أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الناصرة... مهد السيد المسيح وبشارة مريم

الناصرة... دورها في فلسطين ومكانتها في التاريخ.. آثارها، عائلاتها وعلاقتهم بلبنان وحوران... موقعها وواقعها قبل الاحتلال وبعده...

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، أن تُفرد حلقة عن مدينة ترعرع فيها السيّد المسيح والعذراء والنجّار يوسف، المدينة التي أعطت المسيح إسمها، عن مدينة الناصرة نتكلّم، أمر قليل فكيف إذا طالت المدينة تغييرات كبرى عبر التاريخ المنكوب للمشرق وصولاً إلى نكبة عام 1948 فإن هذا أقل من قليل، لكننا في أجراس المشرق سنحاول الإضاءة على هذه المدينة التي طالما كانت تخبو ثم تظهر، وهي درّة الجليل وتبعد بالمناسبة عن عواصم بلاد الشام الأربع: القدس وعمّان وبيروت ودمشق بالقدر نفسه تقريباً أي نحو 100 كيلومتر وشلفة حجر، ما جعل تحوّلاتها الديموغرافية ضمن هذا الفلك المشرقي. البروفيسور محمود يزبك مؤرّخ وأكاديمي وباحث فلسطيني من مدينة الناصرة، أستاذ جامعي متخصّص في تاريخ المشرق والتاريخ والمجتمع الفلسطيني في القرنين التاسع عشر والعشرين، وله العديد من المؤلّفات منها "الناصرة تاريخ وحضارة" و"حيفا تاريخ المدينة في القرن التاسع عشر"، نشكره على تلبية دعوة أجراس المشرق، قبل أن نبدأ الحوار معه تقرير عن مدينة الناصرة.

تقرير:

الناصرة في قلب الجليل وعاصمته، تقع في نقطة متوسّطة تتّصل بطُرق لبنان وسوريا والأردن، سُكنت منذ العصر البرونزي الوسيط وفيها وحولها 55 موقعاً أثرياً، إسمها الكنعاني "آبل" وهناك خلافات بشأن معنى إسمها لكنها مدينة يسوع الناصري الوارد ذكرها في الإنجيل، فيها نشأ وترعرع، وهي مسقط رأس السيّدة العذراء ومكان بشارتها ومسكن يوسف النجّار.

بدأت تُعرف تاريخياً بعد العام 136 للميلاد، دخلها شرحبيل بن حسنة عام 634 واحتلتها الفرنجة والترك. بدأ اليهود الاستيطان فيها عام 1901 وسقطت بيدهم في تموز يوليو عام 1948.

تأسّس أول مجلس بلدي في الناصرة عام 1875 ومثّلت سوقاً للقرى والبلدات المجاورة ونشطت فيها النجارة والصياغة والخياطة وغيرها، وانتشرت الإرساليات الأجنبية المسيحية وفُتحت المدارس فيها والمستشفيات، وفيها 24 كنيسة وديراً للّاتين والأورثوذكس والكاثوليك والموارنة والبروتستانت وعدد من المساجد والمتاحف الدينية.

من كنائسها" "بيت العذراء" التي يرجع أصلها للقرن الرابع، وكنيسة البشارة، وكنيسة مار يوسف من القرن نفسه، وكنيسة البلاطة التي يُعتقد أنها أقيمت على مائدة السيّد المسيح وتلاميذه وغيرها، وفيها أديار للراهبات والرهبان، ومن مساجدها "الجامع الأبيض" وهو من أبرز معالمها وقد بُني عام 1785، ومقامات مقدّسة عند المسلمين.

الناصرة مقصد حجّ للمسيحيين يؤمّونها من جميع أنحاء العالم.

غسان الشامي: أهلاً بكم، أهلاً بك دكتور يزبك من الناصرة.

محمود يزبك: أهلاً بك أستاذ غسان وأهلاً بالمشاهدين، أهلاً وسهلاً.

غسان الشامي: تحيّاتي لك، أريد أن أسألك منذ البداية كي نكسب الوقت بكامله، هل من تنقيبات أثرية في الناصرة؟ حالياً مثلاً، قبل سنوات، إلامَ توصّلت أنت في تاريخها الحضاري؟  

محمود يزبك: كانت هنالك مجموعة من التنقيبات وآخرها كان في السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة من بعض الجامعات الأميركية ومن أساتذة فلسطينيين في هذه الجامعات، وأصل بعضهم من مدينة الناصرة الذين هاجروا إلى هناك وأصبحوا أساتذة مرموقين في الجامعات الأميركية، وجاؤوا إلى مدينة الناصرة للقيام بتنقيبات وحفريات أثرية، وآخر الحفريات عملياً تمّ إجراؤها في كنيسة الروم الأورثوذكس القديس جبرائيل التي بمحاذاة عين السيّدة العذراء في المدينة، والآثار التي اكتُشفت هناك تعود بتاريخ الكنيسة حسب هذه الاكتشافات، هذا المكان يُعتبر مكاناً مقدّساً منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي، تشير الأبحاث والحفريات التي أجريت في المنطقة في داخل الكنيسة وفي محيط كنيسة القديس جبرائيل، كنيسة الروم الأورثوذكس التي يعرفها أهل المدينة في الناصرة، كنيسة الروم بجانب عين العذراء. وهنالك أيضاً حفريات أخرى أجريت في أماكن أخرى ومنها حفرية كانت في ما يُعرَف في الناصرة بجبل القفزة حيث هناك حسب القصة الإنجيلية النصراوية أنه المكان الذي قفز منه السيّد المسيح وفي إحدى المُغُر تم اكتشاف بعض الجماجم التي تعود إلى الفترات المتقدّمة جداً من التاريخ الإنساني، آلاف السنين قبل الميلاد.   

غسان الشامي: نعم، هناك اكتشافات كما تابعت أنا في الكتب الغربية تعود إلى العصر الحديدي 1200 سنة قبل المسيح ولكن هل هناك دلائل على الناصرة الكنعانية، الناصرة خلال الفترة الرومانية، هل من معالم؟ هل تُستثمر هذه المعالم سيّدي في السياحة والترويج لهذه المدينة الهامة؟

محمود يزبك: عملياً توجد آثار من فترات وحقبات تاريخية كثيرة في المدينة، وطبعاً الاستيطان في مدينة الناصرة كان قبل الفترة المسيحية، ولكن ما يهمّنا هنا في الترويج للسياحة وللمعرفة وللهوية النصراوية مثلما تفضلت في المقدّمة أن المدينة هذه هي مدينة البشارة وأهم شيء في المدينة هو إثبات الإشارة إلى البشارة التي حصلت في مدينة الناصرة والتي عملياً غيّرت وجه العالم كله، غيّرت الموروث الحضاري ليس فقط لمدينة الناصرة ولكن للبشرية جمعاء، ولذلك نحن في الناصرة وحتى الحجّاج الذين يأتون إليها الآن في هذه الأيام من كل أصقاع العالم لزيارة مكان البشارة إن كان في كنيسة اللاتين أو في كنيسة الروم الأورثوذكس أو في الكنائس الأخرى، بالنسبة لهم هذا الحدث هو الحدث المركزي والمفصلي في تاريخ المدينة، وحقيقة استطاعت البعثات الاستكشافية منذ فترة طويلة من الزمن تحديد موقعين في الناصرة للبشارة، هنالك كنيسة الروم الأورثوذكس وهنالك اللاتين، اللاتين يعتقدون أن كنيسة البشارة الكبيرة التي في الناصرة، هناك المغارة التي كانت بها السيّدة مريم العذراء وهناك تمّت البشارة، أنت ترى خلال تجوّلك في المدينة اليوم أن هنالك آلاف السوّاح الحجّاج الذين يأتون إلى هذا المكان للصلاة فيه، لإضاءة الشموع، أو الذهاب في ما بعد إلى عين العذراء حيث نعتقد من الناحية الأخرى أنه في هذا المكان عين العذراء للروم الأورثوكذس هناك حصلت البشارة. الموقعان بالنسبة لنا كأهل مدينة وكذلك لزوّار المدينة هما موقعان مقدسان جداً لهما احترام كبير في الموروث الحضاري الديني لهذه المدينة، وجميع أبناء المدينة إن كانوا مسلمين أو مسيحيين من جميع الطوائف يجلّون ويحترمون ويقدّسون هذه الأماكن، ولذلك السائح أو الحاجّ الذي يأتي من خارج فلسطين ليزور مدينة الناصرة في هذه الأيام يشعر بمدى التواصل ما بين الإنسان النصراوي الذي يعيش في مدينة الناصرة إن كان مسلماً أو مسيحياً وبين هذه الأماكن، لأن هذه الأماكن تشكّل ليس فقط هوية عالمية للمسيحية ككل إنما كذلك نحن أبناء مدينة الناصرة نعتقد أن هذا يشكّل لنا هوية ثقافية وهوية حضارية وهذا مصدر اعتزاز لنا كثيراً، ولذلك أنت تسمع كثيراً من هؤلاء السوّاح أو الأجانب الذين يأتون إلى المدينة أن أهل الناصرة ما زالوا حتى اليوم يشكّلون ظاهرة فريدة في احترامهم لمدينتهم واحترامهم لتاريخهم ولموروثهم الحضاري الذي نعتزّ به ونفخر به أمام العالم كله حتى اليوم.

غسان الشامي: من الواضح أن أهل الناصرة يحبّون المدينة لأنكم دائماً تقولون "النصراويون"، هذه المدينة هي الآن وكما كانت سابقاً هي عاصمة الجليل، السيد المسيح قبل أن يُلقَّب المسيحيون، أن يُطلَق على المسيحيين هذا الإسم كان يقال الجليلي، ويقال الناصري، يوليانوس الجاحد الذي جحد المسيحية عندما أصيب بسهم رشقه عليه أحد المسيحيين أمسك بدمه ورشقه إلى السماء وقال له أيها الجليل "رث ملك السماء كما ورثت ملك الأرض". سيّدي هذه المدينة البشارة فيها معْلمين وأيضاً هناك مجموعة من المعالم الأخرى، هل هناك معلومات أركيولوجية صلبة حول هذه المعالم وأنت متخصّص في التاريخ دكتور يزبك؟   

محمود يزبك: نعم، نحن تحدّثنا قبل قليل عن المعالم الأركيولوجية في موقع كنيسة الروم الأورثوذكس وكذلك الحفريات الكثيرة التي تم إجراؤها في موقع كنيسة البشارة للاتين، وفي كلا الموقعين في كنيسة البشارة هذه أو تلك لدينا معروضات كثيرة تُعرض للزوار وخاصة في كنيسة اللاتين، كنيسة البشارة الكبيرة الهائلة الضخمة، هناك معرض دائم حول الكنيسة، في الساحات التي تحيط بالكنيسة، هذا المعرض الدائم للموجودات التي تمّ العثور عليها في فترات تاريخية مختلفة قبل فترة المسيحية وما بعد ظهور المسيحية في قرون مختلفة حتى القرنين الثالث عشر والرابع عشر. في هذه الأمكنة هنالك الكثير من هذه الموجودات ولكن كذلك في أماكن أخرى في المدينة هنالك عدّة مُغُر في المدينة، هذه المُغُر كانت تُستعمل كأماكن سُكنى في القرن الأول للميلاد وهذه المُغُر ما زالت حتى اليوم، هنالك عمليات استكشاف متواصلة لتاريخها ولموجوداتها ولكن في كل هذه المُغُر تم اكتشاف موجودات تدل على الحياة ونمط الحياة الذي كان في المدينة في تلك الفترة. أينما ذهبت في الناصرة في كل الأديرة التي تقع عليها الكنائس، في موقع كنيسة الروم الكاثوليك أو موقع كنيسة الموارنة القديمة، في الناصرة هناك كنيستان للموارنة إحداها قديمة تم بناؤها في القرن الثامن عشر وأخرى حديثة تم بناؤها قبل سنوات عديدة. في هذه المواقع القديمة داخل البلدة القديمة في الناصرة لأن الناصرة مكوّنة من نواة فيها البلدة القديمة وفيها كنيسة للاتين، كنيسة للروم الأورثوذكس، كنيسة للروم الكاثوليك وكنيسة للموارنة، هذه الكنائس الواحدة قرب الأخرى وفي وسط هذا المجموع هنالك المسجد الأبيض. الآن من يعرف هذه المواقع جميعها فجميع الحفريات التي تمت في هذه المناطق تشير إلى استمرار السكن في هذه المنطقة والحياة الدينية التي كان يمارسها سكان المدينة منذ بداية القرن الأول للميلاد وحتى سنوات متأخّرة جداً.

غسان الشامي: كل هذا والمدينة حتى اللحظة غير موضوعة على لائحة التراث العالمي، الملفت للنظر أن الأبحاث الأكاديمية قليلة عن الناصرة، ماذا يؤخّر وضع الناصرة على لائحة التراث العالمي دكتور يزبك؟ ولماذا الأبحاث الأكاديمية قليلة عن المدينة؟

محمود يزبك: هذه ملاحظة هامة جداً التي تفضّلت بها أستاذ غسان، ونتيجة لهذه الملاحظة ولمعرفتنا بهذه الملاحظة معرفة كاملة قامت بلدية الناصرة منذ سنة 2009 بعقد مؤتمرات دولية أكاديمية، وأنا كنت أرأس هذه المؤتمرات وأنظّمها لدعوة باحثين من مختلف أرجاء العالم للقدوم إلى مدينة الناصرة، وهذه المؤتمرات الأكاديمية تُموَّل تمويلاً كاملاً من قِبَل المجلس البلدي لمدينة الناصرة، ونتيجة لذلك قمنا بنشر كتابين وللأسف باللغة الإنكليزية حالياً نتيجة للمؤتمرات التي عُقدت، وهذان الكتابان يشمل كل واحد منهما حوالى 22 إلى 24 بحثاً أكاديمياً في نواحٍ مختلفة، الموروث الحضاري والأبحاث عن مدينة الناصرة، ولكن هذا طبعاً لا يكفي، وضعنا برنامجاً قبل عدّة سنوات لوضع خطة كاملة للوصول في مدينة الناصرة ووضعها على أجندة العمل في اليونسكو للحصول على اعتراف بموقعها الهام دينياً وتاريخياً، وفي مرحلة لاحقة بدأ العمل في هذا الاتجاه ولكن حصلت أمور هنا وهناك وتوقّف، ولكن أنا أرجو وآمل أن بلدية الناصرة الآن ستستعيد هذا الشيء وتستمر في المطالبة بمجموعة الأبحاث التي توصلنا إليها لأنه عُقد قبل سنتين المؤتمر الثالث لأبحاث الناصرة في مدينة الناصرة، والآن لدينا أكثر من 50 بحثاً أكاديمياً خلال أقل من عشر سنوات تم نشرها في ثلاثة كتب، وهذه الكتب كانت موجّهة منذ البداية لليونسكو من أجل إثبات أهمية الناصرة أكاديمياً وتاريخياً بأبحاث أكاديمية شارك فيها محاضرون من كل أرجاء العالم.  

غسان الشامي: أريد أن أسألك عن واقع الناصرة بعد الفتح العربي.

محمود يزبك: عملياً الناصرة في القرن السابع للميلاد كانت قرية صغيرة عدد سكانها قليل، وحتى لا توجد لدينا إشارات بأنه كانت هنالك بيوت مبنية والإشارات تفيد في هذه الفترة أن معظم السكان، لا توجد لدينا إحصائية واضحة لكن توجد إشارات وأوصاف أنهم سكنوا في مُغُر المدينة، واستمرت المدينة بهذا الوضع، لا نستطيع القول في تلك الفترة مدينة إنما مكان السكنى استمر بهذا الوضع حتى الغزو الفرنجي الصليبي، وفي فترة الغزوات الفرنجية أخذت الناصرة مكانة جديدة وخاصة كنيسة اللاتين التي بدأ الاهتمام بترقية موقعها، لكن في ما بعد بعد انتهاء الغزوات الصليبية وطرد الفرنجة من فلسطين عملياً لم تعد هنالك أهمية لمدينة الناصرة حتى بداية الفتح العثماني.

غسان الشامي: دكتور يزبك قبل أن أقفز وأنا سأتكلّم معك وأنت متخصّص في العصر العثماني المتأخّر ولكن بعد الفترة الفرنجية الظاهر بيبرس دمّر مدينة الناصرة ودمّر الكنيستين وتمّ تهجير المسيحيين، آمل منك أن تعطيني وصفاً لواقع المدينة خلال الفترة المملوكية.

محمود يزبك: نعم الملاحظة التي تفضّلت بها، عملياً معظم سكان مدينة الناصرة خلال فترة الحكم الصليبي كان معظمهم من الفرنجة وليس من السكان المحليين أو الفلسطينيين المحليين، وعند انتهاء الاحتلال الفرنجي لفلسطين كانت هنالك استراتيجية للأيوبيين والمماليك في ما بعد بهدم كل مدن الساحل الفلسطيني السوري وكذلك بعض المدن في الداخل لكي لا يسمحوا بغزوة فرنجية جديدة، نتيجة لذلك عملياً تم إخلاء الكنائس وهدمها في مدينة الناصرة وبقيت الناصرة لأكثر من 300 عام تقريباً لا يسكنها إلا قلّة قليلة من الناس في بعض المُغُر هنا وهناك ليس أكثر من ذلك، وهذا ما ينقلنا إلى بداية الفترة العثمانية. المعلومات التي في أيدينا موثّقة توثيقاً كاملاً هي من بداية الفترة العثمانية من القرن السادس عشر، وهنالك إحصاء عثماني مع فتح المدينة يتحدّث بأنه لم يكن في المدينة أكثر من 34 عائلة كانت تسكن المُغُر حول الأماكن المقدّسة، ومن هذه ال 34 عائلة هنالك 20 عائلة مسلمة و14 عائلة مسيحية، هكذا كان الوضع في العام 1517 مع بداية الفتح العثماني.

غسان الشامي: نعم سيّدي سنتابع هذا التاريخ الغرائبي إذا جاز التعبير والتحوّلات التي حصلت فيه ولكن إذا سمحت لنا بعد الفاصل، أعزائي تابعونا بعد الفاصل والحديث عن مدينة البشارة الناصرة في ذلك الجليل الذي كان يسمّى جليل الأمم.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، دكتور محمود يزبك انتهينا إلى المكان الذي دخل إليه العثمانيون عام 1516 عندما دخلوا إلى بلاد الشام بعد معركة مرج دابق وقلت ما هو واقع مدينة الناصرة، ولكن هذه المدينة بقيت حتى العام 1620 عندما جاء فخر الدين المعني ومعه الرهبان الفرنسيسكان أعادوا إلى الناصرة الحضور المسيحي، ما دور الفرنسيسكان في الناصرة الحديثة؟

محمود يزبك: حقيقة فخر الدين المعني إذا أردت هو باني الناصرة الحديثة أو الجديدة، والرهبان الفرنسيسكان الذين أتوا بمعيّته سكنوا مباشرة في داخل ما يُعرف اليوم بكنيسة اللاتين في الناصرة وبالقرب من المغارة التي نعتقد أنها هي المغارة التي بُشرت بها السيّدة مريم العذراء، الرهبان الفرنسيسكان قاموا كذلك حوالى العام 1650 أو 1660 أي في منتصف القرن السابع عشر بترميم بعض المواقع التي يُعتقد أنها مواقع أثرية مسيحية ذات أهمية مثل موقع عين العذراء في الناصرة وهو موقع مجاور جداً لكنيسة الروم الأورثوذكس في الناصرة، وكذلك تمّ بناء أوّلي لكنيسة الروم الأورثوذكس في تلك الفترة ولكن ليس ككنيسة أورثوذكسية وإنما تمّ السيطرة عليها أو إدارتها من قبل الآباء الفرنسيسكان، وبالإضافة إلى ذلك الموقع المعروف في الناصرة اليوم ككنيسة الروم الكاثوليك في داخل البلدة القديمة، في داخل سوق المدينة القديمة الذي يعرفه أهل المدينة باسم "المجمع" والذي نعتقد أن السيّد المسيح كان يعطي فيه الدروس، كذلك قام الآباء الفرنسيسكان بترميم بعضه وجعله مكاناً يُستخدم للصلاة من قبل الآباء الفرنسيسكان، وهذه الأماكن عملياً تمّ إحياؤها إذا جاز التعبير ولكن تحت السيطرة الفرنسيسكانية، وأكثر من ذلك الآباء الفرنسيسكان كانت لهم علاقة جيدة مع حاكم المنطقة في تلك الفترة العثمانية بعد انتهاء فترة فخر الدين المعني، وكانوا يلتزمون بعض الأراضي المحيطة في مدينة الناصرة من أجل معيشتهم، هذا كان مصدر دخل لهم، الأراضي التي كانوا يلتزمونها في محيط مدينة الناصرة، واستمر هذا الوضع لحوالى مئة سنة تقريباً أي قرن من الزمن ، وقاموا كذلك ببناء أوّلي مقابل كنيسة اللاتين اليوم في الناصرة، أي أن أهالي مدينة الناصرة والزوّار حينما يأتون إلى كنيسة اللاتين بالقرب من هذه الكنيسة هناك بناية كبيرة تسمّى اليوم بناية "الكازانوفا البيت الجديد" ، ولكن في تلك الفترة أي في القرن السابع عشر تم بناء بعض الغرف الصغيرة مقابل الكنيسة من أجل أن يستخدمها زوّار المدينة، مَن يأتي إلى المدينة في تلك الفترة كنوع من فندق صغير واعتاش منه الآباء الفرنسيسكان حينما كانوا في هذه المنطقة حتى حوالى منتصف القرن عشر الثامن عشر.

غسان الشامي: بعد البحث والتدقيق التاريخي اتّضح أن العائلات المسيحية النصراوية الحالية هي إما قدمت من لبنان أي الناصرة الحديثة أو من حوران، كيف تفسّر هذه الظاهرة؟

محمود يزبك: هذه الظاهرة بدأت عملياً في القرن السابع عشر حينما كان الآباء الفرنسيسكان يحاولون إحياء المدينة، ولم يكن لدى الآباء الفرنسيسكان المقدرة العمرانية وإحياء المدينة لوحدهم، فلذلك البداية كانت أنه تمّ استقدام مجموعة من العائلات بأعداد صغيرة جاؤوا إلى الناصرة بدعوة من الآباء الفرنسيسكان، ولكن على الرغم من ذلك هذه العائلات المسيحية التي جاءت إلى الناصرة في تلك الفترة وسكنت في المدينة لم تستطع إحداث تغيير كبير في المدينة. العائلات المسيحية التي أتت إلى المدينة بعد ذلك في فترة الشيخ ظاهر العمر الزيداني التي سنتحدّث عنها الآن هي التي أحدثت تغييراً مجتمعياً اقتصادياً عمرانياً في المدينة ، فنشأت الناصرة كمدينة حاضرة هامة جداً في الجليل منذ تلك الفترة. إذا قمنا بتحديد التواريخ فعملياً القرن السابع عشر إذا أردنا أن نقول البدايات كانت والفضل في هذه البدايات للآباء الفرنسيسكان الذين استقدموا بعض العائلات المسيحية من منطقة لبنان أو من حوران ولكن بأعداد قليلة ، ولكن الطفرة الهائلة جداً، الكبيرة جداً حدثت حينما كان ظاهر العمر حاكماً لمدينة الناصرة وللجليل، هناك حصل تغيير كبير ليس فقط في الناصرة وإنما في الجليل ككل.

غسان الشامي: أرجو أن تصحّح لي إن كنت أخطئ في هذا البحث ولكن كي يعلم السادة المشاهدون وأعتقد أنهم لا في لبنان ولا في سوريا الكثير يعلمون ذلك أنه يُروى أن أولى العائلات التي جاءت إلى الناصرة من لبنان هي عائلة يمين المارونية تفرّعت منها 26 عائلة، وعائلة الخوري خليف الأورثوذكسية الحورانية تفرّعت منها 24 عائلة، هؤلاء النواة الأساسية التي بُنيت عليها المسيحية المعاصرة في الناصرة، المسلمون في الناصرة هل أتوا من داخل فلسطين أم أيضاً من لبنان وحوران؟

محمود يزبك: أولاً المعلومات التي ذكرتها هي معلومات متّفق عليها والكثير من أهل الناصرة يعرفون ذلك وقد أرّخها القسّ أسعد منصور في كتابه الشهير الذي نُشر عام 1924 "تاريخ الناصرة". في ما بعد بعد أن تم استقدام هذه العائلات التي تم ذكرها الآن أصبحت المدينة فيها قاعدة اقتصادية معينة لتستقدم كذلك عائلات مسلمة، ومعظم العائلات المسلمة التي جاءت هناك عائلة تسمّى أو الجد الأول هو البيطار وهذه العائلة بمعظمها جاءت من سهل حوران، وكانت هنالك علاقة اقتصادية كبيرة ما بين منطقة حوران والساحل الفلسطيني، وخلال تجوال العائلات الحورانية في منطقة الساحل الفلسطيني تعرّفت على الناصرة وهذه العائلة سكنت في الناصرة في ما كان يسمّى في تلك الفترة بالحيّ الشرقي الذي كان جزءاً من كنيسة اللاتين اليوم، المنطقة التي في داخل مدينة الناصرة تسمّى منطقة التيراسنطة حيث توجد مدرسة مبنية هناك، وكان هناك حيّ يسمّى الحيّ الشرقي وسكنت فيه العائلات الإسلامية في بداياتها، ومن العائلة الإسلامية البيطار تفرّعت عائلات كثيرة جداً، اليوم يُعتقد أن عدد الأفراد الذين ينتمون إلى الجد الأكبر البيطار أكثر من 30 ألفاً ومعظمهم يتجمّعون في منطقة تسمّى الحيّ الشرقي في مدينة الناصرة. هذه عملياً كانت البدايات وهذه البدايات بدأت تتحوّل مثلما قلت أنه مع فترة الشيخ ظاهر العمر الزيداني بدأت طفرة كبيرة جداً وتغيُّر هائل في وضع الناصرة العمراني والاقتصادي والاجتماعي والديني، والسبب في ذلك أن الشيخ ظاهر العمر الزيداني حاكم الجليل أراد عملياً أن يجعل مدينة الناصرة التي نسمّيها شرفة الجليل أو "برندة الجليل" لأن المدينة تشرف على منطقة مرج إبن عامر التي هي أكبر سهول فلسطين، وكما نعرف أن الشيخ ظاهر العمر الزيداني كان يعتمد اقتصادياً على زراعة القطن في فلسطين وتصديره إلى فرنسا. الناصرة لها موقع هام ولذلك الشيخ ظاهر العمر الزيداني قام باستقدام عائلات مسيحية كثيرة من لبنان ومن سوريا أي بلاد الشام وكذلك عائلات إسلامية لتسكن في الناصرة.     

غسان الشامي: وعائلات درزية أيضاً.

محمود يزبك: العائلات الدرزية ليست في الناصرة وإنما في مناطق أخرى من فلسطين، في منطقة الجليل كانت هناك عائلات درزية أراد أن يستفيد اقتصادياً منها وهذه العائلات عملياً بدأت ببناء مدينة الناصرة، ولذلك حينما تنظر إلى الناصرة منذ سنة 1750 وفي ما بعد بدأنا نرى أسواقاً في الناصرة والحدادين والنجّارين والنحّاسين إلى آخره، جميع هذه المهن كانت تقوم بها عائلات مسيحية ذات أصول لبنانية أو سورية دمشقية، وما زالت حتى اليوم علاقات القرابة ما بين عائلات الناصرة وإخوتهم وأبناء عمومتهم في لبنان أو في دمشق وفي الشام قائمة، وهنالك أحياناً إمكانية تزاور وحتى عام النكبة كانت هنالك إمكانية تزاوج ما بين أبناء العائلات النصراوية والبيروتية والدمشقية المسيحية وفي ما بعد المسلمة التي كانت أصولها من حوران، ولذلك في فترة الشيخ ظاهر العمر الزيداني حينما نقول نهضت المدينة أول ما فعله الشيخ ظاهر العمر الزيداني أنه أعطى تصريحاً لبناء أربع كنائس في المدينة أو لتجديد بناء أربع كنائس في المدينة، كنيسة اللاتين تم تجديد بناؤها بتصريح من الشيخ ظاهر العمر الزيداني، كنيسة الروم الأورثوذكس تم كذلك ترميمها والدفع من خزينة الدولة من الشيخ ظاهر العمر الزيداني، وكذلك كنيسة الموارنة التي أقيمت في داخل المدينة القديمة في داخل البلدة القديمة، وكذلك كنيسة الروم الكاثوليك التي تسمّى "المجمع"، هذه الكنائس الأربع تم إنشاؤها وبناؤها من جديد في فترة الشيخ ظاهر العمر الزيداني وبالإضافة في ما بعد إلى إقامة المسجد الأبيض الذي يتوسّط هذه الكنائس جميعها في مدينة الناصرة، فمن يأتي إلى الناصرة ويزور المدينة يرى أن هنالك مبنى بشكل دائري تقريباً يُحاط بالجبال من كل ناحية، هنالك أربع كنائس رئيسية وفي وسط هذا المكان يبرز الجامع الأبيض، ولذلك منذ البداية تخطيط المدينة إن أردنا استعمال مثل هذا المصطلح في القرن الثامن عشر هو تخطيط لتتجاور أبناء الطوائف المختلفة التي تسكن هذه المدينة وهذا التجاور جعلنا جميعاً نكون أبناء بلد واحد، والطائفة أو الديانة التي يتبع إليها هذا الفرد أو ذاك أو المذهب الذي يتبع إليه لم يكن له أهمية إنما التجاور كان أساس الحياة المشتركة في هذه المدينة، وفي ما بعد بعد فترة الشيخ ظاهر العمر الزيداني استمرت المدينة في النهوض.

غسان الشامي: دعنا في هذه الفترة، الواضح من كلامك أن الناصرة هي بلاد شامية بامتياز، كما قلنا في المقدّمة هي على مبعدة متقاربة من عواصم بلاد الشام الأربع. أريد أن أرجع إلى ظاهر العمر، هناك نهضة عمرانية كما قلت، هذه النهضة العمرانية قبل أن أنتقل إلى الفترة العثمانية المتأخّرة، مثلاً سرايا ظاهر العمر، بيوت الناصرة التراثية، هل لديها صفات مشتركة مع ما في بيروت ودمشق أم أنها نسيج وحده في التاريخ الفلسطيني؟

محمود يزبك: الناصرة هي جزء  لا يتجزّأ من بلاد الشام، من حضارة بلاد الشام، من ثقافة بلاد الشام، من العمران في بلاد الشام، فالهندسة النصراوية هي نفسها الهندسة التي تراها في بيروت القديمة، في دمشق، في صور، في صيدا، هي نفس الطريقة العمرانية ولا يختلف شيء ما في هذه المدينة، وحتى أن الكثير من البنّائين الذين بنوا بيوت الناصرة وبيوتاً أخرى في فلسطين وليس حكراً على الناصرة فقط، فلسطين هي القلب إن أردت من بلاد الشام ولذلك أنت تجد أن كل ما هو موجود في بلاد الشام حتى هذا اليوم ينعكس انعكاسا كاملاً في مدينة الناصرة، وإذا ذكرنا سرايا الشيخ ظاهر العمر الزيداني هي عملياً من الناحية الهندسية المعمارية وتم البحث في هذا الموضوع ووجد الباحثون أن طريقة البناء المعقودة، العقد وكيف تتم هندسة هذا العقد هو بالضبط مثلما نرى في الأحياء القديمة في دمشق ومثلما رأينا في صور وفي صيدا وفي بيروت كذلك، ولذلك هذا البناء إذا أخذت السرايا كمثال واحد هو يدلّ على هذا التشابك الحضاري الثقافي ما بين بلاد الشام بكل مركباتها، وفي ما بعد البيوت التي تم إنشاؤها التي لها البرندة الخارجية والثلاثة أعمدة التي تطل على البرندة، البيت الذي يسمّى بيت الليوان هو عملياً نفسه البيت الموجود في كل أحياء بيروت القديمة، في كل أحياء بلاد الشام، في دمشق وفي كل مدن الساحل الفلسطيني والداخل الشامي أي بلاد الشام، ولذلك الناصرة حتى اليوم إذا أكلنا وشربنا فنحن نأكل ونشرب مثلما يأكل ويشرب أهالي بلاد الشام، لا شي يفرّقنا، تبّولتنا النصراوية هي نفسها التبولة البيروتية، الكبّة النصراوية هي نفسها الكبّة الشامية، وإذا أخذنا الحمّص والفول والفلافل فهذه كلها، حتى في الموروث الاستهلاكي.

غسان الشامي: نحن معزومون عندكم.

محمود يزبك: أهلاً وسهلاً بك في بلدك، هذه بلد لكل أهل الشام وهي وردة بلاد الشام إن أردت، ولذلك نحن في الناصرة حتى هذا اليوم في القرن الواحد والعشرين ما زلنا نشير إلى أنفسنا بأننا جزء لا يتجزّأ من حضارة وثقافة بلاد الشام. الحدود الموجودة الآن لونها أحمر وأزرق وأخضر لا تعنينا بشيء بل يعنينا الفكر والارتباط الفكري بأبناء شعبنا وأبناء حضارتنا وثقافتنا، نحن شاميّون بالمعنى الأوسع والأشمل لهذه الكلمة، ولذلك حينما نتحدّث عن المسيحيين الذين قدموا إلى الناصرة هم قدموا كشاميين واستمروا بهذا العطاء حتى هذا اليوم.   

غسان الشامي: أنا أريد أن أدخل إلى اختصاصك الذي تحب، أريد أن أتكلّم عن الحياة الاجتماعية للنصراويين خلال القرن التاسع عشر أو لنقل خلال الفترة العثمانية المتأخّرة وأريد منك أن تخبر الناس كيف نجت الناصرة في أحداث 1860 التي طالت جبل لبنان ودمشق، طالت هذين القسمين الكبيرين من المشرق وبلاد الشام.

محمود يزبك: نعم، هذا الحدث الكبير الذي حدث في دمشق وفي أجزاء كبيرة من بلاد الشام في تلك الفترة في منتصف القرن التاسع عشر 1860 نتيجة لتدخّلات أجنبية عملياً في الوضع الداخلي لبلاد الشام. نحن في فلسطين وليس فقط في الناصرة لم نتأثّر به بأيّ شكل من الأشكال، كانت هنالك محاولات عدّة لأطراف أجنبية وأنا كتبت عن ذلك بشكل واضح في أبحاثي الأكاديمية.  

غسان الشامي: نعم أعلم ذلك 1860. 

محمود يزبك: أنه كان هناك تدخّل من قِبَل القنصل الفرنسي أن يأتي إلى الناصرة ويحاول هذا القنصل أن يقوم باشتباكات بين أبناء المذاهب والطوائف المختلفة. لدينا قصة شهيرة جداً لشيخ الناصرة في تلك الفترة وكانا شخصين، الشيخ أمين الفاهوم من ناحية والشيخ قعوار من الناحية الأخرى، وكان في تلك الفترة عقيل آغا الحاسي الذي استقدمه القنصل الفرنسي إلى الناصرة وكأنه يؤدّي حماية للطائفة المسيحية فتقدّم إليه الشخص أمين الفاهوم وهو شيخ المسلمين في الناصرة وقال له يا أستاذ قعوار يا حبيبنا يا أخانا كيف تقبل لنفسك أن تكون أنت إبن بلدي تحت حماية شخص خارج المدينة، فقام أهل الناصرة وهذه قصة تُروى ومسجّلة في كل كتب التاريخ، قام الشيخ أمين والشيخ طنوس قعوار بجرح أيديهما ووضع الدم الفلسطيني المسيحي والمسلم الواحد فوق الآخر ليختلط هذا الدم، وقال له لن يدافع عن بلدنا إلا نحن ولن نقبل بأيّ طرف أجنبي أن يدخل إلى هذا البلد، وهكذا وقف أبناء الطائفة المسيحية والمسلمون في المدينة، دمهم اختلط ببعضه البعض وهذا الاختلاط في الدم جعلهم يقفون سدّاً منيعاً أمام أية محاولة لاختراق هذا السد. أريد أن أقول من هنا فقط بين هلالين هذا الاختلاط بالدم المسيحي الإسلامي في العام 1860 استمر كأخوّة في هذه المدينة في عام النكبة، ولذلك في عام النكبة نجت الناصرة من مخالب الصهيونية بسبب هذه الشراكة التي تم وضع أسسها في العام 1860، هذا الدم المختلط ما بين المسيحي والمسلم في الناصرة منذ تلك الفترة هو مَن يحمي ويقف سدّاً منيعاً أمام أية محاولة لاختراق الوحدة الوطنية لأهل مدينة الناصرة. هذه قصة نحن نرويها بعزّة وباعتزاز أمام أبناء مجتمعنا في كل بلاد الشام وفي كل العالم.  

غسان الشامي: ونحن نعتزّ بها، بقي لي أقل من دقيقتين وهذا الوقت ولكن أريد أن أسألك عن الفرق بين الناصرة قبل الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 والآن سكانياً، ديموغرافياً، دينياً إلى ما هنالك بأقل قدر من الوقت إذا سمحت دكتور يزبك.

محمود يزبك: عملياً في العام 1948  لم يتعدَّ عدد سكان الناصرة ال 20 ألف نسمة وكان حوالى 60% من سكان الناصرة في تلك الفترة من الطوائف المسيحية، ولكن بعد النكبة كثير من سكان القرى المجاورة التي طُردوا منها التجأوا إلى مدينة الناصرة ومعظم هؤلاء الذين هُجّروا من أراضيهم ومن قراهم وجاؤوا إلى الناصرة كانوا من الطائفة الإسلامية، ولذلك انقلب ميزان الطوائف في الناصرة ومعظم هؤلاء الذين قدموا إلى الناصرة تم استقدامهم واستقبالهم في أديرة مدينة الناصرة للحفاظ عليهم، وبعد ذلك الآن مدينة الناصرة استطاعت أن تتوسّع وأن يصبح هنالك مجتمع حيّ اقتصادياً، ثقافياً واجتماعياً واليوم عدد سكان الناصرة حوالى 80 ألف منهم حوالى 60% من المسلمين و40% من المسيحيين، ولكن أنت حينما تزور المدينة لا تستطيع أن تقول أن هنا مسيحياً وهناك مسلم لأن أحياء المدينة متشابكة مع بعضها البعض، في نفس البناية يسكن المسلم والمسيحي، لا يوجد لدينا مثل ما يوجد في أماكن أخرى وكأن هنالك فصل ما بين طائفة وأخرى.                                 

غسان الشامي: أنا أريد أن أشكرك وأحيّيك وفي الواقع أنت ما تقوم به أكاديمياً وعملياً عمل تُشكر عليه. أعزائي هي الجغرافيا إذاً وهي الديموغرافيا وهو التاريخ الواحد والإرث الحضاري المشترك الذي يحاول الإسرائيلي تفتيته، الإسرائيلي الذي عمد إلى تسوير التجمّعات الفلسطينية وترييف الحياة والعلاقات في فلسطين التاريخية، هل يمكننا كتابة تاريخ حقيقي ومستقبلي؟ هذا ما يجب على النخب الوطنية فعله. شكراً للبروفيسور محمود يزبك على حضوره في أجراس المشرق، الشكر لزملائي الأعزاء في البرنامج والميادين على مشاركتي قرع هذه الأجراس، الشكر موصول لكم على المتابعة، أيامكم بشارة من أرض البشارة، سلام عليكم وسلام لكم.