أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

آثار الأردن على لائحة التراث العالمي

الآثار في الأردن، ماذا وضع منها على لائحة التراث العالمي؟ وضعها والتنقيبات... المستعمرات الزراعية الأولى... المدن العشر... الكنائس الأولى... والوحدة الحضارية مع فلسطين.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، يضم الأردن نحو عشرة آلاف موقع أثري منذ المرحلة النطوفية والقرى الزراعية الأولى، إضافة إلى بترا كمملكة لها صولة في تاريخ المشرق وصولاً إلى عدد من مدن الديكابولس الرومانية أو تحالف المدن العشر الممتدة من دمشق إلى عمّان والتي ورثتها البيزنطية بكنائسها وفسيفسائها وحتى الآثار العائدة للعصر الأموي. الدكتور معاوية إبراهيم عالم آثار عصامي لا يزال يترك بصمته في الأردن وفلسطين والعالم، وُلِد في بلدة عصيرة الشمالية التابعة لنابلس عام 1940، تابع في عمّان ودرس التاريخ في دمشق وحاز الدكتوراه في علم الآثار واللغات الشرقية من جامعة برلين الحرة، ودرّس في الجامعة الأردنية وجامعات عالمية وأسس وأدار معهد الآثار في جامعة اليرموك، يمثّل الأدرن في لجنة التراث العالمي في اليونسكو وله أكثر من مئة بحث علمي وحائز على جوائز تقديرية عالمية، نحيّيك دكتور معاوية، نقول للمشاهدين إنك معنا من أريحا لأنك الآن في جامعة الاستقلال، سيّدي إذا بدأنا من العصر النطوفي، تل النطوف، تل غزال، تل الصوّان وغيرها من التلال الأثرية الموجودة في الأردن، ما هي صفاتها؟ ماذا قدّمت للإرث الحضاري العالمي؟

معاوية إبراهيم: حيّاك الله أستاذ غسان، أتشرّف بأن أكون معكم على قناة الميادين. تمتاز الأردن وفلسطين بكثافة كبيرة للمواقع الأثرية التي تمثّل جميع المراحل الزمنية منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى اليوم، وهناك بعثات أثرية تعمل في المنطقة منذ بداية القرن العشرين، وهناك تواصل حضاري وثيق بين ما يدور في الأردن وما يدور في فلسطين، لم تكن الأردن يوماً ما مفصولة عن فلسطين، وادي الأردن أو نهر الأردن لم يكن حداً فاصلاً إلا منذ عهد قريب.

غسان الشامي: نعم وبالنسبة للحضارة النطوفية؟  

معاوية إبراهيم: نعم، بالنسبة للحضارة النطوفية تُنسب إلى وادي نطوف إلى الشمال الغربي من مدينة القدس، وهي تمثّل البدايات الأولى لاستقرار الإنسان في المنطقة وتعود إلى 13 ألف سنة قبل الميلاد، ولكن بعد ذلك وُجدت مجموعة كبيرة من المواقع الأثرية التي تمثّل بداية استقرار الإنسان في المنطقة بما فيها تل السلطان الذي يقع على بُعد مئات الأمتار من جامعة الاستقلال، وتل السلطان هذا يمثّل أقدم مدينة عرفها الإنسان في التاريخ تعود إلى الألف التاسعة قبل الميلاد، مدينة محصّنة تعود إلى العصر الحجري الحديث، وقد وُجدت مواقع كثيرة في الأردن قد تفوق منطقة الشرق الأوسط بكاملها من أمثال موقع عين غزال إلى الشرق من عمّان والذي وُجدت فيه تماثيل آدمية تعود إلى أقدم التماثيل التي عرفتها البشرية، وهذه التماثيل معروضة في عدد من متاحف العالم بما فيها متحف الأردن ومتحف جامعة اليرموك ومتحف اللوڨر وغيرها. بإلاضافة إلى عين غزال هناك تل الصّوّان بجوار مدينة جرش الأثرية، وهناك أيضاً مجموعة من المواقع التي تحيط بمدينة البتراء النبطية مثل موقع بسطة وبيضا وبعجة، إضافة إلى مواقع أخرى في وادي عربة وفي البادية الأردنية وهذه تعود إلى الألف التاسعة قبل الميلاد.

غسان الشامي: دكتور هذه الحضارة النطوفية في الأردن كما قلت بدايتها في فلسطين، ما ارتباطها بالمواقع الأثرية النطوفية التي تحدّث عنها أيضاً جاك كوفان في البادية السورية، في شتال حيوك شمال سوريا الآن في الأناضول، هذه المواقع بماذا ترتبط ببعضها؟

معاوية إبراهيم: شتال حيوك وغوبكلي تبه ويبرود وكذلك تل مريبط في شمال سوريا تعود إلى فترة متأخّرة نسبياً عن الحضارة النطوفية، تعود إلى الألف التاسعة أو العاشرة قبل الميلاد، وهناك موقع متميّز لا مثيل له في أي مكان آخر في العالم إسمه "طبقة فحل"، هذا على بداية المرتفعات في وادي الأردن، في شرقي الأردن، وهذا الموقع ممثَّلة فيه حضارات تعود إلى نصف مليون سنة حتى الآن. وادي الأردن كان مغموراً بالمياه قبل حوالى مئة ألف سنة وكان الإنسان يقترب من الماء شيئاً فشيئاً، فهناك مجموعة من الطبقات التي تمثّل عصور ما قبل التاريخ وقد وُجدت فيه مكتشفات من الثقافة النطوفية التي تعود إلى حوالى 13 ألف سنة قبل الميلاد، ووُجد في هذا الموقع أقدم منجل في التاريخ مصنوع من عظم الحيوان وسلسلتان من الشرائح الصوّانية، هذا الموقع أيضاً سُكن في العصر الحجري الحديث حوالى الألف التاسعة قبل الميلاد وكذلك في الألف الخامسة والألف الرابعة والثالثة وهو مسكون حتى الآن. هناك بعثة أسترالية تعمل في هذا الموقع منذ أكثر من أربعين سنة ومعالم هذه الحضارة موجودة وقسم من المكتشفات معروض في متحف التراث الأردني في جامعة اليرموك.

غسان الشامي: نعم سيّدي هل من اهتمام بهذه الحضارة؟ نحن نرى أن الحضارات القديمة جداً من النادر لأحد أن يهتم بها إلا قليلاً، ذكرت على سبيل المثال موقع عين غزال، سمعت أنه تم تدمير جزء من هذا الموقع، ما الذي يحصل؟

معاوية إبراهيم: اكتشاف هذا الموقع كان بالصدفة عند شقّ طريق ما بين عمّان والزرقاء، والذي اكتشفه طلاب الآثار في جامعة اليرموك.

غسان الشامي: طلابك.

معاوية إبراهيم: نعم طلابي، وقامت جامعة اليرموك آنذاك بتشكيل بعثة للتنقيب في هذا الموقع بالاشتراك مع جامعة سان دييغو الأميركية، ومثّل جامعة اليرموك في ذلك الوقت زميل لنا إسمه الدكتور زيدان كفافي وهو الآن رئيس جامعة اليرموك وما زال يتابع العمل في هذا الموقع، وقد وُجد فيه أيضاً أقدم معبد عرفه التاريخ، وهناك أيضاً عادات وتقاليد مميزة لدفن الموتى في هذه الفترة إذ كانت الجماجم تُفصل عن جسم الإنسان وتُدفن في مكان مستقل، وبعض هذه الجماجم كانت تُجصَّص أو تُحنَّط إذا أردت ووُجدت عليها إشارات لدلالة على زيّ الشعر وزيّ الذقن وما إلى ذلك. هناك خمس جامعات في الأردن تخص هذا الحقل في دراساتها وهناك مجموعة كبيرة من الأخصائيين الأردنيين الذين يعملون في عصور ما قبل التاريخ.

غسان الشامي: نعم سيّدي إسمح لي أن أقفز على فترة عصر الحديد وعصر البرونز لأنه كما قلنا لدينا عشرة آلاف موقع أثري ولكن إذا انتقلنا إلى الفترة الرومانية التي تركت عمارة كبيرة في الأردن وسوريا، ما هي تبدياتها الحضارية، معابدها، حضورها في الأردن؟

معاوية إبراهيم: نعم كما أشرت جميع الحقب الزمنية ممثلة بشكل جيد بما في ذلك الحضارة الرومانية والحضارة البيزنطية منذ أن احتل الرومان هذه المنطقة، لكن كما تعلم بقيت إمارات عربية محلية كمملكة تدمر ومملكة الأنباط، مملكة الأنباط التي كانت تمتد من جنوب الأردن وجنوب فلسطين وتغطي شمال الجزيرة العربية، هذه الحضارات يجب إبرازها بشكل جيد ويجب ألا تغطيها ما يُعرف بالحضارة أو الثقافة الرومانية في المنطقة. هناك أيضاً مواقع كانت تحت سيطرة الرومان بما فيها المعروفة بالديكابولس أو المدن العشر التي شكّلت في ما بينها تحالفاً، وغالبية هذه المواقع أو المدن كانت موجودة في الأردن وفلسطين وجنوب سوريا وجنوب بلاد الشام بما في ذلك عمّان التي كان إسمها فيلادلفيا، وجرش جراسا، وأمّ قيس جدارا، وطبقة فحل بيلا وغيرها من المواقع، والثقافة البيزنطية عندما أُعلنت المسيحية كديانة رسمية في المنطقة هنا أصبحت هذه المرحلة تسمّى بالعصر البيزنطي. 

غسان الشامي: إذا بقينا دكتور معاوية قبل أن ننتقل إلى العصر البيزنطي، ذكرت بترا ولا يمكننا المرور عليها مروراً عابراً، هي واحدة من الحضارات التي ما تزال شاهدة وربما شهيدة لأنها كانت حضارة صغيرة في محيط إمبراطوري واسع. كيف تقدّم حضارة بترا في السياق التاريخي للمنطقة؟ وهل هي حضارة عربية صرف؟ ما علاقتها بالمحيط؟ لغتها هل هي لغة عربية أم أن اللغة العربية مأخوذة من الحرف النبطي كونك خبيراً في اللغات الشرقية أيضاً؟

معاوية إبراهيم: الأنباط كان لهم مملكة كبيرة وكان لهم ملوك وملكات، لهم أسماء عربية، وكتبوا أولاً بالخط الآرامي ومن ثم طوّروا الخط الآرامي ليشكّل مرحلة انتقالية ما بين الآرامية وبين العربية الدارجة.   

غسان الشامي: جميل.  

معاوية إبراهيم: ولهم أسماء عربية، وكما تعلم فقد سُجّلت البتراء كأول موقع نبطي على لائحة التراث العالمي، وهناك ثلاثة مواقع أخرى نبطية سُجّلت على لائحة التراث العالمي بما فيها موقع عبدة في جنوب فلسطين في منطقة النقب، وهناك أيضاً وادي رم وكذلك مدائن صالح في المملكة العربية السعودية، مدائن صالح تشكّل البتراء الصغيرة إذا أردت ولها العمارة إياها التي تنتشر في مدينة البتراء، لكن الفن النبطي تأثر بالثقافات الأخرى كاليونانية والرومانية وحتى المصرية، كان للأنباط معدة استطاعت أن تهضم كل هذه الثقافات لتنتج ثقافة متميزة تُعرف بالفن أو الثقافة النبطية، وكان للأنباط نفوذ امتد حتى جنوب الجزيرة العربية، حتى منطقة اليمن الآن، وُجدت كتابات ووُجد خزف نبطي في مواقع مثل الفاو وكذلك في مأرب وغيرها من المواقع. الثقافة البيزنطية أيضاً ممثلة بشكل متميز في المنطقة هنا، وهناك موقع آخر سُجّل على لائحة التراث العالمي من الفترة البيزنطية وهو موقع أمّ الرصاص إلى الجنوب من عمّان، وهذا الموقع يعود إلى بدايات الفترة البيزنطية، إلى القرن الخامس الميلادي ووُجدت فيه 14 كنيسة.

غسان الشامي: هذه الفترة البيزنطية دكتور معاوية أنت تعرف هي وريثة للفترة الرومانية ولكن أمّ الرصاص ما يلفت بها وأنا قرأت عنها عندما زارتها بعثة برنستون وهوارد كروسبي بتلر، والمجموعة التي أتت في نهايات القرن التاسع عشر، هي مجمّع كنسي فيه أول كنيسة كُتب تاريخ بنائها على ساكفها، تعود إلى 340 أو ما إلى ذلك قبل أن يكون هناك أية كنيسة في العالم، هذه المنطقة عندما دخلت عليها على  "Google Earth" وجدت أنها مهملة، بداية ماذا تحدّثنا عن أمّ الرصاص؟ وكيف يمكن الاعتناء بهذا الإرث الكبير والعظيم؟

معاوية إبراهيم: سيّدي أمّ الرصاص ليست مهملة في الحقيقة، أمّ الرصاص فيها مركز للزوار ومحمية بشكل جيد، وكُشف كما قلت حتى الآن عن 14 كنيسة منها واحدة ل"سان ستيفان" تُعتبر من أكبر الأرضيات الفسيفسائية من الفترة البيزنطية، ورُسمت على هذه الأرضيات لوحات تمثّل المراكز الحضارية المختلفة التي كانت موجودة في الشرق القديم في العهد البيزنطي، وما يميّز هذا المكان هو أن الرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم كان يقف في هذا المكان في رحلاته من مكة إلى دمشق، إلى بلاد الشام.

غسان الشامي: إلى بُصرى.

معاوية إبراهيم: إلى بُصرى ومناطق أخرى من بلاد الشام، وكان يتداول الرأي والأحاديث مع رهبان هذه الكنيسة. هذه الأفكار وهذا التبادل الفكري الحضاري ساهم أيضاً في تسجيل موقع أمّ الرصاص أو ميفعة هكذا تُسمّى قديماً على لائحة اليونسكو للتراث العالمي، ويستطيع الزوّار الآن زيارة كل هذه المعالم بشكل ميسّر أي أنه يمكن الوصول إليها مباشرة من عمّان أو عن طريق مأدبا إلى الجنوب من عمّان.   

غسان الشامي: ما دمنا وصلنا إلى مأدبا، في مأدبا كما نعلم جميعاً هناك مجموعة الفن الفسيفسائي الجميل وهو رمز للفسيفساء في جنوب بلاد الشام، بماذا يرتبط هذا الفن الفسيفسائي الجميل بالفسيفساء التي كانت في الوقت عينه في شمال سوريا؟ هل هي المدرسة نفسها أم مدرسة أخرى؟

معاوية إبراهيم: هي نفس المدرسة وأيضاً في مأدبا هناك كثافة في الكنائس البيزنطية، أرضياتها من الفسيفساء، وأشهر هذه الأرضيات هي في كنيسة سان جورج، الكنيسة الأورثوذكسية التي وُجدت فيها خارطة للشرق القديم تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وتتوسّط هذه الخارطة المناطق المقدّسة وفي مقدّمتها القدس بمعالمها وأسوارها، هذه من أهم المعالم الموجودة أصلاً في المنطقة وفي الشرق بشكل عام، ووُجدت فيها مجموعة كبيرة من الكنائس بما في ذلك كنيسة الرسل وكذلك هناك مجموعة أخرى من الكنائس في محيط مأدبا مثل جبل نيبو والمخيّط وماعين وغيرها. جبل نيبو هو المكان الذي اشتهر ويطل على وادي الأردن.

غسان الشامي: سنأتي إليه بعد الفاصل، سيّدي إسمح لنا أن نذهب إلى فاصل، أعزائي أيضاً انتظرونا بعد الفاصل في حوار مع الدكتور معاوية إبراهيم من أريحا في فلسطين.

المحور الثاني:  

غسان الشامي: تحيّة لكم، بما أننا مررنا على ما يُطلق عليه في علم الآثار المدن العشر أو الديكابولس وهي تمتد من دمشق إلى عمّان فيلادلفيا، تقرير عن المدن العشر ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور معاوية إبراهيم.

تقرير:

أرسى الامبراطور الروماني بومبيوس عام 63 قبل الميلاد حلفاً لمدن تمتد من دمشق إلى عمّان سُمّي "الديكابولس" أو المدن العشر، كانت شبيهة بقلاع حصينة في وجه الأنباط وعاصمتهم البتراء.

 يؤمّن الحلف مصالح الرومان العسكرية والتجارية في إقليم العربية أو الحورانية وهي سكيشوبولس أي بيسان الوحيدة على الطرف الغربي من نهر الأردن، بيلا أو طبقة فحل جنوب جسر المجامع، جادارا وهي أمّ قيس، هيبوس وهي خربة سوسة شرق طبريا، ديون جنوب إربد، أربيلا قرب أمّ قيس، جازارا وهي جرش، فيلادلفيا وهي عمّان، كاناثا وهي قنوات قرب السويداء إضافة إلى دمشق، وقد انضمّت إليها في ما بعد ثماني مدن أخرى.

تمتعت الديكابولس بمواقع استراتيجية مهمة وبُني معظمها على آثار قديمة لحضارات سابقة وكان لها استقلال ذاتي وعملتها الخاصة بها وتحصيناتها، وأسهمت في تثبيت الحكم الروماني وحماية طرق التجارة والإشراف على القرى المحيطة، وكان لكل مدينة مجلس شيوخ خاص بها ويتمّ منح حق اللجوء السياسي في ما بينها، وعُقدت اتفاقيات جمركية لتسهيل المرور.

تشابهت المدن العشر في مخططاتها الهندسية من أسوار وأبراج وبوّابات ومعابد ومسارح وشوارع ومناطق دينية وتجارية وسكنية وأنظمة ريٍّ وصرف صحي، وذُكرت ثلاث مرات في الأناجيل حيث تجوّل فيها السيّد المسيح وبقي الحلف قائماً حتى القرن الثاني الميلادي، وقد انتشرت الكنائس في مدنها خلال العهد البيزنطي كما انتشرت الفسيفساء في أرضياتها.

غسان الشامي: تحيّة لكم، دكتور معاوية إبراهيم أنت ساهمت في أن تضع الإرث في الأردن على لائحة التراث العالمي، ولكن ما لفتني أيضاً أن الاختيارات التي اختيرت لتكون على هذه اللائحة: بترا، قُصير عمرة، مأدبا، أمّ الرصاص، جبل نبّو، وادي رم، المغطس، المعايير أحياناً روحية وأحياناً أثرية، ما المعايير التي اعتُمدت؟ ولماذا هناك مدن أخرى هامة جداً في الأردن لم توضع بعد على لائحة التراث العالمي؟

معاوية إبراهيم: أستاذ غسان استكمالاً للحديث السابق تجدر الإشارة إلى أن هذه المواقع البيزنطية وخاصة الكنائس التي أشرنا إليها بقيت مزدهرة في العصر الأموي والعصر العباسي أي حتى القرن التاسع الميلادي بقيت هذه الكنائس فاعلة ويؤمّها المسيحيون في كل المناطق.  

غسان الشامي: في كل بلاد الشام كان يحصل هذا.  

معاوية إبراهيم: في كل بلاد الشام بالضبط، وعندما جاء الأمويون إلى بلاد الشام إضافة إلى العواصم والحواضر التي أسسوها كانت هناك مجموعة كبيرة من القصور والمعالم والحمّامات.

غسان الشامي: سآتي إلى الفترة الأموية ولكن كي أستكمل بحثنا وأستفيد منك بكل شيء، سألتك لماذا اختيار هذه المدن لتكون على لائحة التراث العالمي وغيرها لا؟

معاوية إبراهيم: طبعاً هناك معايير لليونسكو ولمركز التراث العالمي بالنسبة لتسجيل أي موقع أو أي معلم أو أي ممتلك على لائحة الترث العالمي، من أهم هذه المعايير هي القيمة الاستثنائية العالمية أي يجب أن تكون هناك قيمة استثنائية، وهناك تسعة أو عشرة معايير ستّة منها ثقافية وأربعة للمواقع الطبيعية، وإضافة إلى هذه المعايير يجب أن يكون الموقع محميّاً بشكل جيد، ويجب أن يكون مصاناً، ويجب ألا تكون هناك تعدّيات على الموقع. قد يكون هناك موقع في غاية الأهمية لكن هناك مشاكل تتعلق بالحفاظ على الموقع أو حتى على المناطق المتصلة بالموقع مباشرة، هناك تحفّظات على تسجيل مثل هذه المواقع على لائحة التراث العالمي، وهذا ينطبق على أماكن مثل جرش والموقع الذي أشرت إليه قبل قليل طبقة فحل وأمّ قيس في الشمال وغيرها من المواقع، وهذا طبعاً ينطبق على عدد كبير من المواقع في سوريا سواء كان في جنوب سوريا أو في شمالها، أي يجب أن تتحقق الشروط هذه جميعها حتى يتم تسجيل موقع على لائحة التراث العالمي، وحتى إذا سُجّل موقع من المواقع على اللائحة يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يجوز التعدّي على هذه المواقع أو خرق الاتفاقية كما نصت عليها في مركز التراث العالمي.  

غسان الشامي: أريد أن أسألك عن جبل نبّو، في الأردن يقولون نيبو، يأخذون الترجمة الإنكليزية، نبّو إله آشوري كما نعلم جميعاً، كيف تمّ التوثيق من مرور النبي موسى أثناء مجيئه إلى فلسطين عبر هذه المنطقة دكتور معاوية؟

معاوية إبراهيم: يا سيّدي هذه الرواية التوراتية بأن موسى جاء عبر سيناء وشقّ البحر الأحمر وجاء إلى شرق الأردن ومن ثم وقف على جبل نيبو وأطلّ على فلسطين ولكنه لم ينزل في وادي الأردن وتوفى هناك، هكذا تقول القصة التوراتية لكن أثرياً لا يوجد أي دليل على الإطلاق على صحة هذه الرواية.

غسان الشامي: وأنت لست من هواة المؤرّخين التوراتيين.  

معاوية إبراهيم: أنا لست من هواة التوراتيين.   

غسان الشامي: منذ وليام أولبرايت وحتى اللحظة.

معاوية إبراهيم: منذ وليام أولبرايت وحتى اللحظة، وأنا ناقشت عدداً من نظريات وليام أولبرايت وأثبت أن هذه ليست الروايات التي تنسجم مع الحقائق الأثرية وإنما هي لإثبات رواية وأسطورة موجودة في أذهان التوراتيين وفي ما بعد أذهان حتى الصهاينة الذين أرادوا إثبات حق تاريخي لليهود في المنطقة وليس البحث عن الحقائق كما هي. 

غسان الشامي: هذا يدفعني أيضاً لسؤالك لأن جبل نيبو والمغطس أيضاً حيث جرت عمادة السيّد المسيح على يد يوحنا المعمدان، هل من دلائل أركيولوجية على أن هذا المكان هو مكان عمادة السيّد المسيح؟

معاوية إبراهيم: توجد أدلة واضحة لكن ليست معاصرة لفترة السيّد المسيح وإنما بعد وفاة السيّد المسيح بثلاثة قرون، لكن الملفت للنظر أن هناك مجموعة من الكنائس ومجموعة من الكهوف التي كان يسكن فيها الرهبان والبرك والمعالم الأخرى والأرضيات الفسيفسائية التي تشير إلى هذا التقليد لتعميد السيّد المسيح في هذه المنطقة. المكان الذي نتواجد فيه هنا وهو أريحا توجد فيه حوالى 15 كنيسة وهي بجوار المغطس، والجدير بالإشارة أننا بجوار خربة قمران التي كانت فيها مجموعة الأثينيين من القرن الثاني قبل الميلاد حتى القرن الأول الميلادي.

غسان الشامي: وثائق قمران.

معاوية إبراهيم: نعم، وكان يوحنا المعمدان عضواً في هذه المجموعة، فأن يوجد هذا المكان بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الكنائس على ضفتي النهر الشرقية والغربية له دلائل كثيرة. أنا من هنا من هذا الشبّاك أطلّ على مجموعة من الأديرة التي توجد في الجبال وعلى أطراف الأودية التي تمتد إلى القرن الرابع الميلادي أي إلى الفترة البيزنطية المبكّرة. 

غسان الشامي: نعم، سيّدي الآن إسمح لي أن أذهب إلى الفترة الأموية في الأردن وفلسطين أيضاً، هناك تمّ تسجيل قُصير عمرة ونحن في إحدى الحلقات عملنا تقريراً عنه وهو ملفت للنظر حقيقة بالفريسكات أي اللوحات الجدارية التي تشبه جداريات الكنائس السابقة وهذا ملفت في الحال الإسلامية، هل يمكن أن نتكلم عن الحضور الإسلامي، عن القصور الأموية في الأردن وواقع قُصير عمرة إذا سمحت؟

معاوية إبراهيم: طبعاً كما تعلم هناك مجموعة من القصور في بادية الأردن وبادية الشام وكذلك هنا في وادي الأردن يوجد قصر هشام إبن عبد الملك والذي توجد فيه أكبر أرضية فسيفساء في العالم، أيضاً هي على بُعد مئتي متر من المكان الذي نتواجد فيه، وهناك موقع آخر إلى الشمال الغربي من بحيرة طبريا وهو خربة المنية حيث تقوم بعثة ألمانية الآن بالتنقيب في هذا الموقع. الفترة الأموية ممثّلة بشكل متميز في جميع أرجاء بلاد الشام كما تعلم ولكن ما يميّز قصر عمرة كما تفضلت هو اللوحات الجدارية التي تمثّل تاريخ المنطقة وكذلك الحياة اليومية والمهن التي كانت تُمارَس عند الأمويين في تلك المنطقة، ومثل ذلك توجد على الأرضيات الفسيفسائية في قصر هشام إبن عبد الملك في أريحا ما يُعرف أيضاً بخربة المفجر. العمارة الأموية والفن الأموي بشكل عام تأثر كثيراً بالفن البيزنطي نعم، لم يكن مغلقاً، بعض الجوانب الفنية هي امتداد للفن البيزنطي والفنون الأخرى المجاورة، وقُصير عمرة رغم صغر حجمه إلا أنه يتميز بعمارة تكاد تكون فريدة من نوعها وباللوحات الجدارية التي تمّت صيانتها الآن بشكل جيد، ويمكن لأي زائر أن يطّلع عليها بعد عمليات الحفاظ التي تمّت في هذا المكان. عمليات الصيانة والترميم في المواقع الأموية في الأردن تسير بشكل جيد وكذلك في فلسطين خاصة في قصر هشام الآن لكن مثلاً قصر المشتّى إلى الجنوب من عمّان وواجهته الأمامية موجودة في متحف بيرغامون في برلين منذ حوالى 115 عاماً أي سنة 1904 عندما جاء القيصر الألماني.

غسان الشامي: هذه التي أهداها السلطان العثماني.  

معاوية إبراهيم: للقيصر الألماني نعم، ومنذ ذلك الوقت وهي محفوظة في متحف بيرغامون في برلين لكن البعثات الألمانية التي توالت على هذا المكان قامت بأعمال صيانة وترميم، وهناك توجّه لإعادة هذه الواجهات الأمامية أو إعداد واجهة مماثلة ووضعها في المكان المخصّص لها. 

غسان الشامي: دكتور أنت قلت أن في الأردن خمس جامعات تدرّس علم الآثار وهو رقم هام جداً لأنه سنوياً من الممكن أن يتخرّج عدد جيّد من الطلاب، هل البعثات الأثرية أردنية أم أن هؤلاء الطلاب يتسرّبون إلى أماكن أخرى فيما نحن محتاجون للكشف عن آلاف المواقع في ظل أن المعطيات تقول أن هناك 80 بعثة أثرية تعمل في الأردن، أنت ماذا تقول؟

معاوية إبراهيم: المشكلة الكبيرة أستاذ غسان أن التطوّر العمراني الذي يحصل في كل منطقة من بلداننا ساهم بتهديد عدد كبير من المواقع الأثرية، وهناك حفريات كثيرة عرضية، أعطيك مثلاً نحن أعددنا وأقمنا مسحاً أثرياً لوادي الأردن وسجّلنا حوالى 250 موقعاً فقط على الضفة الشرقية من وادي الأردن، نسبة كبيرة من هذه المواقع اختفت وعدد كبير منها أيضاً مُهدّد بالخطر وبعضها مُهدّد بالزوال.

غسان الشامي: للأسف.  

معاوية إبراهيم: نحن بحاجة ماسّة إلى حفريات اضطرارية من أجل إنقاذ المواقع الأثرية وإلقاء الضوء على تاريخ وأهمية هذه المواقع، وهذا ينطبق أيضاً على كثير من المواقع في البلدان العربية الأخرى بما في ذلك الجمهورية العربية السورية. طبعاً في منطقة الفرات حصلت حفريات وبعثات أثرية كثيرة جاءت إلى المنطقة، ونتائج هذه البعثات غيّرت الوجه الحضاري للمنطقة بكاملها، وهذا ينطبق على مناطق أخرى في الشرق القديم بما في ذلك المملكة العربية السعودية واليمن ومنطقة الخليج العربي وما إلى ذلك. 

غسان الشامي: إسمح لي بما تبقّى من وقت سأستغلّ أنك الآن في فلسطين وأنت من الذين يعتبرون أن فلسطين والأردن وحدة حضارية واحدة، كيف تأخذ هذا الموضوع أو هذه الفكرة في منحاها الأركيولوجي؟ وهل هذه الوحدة الحضارية غير مرتبطة بجنوب سوريا أو بالجولان أو بشمال لبنان؟ أنت ماذا تقول؟   

معاوية إبراهيم: أنا أقول أن كل مناطق بلاد الشام لا توجد فيها فواصل طبيعية ولكن هناك نوع من التميّز ما بين فلسطين والأردن، أستطيع أن أقول إن الإنسان الذي كان يعيش هنا في أريحا قبل أكثر من عشرة آلاف سنة كان على علاقة وثيقة بالذي يعيش في عمّان أو في جرش في تلك الفترة وكذلك في طبقة فحل، فالتواصل الحضاري هناك كان قائماً والعلاقات كانت وثيقة. لم يسبق أن شكّل نهر الأردن فاصلاً أو عائقاً في التواصل ما بين الضفتين الغربية والشرقية إلا منذ عهد قريب، إلا منذ عهد الانتداب البريطاني ورسم الحدود التي أنت وأنا نعرفها جيداً التي هي حدود مصطنعة.

غسان الشامي: سيّدي بقي لي دقيقة واحدة، التنقيبات في الأردن ولبنان وفلسطين وسوريا تُظهر أنها كلها دولة مدينة، دول مدن، إلامَ تعزو ذلك؟

معاوية إبراهيم: هذا التقليد الحقيقة هو منذ منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد عندما بدأت المدن تتكوّن سواء في سوريا أو في لبنان أو في الأردن وفلسطين نشأت مدن مسوّرة محصّنة، هذه المدن كانت تشكّل دويلة بحد ذاتها ولهذا السبب أُطلق عليها إسم دويلات المدن، وبعد أكثر من ألفي سنة أصبحت دولة مقاطعات أو ممالك وكانت هذه الممالك أو الدويلات متأثّرة أو تخضع للنفوذ المصري الذي كان يسيطر على المنطقة منذ الألف الثانية قبل الميلاد. وُجدت مجموعة كبيرة من هذه المواقع وهناك مصادر تاريخية مهمة تشير إلى ذلك بما في ذلك الرسائل المعروفة برسائل تل العمارنة التي كُتبت بالخط المسماري وهي حوالى 400 رسالة والتي تمثّل المراسلات ما بين حكّام مصر الفراعنة وحكّام المدن الشامية بما في ذلك سوريا والأردن وفلسطين.                                                         

غسان الشامي: أنا للأسف انتهى لديّ الوقت دكتور، أنا أريد أن أشكرك، أتمنّى في المرة القادمة أن نتكلّم عن أريحا لأنها إحدى أهم المدن المأهولة في التاريخ وأقدمها. أعزائي رغم كل هذا الإرث المذهل لا نزال نتعامل مع التراث بخفّة أو كحكاية إحدى الجدّات، الغرب أخذ واستولى ولا يزال يستعير من منجزات مَن مرّوا على هذه البلاد فيما بعض الشعب يدمّر الآثار أو يبيعها أو يهرّبها ليبدو السؤال المحقّ هل نحن فعلاً ورثة مَن قدّموا هذه البدائع الحضارية؟ شكراً للدكتور معاوية إبراهيم لتلبية دعوة أجراس المشرق، نأمل أن نقابله كما قلت بعد بعض الوقت لنتكلم عن آثار فلسطين وأريحا أقدم مدن التاريخ، الشكر لزملائي الأعزاء في البرنامج وقناة الميادين، لكم، لكل من يشاهدنا، هذا إرث يرفع الرأس، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.