أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

واقع المسيحيين في الجليل وشمال فلسطين

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، كثيرون لا يعرفون الواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي والديني والتحوّلات التي حصلت للفلسطينيين ضمن الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948، ولا يعرفون بالطبع واقع المسيحيين وإرثهم وتاريخهم والإنزياحات الديموغرافية التي حصلت في هذه المنطقة الفلسطينية، لا بل إن الكثيرين في العالم العربي كوّنوا صورة خاطئة أو مغلوطة عن الفلسطينيين تحت الاحتلال. لقد كانت هذه المنطقة خزّان حركات تحرّر وفي الوقت نفسه مكسراً حاولت إسرائيل ليّ عنق الذين بقوا وتذرير هويتهم وانتمائهم وترييف علاقاتهم، من هنا تأتي أهمية الحوار مع المؤرّخ والأكاديمي جوني منصور المولود في حيفا والذي تخصّص في تاريخ المشرق الحديث وله مؤلفات كثيرة في تاريخ الشرق الحديث وتاريخ الشعوب القديمة وتاريخ الكنعانيين أجداد الفلسطينيين وتاريخ حيفا والناصرة والرينة والمدينة الفلسطينية، وعن المسيحيين في فلسطين والاستيطان الصهيوني وغير ذلك الكثير، إضافة إلى العديد من الترجمات، أهلاً بك دكتور منصور ضيفاً عزيزاً في أجراس المشرق، سيّدي سنبدأ من المكان الذي سنذهب إليه هو الكنائس في الجليل في فلسطين التاريخية إذا سمحت وأنت ضليع ومطلع بهذا، لنبدأ بالكنيسة الكاثوليكية، حضورها، تاريخها، علاقاتها، ماذا قدّمت؟

جوني منصور: أسعد الله مساءك أستاذ غسان والمشاهدين الكرام، منطقة الجليل بوجه خاص تمتاز بفسيفساء اجتماعية ودينية متنوّعة ومتعدّدة ومتناغمة في ما بينها، وبالنسبة للمسيحيين في الجليل على وجه الخصوص فهم ينتمون إلى عدّة كنائس الكاثوليكية والأورثوذكسية والبروتستانتية. بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية فهي منتشرة في عدد كبير من مدن وقرى الجليل مثل الناصرة وحيفا وعكا وشفا عمرو، بالإضافة إلى قرى عديدة في المنطقة، وينتمي أبناء هذه الكنيسة إلى طوائف يتبعون لها غالبيتهم العظمى من الروم الملكيين الكاثوليك ولهم رئاسة روحية ممثلة برئيس أساقفة ومكان إقامته في مدينة حيفا، وهو مسؤول عن مناطق عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل، والطائفة الثانية هي الطائفة المارونية وهي أيضاً منتشرة في عدد من المدن والقرى، والطائفة الثالثة التي تنتمي للعائلة الكاثوليكية وهي الطائفة اللاتينية ومركزها الروحي في مدينة الناصرة بالإضافة إلى انتشار في عدد من المواقع في منطقة الجليل.    

غسان الشامي: أنا في الواقع أريد أن أبدأ بالروم الملكيين الكاثوليك، لنفصّل هذا الواقع، إنه واقع مسيحي موجود مثل أغلب الدول العربية موجود من الكل ولكن تاريخيته في فلسطين الواقع الكاثوليكي؟

جوني منصور: بالنسبة لكنيسة الروم الملكيين الكاثوليك فتاريخياً هي عملياً بدأت في الربع الأول من القرن الثامن عشر في لبنان وسوريا ثم انتشرت في مناطق شمالي فلسطين ثم شرقي نهر الأردن ، وبعدها إلى مصر والعراق وغيرها، بالإضافة إلى المهجر والشتات. ما يميّز هذه الكنيسة أنها في الأساس تنتمي إلى الكنيسة الأورثوذكسية وتسير وفقاً للترانيم والتراتيل والطقوس البيزنطية المعروفة في المنطقة، ولكن المشكلة المركزية كانت أن المجموعة التي اعترفت بسلطة ورئاسة البابوية في روما أي بسلطة البابا في الفاتيكان ناجم عن أولاً سرعة التبشير في تلك الفترة أي في القرن الثامن عشر وما بعده، ثانياً رغبة شرائح واسعة من أتباع هذه الكنيسة لأن يكونوا برئاسة روحية عربية وليست يونانية، وهذا ما يوضّح لنا أنه كان هناك صراع قوي جداً بين الرئاسات في تلك الفترة والرغبة القوية بأن تكون الرئاسة الروحية الدينية عربية. الأمر الثالث أن صلوات وطقوس هذه الكنيسة بغالبيتها العظمى هي باللغة العربية وهذا ما يؤكد انتماء أبنائها إلى العربية لغة والعربية حضارة وتاريخاً، وهذا الانتشار شهد في القرن الثامن عشر سرعة كبيرة في مناطق شمالي فلسطين وخصوصاً في فترة حكم الشيخ ظاهر العمر الزيداني الذي بسط نفوذه وسطوته على مناطق شاسعة من الجليل وحتى إلى مناطق في جنوب لبنان وصولاً إلى أطراف مدينة يافا والقدس في جنوب فلسطين.

غسان الشامي: نعم، والموارنة هل هم بالأصل أتوا من لبنان أم أن قسماً من الفلسطينيين باتوا موارنة منذ زمن؟

جوني منصور: معظم الموارنة الذين وصلوا إلى فلسطين عبر موجات من الهجرة والانتقال، ويجب هنا أن نشير وهذه ملاحظة هامة جداً أن بلاد الشام، أن سوريا الكبرى كانت مفتوحة على بعضها البعض ولم تكن هناك حدود لا سياسية ولا أمنية وما شابه ذلك، بمعنى أن الحواجز لم تكن موجودة، ولذلك التحرك البشري الإنساني كان سهلاً في ظل الحكم العثماني ثم حتى في ظل الحكم الانتدابي سواء كان الانتداب الفرنسي أو الانتداب البريطاني في هذه المنطقة. عائلات كثيرة من الموارنة وعلى وجه الخصوص من الموارنة من لبنان هاجرت إلى فلسطين خصوصاً ابتداءً من القرن السابع عشر، وأنا أشير هنا إلى فترة الأمير فخر الدين المعني الثاني، وانتشرت هذه العائلات في مدن مثل عكا والناصرة ويافا وبعضها استقر في قرى في شمال فلسطين وعلى وجه الخصوص في قرى مثل الجش وكفر برعم والمنصورة، ثم وصلت بعض العائلات إلى قرى ومواقع أخرى ولكن ليس دفعة واحدة، هذه ملاحظة في غاية الأهمية أن موجات الهجرة داخل النطاق السوري كانت على مراحل وذلك مرتبط بالظروف السياسية والاقتصادية وعلى وجه الخصوص الظروف الاقتصادية، كما نعلم بأن فلسطين أتاحت الفرص الكثيرة لتطوير القدرات الاقتصادية لكثير من المبادرات سواء كانت فردية أو جماعية، ومن المعلوم أن المجموعات الأقلية إما على المستوى الطائفي أو على المستوى العددي تبحث في أن تكون ضمن إطار مجموعة واحدة قريبة من بعضها البعض ، لأن ظروف حياتها وعاداتها وتقاليدها متشابهة بالرغم من انتمائها إلى الجسم الأكبر في المنقطة.

غسان الشامي: هنا أنت ذكرت اللاتين، هؤلاء جاؤوا مع الأمير فخر الدين أي الفرنسيسكان، ما موقع اللاتين في الجليل سيّدي؟

جوني منصور: نحن نعلم أن اللاتين هي عبارة عن مجموعة حديثة العهد، هم في غالبيتهم العظمى انتموا إلى الطوائف المسيحية الأخرى خصوصاً إلى الأورثوذكسية، وبفعل وتأثير الحركات التبشيرية بمستوياتها المختلفة سواء كانت مؤسّسات تعليمية مثل مدارس أو مؤسّسات خدمية مثل المستشفيات والمستوصفات استطاعت أن توفّر فرصاً إما للتعلّم أو للعمل، وبالتالي انتمى هؤلاء إلى الكنيسة اللاتينية من القرن التاسع عشر على وجه الخصوص، وازداد الأمر أكثر وأكثر جذباً لعائلات متنوّعة سواء كان في منطقة الناصرة أو منطقة عكا أو حيفا ويافا إلى الانتماء للكنيسة اللاتينية، وهكذا تشكلت هذه الكنيسة في القرن التاسع عشر بشكل زخم وكبير جداً وتم تعيين بطريركاً لاتينياً وكان بطريركاً أجنبياً وفي الغالب إيطالياً إلى أن تم تعيين أول بطريرك لاتيني عربي وهو البطريرك السابق ميشال صبّاح أطال الله في عمره.

غسان الشامي: نعم سيّدي والأورثوذكس؟ هل هم أيضاً في فلسطين، في الجليل؟

جوني منصور: هم المنبت والمنبع لأن المسيحية انتشرت أولاً في فلسطين وعلى وجه الخصوص وجدت لها أرضاً خصبة جداً في منطقة الجليل، ونحن نعلم أنه في النصّ الكتابي في الإنجيل بعد القيامة ظهر السيّد المسيح لتلاميذه كما يفيدنا النصّ مشيراً إليهم أنه سيلتقي بهم في الجليل، فالانطلاقة للتبشير انطلقت من الجليل بعد أن جمع تلاميذه ورسله في هذه المنطقة وبعثهم من هذه المنطقة إلى كل أصقاع الدنيا، لذلك البدايات للمسيحية كانت بدايات نستطيع أن نقول أورثوذكسية، وكما تشير وتفيدنا المصادر التاريخية بأنهم عُرفوا باسم الروم، واتخذوا الأورثوذكسية بمعنى أصحاب الإيمان القويم، ولذلك فالانتشار الأورثوذكسي هو في كافة أنحاء فلسطين وليس محصوراً في منطقة الجليل وإنما هو أيضاً انتشار موجود بكثافة، أنا أستطيع أن أقول بكثافة بالنسبة لأعداد أبناء هذه الكنيسة في مناطق الضفة الغربية على وجه الخصوص في مناطق بيت لحم، بيت ساحور، بيت جالا، رام الله وغيرها من القرى المحيطة بهذه المدن في مناطق الضفة الغربية، وفي الجليل الانتشار موجودة أسوة بباقي المركّبات للطوائف المسيحية.

غسان الشامي: البروتستانتية حديثة في الجليل، ما هو موقعها الآن دكتور منصور؟  

جوني منصور: هي طبعاً حديثة العهد بمعنى أنها ليست ذات جذور ضاربة في القرون السابقة ولكن أيضاً بفعل الحركات والمؤسّسات التبشيرية البريطانية والأميركية بوجه خاص، والتي أقامت لها مؤسّسات كما أشرت سابقاً تعليمية، خدمية متنوّعة مثل مستشفيات، مستوصفات، مكتبات وما شابه ذلك، استطاعت هذه الكنيسة وعلى وجه الخصوص الكنيسة الإنجيلية ثم كنائس أخرى مثل المعمدانية واللوثرية أن تجذب أعداداً من المسيحيين أتباع الكنائس الأخرى مثل الكنائس الأورثوذكسية واللاتينية وغيرها، فانتمى هؤلاء إلى الكنيسة البروتستانتية وازداد الأمر اتساعاً من حيث الأعداد في فترة الانتداب البريطاني لأن الكنيسة الأنجليكانية الإنجيلية تتبع كنيسة إنكلترا، وبالتالي الانتداب البريطاني رعى واهتم بزيادة أعداد المدارس وبناء عدد من الكنائس في عدد من المدن في فلسطين، وبالتالي ازداد العدد إلى عدة آلاف في فترة الانتداب علماً أن اليوم كل الكنيسة البروتستانتية في الشرق وهي تتبع لأسقف واحد مقيم في مدينة القدس يبلغ عددهم في الشرق الأوسط حوالى خمسة آلاف تابع للكنيسة البروتستانتية.   

غسان الشامي: نعم سيّدي هل يمكنني أن أسألك، هل من حضور أرمني في الجليل قوي وفاعل؟

جوني منصور: هو حضور دعني أقول متواضعاً ولكنه حضور إنساني قوي جداً منسجم مع النسيج الاجتماعي للمجتمع العربي الفلسطيني في فلسطين. نحن نعلم أن الأرمن تعرضوا لسلسلة من المذابح والمجازر في نهاية القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين وحتى خلال الحرب العالمية، أعداد هائلة من الأرمن تحركت من المناطق الأرمنية شرقي تركيا ومن تركيا أيضاً باتجاه حلب، بلاد الشام، باتجاه لبنان، ومَن لم يستقر في هذين البلدين العزيزين سوريا ولبنان تابع مسيرته باتجاه فلسطين. أعداد كثيرة من الأرمن وصلت إلى فلسطين، قسم منهم استقر في القدس بحكم وجود البطريركية الأرمنية الأورثوذكسية في القدس ولها مؤسّسات مثل مدارس ونواد وحركات كشفية ومستوصفات وما شابه ذلك، وبعضهم من استقر في الجليل مثل مدينة حيفا وعكا والناصرة ولكن على وجه الخصوص في مدينة حيفا استطاعوا أن يقيموا لهم رعيّة وكنيسة، وفي فترة الانتداب البريطاني كانت هذه الكنيسة أي الكنيسة الأرمنية نشيطة جداً من خلال النوادي الأرمنية وعلى وجه الخصوص الناديين هويتشمن وهومنتمن اللتين برزتا في العمل والنشاط ضمن الطائفة الأرمنية ولكن أيضاً ضمن إطار كما أشرت النسيج الاجتماعي المكوّن للشعب الفلسطيني.

غسان الشامي: في هذا المحور بعد هذه الجولة ما هي أعداد المسيحيين في فلسطين التاريخية؟ ما هي نسبتهم بالنسبة إلى المقيمين تحت الاحتلال الإسرائيلي؟

جوني منصور: عدد المسيحيين في كل فلسطين التاريخية يصل إلى قرابة 200 ألف أو أقل بقليل منهم حوالى 50 ألفاً في أراضي السلطة الفلسطينية أي في الضفة الغربية وقلّة في قطاع غزّة وعلى وجه الخصوص في مدينة غزّة. هناك حوالى 150 ألف مسيحي في فلسطين 48 منهم حوالى 20 إلى 25 ألف مسيحي غير عربي وهم من المهاجرين الروس والأوكرانيين والأثيوبيين الذين وصلوا إلى فلسطين 48 خلال موجات الهجرة الروسية في التسعينات وما بعدها، بمعنى آخر أن عدد المسيحيين العرب الفلسطينيين في فلسطين 48 هو تقريباً يترواح بين 130 ألف حتى 135 ألفاً معظمهم يتركز في شمال فلسطين أي في مدينة حيفا، الناصرة والقرى في الشمال، بمعنى آخر أن النسبة العامة للمسيحيين الفلسطينيين من التعداد السكاني الكلّي هو أقل من 2% من مجمل السكان الفلسطينيين أي ما يوازي أقل من 10% من مجمل العرب الفلسطينيين في حدود ال 48.

غسان الشامي: ما هو وضعهم بالنسبة لدولة الكيان الصهيوني؟

جوني منصور: إسرائيل كدولة لا تعترف بالانتماء القومي للمسيحيين ولا للمسلمين ولا للدروز العرب، بمعنى أنها تتعامل مع غير اليهود على أنهم غير يهود وليس على قاعدة انتمائهم القومي.

غسان الشامي: إنهم "جوييم".

جوني منصور: نعم هي الأغيار ولكن هذا بالمفهوم الديني، بالمفهوم المدني هي تتعامل مع غير اليهود بمفهوم ليس قومياً وإنما على قاعدة الطوائف. إذا عدنا إلى تصريح بلفور هناك اعتراف بأن اليهود هم شعب وهذا الشعب له أسس قومية، وفي نفس هذا التصريح هناك أيضاً اعتراف من قبل كاتب هذا التصريح وحكومته بأن هناك طوائف غير يهودية مقيمة في فلسطين، هذا التصريح لم يعترف بأن غير اليهود أي العرب الفلسطينيين هم أتباع قومية ولهم ميزات شعب، واستمر الانتداب بالتعامل مع غير اليهود على أنهم أقلية، الأغلبية تعاملت معهم كونهم أقلية وبأنهم ينتمون إلى طوائف. إسرائيل استمرت ولا تزال مستمرة في التعامل مع العرب الفلسطينيين على قاعدة الطوائف وليس على قاعدة الانتماء القومي، هذا يعني أنها تتعامل مع كل فئة ومع كل طائفة على حدة وليس بمجموع واحد، وهذا ما يؤكد بأن السياسة العامة لحكومات إسرائيل المتعاقبة مبنية ومؤسّسة على مبدأ التفكيك والتفكيك.

غسان الشامي: بأقل من دقيقة في هذا المحور دكتور منصور، حضورهم الاجتماعي في الجليل.

جوني منصور: هو حضور متميز وبارز من خلال التفاعل المجتمعي، أولاً المسيحيون لا يعيشون في معزل، هم يعيشون ضمن إطار مجتمعهم وامتدادهم العربي الفلسطيني بكامل أطيافه الدينية والمذهبية، هم جزء لا يتجزأ من انتمائهم إلى العروبة لغة وثقافة وحضارة وتراثاً وقضايا سياسية واجتماعية واقتصادية، لأنهم لا يعيشون بمعزل هم جزء فاعل من التركيبة الاجتماعية والتعليمية والتربوية والاقتصادية للمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل الفلسطيني وأيضاً في مناطق السلطة الفلسطينية.

غسان الشامي: سنتابع في المحور الثاني مجمل هذه المواضيع، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور جوني منصور من مدينة الناصرة عن وضع المسيحيين ضمن الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948، انتظرونا.   

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، نقدم لكم تقريراً عن مدينة عكا، هذه المدينة العظيمة على الساحل الشرقي للأبيض المتوسّط نعود بعدها إلى الحوار مع الدكتور جوني منصور عن المسيحية في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948.

تقرير:

أسّس الكنعانيون عكا على الساحل شمال غرب فلسطين في الألف الثالث قبل الميلاد وأُطلق عليها إسم عكر أي الرمل الحار، وكانت ميناءً لهم وباتت في العهدين الروماني والبيزنطي أهم مرافئ شرق المتوسّط.

خضعت لحكم الفراعنة والآشوريين والفرس وللإسكندر المقدوني والرومان وفتحها المسلمون عام 636، وخضعت للفرنجة ثم لصلاح الدين والمماليك والعثمانيين وصدّت نابليون بونابرت، واحتلها البريطانيون عام 1919 والصهاينة عام 1948.

يتبدّى في عكا فن العمارة الفاطمي والفرنجي والعثماني وعُرفت بصناعة الزجاج والأصبغة الأرجوانية الملوكية، وكانت مركز إشعاع فكري وثقافي خلال الاحتلالين العثماني والبريطاني يحاول الصهاينة إطفاءه، حيث باتت نسبة اليهود فيها أكثر من 67% والفلسطينيين نحو 34% بينهم 4% من المسيحيين.

بنى اليونانيون أسوار عكا الشهيرة وجدّدها الرومان وحصّنها الأمويون والعباسيون والطولونيون والفرنجة، وهي أهم كنوزها الأثرية التي ساهمت في إدراجها على لائحة التراث الإنساني، ومن أهم معالمها سوق الجزّار ويتألف من تسعة أبراج للمراقبة تضمّ مرابض مدفعية، وخان العمدان الذي بناه أحمد باشا الجزّار، والقلعة أو سجن عكا، وحدائق البهجة التي تضمّ ضريح مؤسّس الديانة البهائية، وفيها عدد من المساجد منها مسجد الجزّار والزيتوني الصادق وسنان باشا والميناء والرمل، وعدد من الكنائس منها كنيسة ودير الفرنسيسكان اللذان شُيّدا في عهد فخر الدين المعني، وكنيسة القديس يوحنا وكنيسة القديس جاورجيوس التي تعود إلى الفترة الفرنجية.   

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدداً، دكتور منصور أنا أعرف أنك كتبت كثيراً عن حيفا ولكن بما أننا قدمنا تقريراً عن مدينة عكا، ما هو واقع هذه المدينة الآن وما هي حال المسيحيين ودورهم فيها؟

جوني منصور: مدينة عكا تواجه في الفترة الأخيرة وأنا أقصد في العقود الثلاثة الأخيرة بالحد الأدنى موجة من تهويد المكان ليس فقط بعملية شراء البيوت والمحلات التجارية من قبل أفراد يهود ومن قبل شركات استثمارية إسرائيلية، وإنما أيضاً تشهد المدينة بعض التغيير من ناحية الحضور العربي الفلسطيني، وهذا بطبيعة الحال يترك أثراً كبيراً جداً على طابع المدينة وعلى واقع الحياة سواء كانت الاجتماعية أو الاقتصادية في المدينة. عمليات التضييق من حيث منع السكان من تطوير مصالحهم ومن حيث إتاحة المجال لهم بالترميم أو الإضافات من منطلق الادعاء أو الذرائع التي تنشرها السلطة المحلية والسلطة الحكومية بأن هذه مواقع تاريخية ويجب ألا تُمسّ بأية إضافة أو تغيير عليها، ونحن نعلم أنه حتى المدن التاريخية الأخرى في العالم وفي حوض المتوسّط على وجه الخصوص والتي تواجه حالات من تآكل في البنى المعمارية هناك عمليات لإعادة الترميم. في عكا عمليات الترميم محدودة جداً والتضييق كبير جداً على السكان العرب وذلك بهدف اقتلاعهم وترحيلهم إلى مواقع أخرى سواء كان داخل فلسطين التاريخية أو حتى إلى خارجها ، وبسط السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على هذه المدينة أسوة بما قامت به حكومات إسرائيل في مواقع أخرى سواء في يافا أو في حيفا أو في اللد أو الرملة وما يجري أيضاً في القدس، لذلك نلاحظ أن واقع المدينة هو في حال تغيُّر مستمر خاصة الشطر القديم من المدينة وهو المدينة في داخل الأسوار والتي يعود تاريخها إلى عدّة آلاف من السنوات، لذلك ما سنشاهده في السنوات المقبلة هو ليس فقط بيع في القطاع الخاص وإنما حتى بيع مواقع تاريخية. تصوّر أخي الأستاذ غسان بيع خان العمدان وهو موقع هام جداً يعود إلى الفترة العثمانية وله صبغة عامة وليس صبغة خاصة، وقد تم بيعه في السوق العام وتحويله إلى مواقع تجارية متنوّعة وعدم الاهتمام بالحفاظ على طابعه ووظيفته كجزء لا يتجزأ من شكل المدينة وجوهر المدينة كما بُنيت في أساسها. 

غسان الشامي: نعم، هذا بالنسبة إلى عكا، في المدن الرئيسية في حيفا، الناصرة، كما قلت اللد وغيرها، هذا الواقع المسيحي هل تراجع؟ هل العمران، هذه البيوت القديمة التي كانت للناس قد تم تهويدها بطريقة أو بأخرى دكتور منصور؟

جوني منصور: لو أخذنا على سبيل المثال لأن سؤالك في غاية الأهمية ويصبّ في ما يجري الآن في عدد من هذه المدن التي كانت مدناً عربية فلسطينية بأكملها، هناك حالات مثل اللد والرملة التي لم تكن فيها أية طائفة أو جالية يهودية، هناك مدن مثل حيفا على وجه الخصوص هناك عملية هدم لأجزاء كبيرة من أحياء عربية معروفة ومشهورة، وقد بثت قناة الميادين قبل قرابة الشهر تقريباً فيلماً وثائقياً عن حيّ وادي الصليب الذي تتم عملياً الآن فيه أعمال هدم للمباني والبيوت العربية الفلسطينية التي تعود إلى نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وتقام على الأراضي التي مُسحت المباني عليها، مبانٍ لا تمّت بأية صلة إلى الواقع العمراني والثقافي المحيط بها. هذه هي عملية طمس المعالم العربية الفلسطينية للمدينة العربية وإقامة مبانٍ حديثة، وبالتالي تأتي العملية الأخيرة وهي تغيير الإسم، عندما يُغيَّر الإسم ويُغيَّب تاريخ المكان ينتهي وجود المكان ويبقى هذا المكان فقط في ذاكرة الذين عاشوا فيه في حين أنه ليس قائماً وغير موجود بالنسبة للذين يعيشون الآن من الأجيال الصاعدة أو الذين سيولدون في المستقبل.

غسان الشامي: ولكن مهمة المؤرّخين أمثالكم وتعلم أننا نتابع معكم ومع الأصدقاء كثيراً، أنتم تكتبون عن هذه المدن، هذه مهمة تنشيط الذاكرة وتثبيت هذا الإرث وهذا الحق هل هي على عاتقكم كمجتمع أهلي أم على عاتق دولة فلسطين؟ ماذا يحصل في توثيق هذه الذاكرة دكتور منصور؟

جوني منصور: هناك بطبيعة الحال دور مهم جداً للمؤرّخين ليس فقط بكتابة النصّ التاريخي لأحداث جرت في الماضي وإنما نقل هذه الأحداث إلى الحاضر، إلى الجمهور المتلقّي، جمهور القرّاء، الجمهور المهتم بالواقع الذي نعيشه في فلسطين التاريخية وخاصة في فلسطين الداخل، فلسطين 48، والاهتمام بوضع المشاريع المستقبلية للحفاظ على هذا الموروث، وهو ليس محصوراً فقط بذاكرة تاريخية وإنما أن نعمل على كيفية الحفاظ على ما تبقّى من الموروث المادي الفلسطيني وأنا أقصد هنا المباني المعمارية التي تعب واجتهد أهلنا وأجدادنا بعرقهم ودمهم وجهدهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وما حصل في عام 1948 في عملية التطهير العرقي الكبيرة التي حصلت في ذلك العام أدّت ليس فقط إلى ترحيل وتهجير الفلسطينيين بل أيضاً إلى ترحيل جزء كبير جداً من حضارتهم المعمارية المادية الملموسة، لذلك نحن في صراع ليس فقط في المجال السياسي وإنما أيضاً صراع في ميدان الثقافة وكيفية الحفاظ على الموروث، والأهم من كل ذلك كيفية بناء الرواية الفلسطينية للأحداث التاريخية التي حصلت منذ أكثر من قرن من الزمان وحتى يومنا هذا.

غسان الشامي: تماماً، أريد أن أسألك ما التحوّلات التي حدثت في النسيج الاجتماعي الفلسطيني منذ عام 1948 حتى اليوم؟ وفي هذا السياق التحوّلات التي حصلت للحضور المسيحي في هذه المنطقة التي نحبها جميعاً.

جوني منصور: هي تحوّلات كثيرة وخطيرة جداً، ما حصل عام 1948 هو تمزيق وحدة النسيج الاجتماعي الفلسطيني ليس حصرياً في منطقة الجليل وإنما في كل أنحاء فلسطين. الشعب الفلسطيني الذي كان يعيش في حدود دعني أقول جغرافية معروفة تقريباً في عام 1948 تشتّت إلى عدّة مناطق سواء كان في الجوار أو في مواقع أخرى في العالم، حتى الفلسطينيين الذي يعيشون في داخل فلسطين أيضاً تفرّقوا وتمزّقوا وتشتّتوا وفقدوا آلاف الدونمات من أراضيهم وممتلكاتهم، وقسم منهم تحوّل إلى مهجّر في وطنه، بمعنى آخر لاجئ في وطنه، وهذا ترك أثراً كبيراً جداً على مجمل التوزيعة الجغرافية. هناك أقضية كاملة في فلسطين مُحيت قراها بالتمام، على سبيل المثال قضاء يافا لم تبقَ منه أية قرية من القرى التي وصلت إلى أكثر من 80 قرية، قضاء ما بين قضاءي الرملة وغزّة لم تبقَ هناك قرى بالكامل، مُحيت تماماً بفعل آلة الإبادة الإسرائيلية التي استُخدمت في العام 1948 وما تلى ذلك. عدد من القرى التي عاش فيها المسيحيون سواء كانت قرى ومواقع مختلطة بمعنى أنها كانت مكوّنة من النسيج الاجتماعي الفلسطيني المعروف من مسلميه ومسيحييه قد دُمّرت، وجد المسيحيون كإخوانهم المسلمين وجدوا أنفسهم لاجئين سواء كان في داخل فلسطين التاريخية أو أنهم أصبحوا لاجئين في لبنان وسوريا وشرق الأردن. هناك قرى مسيحية كاملة تم تدميرها في الجليل وتحويلها إلى أراض تابعة لمستعمرات إسرائيلية أُنشئت على أراضيها، أبناء هذه القرى تمزّقوا وتشتّتوا بين لبنان وسوريا والداخل الفلسطيني. من دون أدنى شك أن ذلك قد أثر تأثيراً كبيراً على تمزيق وحدة القرية الواحدة، البلدة الواحدة وتوزيع سكانها بين عدّة قرى وبالتالي إلى فقدان ما يوحّد بينها إلا في المناسبات، ونحن نعلم أن المناسبات هي محدودة بين الأفراح وبين الأتراح، لذلك ما حصل في عام 1948 هو أكبر بكثير من مجرّد تحويل أراضٍ إلى إسرائيل أو الإبقاء على أراضٍ تحت سلطة المملكة الأردنية الهاشمية أو تحت الإدارة العسكرية المصرية في قطاع غزّة ، وإنما الأصعب من كل ذلك هو تمزيق المبنى الاجتماعي، تفتيت المبنى الاجتماعي الفلسطيني سواء كان ذلك للشريحة المسلمة أو للشريحة المسيحية. الضرر والنكبة كانت على كل أبناء الشعب الفلسطيني بغضّ النظر عن انتماءاته الدينية وإنما انتماؤه لكونه شعباً واحداً.  

غسان الشامي: ولكن الهجرة الفلسطينية بعد 1948 والآن حالياً أنت قلت إن المسيحيين قد أصبحوا حوالى 2% في كل فلسطين و10% في الجليل، هل هناك هجرة فلسطينية بشكل عام ومسيحية بشكل خاص سيّدي؟   

جوني منصور: تيار الهجرة من منطقة الجليل كان على أشدّه بعد عام 1948 وأنا أستطيع أن أوضح بأن الهجرة كانت على نوعين: هجرة إلى الخارج بمعنى أنه في الخمسينات والستينات وفي ظل الحكم العسكري الذي فرضته حكومة إسرائيل على المواطنين الفلسطينيين في أراضي 48 ومنعهم من التحرّك والتنقل بحرية بهدف الضغط عليهم لحملهم على الرحيل. قسم من هؤلاء الذين لم يتمكنوا من البقاء بسبب هذه الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية قرّروا أن يهاجروا من فلسطين الداخل إلى الخارج، منهم مَن وصل حتى إلى لبنان وإلى سوريا ومنهم مَن هاجر إلى الغرب إلى أوروبا وإلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. نزيف الهجرة استمر خصوصاً في أوساط المسيحيين الذين لم تتمكّن أعداد كبيرة منهم من التأقلم مع التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووجدوا فرصاً للانتقال إلى مواقع أخرى في العالم، وأنا وجدت من خلال عدد من الأبحاث التي قمت بها وأيضاً مع زملاء لي بهذا الصدد أن هناك سبباً يعود إلى عام 1948 عندما تمزّقت العائلات الفلسطينية، وهنا استناداً إلى سؤالك عن العائلات المسيحية تمزّقت العائلات المسيحية، قسم منهم وجدوا أنفسهم في لبنان وقسم في سوريا وقسم في الأردن وقسم في أراضي الضفة الغربية، بقيت عائلات صغيرة جداً ولم تتمكّن هذه العائلات من أن تحافظ على وجودها بفعل الغربة التي عاشتها في وطنها ففضّلت أن تنتقل إلى خارج فلسطين. نزيف الهجرة استمر أكثر وأكثر بفعل التضييقات السياسية والاقتصادية الإسرائيلية بعدم توفّر فرص العمل، بعدم قبول عمّال وموظفين عرباً سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين في وظائف بذرائع أنها وظائف ذات صبغة أمنية أو عسكرية، ملاحقات ضد الفلسطينيين على مختلف انتماءاتهم الدينية لكونهم عرباً كانت أيضاً من العوامل المركزية لزيادة نزيف الهجرة إلى خارج فلسطين، لكن نشهد أستاذ غسان في العقدين الأخيرين نوعاً من الاستقرار، أنا أستطيع أن أقول نوعاً من الاستقرار لأن هناك تراجعاً لتيارات الهجرة وتتحوّل التيارات إلى هجرة داخلية، ماذا أقصد بالهجرة الداخلية؟ هناك بطبيعة الحال تحوّلات اقتصادية تحصل في الداخل الفلسطيني بفعل التطوّرات التكنولوجية الحاصلة في العالم.

غسان الشامي: دكتور جوني هذا ملفت للنظر لأن الهجرة المسيحية من المشرق هي كبيرة جداً ولكن ملفت للنظر تراجع الهجرة في العقدين الأخيرين في فلسطين.

جوني منصور: نعم، حقيقة ما يحصل أستاذ غسان في المشرق العربي، نحن نعلم أن هناك ثلاث أزمات مركزية في المشرق: الأزمة الأولى هي الحرب على العراق، الأزمة الثانية هي الحرب والعدوان على سوريا، الأزمة الثالثة مختلفة عن هاتين الأزمتين وهي الأزمة في منظومة العلاقات بالنسبة للأقباط في مصر. ما نشاهده ونلاحظه أنه بسبب الحروب في منطقة الشرق الأوسط هناك هجرة قوية جداً اضطرارية لا يختارها الإنسان وإنما تُفرض عليه سواء كان في العراق أو في سوريا بفعل الحرب الظالمة، الحرب السوداء، الحرب التكفيرية على الشعبين العراقي والسوري، شرائح كثيرة سواء كانت مسيحية أو مسلمة ، ولكن حركة أو تنظيم داعش على وجه الخصوص وجّه سهامه نحو التجمّعات المسيحية في العراق وفي سوريا فاضطرت شرائح كثيرة من المجتمع العربي السوري المسيحي والعربي العراقي المسيحي إلى ترك بلاده. الوضع في فلسطين التاريخية وعلى وجه الخصوص في فلسطين الداخل مختلف نوعاً ما، في العقدين الأخيرين الهجرة تراجعت بفعل أن هناك نوعاً من الاستقرار في هذا البلد وهو استقرار ليس له نفس طويل، قد تنقلب الأحوال وتتحوّل الظروف السياسية والأمنية إلى ظروف أخرى، في أية لحظة ممكن أن تتحوّل.

غسان الشامي: بقي لي دكتور جوني ثلاث دقائق، أريد أن أسألك سؤالين وبأقصى سرعة لأن لديّ الكثير من الأسئلة، ما المخاطر على الوجود المسيحي في فلسطين التاريخية؟ ما المخاطر على الوجود السكاني في فلسطين التاريخية؟ عمليات التهويد؟ عمليات الأسرَلة إلى ما هنالك؟ والسؤال الذي أريد أن أسألك عنه وهو يحتاج إلى مبحث خاص عن مجموعة من الناس موجودة في فلسطين وهم البهائيون، نبدأ بالمخاطر أولاً وننتقل إلى الثاني إذا سمحت.

جوني منصور: المخاطر المركزية موجودة في عدم توفير فرص عمل لعدد كبير من الشباب الذين امتلكوا ويمتلكون الشهادات في قطاعات مختلفة في الطبابة وفي الحقوق والهندسات على مختلف أنواعها، هؤلاء إن لم يجدوا فرصاً للعمل فإن باب الهجرة سيكون هو المفتوح على مصراعيه أمامهم، مَن لا يجد عملاً يريد أن يعيش ونحن نعيش في ظل مبدأ أساسي هو صراع البقاء ، فإذا لم تتوفر فرص العمل فإن باب الهجرة سيكون مفتوحاً أمام هؤلاء الشباب. الأمر الثاني ازدياد التطرّف الديني والسياسي في الداخل الفلسطيني نتيجة لاتّساع رقعة وانتشار اليمين الإسرائيلي المتطرّف على كافة أشكاله سواء كان اليمين الديني المتطرّف أو اليمين السياسي العلماني المتطرّف، وهذا يضغط على المجتمع العربي الفلسطيني لوضعه في معازل ومنعه من المساهمة ضمن إطار المساحة التي يجب أن يتحرك فيها الإنسان باعتباره مواطناً.

غسان الشامي: بقي لي دقيقة واحدة.

جوني منصور: يعني إسرائيل تتعامل مع الفلسطينيين في الحد الأدنى بصفة رسمية كمواطنين ولذلك هذا سيؤثّر تأثيراً كبيراً جداً في حال نجاح اليمين على كافة أشكاله في السيطرة وإحكام السيطرة على الأمر السياسي.

غسان الشامي: أقل من دقيقة، البهائيّون ما موقعهم؟ ما عددهم؟ ما دورهم؟

جوني منصور: عدد البهائيّين في إسرائيل هو عدد محدود جداً وهم متمركزون في مدينتين أساسيتين: في مدينة حيفا ويشكّلون النسبة الأعلى وفي مدينة عكا، لا يتجاوز عددهم أكثر من 200 بهائي منهم البهائيون القدامى أي الذين وصلوا مع مؤسّسي الديانة البهائية في نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والبهائيون الجُدُد الذين وصلوا من الدول الغربية، لهم مؤسّسات خاصة بهم، لهم عقارات ولهم مداخيل وهم مستقلون ولا يختلطون مع المجتمع المحلي، لهم معبد في مدينة حيفا وآخر في مدينة عكا وهو جزء لا يتجزأ من حدائق مفتوحة أمام الجمهور الواسع للزيارات وللاستفادة السياحية منها.              

غسان الشامي: أشكرك سيّدي، المعرفة قوّة، إنها السلاح الأكثر مضاءً لمجابهة الظلم والقهر والاحتلال ومقاربة المستقبل، ومقابل فعل التفتيت اليومي الذي تقوم به إسرائيل لا مناص من إظهار رد الفعل الجمعي عبر إظهار المشترك من التاريخ. شكراً للدكتور جوني منصور على حضوره في أجراس المشرق، لزملائي الأعزاء في البرنامج والميادين الذين يقرعون معي هذه الأجراس، لكم أينما كنتم كل المحبة، سلام عليكم وسلام لكم.