الإخواني لكن هم خسروا في آخر المطاف، آخرين كقطر أو السعودية، موازين القوى الإقليمية، ولكن الكل خسر والسوريين خسروا والدول المتدخّلة خسرت ولكن ما خسروا ضحايا كالسوريين بأنفسهم.

 

 

كمال خلف: دكتور اسمح لي أذهب الى فاصل أيضاً ومشاهدينا وبعدها مباشرةً نكمل، وسأعود إليك دكتور فان دام أيضاً لطرح نقطة تتعلق بما ذكرته قبل قليل.

مشاهدينا فاصل ونعود مباشرةً.

 

 

فاصل

 

 

كمال خلف: تحية من جديد مشاهدينا في القسم الأخير من قواعد الإشتباك الذي نراجع فيه الحرب في سوريا وهذه هي الحلقة الأولى في القسم الأخير، ربّما نحاول في هذا الوقت أن نتحدّث أيضاً عن البدايات في درعا، لكن قبل ذلك دكتور فان دام أريد أن آخذ رأيك بمسألة الأسلمة، البعض قال بأنّها بدأت التظاهرات في المساجد، مَن يحرّك هذه التظاهرات أو يدعو إليها هم رجال دين، وبالتالي البعض يقول اليوم بأنه عندما وصلت الأمور الى النصرة وداعش وغيرها وحتى التنظيمات أو المجموعات الأخرى تتّخذ أسماءً إسلامية، كإستقم كما أُمرت، مثل أجناد الشام، مثل الفرقان، الى آخره، البعض يقول أن الإسلاموية بدأت منذ اليوم الأول ولا تزال مستمرة، هل أنت مع هذا الرأي ولماذا طغى الطابع الإسلامي على ما جرى في سوريا؟

 

 

نيكولاس فان دام: أظن في البداية .. عندهم جهات عديدة .. إسلاميين، علمانيين والى آخره، فلا أظنّ أنه خيار واحد كان في البداية يهيمن على التيارات الأخرى، ولكن تدريجياً الإسلاميين والإسلامويين سيطروا على الوضع، لا أقصد بأنظمة خارج سوريا ولكن أقصد الأنظمة العسكرية، هم سيطروا على الوضع طبعاً نتيجة التأييد من السعودية أو قطر أو بلدان أخرى، ولكن أنا أوافق مع الأستاذ الذي تكلّم من قبل أنّ الجامع كان المكان الوحيد الذي فيه إمكانية الإجتماعات، لا يوجد معنى ديني ولكن تديريجياً أظنّ لم يكن مفرّ منه، تدريجياً الإسلامويين سيطروا على الوضع، طبعاً هذا كان نتيجة تأييد من الخارج أيضاً ولكن بشكل عام المعارضة مثلاً في إسطنبول أو الإئتلاف، فئات عديدة، الأنظمة التي وقّعت البيان في مؤتمر الرياض في 2015 أو 2016 هم الأكثرية فئات دينية، طبعاً يوجد أيضاً الأخوان المسلمين، هناك جيش السلام، أحرار الشام، ولكن بشكل عام أصبح تدريجياً وليس من اليوم الأول، من اليوم الأول كل التيارات كانت موجودة ومتوفّرة، ربّما حتى العلمانية أو غير الطائفية كانوا أقوى من الآخرين في البداية.

 

 

كمال خلف: ولاحقاً لماذا تسيّد التيار الإسلامي بتقديرك؟

 

 

نيكولاس فان دام: نتيجة التأييد الخارجي ونتيجة أنهم ظنّوا أنفسهم أفضل من الآخرين، مثلاً الأخوان المسلمين كانوا أقوى من الآخرين نتيجة إمكانياتهم التنظيمية، ولاحقاً تكلّمت عن تركيا التي أيّدت أيضاً هذه المنظّمات بالذات.

 

 

كمال خلف: قبل أن نعود إليك أستاذ محمد سؤال فقط للأستاذ خالد ثمّ أعطيك كل الوقت، حتى لا تفوت النقطة. أستاذ خالد فيما يتعلّق بما قبل الأزمة هناك مَن أشار بشكل واضح وكتب بأنّ الرئيس بشار الأسد كسر قواعد اللعبة مع الولايات المتّحدة الأميركية في لبنان، كسر قواعد اللعبة في العراق بدعم المقاومة العراقية، كسر قواعد اللعبة في التخلّي عن ضبط نوعية أو درجة التسليح الذي يجب أن يحصل عليه حزب الله وانفتح على الحزب بشكل كبير في ما يشبه التحالف، وتخلّت سوريا رويداً رويداً عن دورها الوسيط بين العرب وإيران لتصبح تماماً في صفّ إيران وبالتالي انتهى ما سُمّي بحلف دمشق أو دول إعلان دمشق، مصر، السعودية، سوريا. هل كانت هذه أسباب دفعت فيما بعد كثير من الأنظمة العربية أن تقف ضد السلطة في سوريا وأن تؤيّد الحراك وفي ما بعد الجماعات المسلّحة؟

 

 

خالد العبّود: صديقي كمال عليك أن تنتبه، أنت أحسنتَ وأنت تستدعي التاريخ وتعود للماضي قليلاً، لأنه عليك أن تنتبه أنه يجب ألا ننسى بأن هناك مشروعاً كان يريد النيل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالتالي لماذا هذا النيل؟ عليك الإنتباه للقضية الفلسطينية، جوهر الصراع كله الذي تتحدّث عنه هو القضية الفلسطينية، الآن في تقديري أنا أنّ الولايات المتّحدة الأميركية الى جانب أطراف أوروبية الى جانب أطراف إقليمية ساهمت في هذا المشروع، تذكّر كامب ديفيد على سبيل المثال، العرب جميعهم لم يكونوا مع كامب ديفيد، ثمّ ما الذي حصل؟ أصبح الجسد الرسمي للنظام العربي الرسمي يتداعى، وادي عربة، أوسلو، إذاً لم تبقَ إلا سوريا بشكل أو بآخر.

أنا في تقديري بأنّ الرئيس بشار الأسد وأُعيد وأؤكّد للميادين بأنه كان على إطّلاع بكثير من المعلومات حول طبيعة العدوان واستهدافه، ماذا فعل هو؟ هو حاول أن يردّ على هذا الهجوم الخارجي عليه، تذكّر مثلاً في 2005 و2006 وهذا التصاعد، بالتماسك أكثر مع حلف المقاومة، فوجد أن هناك ذراعاً طويلة متقدّمة في لبنان تتمثّل بالمقاومة الباسلة، فنسّق وشبّك معها تشبيكاً رائعاً، لكن هو في تقديري نعم كسر قواعد التنسيق والتشبيك إن صحّ التعبير لكن كان يستشعر جيّداً أن هناك مَن يريد النيل منه. تذكّر عدوان تموز 2006، لكن هو تمّ الهجوم عليه في مقتل رفيق الحريري في 2005 وكثيرون أرادوا أن يتغنّوا بسحبه الى محاكم دولية والى آخره، وأنذرنا الكثيرون حتى من المثقفين الذين للأسف اليوم يتحدّثون عن إصلاح وعن أنهم قادوا عملية إصلاح، هم الذين كانوا يتوعّدون ويستقوون بمثل هذه المنصات الدولية ضد الرئيس بشار الأسد وضد مشروعه.

أنا في تقديري أن الرئيس الأسد استطاع أن يسبق الآخرين باتّجاه تقوية ذاته مع هذا الحلف والإصطفاف إصطفافاً جيّداً لجهة عناوين أرهقت الأميركي.

كلمة أخيرة فقط، السعودية يا صديقي انخرطت منذ اللحظة الأولى لكن دورها كان مطلوب منها ألّا تتصدّى بشكل مباشر، كان مطلوب من قطر، كان مطلوب من الأخوان المسلمين وليس من الوهابية.

 

 

كمال خلف: أستاذ محمد سأعطيك كل الوقت الآن كما طلبت، لكن أيضاً عندي مجموعة من الأسئلة. يوجد ملاحظة تتحدّث عن مرحلة ما قبل ما جرى في سوريا، في 14 كانون الثاني 2011 أي تاريخ سقوط زين العابدين بن علي دعت جماعة الأخوان المسلمين المعارضة في سوريا النظام الى ما أسمته الإتّعاظ بالتجربة التونسية والعودة الى صفّ الشعب، هذا قبل أن يخرج الحراك في سوريا بشهرين ونيّف. في 15 شباط 2011 كان هناك رسالة من المراقب العام السابق لجماعة الأخوان المسلمين عصام العطار، طالب فيها الرئيس الأسد ما وصفه بالتغيير السلمي البصير في البلاد، وفي هذه الرسالة دعا الرئيس السوري لإجراء هذا التغيير.

حركة الأخوان المسلمين، كل هذا كان قبل الحراك، في هذا الوقت حركة الأخوان المسلمين كانت قد أعلنت هدنة مع السلطة في سوريا برعاية تركية كما تذكر، هذا الكلام ألا يجعلنا نستنتج في نهاية المطاف أنّ حركة الأخوان هي مَن أعدّت كل ما جرى في سوريا في ما بعد؟

 

 

محمد سيّد رصاص: أنا رأيي أن الأخوان المسلمين، حتى عندما أسسنا هيئة التنسيق في 25 حزيران 2011 كان الأخوان المسلمين أكثر إعتدالاً من الكثيرين من المعارضين العلمانيين، ومَن يراقب بياناتهم بعد درعا يلاحظ ذلك. وحتى كان عندهم رغبة بأن ياشركوا في الإجتماع وعلي البيانوني أرسل لنا نوع من العتاب على ذلك.

بصراحة الحراك في البداية لم يكن إسلامياً حتى لو كان الذهاب للمسجد للتجمع، وبالعكس نحن نلاحظ أنّ أطلق الإسلاميين في 31 أيار ومعظمهم كانوا قادة أسسوا المجموعات المسلّحة من حسان عبود وهاشم الشيخ التوماجي، الى نقطة ثانية وكان الضرب للحراك السلمي. هناك ثلاث محطات لضرب الحراك السلمي، ملاحظة 18 نيسان في حمص، 22 نيسان يوم الجمعة العظيمة، و3 حزيران في حماه 2011، قُتل في كل واحدة منها المئات، والناس بطريقة أو بأخرى عُزل السلميون وأنصار السلاح هم الذين عاموا كنوع من رد الفعل.

 

 

كمال خلف: لكن هذا سببه الدعم.

 

 

محمد سيّد رصاص: الدعم أتى فيما بعد، نحن نعرف أن تركيا لم تقرر دعم الإسلاميين وأيضاً خلاف مع النظام إلا بعد زيارة داوود أوغلو في الأسبوع الأول من آب، وأيضاً قطر في نفس الفترة.

 

 

كمال خلف: في هذه الفترة كانت تطالب تركيا بأنّ الإخوان المسلمين يدخلون الحياة السياسية ويا دار ما دخلك شر.

 

 

محمد سيّد رصاص: أن يأخذوا ثلث الوزارة، هذه معروفة، حتى هاكان فيدان حينها أتى الى سوريا أيضاً، وداوود أوغلو كان يريد مشاركة في السلطة. نحن بصراة حين طرحنا في هيذة التنسيق موضوع التغيير، نعرف أن كثير من الإسلاميين خافوا أن يشاركوا في الإجتماع وكانت مطالبهم أقل من ذلك، كانوا يراهنون على محادثات تركية مع النظام من أجل أن يدخلوا في صفقة ما. في الخريف هم قرروا العكس، نحن نعرف أن الأخوان المسلمين قرروا في تشرين الأول في اجتماع مجلس شورى حمل السلاح، هذه معلومات سُرّبَت لنا.

 

 

كمال خلف: الأخوان المسلمون هم المسؤولون عن بداية التسليح في سوريا؟ رُفضَت المطالب، لأن حتى حسن تركمان الذي كان رئيس هيئة أركان أعتقد في سوريا، زار تركيا في العام 2011 وبعد زيارته كانت تسريبات تقول بأنه كان يردّ على رسالة تركية فيها مطالب لحركة الإخوان المسلمين تتعلّق بمشاركتهم بالسلطة، رُفضَت الرسالة وذهبت الحركة باتّجاه العسكرة؟

 

 

محمد سيّد رصاص: حتى الرئيس بشار الأسد في خطابه في 3 حزيران 2012 قال بأنّ، "وبعد رمضان بدؤوا بالعمل المسلّح"، العبارة أنا أمس أخذتها من موقع الرئاسة اسمه presidendasad.net يقول بالحرف الواحد في 3 حزيران 2012 أمام الدورة الأولى التشريعية لمجلس الشعب، يقول التالي "بدؤوا في مراحل في هذه الأزمة"، وكان يستخدم مصطلح الأزمة والسلطة بقيت تستخدم مصطلح الأزمة حتى 2017، "ثمّ بدؤوا بحالة الثورة الشعبية التي توقّعوا أن تندلع خلال أسابيع وفشلوا فيها حتى رمضان، وبعد رمضان بدؤوا بالعمل المسلّح". أنا أقول بالتأكيد جرت محاولات للسلاح قبل، حتى أحرار الشام حسّان عبّود أسسها مباشرةً بعد خروجه من السجن في حزيران، ولكن فعلاً العمل المنظّم المسلّح تمّ في الخريف، رمضان انتهى في 30 آب 2011.

 

 

كمال خلف: أي أوّل مرة كان فيها سلاح حسب رأيك أستاذ محمد، بدأت في آذار مارس، نيسان أبريل، ثمّ أيار مايو، أي بعد ثلاثة أشهر.

 

 

محمد سيّد رصاص: التظاهرات المسلّحة، مظاهر التسلّح لم تبرز، يوجد حادثة هي حادثة الجسر حقيقةً ما زالت غامضة، محافظة المفرزة، ولكن فعلاً السلاح المنظّم كما قال الرئيس بشار الأسد أنه لم يبدأ إلا بعد رمضان وحينها شُكّل المجلس الوطني الذي تبنّى السلاح بطريقة أو بأخرى، طبعاً هيئة التنسيق كانت ضد السلاح، مؤتمر حلبون كان ضد السلاح.

 

 

كمال خلف: هنا أريد أن أشير الى كتاب سوف يصدر خلال الأيام المقبلة للدكتور برهان غليون الذي كان أول رئيس لمجلس وطني سوري تشكل بعد الأحداث، الكتاب يوجد ملخّص صغير عنه ولم يُصدَر بعد، ولكن لفتني في هذا الملخّص أنه حجين يتحدّث عن إجتماع المجلس الوطني أول إجتماع جرى للمجلس الوطني المعارض حركة الؤخوان المسلمين طلبت حضور ممثّل رسمي لتركيا في هذا الإجتماع وهذا كان موضع خلاف في البداية، ويُشير الى أنّ الحركة مشكلتها بأنها تتبع لتركيا.

 

 

محمد سيّد رصاص: هذه مؤكّدة، حتى بيانهم الأخير يدلّ على تبعية كاملة لتركيا، ونحن في هيئة التنسيق كان معروض علينا قبل شهر في محادثات جرت في الدوحة، الإشتراك من أجل إنشاء شيء اسمه مجلس وطني أو إئتلاف عريض، نحن رفضنا بسبب خلافنا في موضوع السلاح، إضافة لموضوع التدخل الخارجي، هم ذهبوا مع إعلان دمشق الى تأسيس المجلس الوطني في 2-10، وحتى حين أتى روبيرت فورد على مقرّ هيئة التنسيق كان من أجل إقناعنا قبل 3 أيام من تشكيل المجلس بذلك، ونحن رفضنا لأننا كنّا مختلفون تماماً في موضوع حمل السلاح وموضوع التدخل الخارجي والإستعانة بالخارج، هم من البداية كانوا مع ذلك، مع هذه المطالب، وفاروق تيفون الذي كان عضواً في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني هو الذي أشرف على التمويل والتسليح، هذه معروفة، من تركيا وبرعاية تركية.

 

 

كمال خلف: سنتحدّث عن موضوع التسليح في حلقة منفصلة إذا سمحت أستاذ محمد، أريد أن أسأل دكتور فان دام حول هذه النقطة، التسليح كان بقرار بتقديرك لأنها رُفضَت مطالب حركة الإخوان التي حملتها تركيا، اتّجهت الأحداث في سوريا نحو التسليح؟ وهذا هل ينسف كل الروايات بأنّ نتيجة عنف النظام تمّ الدفاع عن النفس بالسلاح؟

 

 

نيكولاس فان دام: أظنّ التسليح في البداية كان تسليح فردي، أي أفراد في حمص مثلاً، سمعت في ما بعد أنه منذ الأيام الأولى كان هناك ناس مسلّحة من البداية ولكن ليس بالطريقة المنظّمة، الطريقة المنظّمة أصبحت فيما بعد. فأظنّ إذا ركّزتَ على الإخوان المسلمين، كان هناك محطات أخرى عديدة، أرادوا أن يُسلّحوا أنفسهم، الضباط العسكريين المنشقّين عن الجيش ثمّ أرادوا وطلبوا طبعاً بتأييد من الخارج لأن في الداخل لم يكن عندهم أسلحة، على كل حال ليست أسلحة ثقيلة، هذا هو سار تدريجياً، وهو على أساس قرار الإخوان المسلمين أو آخرين، هذا سار تديريجياً، وباتت هناك أطراف عديدة سلّحت المنظّمات المسلّحة، وكل واحد منهم كان عنده المفضّلين له، وبات هناك تنسيق عبر المركز في عمان وعبر المركز في جنوب تركيا ولكن لم يكن هناك تنظيم بينهم، كل واحد أيّد منظّمة أخرى، وهذه المنظّمات لم تتعاون بين بعضها البعض، فلا تستطيع حسب رأيي، وأظنّ على المؤرّخين القادمين في المستقبل أن يقرروا فعلاً مما جرى في التاريخ ولكن لم يكن هناك قرار واحد بل كانت هناك قرارات عديدة للتسليح، وطبعاً كان النظام أظنّ قد قام بطريقة عنيفة جداً فوق الضرورة، وهذا شكّل قوّة معاكسة. أظنّ أطراف متعددة وليس فقط الأخوان المسلمين، يوم 1500 تنظيم مسلّح تقريباً..

 

 

كمال خلف: أي ليس فقط الأخوان المسلمين لكن نحن كنّا نتناقش مع الأستاذ محمد حول مَن بدأ أو مَن قرر التسلّح أو مَن ذهب باتّجاه التسلّح من بين هذه القوى.

أستاذ خالد العبود قبل أن أُنهي هذه الحلقة ربّما معي دقيقتين أريد أن نتحدّث فيها عمّا جرى في درعا، البداية التي يُشير إليها الكثير من المؤرّخين لهذه الأزمة، سننهي هذه الحلقة بما تقوله عن هذه الحادثة وما جرى للأطفال في ذلك الوقت، لنبدأ منها في الحلقة المقبلة، تفضّل أستاذ خالد.

 

 

خالد العبّود: صديقي علينا أن ننتبه لنقطة هامة جداً، الزملاء الأصدقاء يتكلّمون عنها، أولاً استُعمل السلاح منذ اليوم الأول لكنه لم يُمأسس بمعنى أن أطرافاً خارجية لم تتحدّث عن استعمال السلاح. مذبحة نوى قبل جسر الشغور بفترة طويلة دخلوا مجموعة من المسلّحين على مفرزة المخابرات العسكرية في نوى المدينة الحورانية وقتلوا الجميع وعلّقوا رئيس.. لم أعد أذكر التاريخ بالضبط، في البداية في الأيام الأولى، تمّ حرق القصر العدلي في الأيام الأولى ومؤسسة الكهرباء تمّ حرقها في الأيام الأولى، 108 مركز تابع لحزب البعث والبلديات تمّ إحراقها كاملةً في حوران في الأيام الأولى، أرجوكم يا أخوان، سيادة الرئيس عندما حكى عن حمل السلاح فيما بعد أي مأسسة حمل السلاح، تذكّر ماذا قال هيثم المناع منذ الأيام الأولى، قال عُرض عليّ من قطر أجهزة وكذا.

أنا في تقديري بأننا نُخطئ في التوصيف عندما نتحدّث أنه ما حُمل السلاح في الأيام الأولى، أنا أتحدث لك عن قريتي وأهلي، أتحدّث لك عن أولاد عمومتي، لا أتحدّث عن حلب التي جغرافياً أجهل كثير منها، لا، أتحدّث لك عن واقع وهذا مهم أن نثبته.

بالنسبة للأطفال..

 

 

كمال خلف: لا وقت عندي سأتركها للحلقة المقبلة الثلاثاء المقبل إن شاء الله نبدأ من عند حادثة درعا لننطلق منها لبحث التحولات فيما بعد ونخصص حلقات لموضوع التسلّح كيف بدأ ومن أين، وحلقة للخطاب الإسلامي أو التيارات الأخرى ودورها، وأيضاً تقييم لنشاط المعارضة وطريقتها في التعاطي مع كل ما يجري.

أريد أن أشكر ضيوفي الأستاذ محمد سيّد رصاص هنا في الإستديو، الأستاذ خالد العبود والدكتور نيكولاس فان دام، ونلقاكم الثلاثاء المقبل بمشيئة الله، الى اللقاء.