أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

الحب في الثقافة الإسلامية

 

المحور الأول

يحيى أبو زكريا: حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثواكم.

في زمن الجفاف الفكري والعاطفيّ، وفي عصر ذبول الأحاسيس والمشاعر، وغياب الرفق والمودّة، قُدّم الإسلام على أنه قاسٍ، غليظٌ، صحراوي، بدوي، جافٌ، لا حبّ فيه ولا مودّة، لا قرب، ولا صلة رحمٍ. جُرّد الإسلام من الإنسانية والأنسنة، وجعله البعض عنواناً للحرب، فيما هو عنوان وطريق للحب والمحبة.

قال الله تعالى "وأحسِنوا إن الله يحبّ المُحسِنين"، وقال أيضاً "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله". ولطالما أوصانا حبيب القلوب صلّى الله عليه وآله وسلّم بالحبّ والمودّة، وكان يُقسِم، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أولا أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم.

وبعد اشتداد المرض بالسيّدة خديجة رضوان الله تعالى عليها، لم ينصرف عنها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، على الرغم من أنه كان في أولى سنوات الدعوة، كانت تُعَدّ من أصعب سنوات تاريخ الإسلام، وظلّ الرسول يلازم السيّدة خديجة في معظم فترات اليوم، ليهتمّ بها ويلبّي لها احتياجاتها، ويمنحها الكثير من الحب والمودّة.

المحبّة، الهوى، الصبوة، الصبابة، الشغف، الوجد، الكلف، التيتم، العشق، الجوى، الشوق، الشجن، الحنين، اللوعة، الخلّة، الغرام، الهيام، الوَله، كلّ هذه المفردات اتخذها العرب تعريفاً للحبّ ومرادفاته. وتبعهم فقهاء الإسلام وعلماء الدين فألّفوا في الحب والمحبة والغرام والعشق والوَله، وأوردوا لذلك القصص وضربوا الأمثال، وشحنوا كتب اللغة والتفسير وشروحات الحديث النبوي بهذه الحكايات، بل ألّفوا مؤلّفاتٍ مستقلّة في الحبّ والمحبّة بكافة أشكالها.

وقد عدّد المؤرّخ الشهير أبو الحسن المسعودي عدداً من الذين تناولوا أمر الحب في أول 300 عام من تاريخ الإسلام، فحصر أسماء عددٍ كبيرٍ من رجال الفكر في المجتمع المسلم، من كتاب طوق الحمامة في الألفة والإيلاف لإبن حزم الأندلسي، إلى كتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين لإبن قيم الجوزية، إلى ديوان الصبابة لإبن أبي حجلة، وكتاب تزيين الأسواق في أخبار العشاق لداوود إبن عمر الأنطاكي، واعتلال القلوب للخرائطي، والأغاني للأصفهاني، والعقد الفريد لإبن عبد ربه.

في هذه الكتب، تزدحم هذه الموسوعات برمّتها بأشعار الجوى والهوى والصبابة، وحتى شعراء الرسول كانوا إذا مدحوا المصطفى الحبيب، استهلّوا أشعارهم بذكر معشوقهم، فهذا كعب إبن زهير مدح الرسول لمّا جاءه مسلماً، وأنشد قدّامه قائلاً، بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ، متيّمٌ إثرها لم يفد مكبول، وما سعاد غداة البين إذ رحلوا إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول.

نعم، كان الحبّ يعمر ديارنا، وحياتنا العربية، ولنا من قصص الهيام ما لا يُحصى عدّه، قصة روميو وجولييت تتواضع أمام قصص جميل بثينة وكثير عزة وقيس ليلى وقيس لبنى وليلى الأخيلية وحبها لتوبة وإبن زيدون وولاّدة بنت المستكفي. كان ذلكم ذات يومٍ في حياتنا العربية.

الحبّ في الثقافة الإسلامية عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الجزائر الحبيبة الدكتور بوزيد بومدين مدير الثقافة الدينية في وزارة الشؤون الدينية الجزائرية، ومن مصر الحبيبة الشيخ الفاضل السيّد محمّد عبد الهادي جاويش من علماء الأزهر الشريف.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب "توق الحمامة في الألفة والألاف" للإمام إبن حزم الأندلسي:

مؤلّفه هو الإمام أبو محمّد علي بن حزم الظاهري الأندلسي، وهو إمامٌ كبير في الفقه الظاهري. نشأ في تنعّم ورفاهية ورزق ذكاء مفرطاً، وكان والده من كبار أهل قرطبة.

وأما الكتاب فقد جمع مجموعة من أخبار المُحبين وأشعارهم وقصصهم، وتناول عاطفة الحب بشيءٍ من التحليل النفسي من خلال الحكايات البشريّة التي بلغته، فيعالج إبن حزم بأسلوبٍ قصصي هذه العاطفة من منظور إنساني تحليلي.

والكتاب يُعَدّ عملاً فريداً في بابه، وقد جعل الإمام إبن حزم الكتاب في ثلاثين باباً، وفيه أبواب طريفة مثل باب من أحب من أول نظرة، باب من أحب في المنام، وربما كان هذا الكتاب الكتاب الأول الذي بلغنا كاملاً مستقلاً في المحبة والحب، وقد اكتسب شهرة واسعة في الآفاق.

وحظيَ الكتاب بعناية شديدة في الأدب العربي والغربيّ على حدٍ سواء، ولا سيما في الأدب الإسباني، حتى تُرجِم الكتاب إلى الإنكليزية والروسية والإسبانية والفرنسية والألمانية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بوزيد، الحب أو الحرب؟ ما الذي اختاره الإسلام للبشرية جميعاً؟

 

بوزيد بومدين: شكراً أخي وعزيزي وصديقي الباحث المتميّز. في الحقيقة، فرشت تفريشة، لم تترك لنا ما نقوله، ولكنها كانت تفريشة مهمة نبني عليها.

في الحقيقة أيهما أختار؟ أختار أصل الحب، أختار الأصل، المحبّة، أما الحرب فهي مسألة عارِضة في القرآن الكريم، "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها".

فالحرب هي آخر الحلول وآخر الدواء الكيّ، وبالتالي للأسف كما قلت في مقدّمتك، أنّ ما هو عارِض أصبح أصلاً، وهذا غير معقول، وقد قال أحد المتصوّفة وهو الششتري المعروف الذي عاش أيضاً في الأندلس وبيجايا وتأثر وكان شيخه إبن سبعين، قال بدء الخليقة صدرت عن الحب، أي أن البداية الأساسية هي بداية الحب، وهذا أيضاً موجود في الأناجيل، فالمسيح عليه السلام جاء ببشارة المحبة بالأساس، ونحن في الحقيقة المحبة في ثقافتنا هي الرحمة، وقد كان شخصية معينة في الجزائر يُسمّى سيّد الهواري، يقول المترجمون لحياته أنه كان يبشّر بالرحمة، بسعة رحمة الله في آخر حياته.

فمفهوم الرحمة يلازم المحبة ويلازمها كثير من المفردات، ليست معاني الحب، ولكن ترادفها، الصدقة "إتقوا الله ولو بشق تمرة"، هي صدقة، ولكن دليل على المحبة، وحتى عندما يتعرّض إلى الزكاة على أنها شعيرة ولكنها قائمة على المحبة، الصلاة قائمة على أركان، ولكن الفقهاء وضعوها في أركان وفي فرائض، لكن في الأساس هي النيّة، النيّة ما هي؟ هي توجّه القلب بمعنى أن هذه المضغة إن صلحت صلح الجسد كله وإصلاحها أساساً في المحبة.

أما قضية الحرب فهي عارِضة، ولكن لماذا؟ كما قلت السؤال الإشكالي، لماذا أصبحت الحرب بدل السلم وأصبحت الكراهية بدل الحرب وأصبح التنافر بدل التواصل؟ هذه المسائل وقعت تاريخياً عندما انتصرت الحروب في المجتمعات، وأصبحت الحرب هي الوسيلة الوحيدة. ولذلك نجد أنّ التصوّف ظهر كردّ فعل على ما أسموه أهل الرسوم، أهل الرسوم هم الذين حوّلوا المعرفة الدينية إلى معرفة قانونية ومعرفة جافة، فأرادوا بالمحبة أن يكتشفوا أنّ العالم الإسلامي أو على أن التديّن في جوهره يقوم على العواطف. العواطف هي الأصل، ولذلك نجد حتى الذين دخلوا إلى الحركة الصوفية، دخلوا بصدمات عاطفية بالأساس، فرابعة العدوية وغيرها من المتصوّفة في الأساس كانت بدايتهم، بداية صدمة عاطفية تحوّلت عندهم إلى محبة إلى الله سبحانه وتعالى، وحتى الميراث، الشيخ البصيري وغيره، الشيخ البصيري وغيره من الذين مدحوا الرسول صلّى الله عليه وسلّم قامت على أساس المحبة، وهذا في الجانب الثقافي حتى بالنسبة للفقهاء وقد ذكرت روضة المحبّين ونزهة المشتقين لإبن قيم الجوزية وما كتبه إبن حزم هي كتب من جهة أخرى ليعطوا أنهم كتبوا في مجالات العلوم العديدة، ولكن من جهة أخرى ليردّوا على خطاب ساد في القرن السادس الهجري وخاصة في السابع الهجري، هو الخطاب الذي يغلّب الكراهية ويغلّب التكفير على الخطابات الأخرى.

وأعتقد أن الحروب الصليبية التي نشأت، لعبت دوراً في تصوير الإسلام على أنه الحروب، صحيح كنا محتاجين، كان الفقهاء والأمراء، كانوا محتاجين إلى خطاب تجييشي لعواطف المسلمين نحو الحرب والدفاع عن بيضة الإسلام، لكن للأسف نحن ورثنا هذا الخطاب، الخطاب الذي نتيجة إكراهات تاريخية وإكراهات اجتماعية في العلاقات الدولية، وبقي هذا الخطاب هو السائد، ولعلّ مقدّمة إبن خلدون انتبهت إلى هذه المسألة، إلى كون أن التعليم التقليدي لم ينتبه إلى مجال العواطف، ورفض هذه العواطف سواء في دراستها للتصوّف أو في دراستها للفقه الإسلامي.

 

يحيى أبو زكريا: أرجو أن تبقى معي دكتور بوزيد.

شيخ محمّد، لا شكّ أنه من أحبّ الله تعالى أحبّ خلقه، ومن استوطن الله قلبه لا يمكن أن يؤذي إنساناً، ناهيك عن قتل الإنسان أو ذبح الإنسان أو تفجير البنيان وما إلى ذلك.

ماذا عن فيض الحبّ وحبّ الفيض في ثقافتنا الإسلاميّة، وتحديداً عند العرفاء بالله؟

 

محمّد جاويش: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين وإمام المجاهدين ورحمة الله للعالمين سيّدنا محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم. ورضي الله عن سائر الصحابة أجمعين، وعن أزواجه أمّهات المؤمنين، ومَن والاهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد.

فحيّا الله قناتكم المباركة، وبارك لنا فيكم سماحة الدكتور يحيى، وبارك الله في طاقم إعداد برنامجكم المبارك، وحيّا الله أخانا الحبيب السيّد العلامة الدكتور بوزيد بومدين الجزائريّ، حفظكم الله جميعاً.

بدايةً، يقول علماء المنطق الحكم على الشيء فرعٌ من تصوّره، وإذا أردنا أن نستطلع هذا الجواب على هذا التساؤل، مكانة الحبّ في الإسلام على لسان العارفين، فبدايةً نقول، الحبُّ بضمّ الحاء لغةً الوداد، والحِب بكسر الحاء المُحِبّ والمحبوب، والحب في اصطلاح الصوفية باختصار جامع يعني الحب المقدّس، حب الله ورسوله والحُبّ فيه جلّ ثناؤه وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله.

ولمّا سُئل محدّثك الآن الفقير إلى عفو ربّه عن الحُبّ في الله، أجبت بتجربتي الشخصية الروحية في المدارس الصوفية التي نشأتُ فيها، فكان ممّا أفاض الله به عليّ ما نطقه لساني وأقرّه جناني وخطّه قلمي ببياني، أنني قلت الحب في الله هو تعانق الأرواح السعيدة، وإن تباعدت الأشباح القعيدة، وحقيقة المحبة عند العارفين والمحبين هي احتراق القلب بنيران الشوق، وروح الروح بلذّة العشق، واستغراق الحواس في بحر الأنس، وطهارة النفس بمياه الكدس، ورؤية الحبيب بعين الكلّ، وغمض عين الكلّ عن الكونيْن، وطيران السرّ في غيبٍ، وتخلّق المُحِبّ بخلق المحبوب، وهذا أصل المحبّة.

أما فرع المحبّة، فهو موافقة المحبوب في جميع ما يرضاه، وتقبّل بلائه بنعت الرضا، والتسليم في قضائه وقدره، بشرط الوفاء، ومتابعة سُنّة الحبيب المحبوب صلّى الله عليه وآله وسلّم. وأما آداب أهل المحبّة، فتنبثق من انقطاعهم عن الشهوات واللذات والمسارعة في الخيرات والسكون في الخلوات والمراقبات، واستنشاق نفحات الصفات، والتواضع في المناجاة، والشروع في النوافل والعبادات، حتى صاروا متّصِفين بصفات الحقّ، ومنقادين بنوره بين الخلق. وهي بخلاصة سريعة تقوم على مرحلة التخلية والتحلية، تخلية النفس من كل كوادرها، وتحليتها بمحبّة أنوار الحضرة العليّة لله جلّ ثناؤه، ومسايرة سيّدنا ومولانا صلّى الله عليه وآله كما قال صلوات الله وسلامه عليه، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به، صدق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

هذا كتمهيدٍ وتوطئة، بينما القرآن الكريم تحدّث عن الحبّ المقدَّس، حبّ الله ورسوله والحب فيه، فقال في مواطن كثيرة منها قوله جل ثناؤه، بسم الله الرحمن الرحيم "قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم". قال أهل الإشارة رضي الله عنهم في تفسيرها، مع إقرارهم بظاهر التفسير الذي سطّره علماء الشريعة، لكنّ أهل الذوق لهم معنى خاص مع إقرارهم بظاهر تفسير الآية الشرعيّ. قال أهل الإشارة في هذه الآية الكريمة، أي قل إن ادّعيتم محبة الله وأنتم صادقون في ما ادّعيتم فاتّبعوني فإني سيّد المُحِبّين ورئيس الصدّيقين ومقدّم المرسلين وقدوة المريدين حتى إن يكن مغيّبات مهلكات، والطريق المنجيات ودقائق أحكام المشاهدات، فإنّ متابعتي صلّى الله عليه وآله حقيقة شُكر محبّة المحبوب، وإذا شكرتم الله بمتابعتي زادكم الله محبّةً ومعرفة، فاتّبعوني يحببكم الله وقوله لئن شكرتم لأزيدنّكم.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد كلّ ما جئت على ذكره هو صحيح، وللمزيد من التدقيق والتحقيق والإيناس والاستئناس بعذوبة العرفان، نحيل إلى كتاب إحياء علوم الدين لإبي حامد الغزالي وتنبيه الغافلين وبستان العارفين للسمرقندي وأيها الولد المحب وما إلى ذلك من كتب الحب والذوبان في ذات الله.

طال اشتياقي ولا خل يؤانسني ولا الزمان بما نهوى يوافيني هذا الإله الذي في القلب مسكنه عليه ذقت كؤوس الذلّ والمِحن. عليه أنكرني من كان يعرفني حتى صرت بلا أهل ولا وطن قالوا جُنِنتَ بمَن تهوى فقلت لهم ما لذّة العيش إلا للمجانين.

فاصلٌ قصير مشاهدينا ثمّ نعود إلى الحب في الثقافة الإسلامية.

 

كتاب "وهل الدين إلا الحب؟" للشيخ حسين الخشن:

يقول الكاتب في زمن التصحّر الروحي والتردّي الأخلاقي، وفي الزمن الذي تبلّدت فيه الأحاسيس وتخشّبت فيه المشاعر وتوحّش فيه الإنسان، وجفّت ينابيع المودّة والحب، وتقطّعت فيه سبل التراحم والتآخي بين الناس، في زمن هذه حاله، قد تكون بحاجة ماسة إلى حديث الروح والأخلاق وحديث العقل والحكمة وحديث العاطفة الصادقة واللمسة النبيلة.

ويقول في فصلٍ آخر، إنّ عاطفة الحبّ التي أودعها الله فينا هي من أجمل العواطف الإنسانية وأنبلها وأعمقها أثراً، فهي منطلق كل خير، وهي بكل تجلّياتها وامتداداتها الطاقة المُلهمة للإنسان والمُحرّكة له، ولا نبالغ في القول إنّ عاطفة الحبّ هي التي تعطي الإنسان معنى إنسانيّته، لأنّ الإنسان من دون حبٍ هو صخرة صمّاء، ولا يمكن أن نرى في هذه العاطفة من حيث المبدأ شيئاً سلبياً.

ويذكر الشيخ الخشن بدور الحب في الإبداع الإنساني والمعرفة كوجه من وجوه فطرة الإنسان، إذ إن الحب جزء محرّك للفعل والحيوية. فلا يعقل أن تنظَّم العلاقات الإنسانية والاجتماعية من دون الحبّ، لأنّ عدم وجوده يعني فراغها وخواءها من أي مضمون واعتبار، وبوجه خاص ما يتصل بالعلاقات الزوجية، إذ إنّ المودّة والمحبة هما أساس المؤسّسة الزوجية، وأساس العلاقة بين الأولاد والأهل، ويتوسّع الأمر ليطاول الجيران ومن ثم العلاقات البشرية، فهل يعقل أن يخلو المجتمع الإيماني من قيمة الحب؟

 

 

المحور الثاني

 

كتاب "روضة المحبّين ونزهة المشتاقين" لإبن قيم الجوزية:

"روضة المحبّين ونزهة المشتاقين" كتابٌ يُعَدّ من أهم الكتب التي ألِّفت في الحبّ، وفيه يجد القارئ ما يشبع فهمه لهذا النوع من المعرفة، لأنه يجمع رأي الشريعة وحكمتها وأدبها إلى الكلام عن الحب وفلسفته وآراء الناس فيه.

والكتاب حافلٌ بالطرائف الأدبيّة والنثريّة والشعريّة التي تعبّر عن فنون الغزَل بأنواعه المختلفة، مع ما يخالطها من الوعظ الدينيّ المرتبط بالعديد من المسائل الفقهيّة التي تردع انجراف المُحِبّ نحو المسالك الخطرة، وتدعو إلى التشبّث بالحب الصافي الذي لا يكون إلا إذا قادنا إلى حبّ الله عزّ وجلّ.

والكتاب بلغت شهرته الآفاق وإبن القيم فقيهٌ حنبليٌ من علماء القرن الثامن الهجري، درس على يد إبن تيمية، وله مؤلّفاتٌ عديدة في الفقه والعقيدة والتفسير والتصوّف.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. عدنا والعود أحمد، ومن أدرك حلقتنا الآن، نحن نعالج موضوع الحبّ في الثقافة الإسلامية، وهنالك كتب لطيفة طريفة قشيبة لمن يودّ أن يستزيد، "طوق الحمامة في الألفة والألاف"، يقال ألفة ويقال إلفة على اختلاف مدارس النحويين والصرفيين، "وهل الدين إلا الحب" للشيخ العلامة حسين الخشن، "وهل الدين إلا الحب"، وهذا حديث في الأثر وهل الدين إلا الحب، "تزيين الأسواق بتفضيل أشواق العشاق" للأنطاكي، "روضة المحبين في نزهة المشتاقين"، وكل هذه الموسوعات في الحب وخط طنجة جاكرتا مملوء بالحرب للأسف الشديد.

دكتور بوزيد، واحد من أسباب تغييب ثقافة الحب عن مساجدنا، منابرنا، إعلامنا، مدارسنا، سياستنا، أنّ الكراهية اندلعت، أنّ البغضاء سادت، أنّ التقاتل بين المسلمين بات سيّد الموقف.

بنظرك، ما هي الأساليب التي تمكّننا من العودة إلى الحبّ والاحترام والمودّة والتلاقي، وهي أسس البعثة النبوية الشريفة؟

 

بوزيد بومدين: أعتقد أنه حتى كلمة الحبّ أخي أبو زكريا، هو أنّ المشكل لها دلالات أحياناً سلبية في المجتمعات العربية، وقد تؤدّي إلى دلالات ليست سليمة في مغزاها وفي جوهرها، هذا إشكال كبير في التلقّي للموروث، في حين أنّ القرآن الكريم نزل في بيئة عربية، في بيئة ثقافية، كما جاء في مقدّمتك، تقوم على الأطلال، وعلى أساس ذِكر الحبيب والمحبوب والحبيبة، في مقدّمة القصائد، وأعتقد أنّ المشكل الذي وقعنا فيه في القرنيْن الأخيريْن، وهو ظهور بعض التيارات الفقهية المغلقة بين قوسين، هذه التيارات الفقهية جعلت العلاقة بين، العلاقة الأفقية والعلاقة العامودية، العلاقة بين الإنسان والله والعلاقة بين الإنسان والإنسان، تقوم على قواعد فقهية جامدة.

ولذلك هذه المذاهب الفقهية أو بعض المذاهب الفقهية والتيارات الفكرية الجافة هي أقرب منها إلى، وكأنها مذاهب خارج المضمون الثقافي العربي الإسلامي الذي ورثناه عن أجدادنا، وبدل أن نهتمّ مثلاً بحضور العواطف الدينية في العلاقة مع الله، نركّز على الشكليات في العبادات، أو نركّز على الفرعيات وعلى ليس ما هو أصلي، بدل أن نركّز أيضاً على العواطف بين الإنسان والإنسان، ولذلك أزمتنا اليوم أزمة تواصل حقيقي لأنها تغيب فيها عاطفة المحبة، وعاطفة الإثار، نركّز على علاقات شكلية.

ولذلك أعتقد أنّ العودة إلى النصوص التي ذكرتها، نصوص العلاج الروحي عند الغزالي عندما يحلّل ربع المهلكات، أو حتى عندما نحيي ثقافة إبن سينا والفارابي الذين قالوا إن العالم أساساً، تكوين العالم يقوم على الشوق، بمعنى شوق الذرات بعضها إلى بعض هو الذي يؤدّي إلى حدوث الأمطار، طبعاً بقدرٍ من الله، ولكن حدوث المطر أو تغيّرات الطبيعة والكون مبنية أساساً على هذا الشوق الإلهي الذي هو مصنوع في الأقوام ومصنوع في أجزاء العالم.

هذا ما يقول به إبن سينا وما قال به صاحب فصوص الحكم محيي الدين إبن عربي في فصوصه، في الفصل الأخير حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب وجعل قرّة عيني في الصلاة. فقال الطيب كلمة مذكر تقع بين الصلاة التي هي مؤنث والمرأة التي هي أيضاً مؤنث، وبالتالي أن الأصل في الأشياء التأنيث، التأنيث هنا ليس المرأة ولكن التأنيث كصفة إيجابية للخلق، لأنها هي الصفة الفاعلة، هي الصفة المولّدة، وهي الصفة التي تحمل معنى التكاثر، ولذلك الصفات الإلهية هي صفات مؤنّثة عند محيي إبن عربي.

غياب هذه الثقافة، الثقافة المعرفية القائمة على المحبة، وحلّت محلها ثقافة ما هو جامد وما هو رسمي وما هو حربي هو الذي أحد العوامل، أيضاً الطبيعة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية التي قامت في مجتمعاتنا، لم تقم على هذه المحبة، حتى في الجانب المعماري، الجانب المعماري، أصبح الجانب المعماري، النمط الغربي هو السائد وليس النمط العربي الذي هو نمط مفتوح في نوافذه وفي شرفاته على بعضهم البعض.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بوزيد، في هذا السياق، العرب عندما أرادوا أن ينعشوا الحب في دنياهم اقتبسوا من الثقافة الأخرى، ولا مانع في اقتباس الحب، لكن بدل فالنتين عندنا آلاف المحبين والعشاق في بلادنا العربية.

نحن أمّة منكوبة، مشلولة، حتى في الحب تقتبس من فالنتين يوماً واحداً في شهر شباط، ما هذا التغييب لثقافة الحبّ التي يزدحم بها الموروث العربي والإسلاميّ؟ ربما لأنّ الدُعاة لا يتكلمون إلا عن البغضاء والجهاد في سبيل الله والسيف والقتل، حتى حور العين التي هي أنيس المؤمن في الجنة جعلوا الذهاب إليها على أسنّة الرماح للأسف الشديد.

نحن بالفعل أمام حال من الاستلاب الحضاري قلّ نظيرها.

 

بوزيد بومدين: صحيح، الآخرة في القرآن الكريم هي مَشاهِد، مَشاهِد الآخرة في القرآن الكريم هي من أجل الدنيا وليست الآخرة من أجل الآخرة، الآخرة هي جسر للدنيا، عندما يحبّبنا الله سبحانه وتعالى في الحور العين وفي النعيم وفي الحياة، من أجل أن نكون مستقيمين في هذه الحياة، من أجل أن نكون صالحين في هذه الحياة. ولذلك علينا العودة إلى بناء العاطفة، وبالتالي فالتربية الإسلامية والتربية الدينية في المدارس والأسرة عليها أن تركّز على بناء العواطف.

الإيمان هو عاطفة في الأساس وليس حركات أو أشكال، وبالتالي العواطف في العالم الإسلاميّ، إما أنّها تُستغَلّ كما أشرت إلى ذلك نحو القتال، والعواطف تعلّب الآن في بعض الفضائيات، العاطفة الدينية تصبح سلعة لأنها تتحوّل إلى سلعة عند بعض الدُعاة، وتتحوّل إلى هذه العاطفة إلى سلاح عند بعض الجماعات القتالية. العاطفة الدينية الآن تستغل بشكل أو بآخر ليس من أجل العاطفة وليس من أجل التواصل وبناء المجتمعات، العواطف الدينية هي ثروة حقيقية بالنسبة للمسلم الذي يتنفس التديّن، لكن للأسف هذه العاطفة الدينية لا نربيّها تربية سليمة وتربية عادية، ولكنها تُربّى تربية توجّه توجيهاً غير سليم.

ولذلك علاقتنا بالقرآن الكريم وبالسنّة النبوية علينا أن نبنيها على أساس المحبة لأن المحبّة وما يلازمها من مفردات هي جوهر القرآن الكريم في الأساس. ولذلك، الرسول عليه الصلاة والسلام عندما نزلت أول آية، اقرأ.

 

يحيى أبو زكريا: اقرأ، صحيح. دكتور بوزيد، لقد شاهدت بعيناني هاتين وسمعت بأذناي هاتين داعية ينتمي إلى الفقه الصحراوي يوصي المسلمين بأن لا يقبّلوا بناتهم في سنّ السابعة، الثامنة، لأنه قد يكون في القبلة بعض الشهوة. لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى التحنّن على الأبناء والبنات صار مكروهاً في فقهكم؟

يا شيخ محمّد خذنا إلى أهل الجنة وقد ذكر الدكتور بوزيد مشاهد القيامة.

عندما يدخل المؤمنون إلى الجنة زرافات ووحداناً يتعرّضون إلى التأهيل الروحاني، ينزع الله الغِلّ من قلوبهم، أليس ذلك أيضاً إشارة إلى ضرورة نزع الغِلّ في دار الدنيا، لأن الدنيا دار البلى، الدنيا دار امتحان، دار بلاء، ستّين سنة نعيش، الله خلقنا حتى نهيّىء أنفسنا للقائه، لأن الأول لو تم لما تحمّلنا هول المفاجأة، فجاء بنا إلى هذه الدار الخسيسة لنستعدّ، لنتربّى، لنتأهّل.

ماذا تقول في هذه السياقات العرفانية؟

 

محمّد جاويش: أجيب بكلمة بلى لأنّكم ذكرتم السؤال بصيغة الاستفهام التقريريّ، وأعقبتم بعده جملاً مفيدة، قلت أليس كذا؟ فأقول بلى.

إنّ أهل الجنة رضي الله عنهم لا تحاسُد بينهم ولا يجد المفضول منهم في نفسه غلاً على مَن هو فوقه.

يقول ربنا جلّ ثناؤه بسم الله الرحمن الرحيم "ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ إخواناً على سررٍ متقابلين"، ويقول عزّ من قائل "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنّا الحَزَن إنّ ربّنا لغفورٌ شكور"، وعن معاذ إبن جبل رضي الله عنه في الحديث القدسيّ، يقول ربّنا جلّ ثناؤه في ما يرويه الترمذي وغيره، "المتحابون في جلالي لهم منابرُ من نور يغبطهم النبيّون والشهداء"، أي يستحسن النبيون والشهداء مكانتهم عند الله تعالى.

إنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قد نشر الإسلام بالحبّ، فهو أعلى الأنبياء في الدرجة وأرقاهم عند ربنا جل ثناؤه. لقد روينا بإسنادنا المتصل إلى الإمام القاضي عياض رضي الله عنه في كتابه النافع "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"، أنه أورد حديث سيّدنا جبريل عليه السلام، فيما قال "قلّبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أرَ رجلاً أفضل من محمّد ولم أرَ بني أبٍ أفضل من بني هاشم". صدق سيّدنا جبريل في ما قال، وهو أمين الوحي، والسفير الأعظم بين الله وبين رسله.

سيادة الدكتور يحيى والمستمع الكريم، إنّ الإسلام هو دين الحُبّ واحتواء الآخر، وليس الإسلام دين العنف والتكفير. يقول ربنا جل ثناؤه بسم الله الرحمن الرحيم "قل هل أنبّئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا". إن هؤلاء الإرهابيّين الخوارج، الدواعش، الذين يروّعون الآمنين، ويقتلون جميع خلق الله، لا يفرّقون في ذلك بين مسلم وغير مسلم، ليسوا من الإسلام في شيء، لأنّهم فعلوا ما استحقّوا به محاربة الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله، وإنّني أقول إنّ الله جلّ ثناؤه قد حارب ثلاثة أصناف: الصنف الأول أكلة الربا، يقول ربنا جلّ ثناؤه "فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلَمون".

الصنف الثاني معادو الأولياء، وقد روينا بإسنادنا إلى صحيح الإمام البخاري في كتاب الرقاع  حديث رقم 6502 عن إبي هريرة رضي الله عنه عن سيّدنا ومولانا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال، قال الله جلّ ثناؤه، "مَن عادى لي ولياً فقد أذنته بالحرب وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذّنه، وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بدّ له منه". صدق رسول الله صلّى الله عليه وآله في ما يرويه عن رب العزّة.

الصنف الثالث قُطّاع الطريق ومروّعو الآمنين. قال جل ثناؤه، "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أنّ الله غفورٌ رحيم".

وعليه فقد جعل الله الذين يعادون الأولياء وقُطّاع الطريق في درجة آكلي الربا، كلّهم جميعاً يستحقون حرب الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا كما ذكرنا ليس من الإسلام في شيءٍ، لأنّ الإسلام هو دين  الحبّ واحتواء الآخر، لا دين العنف والتكفير.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ محمّد، حتى لا يُقال إنّ حلقتنا تتعلق بالأولياء الصالحين الذين نجلّهم ونحترمهم، أو بثقافة العرفان والحبّ الإلهي والعشق الإلهي، نحن نريد أن نقول إنّ التعلّق بالمولى عزّ وجلّ يفضي إلى عدم إلحاق الأذى بأحد، لأنّ الذي يستحضر الله ويتعبّد الله من خلال أسمائه الحسنى، فإذا الله هو الرحمن يجب أن نكون رحماء، إذا الله هو الرحيم يجب أن نكون رحماء، إذا كان الله السلام فنحن يجب أن نكرّس ثقافة السلام، فلا يؤذي الجار جاره، ولا يغتصب أحدٌ ملك غيره، ولا يتعدّى على غيره، ويحترم حُرَم الناس وما إلى ذلك.

كيف تتحوّل ثقافة حب الله إلى ثقافة حبّ الناس أيضاً، وهنا السؤال دكتور بوزيد؟

 

بوزيد بومدين: نعم، حب الناس هو من حب الله وحب الله هو من حب الناس، هذه العلاقة الجدلية موجودة في الأديان جميعاً، في الأديان وحتى في بعض الديانات مثل البوذية وغيرها، أنّ أساس التديّن عموماً، أساس التديّن هو هذه العلاقة الخيرية تجاه الإنسان، وحتى العمل الخيري في الإسلام يقوم على الأوقاف، شريعة الأوقاف وغيرها أساسها مصلحة الناس، وحتى في أصول الفقه، ما ينفع الناس وما يصلح للناس ثمّة شرع الله، فأينما كانت مصلحة الناس فثمّة شرع الله، وجلب المصالح ودرء المفاسد قبل جلب المصالح.

فهذه الثقافة وهذه المنظومة الثقافية العربية الإسلامية أو المنظومة القانونية اليوم في العالم أيضاً تتّجه هذا التوجّه، وهو العلاقات الإنسانية المبنية على المحبة وعلى الصداقة وإلى آخره، وأعتقد أن المفاهيم التي ينبغي أن نبنيها كمفاهيم إنسانية اليوم، وحتى تأخذ طابعاً قانونياً وإلزاماً أخلاقياً، مثلاً مفهوم الجار لم يعد بذلك المفهوم التقليدي، مفهوم الجار اليوم يمكن أن يكون مفهوم جار فايسبوكي مثلاً في وسائل التواصل، اليوم يمكن أن يكون جاري موجوداً في أميركا أو جاري موجوداً في روسيا أو موجوداً في بيروت وهو جار إلكتروني يحتاج مني إلى أن أحسن إليه وإلى أن لا أسبّه وأن لا أشتمه.

فأعتقد المفاهيم الإسلامية هي مفاهيم في الأساس إنسانية، ولذلك كما قلت إنّ العلاقة مع الله سبحانه وتعالى ينبغي أن تكون علاقة أفقية مع الآخر. إذا كنت ألغي الآخر ولا أهتمّ به وأكفّره أو لا أعتبره مواطناً من الدرجة الثانية فأنا أسيء للعلاقة مع الله. ولذلك علينا نحن اليوم في الإعلام وفي بناء الثقافة الجديدة أن نقول إنّ العلاقة الأفقية مع الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تكون ناجحة إلا إذا كانت هناك علاقة أفقية مع الآخر الذي يعيش معي.

ولذلك اليوم مثلاً ينبغي أن تراجع بعض المفاهيم، مفهوم الأقلية مفهوم غير سليم، نقول مجتمع التعدّد يكون أسلم من كلمة أقليات لأن الأقلية هي كثرة بالنسبة لي أنا، قد تكون هي مصدر المواطنة ومصدر الدفاع عن الوطن ومصدر الدفاع عن الخيرات، وقد تكون هذه الأقلية تعيش بفضلها الأكثرية، وبالتالي مفهوم التعايش هو مفهوم أساسيّ اليوم. صحيح مفهوم ديني ومفهوم جاء في حقوق الإنسان، ولكن نحتاج إلى أن يكون جزءاً من منظومتنا الثقافية ومنظومتنا الفكرية، منظومة تشارك، المشاركات الإنسانية، المشتركات الإنسانية اليوم هي مفهوم ديني ولكن مفهوم إنساني أيضاً، مفهوم ديني في نفس الوقت، الأديان التي تنتمي إلى إبراهيم الخليل هي مفهوم أساسي، نحن ننتمي إلى نبي يسمّى إبراهيم الخليل، ثمّ أبنائه، ما هو مفهوم الفداء ومفهوم التضحية؟ هو لأجل الآخرين، وهو في ثقافتنا العربية الإسلامية موجود مفهوم الرحمة، الذي هو مفهوم أساسي، وهناك مفاهيم تتعلق بالأخوّة وبالعلاقات الإنسانية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور بوزيد، من الإشكالات الكبيرة أننا كأننا لم نستوعب أن القرآن موضوعه الإنسان، كلّ ثقافةٍ حتى لو كانت بوذية، حتى لو كانت مسيحية، حتى لو كانت يهودية، حتى لو كانت علمانية إنسانية تخدم الإنسان، فهي ثقافة من القرآن.

العلاقة بين القرآن والإنسان علاقة قوية. للأسف اليوم نرى غير المسلمين يخدمون الإنسان أكثر من المسلمين في تعاطيهم مع الإنسان. اليوم الإنسان المسلم يقتل الإنسان المسلم، الإنسان المسلم يقول لك إذا لم تكُ من جماعتي، من حزبي، من حركتي، لا أعطيك لا امتيازاً ولا أسهّل لك درباً.

إذاً كيف نعود إلى ثقافة الحب شيخ محمّد؟

 

محمّد جاويش: ثقافة الحب لا بدّ من  أن تعود بدلاً من ثقافة الكراهية والتكفير، لأنّ الحبّ أساسه الخير فهو طاقة متجدّدة ومعين لا ينضب وعطاء متواصل متدفّق لا يعرف الشحّ ولا الحسد، وذلك بالرجوع لثوابتنا في أصول الدين الإسلاميّ، لأنّ الدين الإسلاميّ بُني على المحبة.

سيّدنا ومولانا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كما يرويه الإمام أحمد إبن حنبل في مسنده رضي الله عنه بإسناد صحيح، كان له جارٌ، أي كان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم جارٌ يهودي، وكان إبن هذا اليهوديّ يحتضر، فحضره النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وقت وفاته، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لهذا الغلام، إبن اليهودي الذي يحتضر، قل لا إله إلا الله محمّد رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه كأنه يستشيره، فقال له أبوه أطع أبا القاسم، فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله، ففاضت روحه إلى بارئها، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، الحمد لله الذي أنقذه بي من النار.

 

يحيى أبو زكريا: نعم شيخ محمّد، وهكذا كان رسول الله مع الجميع، لا يفرّق بين أحدٍ، حتى ذاك الذي جاء إلى المسجد ولا يعرف ثقافة المسجد، وقضى حاجته في المسجد، أراد البعض أن يقتلوه، فقال الرسول أهرقوا ماءً عليه، وانتهت المشكلة.

بالحب ننهي كل المشاكل، بالحب نعمر الحياة، بالحب لا بالحرب نبني الحضارة.

الدكتور بوزيد بومدين من الجزائر الحبيبة، شكراً جزيلاً لك.

الأستاذ الشيخ الفاضل محمّد عبد الهادي الجاويش من مصر الحبيبة، شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن نلقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

كتاب "تزيين الأسواق في أخبار العشاق" لداوود بن عمر الانطاكي:

من أشهر ما ألّف في أخبار العشاق وما أثر عنهم من الحكايات والطرائف وما نظموه من الأبيات واللطائف ووصف الأنطاكي عمله بأنه يشتمل على 12 أمرا منها: حسن التقسيم في الأبواب، لطف الترتيب وضم الأنواع المتماثلة، حذف الأسانيد والتكرار، ذكر السبب الموقع لصاحب الحكاية فيها، شرح ما في الأشعار من الغريب.

وداوود الأنطاكي عالم في الطب والأدب كان ضريراً انتهت إليه رئاسة الأطباء في زمانه. وأما كتابه فهو كتاب كبير جعله من مقدمة، ثم ذكر المحبين لرب العالمين، ثم ثنّى الكلام في أحوال عشاق الجواري والكواعب الأتراب.