أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الاتجاهات السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، لا يزال المشرق العربي مركزاً حاراً لا بل شديد الغليان بالرغم من أنه دخل في ظل ما سُمّي بالدولة الوطنية منذ أكثر من 70 عاماً، لكن لعنات الانتدابات والاحتلال العثماني لا تزال تلاحقه اجتماعياً وسياسياً فيما تحاصره مشاكل السياسة والسكان والاقتصاد وطغيان إنشاء إسرائيل في وسطه، ولكن نقرأ الاتجاهات السياسية والاجتماعية فيه وحراك الاقتصاد والسكان والسياسة والسلطة، السلطة الدولة والدولة السلطانية والدينية والوطنية وسطوة الدين ومحاولات إصلاحه، ولكي نفرّق أو نجمع بين الفقيه والسلطان ونكشف حضورهما المعاصر في البنية الذهنية ونستقرىء مشروع النهوض لا بد من مقاربة النتاج الفكري في تبدياته التاريخية والتأريخية الذي عمل عليه الدكتور وجيه كوثراني طوال حياته الجامعية والبحثية في محاولة منه لاكتناه الواقع الحالي والانطلاق نحو رؤية تتيح لنا مقاربة ما يحدث في هذا المشرق وتلمّس أفق ما يمكن أن يفعله إنساننا في قادمات الأيام، قبل الحوار نعرّفكم بالدكتور وجيه كوثراني ونتاجه.

تقرير:

وُلِد وجيه كوثراني في بيروت عام 1941 من أسرة انتقلت من أنصار جنوب لبنان، درس المرحلتين الابتدائية والمتوسطة في الكلية العاملية والمرحلة الثانوية في دار المعلمين والمعلمات.

نال إجازة في التاريخ من الجامعة اللبنانية عام 1946، حاز دكتوراه في التاريخ من جامعة باريس الأولى عام 1974 وبدأ في العالم التالي التدريس في الجامعة اللبنانية، ثم حاز دكتوراه في الآداب من جامعة القديس يوسف عام 1985.

عمل باحثاً في معهد الإنماء العربي ورئيساً لتحرير مجلة منبر الحوار وعضواً في المجلس العلمي الاستشاري للجامعة اللبنانية، كذلك مديراً للدراسات في مركز دراسات الوحدة العربية ومديراً للإصدارات في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع لبنان.

مُنح وسام المؤرّخ العربي وأعلنته الجامعة الأنطونية إسماً علماً لعام 2014. صدر له 20 كتاباً ستة منها مشتركة مع مؤلفين آخرين وعدد من الأبحاث والمقالات، وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات العلمية في لبنان والعالم. من مؤلفاته: "الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والشرق العربي"، "بلاد الشام.. الاقتصاد والسكان والسياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين"، "المسألة الثقافية في لبنان.. الخطاب السياسي والتاريخ"، "السلطة والمجتمع والعمل السياسي من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام"، "الفقيه والسلطان"، "الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل"، "تاريخ التأريخ".

غسان الشامي: أهلاً بكم، أريد أن أقول أنه لغزارة إنتاج الدكتور وجيه كوثراني وأهميته حاولت جاهداً وأنا أعدّ هذه الحلقة أن أطال الخطوط الكبرى في تآريخه، لذلك سيّدي أهلاً بك، سأبدأ بكتابك المفتاحي عن الاتجاهات السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي الذي يتوقف عند العام 1920، هل يمكن كي نبني مصطبة أن نختصر هذه الاتجاهات؟

وجيه كوثراني: الحقيقة أن هذا الكتاب أُعدّ في مطلع سبعينيات القرن العشرين أي منذ حوالى أكثر من 40 سنة، وهي أطروحة الدكتوراه الأولى التي حضّرتها في جامعة السوربون بباريس، حملت هذه الأطروحة هموماً اجتماعية - سياسية في مرحلة شبابنا آنذاك، عندما نقول ستينات القرن وسبعينات القرن تعجّ تلك الفترة بالأيديولوجيات والمدارس والمناهج وكلها كانت ذات قيمة، وقيمة هذا الجدل كانت تكمن في القيمة المعرفية للحقيقة، الابستمولوجيّة التي حملتها هذه السجالات على أنواعها، فهذا الكتاب "الاتجاهات الاجتماعية السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي" حمل هذه الهموم، هموم الشباب وهي هموم العالم الثالث، كيف ننمّي؟ كيف نحقق عدالة اجتماعية؟ ما هي مقوّمات الدولة الوطنية؟ هل نستطيع أن نغيّر؟ فكرة التغيير كانت هاجساً أساسياً لدى الشباب آنذاك ولذلك انعكست هذه الهموم في كتاب "الاتجاهات الاجتماعية السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي"، وكان الهمّ الأساس هو عَلمنة هذا المجتمع، عَلمنته ليس بالمعنى الأيديولوجي للكلمة ولكن بحث الشباب آنذاك كان يتركز على الخلاص من مرض عضال هو مرض الطائفية السياسية، فهذا الهمّ المحدّد "الطائفية السياسية" كان أيضاً همّاً معرفياً، حاولت أن أنقله في هذا الكتاب من هموم أيديولوجية، من سجالات أيديولوجية سياسية صراعية على المستوى السياسي إلى همٍّ معرفي، ما هي جذور الطائفية في لبنان؟ لذلك حيّنت هذا الكتاب من الناحية الزمنية بين 1860 التي هي فترة ذروة الصراع الطائفي في جبل لبنان وامتداده في بلاد الشام، في المشرق العربي و 1920 أي فترة تشكُّل دولة لبنان الكبير، حاولت في هذا الكتاب أن أرصد العطل الأساسي في هذا التكوين.

غسان الشامي: منذ عام 1920 حتى اليوم أين العطل الأساسي؟ كيف يُرصد؟ 

وجيه كوثراني: العطل الأساسي أن الطبقة السياسية على اختلاف أجيالها لم تستطع أن تحلّ هذه المعضلة التي نشأت جذورها في تلك الفترة، تعاملت معها وكأنها معطيات أبدية.

غسان الشامي: تأبيد الاتجاهات السياسية؟ 

وجيه كوثراني: أبّدت الطائفية السياسية في حين أن نظام المِلل العثماني، الدولة العثمانية كان نظامها يتطابق مع "سيستيم" الأنظمة الاجتماعية السائدة في تلك القرون. الدولة العثمانية هي دولة سلطانية، هي كالدولة العباسية، كالدولة الأموية، كالدولة السلجوقية، كدولة المماليك، طبيعة السلطة في التاريخ الإسلامي حكمها عنصران: العصبية التي يتحدّث عنها إبن خلدون والدعوة التي أضافها إبن خلدون كأيديولوجية استقواء للعصبية أي أن هناك مقوّمين للدولة السلطانية، فالدولة السطانية هي دولة من طبيعة الدول التي نشأت في التاريخ الإسلامي، ليست احتلالاً وليست استعماراً لأن كل هذه المصطلحات ذات طابع أيديولوجي، معرفي ابستمولوجيّ الدولة العثمانية التي دامت 600 سنة، 200 سنة في تركيا في آسيا الصغرى و400 سنة في البلاد العربية، ليست استعماراً وليست احتلالاً، ما من احتلال يستمر 400 سنة، غيرمعقول.

غسان الشامي: ولكن الاحتلال الروماني والبيزنطي استمرا ألفين أو ثلاثة آلاف سنة.

وجيه كوثراني: أنا لا أقول احتلالاً بريطانياً بل إمبراطورية رومانية، هناك نظام امبراطور، والدولة العثمانية نظامها نظام إمبراطوري، الدولة العثمانية مصادر تكوينها التاريخي فارسي في الإدارة، هلّيني بيزنطي في الثقافة وإسلامي عربي في الشريعة، هانك ثلاثة مكونات.

غسان الشامي: خليط عجائبي.   

وجيه كوثراني: ولذلك استمرت الدولة العثمانية 600 سنة، هي فعلاً دولة عجيبة، لا يوجد دولة سلالية Dynasty تستمر 600 سنة.  

غسان الشامي: سآتي إلى مفهوم الدولة السلطانية، هل هذه التسمية لك؟

وجيه كوثراني: أنا نحتّها من مصدرين: من مصدر لماكس فيبر الذي أسماها Etat sultanique  ومن الماوردي الذي درس طبيعة دولة الإمارة التي حلّت محل الخلافة في أيام البويهيين والسلاجقة، سمّاها الأحكام السلطانية وكتابه الشهير "الولايات الدينية والأحكام السلطانية"، هناك حكم سلطاني إذاً فدمجت أنا بين هذه المُعطيين: المُعطى التراثي عند الماوردي والمُعطى الحديث في علم الاجتماع السياسي عند ماكس فيبر.  

غسان الشامي: بهذه الدولة السلطانية أولاً لنعد إلى توصيفها، ما هي صفاتها؟ وكيف توسّلت النصّ الديني لأن تأخذ هذا الاتساع والحضور والديمومة في مجتمعنا؟  

وجيه كوثراني: الدولة السلطانية تنطلق من نواة تأسيسية هي العصبية القوية، العصبية القوية ترتبط بعشيرة، بقبيلة لكن هذه القبيلة تتوسّع عبر استتباع قبائل أخرى أو عبر التحالف مع قبائل أخرى، وهذه يشرحها إبن خلدون في مقدّمته بشكل عبقري وثاقب. يقول إبن خلدون إن العصبية لا تصل إلى نصاب الدولة، نصاب السلطة إلا إذ استقوت بالدين، أن يكون لها دعوة، والدعوة هنا بالمفهوم الخلدوني شبيهة بالمفهوم الأيديولوجي للدولة الحديثة، هذان العنصران، هذان المقوّمان تقوم عليهما الدولة السلطانية. تختلف قوة العصبية من عصبية إلى أخرى، قوة الدولة العثمانية كعصبية غالبة، عصبية تركية عثمانية ويجب أن نفرّق هنا بين التركية والعثمانية، العصبية التركية النواتية التركمانية في الأساس حوّلت عصبيتها التركمانية إلى تحالف عصبيات طرفية، ومصطلح الطرفية أيضاً استعاروه من إبن خلدون، هذه الأطراف التي هي ولايات تحكمها العصبية التركية العثمانية عن طريق عصبيات محلية سمّيتها السلطات الأهلية أو السلطات الوسيطة. أهمية الدولة العثمانية أنها تبنّت الإدارة الفارسية، الإدارة التي نظر لها نظام الملك منذ أيام السلاجقة، تبنّت مفهوم الإدارة الفارسية لكن أضافت إليها البُعد الهلّيني الإمبراطوري الروماني البيزنطي، استيعاب الأهالي عبر عصبياتهم وعبر أقوامهم وعبر أديانهم وتترك لهذه الأقوام وهذه العصبيات وهذه السلطات المحلية هامشاً واسعاً من السلطة شرط أمرين: الاعتراف بشرعية السلطان وجباية الضرائب، وتعترف بالأعراف المحلية، ومن هنا كان نظام الملل نظاماً ناجحاً في حينه ولذلك استمرت. ديمومة الدولة العثمانية هي أنها التقطت كالدولة البيزنطية والدول ذات الطبيعة الهلّينية بأن الأهالي ممكن أن يصبحوا وزراء بشرط التحوّل إلى الإسلام لكنه لم يكن تحوّلاً قسرياً بقدر ما هو تحوّل مصالح، وهذه إشارة مهمة جداً كي نفهم مرونة الدولة العثمانية في استمراريتها، بالطبع هناك صراعات داخلية وصراعات عصبيات ما بين العصبيات وصراعات ما بين الملل، فالهيئة السلطانية كانت توازن ما بين الصراعات، تلعب على الصراعات لكنها توازن ما بين هذه الصراعات الطرفية المحلية.

غسان الشامي: ولكن هنا كيف كان من الممكن أن تنبثق دولة وطنية من فترة طويلة من دولة سلطانية؟

وجيه كوثراني: هذا السؤال مهم جداً وعملي الأساسي كعلم اجتماع تاريخي كان ينصب على كشف الكيفية والآلية التي نشأت فيها الكيانات الوطنية سواء في المشرق العربي أو في المغرب العربي أي في منظومة الدولة العثمانية، في مجتمعات الدولة العثمانية. هناك مجموعة من العوامل، هناك عامل تراثي وهو خصوصيات الأقوام، خصوصيات الإثنيات، العرب الأرمن، الكرد، هناك خصوصيات ثقافية ولغوية. أيضاً التطوّر العالمي الذي حصل في أوروبا كان له وطأة كبرى على العالم كله بما فيه العالم العربي والمشرق العربي، هناك نموذج كان يتشكل في أوروبا هو الدولة الوطنية التي تبلورت معالمها كسيادة وطنية في معاهدة وستفاليا التي كانت معاهدة حاسمة ما بين الدول الأوروبية.

غسان الشامي: مفترق طريق، نقطة فيصل. 

وجيه كوثراني: تماماً للاعتراف بما يسمّى السيادة الوطنية، الدولة ذات الحدود التاريخية المعترف بها ضمن منظومة التوازن، إلى جانب الأفكار القومية التي تبلورت في غضون القرن التاسع عشر في أوروبا وخاصة في فرنسا عبر نموذج دال وجاذب وهو نموذج الثورة الفرنسية وامتداداتها في القرن التاسع عشر. في الحقيقة هذا النموذج أُثّر على نخب محلية طرفية، على نخب عربية فاستُوعب الفكر القومي الأوروبي محلياً وفُصّل وفقاً لهويات وطنية، فثمة قومية أرمنية، ثمة قومية عربية، حتى في داخل القومية هناك قوميات وهويات داخلية، مثلاً الحركة العربية التي انطلقت مع الثورة العربية في العام 1916 ما لبثت أن تقسمت أيضاً إلى هويات سورية، لبنانية، عراقية، حجازية إلى آخره، وهنا تدخل العلاقات الدولية، فثمّة دينامية داخلية لتبلور الهويات المحلية الطرفية، هذه الهويات المحلية الطرفية التقت مع سياسات دولية تسعى إلى التقسيم.  

غسان الشامي: يعني الدولة الوطنية هي في جزء منها منتج سياسيات دولية.

وجيه كوثراني: طبعاً، ترسيم الحدود مسألة دولية لكن مسألة الهوية تنشأ انطلاقاً من عوامل ذاتية داخلية تتغذّى بعوامل معقّدة جداً ومركّبة داخلية وخارجية، خارجية فكرية بمعنى أن هناك نموذج دولة قومية  Nation Stateكان يتشكل في الغرب، هذا النموذج لافت.

غسان الشامي: دكتور كوثراني في بنية المجتمع العربي الذي درسته أنت جيداً قابلية لمفهوم الدولة، كيف في مجتمع أنت أيضاً وصفته بأنه بين قبلي وعشائري وسلطوي وربما بدوقراطي، ديمقراطيته عجيبة، الحكم فيه عجائبي، كيف يمكن إنتاج دولة وفي الوقت نفسه فيها هذا الكمّ من الأقليات دولة وطنية؟

وجيه كوثراني: في الحقيقة هناك عاملان أو ظاهرتان لم تستطع الطبقة السياسية التي تولّت أمر تكوين الدولة الوطنية لأن الدولة الوطنية تتكوّن، في حالة التكوّن التاريخي ولا تهبط بوحي أو بإنجاز كامل. الطبقة السياسية لم تُحسن التعامل مع عامل أساسي في تكوين الدولة الوطن أو المجتمع الوطن وهي التنمية، لم تستطع الطبقات السياسية العربية كلها من المحيط إلى الخليج أن تنمّي بشكل متوازن بيئة وطنية، سوقاً وطنياً، ثقافة وطنية، كل هذه الثقافة الوطنية، اللغة الوطنية، المصالح الوطنية تتشكل عبر سياسات، هذه السياسات عجزت أن تحقق تنمية وطنية، تنمية دولة أمّة، هذا جانب، الجانب الثقافي التعليمي، الواضح من المعطيات الآن أن الطبقات السياسية عجزت أن تقضي على الأمّيّة التي هي ألف باء التنمية الثقافية. كل الدول التي نشأت فيها دول أمم قضت على الأمّيّة باكراً، فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر كانت قد قضت على الأمّيّة.  

غسان الشامي: إنتقلت إلى مجتمع المعرفة، اقتصاد المعرفة.

وجيه كوثراني: طبعاً، كم أهمية الكتاب. قرأت معلومة لأحد كتّاب النهضة اليابانية نسيت إسمه، هو من طبقة الساموراي، كتب كتاباً عام 1873 في تحفيز اليابانيين على التعلّم الجامعي بصورة خاصة، التعلّم الابتدائي كانت اليابان قد قطعت فيه شوطاً كبيراً في العام 1873 وكادت في أواخر القرن تقضي على الأمّيّة في القراءة والكتابة، لكن هذا الكاتب النهضوي الشبيه بأشخاص مثل رفاعة الطهطاوي، مثل محمّد عبده، مثل قاسم أمين، الكتّاب النهضويون العرب، قرأت معلومة موثّقة حول هذا الكاتب أنه أصدر هذا الكتاب وطُبع منه عام 1873 220 ألف نسخة في ذلك الوقت، بعد 15 عاماً وصلت طباعته إلى 6 ملايين، هذا الكتاب في التحفيز، فقط كتاب بسيط في تحفيز اليابانيين على التعلّم، تعلّم العلوم الاجتماعية والعلوم الفيزيائية.

غسان الشامي: إسمح لي أن نأخذ فاصلاً إذا سمحت، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور وجيه كوثراني، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، سنبدأ بالنهضة العربية، ملامح النهضة العربية، تقرير عن ذلك نعود بعده إلى الحوار مع الدكتور وجيه كوثراني.

تقرير:  

شهدت بلاد الشام ومصر وتحديداً بيروت وحلب والقاهرة حركة ثقافية بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين سُمّيت النهضة العربية متأثرة بعصر التنوير الغربي ومبادئ الثورة الفرنسية، داعية إلى نهضة العرب وحريتهم ومعارضة السلطة المركزية العثمانية وسياسة التتريك، ومطالبةً بإحياء اللغة العربية وعاملةً عليه.   

كان للحملات الفرنسية على مصر وبلاد الشام وقيام محمّد علي بإصلاحات كثيرة ونقل المعارف الأوروبية ونشوء الجامعات التي أسستها جمعيات تبشيرية دور في رفع مستوى التعليم وانتشاره وإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا، وبالتالي تمدًّد الوعي وبروز حركات إصلاح وجمعيات وأحزاب وإنشاء مدارس واندفاعة يقظة فكرية وانتماء وطني وقومي، وطالب الكثيرون بالخلاص من العثماني فيما طالب البعض بالاستقلال ضمن الإطار العثماني وبالتعريب.

نشطت حركة الترجمة والتأليف ومقاربة الفلسفات العلمية الناهضة في أوروبا ونتائج البحث العلمي، وبدأت ظاهرة تأسيس الصحف والمجلات المتنوّعة في السياسة والأدب والعلوم والطب، كما برزت حركة نسوية ودعوات إلى تحرير المرأة وحظيت العلوم باهتمام بالغ، وأُنشئت مشاريع اقتصادية مثل حفر قناة السويس المصرية وأقيمت معالم معمارية في القاهرة وبيروت ودمشق، وكان للنهضة العربية أعلام كُثر كالبساتنة واليازجيين والشدياق والشميّل وجبران ومي زيادة وماري عجمي ومريانا المرّاش والأفغاني والكواكبي والعقّاد وإبن باديس ونقولا حداد والإمام محمّد عبده ويوركي حلّاق وفرح أنطون والطهطاوي وغيرهم الكثير.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتور كوثراني تأسيساً على الكتاب، كانت هناك نهضة عربية أو لنقل مشروع نهضة عربية لأنها تبدّت في ما بعد أنها نهضة جهيضة، أُجهضت، هل من ملامح الآن لنهضة عربية تتكئ على النهضة السابقة برأيك؟

وجيه كوثراني: هذا السؤال صعب لأنه يطرح مسألة العلاقة بين الماضي والحاضر وهل هناك انقطاعات في حركة التاريخ أو هناك استمرارية في حركة التاريخ، الحقيقة هناك انقطاعات، أنا أميل كمؤرّخ إلى القول بالانقطاعات لكن الانقطاعات على أنواع، هناك انقطاعات إيجابية تُهيّئ لتجاوز وهناك انقطاعات تطال الذاكرة التاريخية، ويدخل في الذاكرة التاريخية ما يسمّيه بول ريكور "النسيان" في كتابه العظيم الأخير الذي ألّفه "التاريخ، الذاكرة، النسيان". مشكلة علاقتنا نحن العرب بالتاريخ علاقة مركّبة، معقّدة، أحياناً نعيد التاريخ كما هو والتاريخ لا يعيد نفسه.

غسان الشامي: نحبّ أن نعيد التاريخ كما هو.

وجيه كوثراني: وأحياناً نحيا التاريخ والتاريخ لا يمكن أن نحياه، نتوهّم أننا نحياه، نقلّد الماضي تقليداً، وأحياناً أيضاً ننسى التاريخ ونريد أن نبني جديداً، إذاً هناك مشكلة في وعينا التاريخي نحن العرب هو أننا لا نستفيد من التاريخ كدروس، نحاول أن نكرّر وهذا واضح في الأيديولوجيات سواء في الأيديولوجيا القومية العربية عندما يستشهد المؤرّخون القوميون العرب بالدولة الأموية، الدولة الأموية كانت دولة قومية والقومية مسألة حديثة جداً تُنشأ إنشاءً وتتكوّن تكويناً، هذا النموذج التراثي عند القوميين، الدولة الأموية. عند الإسلاميين الخلافة الراشدة هي نموذج، هنا تحاول الأيديولوجيا العربية أن تُحيي الماضي، أن تعيش الماضي. في المقابل العلمانيون والذين أسمّيهم أنا العلمانويين أكثر مما هم علمانيين حقيقة يريدون أن يقطعوا مع التاريخ، أن يحدثوا نسياناً وهذا لم يحصل في أوروبا، نفهم خطأً القطائع المعرفية التي حدثت في أوروبا.   

غسان الشامي: لا يوجد هذا القطع في أوروبا.

وجيه كوثراني: هناك دائماً استمرارية والقطيعة هنا تُهيّئ لتجاوز، نتذكّر لنبني جديداً.  

غسان الشامي: أنت بالنسبة لك مفهوم الذاكرة، بنيان التاريخ على الذاكرة هو حجر الزاوية في نظريتك التاريخية.

وجيه كوثراني: تماماً، المؤرّخون الجُدد في العالم اكتشفوا أهمية الذاكرة من زاويتين، من زاوية خطرها ومن زاوية إيجابياتها، من زاوية خطرها أنها تشوّه الماضي، الذاكرة تحمل أحلاماً، تحمل أوهاماً، تحمل أساطير، الذاكرة عادة تحوّل التاريخ إلى أساطير أو انها تنسى وهذا ما يركّز عليه بول ريكور، وفي الحالتين فهي حال غير معرفية ابستمولوجياً معرفياً، حال غير صحية من الناحية المعرفية، لذلك يجب أن يكون هناك وهذا ما أدرّسه لطلابي في معهد قطر وهو معهد للدراسات العليا نشأ جديداً، ركّزت على مقرّر إسمه التاريخ والذاكرة، عنما أدرّس هذا المقرّر لطلابي أركّز بشكل أساسي على فائدة الذاكرة لتصحيح التزوير في التاريخ، مثلاً التاريخ الفلسطيني عندما تشوّهه الصهيونية ماذا تفعل الذاكرة الفلسطينية؟ تصحّح هذا التاريخ، من هنا أهمية الذاكرة التي لها هنا أهمية إيجابية في الحال الفلسطينية عندما يتشوّه التاريخ، لكن الذاكرة أحياناً تشوّه التاريخ فيتدخل التاريخ ليصحّح الذاكرة، فثمّة جدليّة في رأيي وهذا يجب أن يشتغل عليه المؤرّخون الجُدد، جدليّة غنية جداً بين التاريخ والذاكرة.  

غسان الشامي: كتبتَ عن الفقيه والسلطان، البعض يقول وتحديداً الأميركيين أعتقد أن الكلام لجون فوستر دالاس إن الشرق لا يمكن أن يُحكم إلا بخليفة، هل هذا حتمي؟   

وجيه كوثراني: أبداً.

غسان الشامي: وهل نحتاج لفقيه وسلطان معاً؟

وجيه كوثراني: لا والتاريخ الإسلامي يثبت ذلك، التاريخ الإسلامي استمر في السياسة والسلطة من غير خليفة، وللمساهمة في هذا الموضوع أن الخلافة انتهت عندما قامت الدولة السلطانية على يد البويهيين ثم السلاجقة وأصبح الخليفة رمزاً لا قيمة له من الناحية العملية، كان ذلك في القرن الرابع للهجرة.  

غسان الشامي: ولكن العثمانيين صاروا خلفاء.

وجيه كوثراني: لا أبداً، هذه مغالطة كبيرة ارتكبها المؤرّخون العرب بكل اتجاهاتهم أنهم يسمّون الدولة العثمانية دولة الخلافة، ليست دولة الخلافة، كل السلاطين الأقوياء حتى القرن الثامن عشر لم يستخدموا لقب خليفة.

غسان الشامي: حتى لم يزوروا مكّة المكّرمة.

وجيه كوثراني: هذا شيء آخر لكن كانت ألقابهم السلطانية "الشاهنشاه"، "السلطان "العظيم، "الخان العظيم"، "ملك الملوك"، كل هذه هي الألقاب التي كانت أكبر وأهم من لقب الخليفة، لقب الخليفة أُعطيَ للسلطان في معاهدة كيتشوك كاينارجي وهي المعاهدة التي انهزمت فيها الدولة العثمانية في حرب القرم، بناء على هذه المعاهدة استولت روسيا على القرم وأُطلق في هذه المعاهدة في أواخر القرن الثامن عشر لأول مرة لقب خليفة على السلطان، في حين أنه طيلة خمسة قرون لم يُستخدم لقب خليفة بل على العكس كان السلاطين العثمانيون الأوائل سليم وسليمان يهزأون من الخليفة الذي كان عند المماليك في القاهرة، استضافوه في إسطنبول وأسطورة أن آخر خليفة في عهد المماليك تنازل للسلطان سليم هي أسطورة وُضعت في القرن التاسع عشر واستغلّها السلطان عبد الحميد استغلالاً كبيراً فلقّب نفسه بالخليفة. مسألة الخلافة اخترعها الناس وحاجة الناس إلى رمز، هي مسألة حديثة أكثر مما هي تراثية.  

غسان الشامي: لفتني أنك تكلّمت عن الإصلاح الديني، هل من إمكانية للإصلاح الديني في الإسلام مثل الإصلاح الديني الذي حصل في الغرب للمسيحية دكتور كوثراني؟

وجيه كوثراني: أنا في كتاباتي عوّلت كثيراً على الإصلاح الديني الذي بدأ في عصر النهضة والذي قام على عملية الاجتهاد والانفتاح عند الكثير من إسلاميي المغرب من أمثال علال الفاسي وتياره ومحمّد عبده وتياره في مصر، لكن هذا الفكر النهضوي الإسلامي الذي قام على الاجتهاد وعلى الانفتاح وعلى المصالحة ما بين الليبرالية الغربية وما بين الإسلام السياسي، كانت هناك محاولة مصالحة جدية في هذه الفترة لكن أُجهضت ورأيي أن الذي أجهضها هو الانقلابات العسكرية.

غسان الشامي: ما هو موقع المسيحيين في تشكيل الهوية في المشرق؟ وهل تشكّلت فعلاً هوية واضحة في هذا المشرق؟  

وجيه كوثراني: الحقيقة أن الكتّاب والمفكّرين المسيحيين في عصر النهضة لعبوا دوراً كبيراً في إبراز الهوية العربية بل أكثر من ذلك كانوا روّاداً ودُعاة للقومية العربية، لذلك طبعاً أسباب سياقية ظرفية لها علاقة بالوعي المبكّر لدى النخبة المسيحية ولها علاقة بالتحوّلات السياسية في الدولة العثمانية. هذه النخبة العربية المسيحية لعبت دوراً أساسياً نهضوياً وتنويرياً في الثقافة العربية وكان يمكن أن تلعب دوراً طليعياً ولعبت هذا الدور الطليعي في مرحلة ما قبل الخمسينات. النصف الأول من القرن العشرين برأيي يحتاج إلى إعادة تأريخ، ليس فقط للتأريخ لهذه النخبة المسيحية بل أيضاً للنخبة التي ظُلمت، النخبة شبه الليبرالبية العربية مسلمين ومسيحيين، كانت تشكل فعلاً نخبة واحدة والنموذج السوري يذكّرنا، كان في هذه النخبة عدد كبير من الشخصيات السياسية المسيحية التي حكمت في سوريا مع النخبة المسلمة، بل أكثر من ذلك إشكال التسمية لم يكن موجوداً، فارس الخوري، لم يكن يخطر في بال أحد أن يصنّف آنذاك داخل هذه النخبة بين مسلم ومسيحي، فهذه النخبة رائعة وأدعو للتأريخ لها من جديد، فترة ما قبل الخمسينات ظُلمت. 

غسان الشامي: لأن فترة ما بعد الخمسينات فيها قحط، أنت تحدّثت دكتور عن أمر ملفت إسمه الهويات الفائضة، البعض يراها في المشرق هويات منقوصة، هل من هويات كاملة فعلاً حتى تكون فائضة في هذه المنطقة من العالم؟

وجيه كوثراني: في الحقيقة أنا قصدت بالفائض أنها أكثر من اللزوم.

غسان الشامي: متعدّدة أكثر ولكن بهذا الجمع هذه الكثرة لا تدل على الفيضان بقدر ما تدل على القلّة.

وجيه كوثراني: هي بالمعنى السلبي، الفائض هنا هو كالسيول التي لا نحتاجها، السيول المخرّبة بهذا المعنى أي التي تخرّب التربة، فالهويات المتكاثرة على المستوى القبلي، على المستوى الطائفي، على المستوى المذهبي، على المستوى الإثني، وكل هذه الكثرة أو كل هذا الفائض على حساب المواطنة، فالمنقوص في الحقيقة هو المواطنة، ما ينقصنا هو المواطنة، لسنا بحاجة إلى كل هذه الهويات، نحن نحتاج إلى هوية وطنية جامعة وتلك الهويات لا تستطيع أن تكون بديلاً ولا يمكن أن تكون بديلاً للهوية الوطنية.

غسان الشامي: لماذا ينحسر مفهوم المواطنة من الثقافة والسياسة في هذه البلاد؟

وجيه كوثراني: نعود إلى الأصل أنه لم تتشكّل الدولة الوطنية كما يجب أن تتشكّل، التنمية، الثقافة، العِلم، كلها نواقص لم تستكملها الطبقة السياسية والمجتمع أيضاً يتحمّل مسؤولية كبيرة أنه تنقصنا المطالبة، الحركة الشعبية مُقصّرة في عملية المطالبة، إذا لاحظت أن الجمهورية الفرنسية تأسّست في العام 1875 أي أن هناك قرناً من المطالبات وقرناً من الحركات الاحتجاجية المستمرة، لم تهبط الجمهورية الثالثة هكذا من السماء.

غسان الشامي: دكتور كوثراني نحن في مجتعات ذات حمولات دينية ثقيلة، أولاً كيف نفرّق بين الديني والسياسي في هذه المجتمعات؟ وما هو دور هذه الأثقال في تكوين الهوية برأيك؟

وجيه كوثراني: الحقيقة أن التأسيس السياسي على الديني مسألة حديثة، نحن نتوهّم أن هذا كان في القديم، في القديم كان جزء كبير من السياسة ينتمي إلى العقل الوضعاني، إذا أخذنا مثال الدولة العثمانية نفسها في قوانين نامة التي هي غير الشريعة وكثير من القوانين الوضعية سُنّت تحت قوانين نامة من محمّد الفاتح وسليمان القانوني واعتمدت بشكل أساسي على الأعراف، اعترفت بالأعراف المحلية. هذه الظاهرة الحديثة بدءاً من تشكّل الإخوان المسلمين في مصر وهذه كانت الظاهرة الأولى في تأسيس السياسي على الديني كان سببه هو الفراغ السياسي الذي عاناه العرب وازداد هذا الفراغ السياسي، غياب الحياة السياسية التي تتشكل فيها أحزاب على قاعدة المصالح وقاعدة الهويات الوطنية، كان هناك قصور لدى الأحزاب المدنية في أن تقدّم بدائل، فبسبب هذا النقص، بسبب هذا الفراغ تشكلت أحزاب دينية تحاول أن تصل إلى السلطة عن طريق الدين لأنه أسهل ويعبّئ الجماهير بشكل عاطفي، لكن أيضاً في ما بعد بعد الخمسينات بسبب القمع السياسي، الأنظمة العربية سواء السلالية منها، الأسرية منها أو الجمهورية والجمهورية تبيّن أنها أسوأ من السلالية في ما بعد، منعت الحياة السياسية الصحية، تعدّد الأحزاب، الحياة البرلمانية، كلها كانت غائبة. لجوء النخب العربية إلى الإسلام كان بديلاً لهذا الغياب، فبقدر ما تتمأسس الديمقراطية في البلدان والمجتمعات العربية بقدر ما نستطيع أن نفصل أو أن نميّز ما بين الديني والسياسي، فاللجوء إلى الديني كان بسبب المأزق، مأزق الحياة السياسية العربية.

غسان الشامي: سآتي إلى اليوم، التاريخ أيضاً هو كتابة الحاضر بطريقة أو بأخرى، في لبنان والمحيط المشرقي العربي نوع من التدمير في وقت نحن أحوج به ما نكون فيه إلى التنوير، كيف يمكن في السياق التاريخي دكتور كوثراني أن تخرج من رحم الدمار حداثية جديدة في هذه البلاد؟

وجيه كوثراني: يبدو أن الدورة التاريخية ستستكمل ذاتها، وصلنا إلى مرحلة الحضيض في رأيي، وانطلاقاً من اليأس ينشأ الأمل وحركة التاريخ دائماً تذهب نحو التفاؤل، معظم الأحيان الذين يعيشون المأساة يعيشونها بشكل يائس لكن عندما تقرأ التاريخ من بعيد وتستفيد من تجارب التاريخ الماضية ترى فعلاً أن حركة التاريخ في ذهاب وإياب، في صعود وهبوط، لذلك أنا أراهن على قيامة للنخب العربية لكن هناك إشكال أنه في أي مكان تنشأ؟

غسان الشامي: ضاق الوقت كثيراً.

وجيه كوثراني: إذا كان المشرق العربي يعاني هذه الحياة البائسة الآن أرى من خلال تجربتي مع مثقّفي المغرب ونخب المغرب أن النهضة الفكرية في المغرب تدعو للتفاؤل، هناك نخبة مغاربية طليعية حقاً علمياً وثقافياً، هناك نخبة أكاديمية ممتازة.                            

غسان الشامي: وهذا أمر مدعاة للسرور.

وجيه كوثراني: فعلاً.

غسان الشامي: أنا أشكرك سيّدي. أعزائي من دون معرفة البنية الاجتماعية السياسية لبلادنا لن نتمكّن من رسم سياسات واضحة للمستقبل، وللأسف فإن الأنظمة اعتمدت مبدأ طمر الحقائق بدل كشفها وغالباً أخذت من الإرث القديم سياسة النعامة حتى وصلنا إلى ما نحن عليه. نشكر للدكتور وجيه كوثراني حضوره في أجراس المشرق، للزملاء في الميادين قارعي هذه الأجراس معي، ولكم على المتابعة، سلام عليكم وسلام لكم، شكراً.

وجيه كوثراني: شكراً أستاذ.