حوار خاص

برنامج مخصص للحوارات الخاصة مع شخصيات بارزة وفاعلة.

فيصل المقداد - نائب وزير الخارجية السوري

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا،أحييكم من هنا، من العاصمة السورية دمشق على الهواء مباشرة في هذه المقابلة مع نائب وزير الخارجية السورية الدكتور فيصل المقداد.

دكتور حيّاك الله، وأهلاً وسهلاً بك على شاشة الميادين.

فيصل المقداد: شكراً

كمال خلف: اليوم كان هناك تطوّر خطير يتعلّق بسوريا، استدعى ربما استنفاراً سورياً دبلوماسياً في هذا الشأن بسبب قرار الرئيس الأميركي باعتبار الجولان السوري المحتل تحت السيادة الإسرائيلية، كان هناك بيان قد صدر عن الخارجية السورية وصف أنه شديد اللهجة. ماذا بعد هذا البيان؟ ماذا أردتم أن تقولوا من خلاله ؟ لمَن هو موجّه بالضبط هذا البيان؟ وماذا بعده؟

فيصل المقداد: شكراً

أولاً أحيّي قناة الميادين على كل الجهد الذي تبذله من أجل إرساء قواعد علاقات دولية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وعلاقات حُسن الجوار، والمبادئ النبيلة التي عملت القناة من أجلها

كمال خلف: أشكرك.

فيصل المقداد: قبل أن أبدأ، إسمح لي أن أتوجّه إلى أهلنا في الجولان لأنهم هم الأساس هذا اليوم، وهم الأبطال الذين نتطلّع إليهم، وتتطلّع إليهم كل أعين السوريين في كل مكان، والعرب أيضاً، وكل المناضلين من أجل الحرية والاستقلال وحقوق الإنسان، ومنع عودة الاستعمار والإمبريالية، ومنع الصهيونية من تحقيق أهدافها في منطقتنا العربية. أتوجّه إلى أسيرنا البطل صدقي المقت وعائلته وأبلّغه تعازي الشعب السوري في كل أنحاء سوريا وخارج سوريا برحيل والدته العزيزة والغالية.

وددت أن أبدأ بذلك لكي أقول، أنه لا مستقبل للاحتلال، ولا لاستمراره، وأن المستقبل للشعوب. إذا نظرنا في عام 1967 عندما بدأ الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري، نجد أنه كانت هنالك أعداد قليلة من المواطنين السوريين، لكنهم تصدوا ببطولة. وها هم يثبتون في كل يوم أنهم يعيشون على أرضهم، ومن أجل وطنهم الأمّ سوريا، وأنهم لا يتردّدون تحت أكثر الظروف وطأة وشدّة وقمعاً من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن المطالبة من عودتهم إلى حضن الوطن الأمّ سوريا. هؤلاء هم أملنا والمثال.

الأسير صدقي المقت الذي نتحدّث عنه اليوم خدم في السجون الإسرائيلية ما يزيد عن 35 سنة، طبعاً الدفعة الأولة كانت 28 سنة، والآن الدفعة الثانية أصبح لها  ثلاث سنوات ونيف. وهذا يدل على أن الجولان السوري في ضمير كل مواطن سوري، وفي ضمير كل مواطن عربي.

وكل دول العالم استنكرت هذا اليوم ما جاء في تصريحات ترامب. في الحقيقة نحن نريد أن نبيّن للرأي العام العالمي، أنه لا يمكن لهذه الهجمة على سوريا أن تحقّق أهدافها. فإذا كانت ثماني سنوات من الحرب الإرهابية الشعواء على سوريا والتي استخدمت بها مليارات الدولارات، والتي تزيد عن مئة مليار دولار، لا أبالغ في هذا الرقم على الإطلاق. وشاركت فيها معظم دول الجوار لسوريا، وشاركت فيها الأنظمة التابعة والعميلة في المنطقة العربية، وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية في حربها على سوريا.

فنحن لا ننظر بجديد إلى الإعلان الذي صدر عن ترامب لأنه من الواضح أنه يمثل عتاة الصهاينة والاحتلال ومن يريد أن يفرض رأيه على كل المنطقة. الرئيس ترامب يمثل الآن ما يسمّى أكبر دولة ترعى الإرهاب من جهة، وهي الدولة الأولى المارقة في العالم بدليل أنها تحدّت ميثاق الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن بما في ذلك القرار 467 عام 1981 الذي يدين الاحتلال الإسرائيلي، ونطالب منذ عام 1981 من إلغاء قرار والانسحاب من الجولان العربي السوري. 

كمال خلف: دكتور، هناك سؤال تقليدي يتعلّق بالتوقيت، لكن فعلاً التوقيت لافت، البعض يربطه بالانتخابات الإسرائيلية، والبعض يربطه بصفقة القرن، أو حتى المرحلة التي وصلت إليها الحرب على سوريا. هل تعتقد أنّ الإدارة الأميركية لديها أسبابها في اختيار هذا التوقيت وهذا الظرف الدولي أو الإقليمي الحالي؟

فيصل المقداد: مما لا شك فيه أن الأمور مرتبطة بمجمل هذه الأشياء التي تحدّثتم عنها. منذ مجيء الإدارة الأميركية وهي تتحدّى كل العالم، وتنشر الكراهية للولايات المتحدة، وكما ذكرت لكم فإنها دولة مارقة الآن لأنها تتحدّى قرار مجلس الأمن بما في ذلك القرار497 الذي كانت الولايات المتحدة قد صوّتت لصالحه.

فما هذه الإدارة، التي تعدّ وريثة الإدارات الأميركية السابقة، والتي الآن تتناقض معها، لا لشيء إلا لأن إسرائيل هي التي تسيطر على الولايات المتحدة الأميركية الآن بقراراته واستراتيجياتها وتنسيقها. ونحن أصبحنا نفهم أنّ ترامب هو عنصر صغير في الحملة التي يقودها نتنياهو من أجل إعادة انتخابه في الكيان الإسرائيلي. هذه حقيقة الولايات المتحدة، هي جسم كبير وإمكانيات كبيرة، لكنها بعقل صغير وصغير جداً.

كمال خلف: دكتور أشرتم إلى الإدانات التي صدرت، وكانت لافتة، وهي على ثلاثة مستويات: المستوى العربي من مجلس التعاون إلى الأردن إلى مصر، أيضاً على المستوى الإقليمي سنتحدّث عنه لاحقاً، وعلى المستوى الدولي ودول الاتحاد الأوروبي بشكل خاص.

كيف تقيّمون هذه المواقف؟ وإذا سمحت لي أبدأ بتقييمكم للمواقف العربية التي صدرت اليوم.

فيصل المقداد: في الحقيقة كان في ودّنا أن تحافظ الدول العربية على الحد الأدنى من تضامنها، وأن لا تترك المجال مفتوحاً أمام نهب فلسطين، ومساندة مباشرة وغير مباشرة للخطط الأميركية والصهيونية في المنطقة بما في ذلك الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني من جهة، ومن جهة ثانية دعم الهجوم الإرهابي العنصري على الجمهورية العربية السورية.

لكن الرمَد خير من العمى كما يقال، نحن نتطلّع إلى أن تكون الدول العربية مستعدّة لمثل هذه الهجمات عليها وعلى كياناتها، لأنّ من يسمح الاعتداء على القضية الفلسطينية، وهي القضية الأساسية المقدّسة لكل الأمّة العربية، فإنه لم يعد  يتمتّع بتأثير ومصداقية على كافة المستويات.

لكن مما لا شك فيه أن هذه المواقف هي الحد الأدنى، وما نتطلّع إليه أن نعود إلى ممارسة سيادتنا واستقلاليتنا ومصداقيتنا. لأن من يدعم كلاماً هذه المواقف، ولا يُرفقها بالعمل، لن تكون له مصداقية.

كمال خلف: هنا، ما دعوتكم دكتور لهذه الأطراف خاصة الجامعة العربية ممثلة بالأستاذ أحمد أبو الغيط الذي أصدر موقفاً أدان هذا القرار الأميركي، وبالتالي كيف ترون طريقة ترجمة هذه الدول لهذه المواقف؟ إلى ماذا تدعون؟

فيصل المقداد: بصراحة، نحن نجد المتناقضات الآن في آليات صنع السياسة العربية.

كيف تتضامنون مع سوريا ضد القرارات الأميركية وقرارات المسؤولين الإسرائيليين لضمّ الجولان إلى العدو وتبقى سوريا خارج أطر التنسيق والتعاون العربي؟ وخارج إطار الجامعة العربية؟

يعني هذه تناقضات لا تغتفر في السياسات العربية. طبعاً نحن نفهم، مَن يصنع سياسات الدول العربية، هي الدول الأعضاء في هذه الجامعة.

ونعتقد أنه منذ جولة وزير الخارجية الأميركي بومبيو السابقة، كان هناك توجّه كما كنتم تلاحظون لاتخاذ قرار في الجامعة العربية للاعتراف بالخطأ من جهة، وعودة الجمهورية العربية السورية لممارسة دورها، وهو دور هائل وكبير افتقدت إليه الجامعة العربية منذ عام 2011، الذي حدث هو أن بومبيو  جاء بلاءاته الثلاثة: لا لعودة سوريا إلى الجامعة العربية، لا لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية وأية دولة في العالم مع سوريا، ولا لتقديم أيّ دعم لإعادة الإعمار في سوريا. ولاحظنا أن كل ذلك الزخم قد تراجع.

كمال خلف: واستجاب العرب

فيصل المقداد: واستجابوا، فأنا حقيقة أقول أهلاً بعودة الروح إذا كانت عودة حقيقية، لأن هذا يدل على أنّ البعض ما زال يتحسّس للقضايا العربية، لكننا نحتاج إلى فعل مباشر من أجل ترجمة هذا القول إلى الواقع. مَن يريد أن يتضامن مع سوريا في ما يتعلق بالمحاولات الإسرائيلية والأميركية من أجل محاولة ضم أراضي سوريا، يجب أن يحسب ألف حساب أنّ إسرائيل لا تريد فقط تفتيت الجمهورية العربية السورية، هي وعملاؤها في المنطقة، لكن الدور قادم على الآخرين.

نحن نحذّر من ذلك، وقمنا بجولات منذ 2011 عندما بدأت الأزمة في سوريا وقلنا لهؤلاء، نحن لا نخاف على أنفسنا، نحن قادرون على صد هذه الهجمة، لكننا نخاف عليكم بأنكم غير قادرين على الصمود بوجه هذه الهجمة لساعات وأيام قليلة.

كمال خلف: هذه رسالة اليوم مباشرة؟

فيصل المقداد: هي رسالة مباشرة للجميع، وعلى الجميع أن يفهمها. وإذا كانوا صادقين في هذه البيانات، فعليهم أن يترجموها على أرض الواقع، لا أن تبقى مجرّد كلمات تخرج من اللسان ولا تؤثر على العقل.

كمال خلف: اليوم قيل دكتور أن هذه الصفعة الثانية التي تصفعها واشنطن لحلفائها في المنطقة بعد قرارها باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، واليوم تقول إن الجولان لإسرائيل كذلك.

هل هي فعلاً صفعة لحلفاء واشنطن في المنطقة؟ أم الأمر غير ذلك؟

فيصل المقداد: بصراحة إنّ الأمر غير ذلك، لأن الصفعات تتوالى، هذه ليست الصفعة الثانية، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تكتفي بصفعة ثالثة ورابعة وعاشرة وعشرين، لأنه لا حياة لمَن تنادي في هذه المنطقة. عندما تتعرّض سوريا وليبيا واليمن والعراق، وكل البلدان العربية لمثل هذه الهجمات المباشرة، والتي لا يقيم في صانع القرار الأميركي أي اعتبار، لا لهذه الدول، ولا للرأي العام العالمي، ولا للأمم المتحدة. فأين هو مستقبل هذه المنطقة؟

كمال خلف: ما نشاهده، هو تطبيع غير مسبوق مع إسرائيل، ودعوة طبيعية معها، في حين القرارات الأميركية والإسرائيلية تأتي معاكسة لمصالح العرب عموماً. يعني ما يحصل ليس تقديم تنازلات للعرب مقابل تطبيع كما قالت ربما المبادرة العربية، الانسحاب مقابل العلاقات. ما يحصل هو المزيد من الهجمات والإهانة للعرب مقابل التطبيع. تبدو هكذا الحال العربية، أليس كذلك؟

فيصل المقداد: أنا أقول مقابل لاشيء، لأنه لن يكون هناك أساساً تطبيع، سيكون هناك قدم إسرائيلية توضع على رأس كبار الحكام العرب من أجل إخضاعهم، وإنهاء الكيانات العربية الموجودة.

أنا أقول أنه لا يمكن أن يكون هناك وضع عربي مستقيم في إطار ما نراه الآن من تفتّت في الجسد العربي، ومعاداة حقيقية لتطلّعات الأمّة العربية والشعب العربي في كل مكان. نحن نتطلّع إلى وضع يكون في الحد الأدنى من التطبيع بين الدول العربية.

فإذا كانت إسرائيل تريد الهيمنة على هذه المنطقة، لا أن تطبّع معها. أنا أعتقد أنّ إسرائيل تجاوزت مرحلة التطبيع. العلاقات القائمة الآن بين بعض الكيانات العربية  وبخاصة في منطقة الخليج وإسرائيل تفوق بملايين المرات، وأنا لا أبالغ علاقات هذه الدول مع الدول العربية الأخرى، بمعنى أنّ علاقات بعض الدول في الخليج مع إسرائيل من علاقات دول الخليج مع بعضها. لكن لا يجرؤ أحد أن يتناول بشكل مباشر هذا الأمر، هؤلاء يخافون على أنظمتهم وعروشهم وعلاقاتهم، وعلى الضعف الذي استشرى في الجسد العربي من المشرق العربي إلى المغرب العربي.

كمال خلف: دكتور، هنا أسأل بفضول، عندما بدأت المبادرات اتجاه سوريا، رأينا أنّ الأردن أرسل وفداً برلمانياً كبيراً إلى سوريا، هناك رجال أعمال جاؤوا إلى سوريا. اليوم هدّدتهم السفارة الأميركية بأن يسحبوا أعمالهم من دمشق وسوريا. أيضاً لا حظنا الإمارات فتحت سفارتها، وكادت السعودية أن تلحق بها، وكذلك ملف الحج. أنا أسأل بفضول فعلاً دكتور، ماذا برّروا لكم التراجع أو الفرملة؟ هل قالوا فعلاً نحن مضغوط علينا، سامحونا؟ أم كانت هناك مبرّرات أخرى؟

فيصل المقداد: يوجد الكثير من المبرّرات، والتي كنا نتحدّث عنها. اللقاءات مع كثير منهم لم تنقطع، كنا نرى البعض في الأمم المتحدة، وكانوا يتحدّثون لنا عن همومهم، والتهديدات التي يتلقّونها من الإدارة الأميركية، والاجتماعات التي يعقدونها مع الصهاينة. إذا نظرت فقط إلى اجتماع وارسو، سترى حجم هذه الهجرة ليست إلى الشمال، لكن هجرة إلى اللا وجود، إلى محو الهوية العربية، والتعاون مع إسرائيل ضد القضية الفلسطينية. وإلا كيف تتجرّأ أميركا على إصدار تصريحات مثل جعل القدس عاصمة لإسرائيل والجولان؟ وكيف تتجرّأ في ما يتعلق بصفقة القرن؟ التي لا يمكن تمريرها إذا لم توافق عليها بعض الأطراف العربية.

هذه محاولات تقوم بها بشكل يائس هذه الإدارة الأميركية المستبدة التي تسعى إلى تدمير العالم، والتي تخرج كما نسحب الشعرة من العجين كما يقال من كل الالتزامات الدولية التي وقّعتها الإدارات الأميركية أثناء الحرب الباردة وحتى الآن. هذه إدارة تعمل ضد المصالح الأساسية للشعب الأميركي بالذات. وأنا أتساءل عن الإجراءات التي تتّخذها هذه الإدارة المجنونة في الولايات المتحدة الأميركية ضد كل دول العالم، وأنا أتابع بشكل يومي الإجراءات القسرية التي تفرضها، ليس على سوريا، بل كل دول العالم.

وأتساءل متى سيفرض ترامب العقوبات على الولايات المتحدة الأميركية، وعلى عائلته أيضاً.

كمال خلف: طيب دكتور، البيان السوري قال بأننا ندعم استعادة الجولان السوري بكافة الوسائل الممكنة، حدود هذه الوسائل ما هي؟

فيصل المقداد: لا حدود، أنا أتحدّث بكل صراحة، والقيادة السورية تناقش كل هذه المواضيع. نحن في تأمين الأمن والاستقرار في أنحاء المنطقة، لكن هذا الأمن والاستقرارلن يكون على حسابنا. هذا الأمن والاستقرار له قواعد أقرّها القانون الدولي، ولأقرّتها سنوات طويلة من البحث، سواءً في إطار الأمم المتحدة، أو أطر أخرى، وقالت إن القضايا الأساسية للأمّة العربية هي القضية الفلسطينية، وعودة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقالت من الأسس الأساسية لإيجاد حل شامل وعادل للمنطقة هو انسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الأراضي الفلسطينية والجولان العربي السوري، والأراضي التي ما زالت محتلة من القطر اللبناني الشقيق، ويجب أن تشعر هذه الدول باستقلالها وكرامتها، وألا تكون هنالك أية محاولات للهيمنة على قرارات الدول المستقلة.

كمال خلف: باختصار دكتور، أنتم يمكن أن تدعموا، أو ستدعمون أية مقاومة شعبية تهدف إلى تحرير الجولان من أبناء سوريا.

فيصل المقداد: نحن نقول بكل لغة واثقة، نحن لا ندعم، بل نحن جزء لا يتجزّأ من المقاومة للخطط الصهيونية. كل ما جرى في سوريا من ألف هذه الأحداث إلى يائها الآن هو بتخطيط مباشر من الكيان العنصري الصهيوني، والولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت خادمة بإدارتها الحالية بشكل لكل ما تتطلّع إسرائيل، بل تأمر إسرائيل وتنفّذ الإدارة الأميركية. وتعرفون أن القائد الراحل حافظ الأسد قال منذ تلك الأيام أنه لا توجد سياسة للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، هناك سياسة تفرضها إسرائيل على الولايات المتحدة، ودورها تنفيذ هذه السياسة في الشرق الأوسط. الولايات المتحدة بقيادتها الحالية تابعة لإسرائيل وليس العكس.

كمال خلف: دكتور، أشرت إلى الرئيس الراحل حافظ الأسد، وأنا لا أريد أن أعود إلى التاريخ. لكن سوريا التي استطاعت أن تحتضن مقاومة عربية وطردت إسرائيل من جنوب لبنان وحرّرت الأرض اللبنانية، وقبل ذلك في العام 1982 بعد اتفاق 17 أيار وما تلاه، استطاعت أن تطرد إسرائيل من بيروت. هل هي فعلاً اليوم قادرة في سوريا لطرد إسرائيل من الجولان؟ أم أنّ الوضع اختلف من ذاك الوقت إلى اليوم؟ الظروف اختلفت ربما؟

فيصل المقداد: إسمح لي أن أكمل الجواب على القسم الأخير من سؤالك السابق.

مما لا شك فيه، أنه يحق بموجب القانون الدولي لأي بلد تُحتل أرضه أن يناضل بمختلف الوسائل من أجل تحرير هذه الأرض، ونحن عملنا منذ التسعينات من القرن الماضي على حل هذه المسألة بالطُرق السلمية، وإسرائيل رفضت حل هذه المسائل بالطُرق السلمية لأنها لا تريد السلام، بل تريد السلام والأرض معاً. وهذا ما أفشل هذه العملية منذ التسعينات وحتى عدّة سنوات، وبدلاً من الذهاب إلى السلام هي تتلاعب بالأوضاع الداخلية في البلدان العربية، دعمت الإرهاب في سوريا وفي العديد من دول المنطقة، وتتذرّع بأن الجمهورية الإسلامية تستهدفها.

طبعاً، نحن نقول إن العلاقات الوطيدة بين سوريا والجمهورية الإسلامية والاتحاد الروسي وحركة المقاومة اللبنانية وبخاصة حزب الله، هي علاقات تقوم بها الدول للدفاع عن ذاتها في مواجهة هجمة أكبر وأكثر عتواً، وهي الهجمة التي تقوم بها إسرائيل وما يدعمها من الدول الغربية بما في ذلك بشكل خاص الولايات المتحدة الأميركية. إذاً، يحق لنا استخدام الأساليب السلمية، وأساليب الكفاح المسلّح بمختلف أشكاله من أجل تحرير الأراضي العربية.

والآن، الجيش العربي السوري أصبح مدرّباً وقادراً على مواجهة كل هذه التحديات، وهذا هو ما يخيف إسرائيل، وخاصة بعدما حقق هذا الشعب العظيم هذه الإنجازات التي أذهلت كل العالم. تطالع اليوم ما ينشر في الإعلام الغربي حول الإنجاز الذي حققته سوريا، هم لا يصدّقون أنفسهم أنهم دفعوا كل هذه الإمكانيات وعشرات الآلاف من الإرهابيين الذين أرسلوهم إلى سوريا. وأنّ سوريا ستخضع اليوم وغداً، وفي الشهر القادم، وفي السنة القادمة، وها هو قد مضت سنة واثنتان وثلاث وأربع وخمس وست وسبع وثماني، وقد تأخذ وقتاً أطول، لكن سوريا ستبقى صامدة، وستقاوم كل هذه المحاولات، وستنتصر سوريا وحلفاء سوريا في هذه الحرب من أجل مستقبل العالم، وليس من أجل موقف سوريا. هذه الإدارات الأميركية الخطيرة والتي تهدّد الأمن والاستقلال، ليس في المنطقة بل في كل أنحاء العالم تمثل خطراً حقيقياً على المستقبل الكوني بشكل عام.

كمال خلف: عندي نقطتان، والوقت شارف على النهاية. المواقف الدولية كانت مشجّعة إلى حدٍ ما، واعتبرت الإعلان خروجاً عن الشرعية الدولية، ومن بين هذه المواقف تحديداً موقف تركيا، هل ترون فيه تناقضاً؟ في الوقت الذي تدخل فيه تركيا إلى الأراضي السورية في الشمال عنوة، وتجلس هناك من دون إرادة الحكومة السورية، أو تحتل كما يقول البعض أراضٍ سوريّة، ترفض الاحتلال في الجولان. هل ترون أنّ هناك تناقضاً في الموقف التركي؟

فيصل المقداد: في الحقيقة هناك تناقض واضح ما بين الموقف التركي الذي دعم الإرهاب على سوريا، ولم يتصرّف برحمة اتجاه سوريا، ولا اتجاه العلاقات التاريخية بين البلدين. نحن نعتقد أنّ هذا نفاق، وحركات لتبرير، أو لممارسة ضغط  على الأحلاف الدائرة في الشمال السوري، ولكسب المزيد من النقاط ضد هذه الإدارة الأميركية التي تحالفت معها تركيا، وشنّت من أجلها الحرب على سوريا. والآن تتناقض معها بسبب المصالح التركية الضيّقة في الشمال السوري، ومن خلال العلاقات المتوتّرة والمتفجّرة بين تركيا وبعض التنظيمات الكردية في شمال سوريا.

هذا يدعوني لأن أقول  لأهلنا في شمال سوريا، والمواطنين من الكرد الذين يعتبرون جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري أن يعودوا عن غيّهم، ولا يذهبوا بعيداً في مملاءة الولايات المتحدة الأميركية، لأن سوريا ستهزم الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في المنطقة وفي العالم بفضل صبرنا، واستمرارنا وفهمنا لكل هذه التحديات.

كمال خلف: انتهى وقتنا، لكن هناك نقطة، وطبعاً لديّ الكثير من الأسئلة، فقط مغزى الاجتماع العسكري الذي جرى في دمشق بين وزراء الدفاع العراقي، السوري، الإيراني، وبعدها جاء وزير الدفاع الروسي وحمل رسالة من الرئيس بوتين، وهذا أثار الانتباه، وكل ما قيل حوله كان تحليلات، ربما تكون دقيقة، لا نعرف. لكن أنتم ماذا تقولون في هذا؟

فيصل المقداد: نحن نقول أنه شيء طبيعي أن يلتقي قادة الجيوش الثلاثة، وأن يزور السيّد شويغو وزير الدفاع الروسي سوريا، فنحن نخوض معركة واحدة، ولنا مصالح متقاربة جداً.

كمال خلف: هل يوجد تحوّل من خلال هذه الاجتماعات؟

فيصل المقداد: نحن نعي جيداً هذه الهجمة التي تتعرّض لها المنطقة وهذه الدول في إطار السياسات الرعناء التي تقودها الولايات المتحدة تلبية للأهداف الإسرائيلية.

لكنني في نهاية هذا اللقاء، أقول إنني أرى الجولان عائدة إلى الحضن السوري كما أراك الآن، وإن شاء الله لن يكون هذا الموعد بعيداً.

كمال خلف: إن شاء الله، آمين.

أشكرك جزيل الشكر نائب وزير الخارجية السوري، الدكتور فيصل المقداد، شكراً على منحنا هذا الوقت.

لكم جزيل الشكر.

فيصل المقداد: شكراً لكم.

كمال خلف: حيّاك الله.

مشاهدينا هذه المقابلة انتهت، أحييكم من هنا، من دمشق، وإلى اللقاء.