أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

المماليك

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، إذا عدنا إلى المعجم العربي فإننا نجد أن المملوك هو العبد وأن المماليك هم جنود مرتزقة غالبيتهم من الترك استُقدموا كأداة حرب ثم تغوّلوا فاستولوا على مصر والشام والحجاز بعد ضعف الدولة الأيوبية التي استعانت بهم فحكموا بين 1250 و 1517 حين أطاحهم ترك آخرون أي العثمانيون، وبهم بدأ عصر الانحطاط فعلياً، وبرغم أن البعض يحاول تلميعهم في محاربتهم للفرنجة لكنهم فعلاً هم من خارج السياق الاجتماعي للمنطقة، وساهموا في تفتيت قوامها الإنساني وفي انهيار العمران بحسب التعبير الإبن خلدوني. ما نسعى إليه في هذه الحلقة هو ما فعله المماليك مع المسيحيين في لبنان والمشرق، مع الأرمن في كيليكيا وفلسطين، في حلب وطرابلس وعكا وبعلبك ودمشق ومع بقية فئات المجتمع الأخرى، والدكتور أندريه نصّار تمكّن عبر أبحاثه الأكاديمية من متابعة هذا الملف الغني والشائك والإشكالي، نعرّفكم به قبل أن نحاوره.

تقرير:

وُلِد أندريه نصّار عام 1966، نال إجازة في التاريخ ودبلوماً في الدراسات العليا من الجامعة اللبنانية الفرع الثاني ثم دبلوماً آخر عن العامّة في دمشق المملوكية، وفي عام 2008 حصل على الدكتوراه من الجامعة نفسها عن رسالة بعنوان "نيابة حلب في العهد المملوكي".

عمل في الصحافة والتعليم وهو منذ عام 2010 أستاذ في الجامعة اللبنانية يدرّس تقنيات البحث التاريخي وتاريخ المماليك والفاطميين والأيوبيين والزنكانيين ومواد أخرى.

له العديد من المؤلفات منها: "أوضاع المسيحيين في دمشق وحلب في عهد المماليك"، و"الصراع بين مملكة كيليكيا الأرمنية والمماليك في عهد الملك هيثوم الأول ثم في عهد الملك ليفون الثاني وعهد هيثوم الثاني" و"بعلبك في العهد المملوكي من الولاية إلى النيابة"، وكذلك "دور البابوية في دعم مملكة كيليكيا الأرمنية" و"العلاقات بين مملكة كيليكيا الأرمنية والمماليك"، و"الأوقاف في بلاد الشام في العهد المملوكي"، و"العلاقات بين كيليكيا الأرمنية والزنكيين والأيوبيين"، و"نظرة ماريتي إلى فخر الدين الثاني"، و"لبنان على أقلام المستشرقين"، "متري المر فيلسوف الموسيقى" وغيرها.

شارك في مؤتمرات عديدة متخصّصة حول المماليك ولبنان والحضور اللبناني في العالم والتبادل الثقافي والاجتماعي بين الشرق والغرب، والشرق الأدنى في الحرب العالمية الثانية وغيرها، وهو عضو الجمعية التاريخية اللبنانية ويهتمّ بالتراث المسيحي في لبنان والعالم العربي، يتقن العربية والإنكليزية والفرنسية.

غسان الشامي: أهلاً بكم، أهلاً بك دكتور نصّار ضيفاً عزيزاً صديقي في هذا البرنامج، دكتور نصّار هل نبدأ بتوصيف واقع الاحتلال المملوكي للبنان والمناطق التي تمركزوا فيها؟

أندريه نصّار: إسمح لي بداية أن أتوجّه بالشكر لحضرتك على استضافتي في هذا البرنامج الشيّق، سنضع الإطار التاريخي والجغرافي في البداية كي نعطي فكرة للمشاهدين عمّا نتكلم ، لأن المماليك هم كما تفضلت في المقدّمة كانوا في مصر وبلاد الشام كمركز قوّة ووصلوا إلى الحجاز. الدولة المملوكية بدأت عام 1250 في مصر وفي بلاد الشام عام 1260، هذه السنوات العشر نُطلق عليها إسم عقد الاضطرابات والتحوّلات، لماذا عقد الاضطرابات والتحوّلات؟ في العام 1250 حين حقق المماليك الانتصار على لويس التاسع في مصر واستولوا على الحكم مع المعزّ أيبك ومن ثم مع السلطان قطز، في هذه الفترة أو الحقبة خلال عشر سنوات بدأ الغزو المغولي باتجاه بلاد الشام ووصل إلى بلاد الشام في العام 1260، دمشق وحلب كانت تحت حُكم الناصر يوسف حاكم حلب ولكن في ما بعد أمراء القيمورية الذين كانوا يسيطرون على دمشق سلّموه المدينة خوفاً من المماليك في مصر ولغايات سياسية في تلك الفترة. بدأ الغزو المغولي إذاً باتجاه بلاد الشام، الناصر يوسف كان شخصاً متردّداً، شخصية ضعيفة، لم يستطع أن يواجه الجحافل المغولية فاضطر أن يسحب جيشه وعائلته وأقرباءه، وطلب من حاكم حماة الأيوبي أن ينسحب إلى مصر فانسحب إلى مصر ودخل المغول بلاد الشام عام 1260. في هذا الوقت كان المماليك في مصر قد سيطروا على الحكم بعد مقتل المعز أيبك وبعد مقتل شجر الدر، كان الولي على العهد صغير السن، أملت الظروف الطارئة ولا سيما الغزو المغولي على تولية أحد من المماليك الحكم فعُزل الصبي وتولّى قطز الحكم في مصر، طلب من الناصر يوسف أن يتم التنسيق بينهما لمواجهة الغزو المغولي، الناصر يوسف خاف لأنه كان لا يثق بالمماليك في مصر ولا سيما أنه بين 1250 و 1260 كان يخوض صراعاً مع المماليك في مصر باعتبار أنه الأحقّ بتولّي الحكم ، كونه من الأسرة الأيوبية ونسيب الصالح نجم الدين أيوب الذي توفّى خلال الحملة الفرنسية مع لويس التاسع، فإذاً دخل المغول، وصلوا إلى فلسطين، إلى منطقة العريش وتوقفوا هناك، اضطر هولاكو لأسباب سياسية في بلاد فارس حيث كان ما يُسمّى الحكم المغولي الإلخاني أن ينسحب فانسحب معظم جيشه وترك ما بين 12 و 20 ألف مقاتل موزّعين من حلب إلى فلسطين.

غسان الشامي: انقضّ عليهم المماليك. 

أندريه نصّار: نعم فجأة، اختاورا المكان والزمان المناسبين وحقّقوا الانتصار في عين جالوت عام 1260، ومع انسحاب المغول أمام ضربات المماليك دخل المماليك بلاد الشام.

غسان الشامي: كل مدن بلاد الشام.

أندريه نصّار: على مراحل، كلا كان لا يزال لدينا الوجود الصليبي.

غسان الشامي: ولكن أقصد الداخلية.   

أندريه نصّار: أقصد قسماً من فلسطين، دمشق وحلب وحماة باستثناء المناطق الساحلية التي كانت تحت الحكم الفرنجي أو الصليبي. بعد الانتصار في عين جالوت الظاهر بيبرس الذي كان هو القائد الفعلي للمماليك انقضّ على قطز وقتله لأنه كان قد وعده بأن يولّيه نيابة حلب ولم يفِ بوعده فدبّر مؤامرة له وقتله.  

غسان الشامي: إذا دخلنا في مواضيع مَن قتل مَن لدى المماليك سنجد كثيراً ولكن ما دامك ذكرت الظاهر بيبرس حتى آخذ الوقت وأأتي إلى لبنان، الظاهر بيبرس عندما هاجمت قواته طرابلس في لبنان عام 1268 أيضاً هاجمت حدث الجبّة،  والسلطان قلاوون كان رجاله من التركمان أيضاً نهبوا وقتلوا وأيضاً ذبحوا في حدث الجبّة وقطعوا رؤوس أهالي حصرون سنة 1286، لماذا استهدف المماليك المسيحيين وهم في الجبال وليسوا في طرابلس؟

أندريه نصّار: هو كان يخاف من المساعدة المسيحية التي يمكن أن يقدّمها المسيحيون وإذا شئنا الموارنة المتمركزون في المناطق الجبلية، وهذه المناطق تشكّل خطراً على الوجود المملوكي لمهاجمة طرابلس، وهو كان قد مهّد لهذا الهجوم بإسقاط أنطاكيا لأن حاكم طرابلس كان في الوقت نفسه حاكم أنطاكيا، حتى يؤمّن ضعف طرابلس ويقطع الإمدادات من أنطاكيا سيطر على أنطاكيا في العام 1268 ومن ثم قرّر مهاجمة طرابلس لكنها كانت عصيّة عليه لأن الفرنجة والصليبيين كانت لديهم القوة الكافية فخاف هو أن يستفيد الموارنة في المناطق الجبلية لمساعدة الصيلبيين، وهكذا يُفقد الصليبيين قوة إضافية فشنّ حملاته على منطقة جبّة بشرّي وحدث العاصي ومن ثم مع السلطان قلاوون الذي طبّق السياسة نفسها لكي يتمكن من إسقاط طرابلس ونجح في مخطّطه وأسقطها في العام 1289. ما اكتُشف في المغاور في منطقة حدث الجبّة وحدث العاصي من قِبَل مستكشفي المغاور يدلّ على الفظائع التي ارتكبها المماليك بحق المسيحيين في تلك المنطقة بعدما حوصروا في المغاور مدة طويلة وانقطعت عنهم المؤن وسُدّت المغاور فكان مصيرهم القتل.

غسان الشامي: ولكن هل الموارنة فعلاً كانوا يدعمون الفرنجة؟ هل كان المماليك يعتبرون أن الفرنجة والموارنة والمسيحيين عموماً هم في خانة العدو الواحد؟

أندريه نصّار: طبعاً.

غسان الشامي: الموارنة كانوا يدعمون الفرنجة؟

أندريه نصّار: كان هناك تواصل، منذ البداية مع مجيء الصليبيين الموارنة ساعدوا الصليبيين وحتى الأرمن الذين سهّلوا مجيء الصليبيين باتجاه بلاد الشام، كانوا يشكّلون أدلّة لهم باتجاه مناطق بلاد الشام.

غسان الشامي: يعني كانوا أدلاء.   

أندريه نصّار: طبعاً ساعدوهم وكان هناك نوع من التقارب العائلي وحصل تزاوج بين الصليبيين والأرمن لأن الأرمن وجدوا في الصليبيين خشبة خلاص من الخطر السلجوقي الذي كان يحيط بمملكة كيليكيا سنتطرّق إليه في سياق الحلقة.  

غسان الشامي: هل قاوم المسيحيون المماليك؟

أندريه نصّار: مقاومة محدودة لأنهم لم يكونوا يمتلكون السلاح والعتاد اللازم، كانوا في مناطق صعبة ووعرة، كانت هذه المناطق تشكّل حاجزاً طبيعياً للمقاومة لكن وصول قلاوون إلى أعالي المناطق الشمالية يدل على أن المماليك تمكّنوا من اقتحام المناطق المسيحية وقضوا على عدد منهم في تلك الحملة.  

غسان الشامي: سيّدي هل هناك بعد أبحاثك التاريخية كما رأينا في سيرتك الذاتية حيث أنك لم تترك شيئاً عن الفترة المملوكية إلا وقمت به، هل هناك مثلاً معرفة نسبة المسيحيين في لبنان والمشرق، عددهم في تلك الفترة؟  

أندريه نصّار: صعبة، لا نملك إحصاءات، الإحصاءات بدأت مع الفتح العثماني في العام 1519 وكان هذا أول إحصاء رسمي ويعطي أرقاماً تقريبية.

غسان الشامي: كم يعطي أرقاماً؟

أندريه نصّار: لا توجد أرقام.

غسان الشامي: نسبة؟

أندريه نصّار: حسب المناطق، لا تنسى أنه عند دخول المماليك قسم كبير من الشيعة ومن المسيحيين تحوّلوا إلى المذهب السنّي خوفاً من الاضطهادات، وسنأتي على الحملات المملوكية على كسروان أكبر دليل.

غسان الشامي: هنري لامنس يقول إنه خلال الفترة المملوكية في انهيار العمران هبط عدد السكان كثيراً في المشرق وأصبح المشرق بكامله حوالى مليون ومئتي ألف نسمة، هل هذا الرقم دقيق؟

أندريه نصّار: لا توجد أعداد، في القرون الوسطى لا توجد لدينا معطيات دقيقة ولكن المسيحيين كانوا يشكّلون في بعض المناطق أقليات إنما في منطقة لبنان الشمالي كانت أعداهم كبيرة، وأكبر دليل أنه في ما بعد في القرن السادس عشر حينما بدأوا بالنزوح إلى جبل لبنان كانت النسبة الكبيرة منهم من تلك المناطق وكانوا يشكّلون الأكثرية.    

غسان الشامي: كيف كانت الحياة الاجتماعية للمسيحيين في العهد المملوكي؟

أندريه نصّار: المسيحيون في العهد المملوكي في البداية كان من الطبيعي أن يخضعوا لشروط أهل الذمّة، ككل العهود الإسلامية التي حكمت لبنان كان المسيحيون واليهود يخضعون لمبدأ أهل الذمّة، طبعاً في المناطق المسيحية في شمال لبنان كان للموارنة خصوصيتهم، يعيشون حياتهم الاجتماعية بعيداً عن الحكم المملوكي، كان هناك التزاوج العائلي، رابطة الدم، كانت لهم حياتهم الاجتماعية وكانوا يخضعون لسلطة البطريرك.

غسان الشامي: البطريرك هو القائد الروحي والسياسي. 

أندريه نصّار: إلى جانبه كان هناك ما يسمّى بالمقدّمين الذين كانوا حكّاماً مساعدين يخضعون للبطريرك ويُطلق عليهم لقب الشدياق الذي هو أدنى مرتبة في الّسلّم الكهنوتي، فكان لهم حياتهم الاجتماعية الخاصة. أستاذ غسان المعلومات عن تاريخ لبنان في القرون الوسطى وخاصة عن المسيحيين قليلة جداً، فالمسيحيون لا يُذكرون في المصادر إلا لماماً، إذا أردنا أن نتحدّث عن المصادر اللبنانية عن العصر المملوكي لدينا صالح بن يحيى في تاريخ بيروت الذي يؤرّخ لعائلته الدرزية، ومن ثم إبن سباط الذي أضاف معلومات على ما أورده صالح بن يحيى كونه توفّى في العام 1520، ومن ثم لدينا البطريرك الدويهي متأخّراً الذي توفّى في العام 1704. لدينا من المصادر"إنجيل رابولا" الذي دوّن عليه البطاركة على هامشه معلومات.

غسان الشامي: على هامشه لأن إنجيل رابولا أتى من زغبة في سوريا.

أندريه نصّار: لدينا نصوص وقفيات، هذه النصوص تعطينا فكرة عن الحياة الاجتماعية وأغلبها متعلّق بعمليات شراء وبيع الأراضي أو علاقة بالأديار التي كانت منتشرة بكثرة في لبنان الشمالي وخصوصاً في وادي قنّوبين المشهور بأدياره.

غسان الشامي: هل مارس المسيحيون التقيّة خلال الفترة المملوكية؟

أندريه نصّار: كلا لم يمارسوا التقيّة، كانوا يخضعون لشروط الذمّة، الدروز هم الذين مارسوا التقيّة وأكبر دليل كتاب صالح بن يحيى الذي لا ترد فيه أية كلمة للدرزية، وهو لا يذكر عن نفسه أنه درزي، وحتى الأسماء التي كان يتسمّى بها الدروز هي أسماء غير درزية، ليس لدينا معلومات، كلا لم يمارس الموارنة التقيّة وأكبر دليل أنهم دفعوا الثمن في معظم الأحيان. 

غسان الشامي: ما الضرائب التي كانت تُفرَض عليهم؟ هل كانت ضرائب تميّزهم عن الآخرين؟  

أندريه نصّار: هناك الضرائب التي كانت تسمّى الجزية حيث كانوا يدفعون الجزية ويدفعون الخراج، الخراج هي الضريبة على الأرض، الجزية هي الضريبة على الأعناق. طبعاً كان هناك استثناءات ولم يكن الجميع يدفعون الجزية، الرهبان والنساء والأطفال والمعاقون كانوا معفيّين من دفع الضريبة.  

غسان الشامي: ضريبة الأعناق.

أندريه نصّار: نعم، كان هناك ما يسمّى بالجوالي، الجالية، هذه ضريبة كان يدفعها أهل الذمّة فقط، يضاف إلى ذلك ما يسمّى بالضرائب غير الشرعية أو ما يُعرف المكوس.

غسان الشامي: المكوس يعني الجمارك.

أندريه نصّار: المكس نعم، هذه الضريبة غير شرعية كان يفرضها المماليك تبعاً لحاجاتهم أو لمتطلباتهم، وهذه الضرائب مذكورة في المصادر وفي النقوش في عدد من المساجد، مثلاً في حلب لدينا عدد كبير من النقوش المتعلقة بالمكوس، وهذه الضريبة كان الفقهاء المسلمون يعارضونها لأنهم يعتبرونها غير شرعية ومنهم حتى إبن تيمية الذي وضع مصنّفاً يتحدّث فيه عن عدم شرعية المكس.

غسان الشامي: الأوقاف.

أندريه نصّار: المسيحيون كان لديهم أوقاف.  

غسان الشامي: هل كانت كثيرة كما هي حالياً؟

أندريه نصّار: المعلومات التي لدينا تتعلق بمنطقة شمال لبنان حيث هناك بعض الأوقاف، طبعاً الأوقاف عند المسلمين كانت هي المسيطرة ولكن من خلال نصوص الوقفيات التي حصلنا عليها كان لديهم أوقافهم الخاصة بهم.

غسان الشامي: هل كان هناك مسيحيون في المدن التي كانت تسمّى "الثغور"؟

أندريه نصّار: طبعاً في طرابلس.

غسان الشامي: هل بقي هناك مسيحيون رغم الوجود المملوكي؟

أندريه نصّار: طبعاً ولكن كما قلت لك المعلومات قليلة ولكن الوجود المسيحي موجود، وأعطيك مثالاً الرحّالة دي فارتيما في طريقه باتجاه الشمال في العام 1509 أو 1511 حين مرّ في طرابلس نظر إلى المدينة فلم يرَ إلا المآذن نظراً لكثرة عدد المساجد فاعتبر أن المدينة هي إسلامية خالصة، لكن حينما بدأ القصّاد يفدون من روما لاستطلاع أوضاع المسيحيين تبيّن أن المسيحيين كانوا موجودين في طرابلس. في بيروت كانوا موجودين وتأكّد هذا الأمر مع الفرنسيسكان الذين كان لديهم مركز قصادة في بيروت، طبعاً كان هناك وجود مسيحي في كل المناطق، حتى في كرك نوح في البقاع لدينا من خلال نص وقفية السلطان الناصر حسن الذي أوقف كرك نوح لمدرسته في الرميلة في مصر، لدينا وجود مسيحي في منطقة كرك نوح.

غسان الشامي: سنتابع هذا الموضوع ولكن بعد الفاصل، سنذهب إلى فاصل سيّدي، انتظرونا أعزائي، بعد الفاصل سنتابع موضوع المماليك في المشرق وعلاقتهم مع المسيحيين وبقية الفئات.

المحور الثاني:  

غسان الشامي: تحية لكم، تقرير عن المدن خلال العهد المملوكي ثم نتابع الحوار مع الدكتور أندريه نصّار.

تقرير:

أسقط المماليك الملك الأشرف آخر حاكم أيوبي في مصر عام  1250 وأمسكوا بالقاهرة التي باتت عاصمتهم، وكانت مركزاً اقتصادياً وثقافياً أساسياً في ذلك  الوقت، وبعد انتصارهم على المغول في معركة عين جالوت في فلسطين عام 1260 تفرّغوا لمقاتلة الفرنجة والتوسّع في المشرق، فتساقطت حصونهم والمدن تباعاً من الكرك إلى القيصرية وصفد ويافا ثم عكا والقدس في فلسطين إلى صور وصيدا وبيروت وجبيل والبترون وطرابلس وصولاً إلى المرقب وقلعة الحصن وأنطاكيا وحماة وحلب ودمشق حتى المدن الكيليكية، حيث تتالت حروبهم مع الأرمن وعلى الداخل السوري، كما سيطروا على مكّة والحجاز.

يُعدّ الوجود المملوكي بداية لعصر الانحطاط، فبعدما كانت القاهرة ودمشق مركزين علميين في العصور الوسطى تراجع دورهما وساء الوضع الاقتصادي وتوقفت التجارة مع أوروبا وانتشرت الأوبئة، وفتك الطاعون بأكثر من مليون شخص وكثرت الفتن وانهار العمران في أنحاء كثيرة، لكن بعض سلاطينهم أسس مدارس وأنشأ مكتبات ومساجد منها المدرسة الناصرية ومدرسة قايتباي في القاهرة والمدرسة والمكتبة الظاهرية في دمشق والمدرسة القرطائية في طرابلس والجامع الأزهر ومسجد السلطان قلاوون، إضافة إلى بعض البيمارستانات أي المستشفيات من دون إضافة تُذكر على فنون العمارة السابقة، كما تنامى الاهتمام بتزيين المصاحف وتميُّز السجاد الدمشقي وتطوّرت صناعة الزجاج الملوّن حيث باتت المشكاة أي مصباح المسجد علامة مملوكية.  

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، دكتور أندريه نصّار استهدف المماليك الشيعة في كسروان في لبنان عام 1305. 

أندريه نصّار: وهناك حملتان قبل ذلك.  

غسان الشامي: وبنفس الوقت أصابوا ممّن بقي من المسيحيين مقتلاً، بمعنى أصبحت المنطقة أغلبها ملعب للتركمان. يقول أحد المطارنة أنه لم يبقَ غير دير مار شلّيطا في كل كسروان، أنا سؤالي لماذا استُهدف الشيعة؟

أندريه نصّار: الحملات على كسروان يدور حولها جدل كبير في تاريخ لبنان في القرون الوسطى كما كان يدور الجدل حول المردة والجراجمة وكم يدور الجدل حول ثورة المنيطرة، فالجدل حول كسروان لم يُحسم حتى اليوم.

غسان الشامي: ولكن يمكننا رسم ملامح.

أندريه نصّار: الحملات استهدفت الشيعة في كسروان في العام 692 وفي عامي 1300 و 1305، هذه الحملات الثلاث، هذه الحملات تعود في جذورها إلى العهد الأيوبي، كذلك استُهدف الشيعة في العام 1242، وهي حملات تأديبية بحق الشيعة لأنهم كانوا في نظر الحكّام يستهدفون سواء الأيوبيين أو المماليك ويتعرّضون لهم، الحملة الأولى في العام 691 - 692.

غسان الشامي: 691 -692 هجرية؟

أندريه نصّار: نعم 1291 - 1292 تأتي مباشرة بعد سقوط عكا مع الأشرف خليل الذي كان عنده الاندفاع وأراد أن يستكمل ما بدأه في عكا، واستكمل هذا المشروع بالانقضاض على ما يسمّى بقلعة الروم التي كان فيها الكاثوليكوس الأرمني على نهر الفرات، فإذاً هذه الحماسة أراد أن يكمل بها باعبتار أن الشيعة أو الجبليين أو الكسراونيين أو الجرديين حسب التسميات في المصادر هم دائماً خارجون عن الطاعة ويتعرّضون للمماليك. طبعاً الحملة الأولى بعض المؤرّخين يشك في حصولها كون أن القائد المملوكي ارتشى فلم تحقق الحملة غايتها، إلى أن جاءت الحملة الثانية في العام 1300 بعد هزيمة المماليك أمام المغول في إحدى المعارك، وخلال انسحابهم انقضّ عليهم الجبليون أو الجرديون وانتزعوا منهم أسلحتهم وثيابهم وخيولهم، ويُقال أنهم نسّقوا مع الصليبيين في قبرص وأقيم سوق على نهر الكلب خلال 20 يوماً باعوا فيه المماليك والعتاد للصليبيين في قبرص.

غسان الشامي: يعني كانوا يعتبرون أيضاً أن الشيعة ينسّقون مع الفرنجة.

أندريه نصّار: حسب بعض الدراسات وحسب ادعاءات إبن تيمية لأن إبن تيمية كان هو المحرّض على هذه الحملة.

غسان الشامي: قبل ان أستكمل عن الشيعة المعروف أن إبن تيمية الذي توفّى في نهاية العهد المملوكي 1328.

أندريه نصّار: في منتصف العهد.

غسان الشامي: ولكنه حنبلي والمماليك شوافع بأغلبهم، وهو قد قال إن الشيعة هم أشد خطراً من المسيحيين واليهود.

أندريه نصّار: التعبير صحيح ولكنه اعتبر أن قتالهم أولى من قتال الأرمن، أشد كفراً من المسيحيين.  

غسان الشامي: هل فتاوى إبن تيمية هي السبب باستهداف الشيعة؟

أندريه نصّار: طبعاً، هو بعد الرسالة التي أرسلها إلى السلطان الناصر محمّد يبرّر فيها سبب الحملة، فهو المحرّض على هذه الحملات وبالتحديد 1300 ثم شارك في حملة 1305.

غسان الشامي: شارك بها؟

أندريه نصّار: طبعاً شارك في 1305 وفي 1300 كان هو المشارك والمحرّض. هذه الحملات هي لتأديب سكان منطقة كسروان لإعادتهم إلى الطاعة، حينما عجزوا عن فرض الطاعة عليهم في العام 1300 كرّروا المحاولة في العام 1305، وهذه المحاولة كانت السبب في تبديد السكان في كسروان سواء من الشيعة أو المسيحيين في نظر بعض الدراسات التي تعتبر أن الحملات استهدفت المسيحيين لأن بعض الباحثين يرون أن الوجود المسيحي لم يأتِ إلى كسروان قبل القرن الخامس عشر، وبعض الأبحاث تؤكّد أن المسيحيين كانوا مُستهدفين وأكبر دليل أن دير مار شلّيطا مقبس في غوسطا لا تزال حتى اليوم آثار الحريق موجودة، واستناداً إلى تادرس مطران حماة الذي ترك لنا وثيقة يؤكّد فيها أن المسيحيين استُهدفوا في تلك الحملات.

غسان الشامي: أين استُهدف الشيعة أيضاً؟

أندريه نصّار: تحديداً في كسروان، كسروان كان يشمل كسروان الحالي والمتن أي من نهر إبراهيم باتجاه نهر بيروت الذي كان يسمّى نهر الجعماني، هذه هي حدود كسروان، ومن منطقة المعاملتين وصعوداً كان يُسمّى فتوح كسروان. هناك مناطق في أعالي كسروان مثل حراجل كانت تتبع بعلبك، فهذه المناطق التي أُطلق عليها فتوح كسروان نسبة إلى فتحها من قِبَل المماليك.

غسان الشامي: هل كانوا يعتبرون الموارنة والشيعة والدروز، مثلاً دروز آل أبي اللمع أيضاً استهدفوهم والبقية مثلاً الإسماعيليين.   

أندريه نصّار: والنُصيرية والحاكمية والتّيامنة.

غسان الشامي: كلهم كانوا يعتبرونهم حلفاء للفرنجة؟  

أندريه نصّار: ليس جميعهم، هؤلاء برأي إبن تيمية خارجون عن المذهب السنّي ويشكّلون خطراً على الدولة فهو صنّفهم واعتبرهم من غلاة الشيعة والرافضة، اعتبرهم من الروافض وأن قتالهم ضروري لإعادتهم إلى الطاعة. حتى بعد 1300 لدينا مرسوم صدر في العام 1364 كما ورد عند القلقشندي يطلب من الشيعة في بيروت وصيدا التخلّي عن معتقداتهم واعتناق مذهب السّنّة، هذا المرسوم يطرح السؤال أين كان هؤلاء الشيعة في بيروت وصيدا ولماذا لم تستهدفهم الحملات المملوكية على كسروان؟

غسان الشامي: هل تحوّل الكثيرون من المسيحيين والشيعة إلى المذهب السّنّي؟ لنأخذ إقليم الخروب مثلاً.  

أندريه نصّار: كما قلت لك هناك أعداد كبيرة من المسيحيين والشيعة تحوّلوا إلى المذهب السّنّي خوفاً من أن تطالهم الحملات أو أسباب أخرى.   

غسان الشامي: سنذهب إلى أوضاع المسيحيين في دمشق وهذه دراستك الأساسية وتحتاج إلى الكثير ولكن كي نستكمل هذه الرؤية البانورامية للحضور المملوكي في هذه البلاد، ما هي أوضاع المسيحيين خلال العهد المملوكي في دمشق؟

أندريه نصّار: وضع المسيحيين في كل المدن متشابه إنما المعلومات عن دمشق وحلب غنية أكثر من المعلومات عن لبنان، وكما قلت لك المصادر لا تتحدث عن تاريخ لبنان إلا لماماً أي تأتي في سياق التحدث عن المدن العربية، فإذاً دمشق وحلب المعلومات عنها غنية جداً، المعلومات عن المسيحيين لا بأس بها كذلك الأمر في حلب.

غسان الشامي: لنبدأ في دمشق ما هي المعلومات؟

أندريه نصّار: في دمشق كان لديهم أحياؤهم الخاصة بهم ما يسمّى بحارة النصارى وحارة اليهود، وكذلك الأمر في حلب لدينا حارة النصارى وحارة اليهود وحارة الأرمن.  

غسان الشامي: منذ ذلك الوقت كان الأرمن موجودين في حلب.

أندريه نصّار: نعم في العهد المملوكي لدينا حارة الأرمن، لماذا نشأت هذه الحارة؟ كما قلت لك نتيجة الصراع الذي دار بين المماليك والأرمن من 1264 حتى 1375، الذين كانوا يقعون في الأسر كان يأتي بهم المماليك إلى حلب وهؤلاء أسسوا جالية.

غسان الشامي: سنأتي إلى الأرمن، المسيحيون في حلب يقول البعض أنهم اختفوا ومن ثم تمّت إعادتهم إلى حلب مع السلطان سليمان القانوني عندما أخذ مئات الأسر من لبنان كموارنة إلى حلب، هل تبيّن لديك هذا في العهد المملوكي؟

أندريه نصّار: الوجود المسحيي بقي في العهد المملوكي في حلب، كان هناك وجود مسيحي ولم يضمحلّ هذا الوجود، في فترة نتيجة الاضطهادات خفّ العدد لكن لم ينقطع الوجود المسيحي في حلب، ولدينا الكنائس الخاصة بالأرمن التي يعود بعضها إلى القرن الخامس عشر.   

غسان الشامي: الظروف الاجتماعية التي ذكرتها سابقاً التي اندرج تحتها سكان جبل لبنان هي نفس الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟

أندريه نصّار: بالنسبة للموارنة في شمال لبنان قلت أن لهم خصوصيتهم لأن المماليك لم يصلوا إلى تلك المناطق ويخضعوها مباشرة لحكمهم، بينما في المدن كان الوضع السائد حسب ما تمليه السلطات الحاكمة.

غسان الشامي: نحن نعلم دكتور نصّار أن دمشق هي مركز بطريركي.

أندريه نصّار: للروم نعم، نُقل من أنطاكيا، بعد سقوط أنطاكيا نُقل إلى دمشق.

غسان الشامي: وفي الفترة المملوكية تمّ هذا النقل، هل كانوا يتدخلون في موضوع البطاركة أيضاً؟

أندريه نصّار: بالنسبة للبطاركة غير الموارنة كان يتم تعيينهم من قِبَل المماليك، أما البطريرك الماروني فكان يتم انتخابه من قِبَل المطارنة والشعب، إذاً الأمر يختلف ولا ذِكر للبطريرك الماروني في المراسيم التي تذكرها الموسوعات الإدارية مثل القلقشندي وإبن فضل الله العمري الذي يذكر البطاركة الملكيين، الروم الملكيين والصفات التي تُطلق عليهم، كان يُسمّى كنز الملّة، كانت المسيحية تُسمّى الملّة، كنز الملّة العيسوية فكان تعيين البطريرك يخضع لموافقة المماليك، هذا الأمر لم ينطبق على الموارنة بدليل أن البطريرك لم يحصل على الفرمان من العثمانيين إلى عهد جمال باشا حين حاول أن يجبر البطريرك الماروني على الحصول على فرمان التعيين من السلطان العثماني.  

غسان الشامي: بقليل من الوقت قبل أن أنتقل إلى الأرمن لأنه يبدو أن العلاقة بين المماليك والأرمن علاقة واسعة الطيف، في بعلبك والجنوب كيف كان وضع المماليك والحضور المسيحي لأنك ذكرت كرك نوح وهي قريبة على الطريق.

أندريه نصّار: بالنسبة إلى بعلبك المعلومات قليلة، استناداً إلى نص الوقفية التي ذكرتها، وقفية السلطان الناصر حسن تبيّن وجود بعض الأسماء المسيحية، أما المعلومات عن كيفية هذا الوجود ونمط الحياة لا نملك معلومات كافية. في منطقة جزين كان هناك وجود مسيحي إنما المعلومات لا تأتِ على تفاصيل.

غسان الشامي: شحيحة.

أندريه نصّار: ليس لدينا معلومات.  

غسان الشامي: سأذهب إلى الصراع بين المماليك والأرمن وهو ملفت للنظر، لنبدأ من كيليكيا في عهد الملك هيثوم الثاني الذي ينتهي سنة 1293 تقريباً، لماذا هذا الصراع؟ هل استهدف الأرمن المماليك؟

أندريه نصّار: طبعاً، في لمحة تاريخية سريعة حين بدأ الغزو المغولي اتصل بالأرمن بالمغول.

غسان الشامي: بهولاكو.

أندريه نصّار: بهولاكو وأرسل الملك أخاه ثم توجه هو شخصياً في العام 1245 وعقد تحالفاً مع المغول خوفاً من سلاجقة الروم الذين كانوا يتاخمون كليكيا وفي صراع معهم. حين جاء الغزو المغولي كان الأرمن دائماً في الصفوف الأمامية للجيش المغولي، كانوا من القوات المساعدة الأساسية وحتى سلاجقة الروم اضطروا أن يهادنوا المغول، والمغول أجبروا الأرمن والسلاجقة على التزاوج في ما بينهم لأن هولاكو أراد أن يكون حلفاؤه أقوياء، لا يريد حلفاء ضعفاء، فحين قدم المغول إلى بلاد الشام كان الأرمن في طليعة الجيش المغولي وأحرقوا الجامع الأموي في حلب وارتكبوا بعض الأمور بحق المسلمين، هذه الأمور لم ينسها المسلمون وخصوصاً المماليك فحين انتصروا على المغول وانسحبوا كانت ردة الفعل مهاجمة الأرمن. وهناك عامل ثانٍ وهو أنه بعد خروج الصليبيين من عكا فرضت البابويّة على الدول الأوروبية حظر التعاطي التجاري مع المماليك، فاضطر المماليك لظروف اقتصادية أن يخوضوا الصراع مع الأرمن لا سيما أن الطرق التجارية التي تمرّ بمحاذاة نهر الفرات كانت تخضع في معظمها للأرمن وهذه الطريق تشرف على عدد من القلاع.

غسان الشامي: هو طريق الحرير التاريخي.

أندريه نصّار: إذاً كانت هناك أسباب اقتصادية، المماليك كانوا بحاجة إلى الحديد لصناعة ما يسمّى بحدوة الخيل وكان التعبير المستخدم هو التطابيق، من هنا نرى أن المعاهدات التي وُقّعت بين الأرمن والمماليك تذكر هذه النقطة المهمة.    

غسان الشامي: لماذا استمر الصراع في عهد الملك ليفون الثاني وهيثوم الثاني، حتى ما بعد 1307 نجد أن الصراع مستمر.  

أندريه نصّار: الصراع يبدأ في العام 1264.

غسان الشامي: متى ينتهي؟  

أندريه نصّار: في العام 1375، هذا الصراع يدخل أيضاً في الصراع المملوكي الصليبي لأن الصليبيين وخاصة المنظمات الدينية مثل ال"تيتو" وTempliers وفرسان الهيكل، هؤلاء كانوا هم المولجين بحماية حدود مملكة كيليكيا في الحصون الاستراتيجية، من هنا كان الصراع وأيضاً لأسباب اقتصادية كان المماليك يدخلون في صراع دائم مع الأرمن للحصول على ما هم بحاجة إليه خاصة الأخشاب لأن كيليكا منطقة غنية بالأخشاب والمعادن والحديد لأن كيليكيا كانت منطقة غنية بالمعادن.

غسان الشامي: ولكن لفتني في ما كتبت أن الأرمن كانوا موجودين أيضاً في عكا وأن هناك صراعاً حصل بينهم وبين المماليك.

أندريه نصّار: الأرمن كانوا إلى جانب الصليبيين في عكا، حين سقطت عكا كان هناك فرقة من الأرمن تدافع إلى جانب الصليبيين عن القلعة، وهذه اتخذها المماليك سبباً آخر للاستمرار في الحرب مع الأرمن.

غسان الشامي: من الواضح أنه في سياق كل حياة الدولة المملوكية أن المسيحيين فعلاً وبقية الفئات التي لا تنتمي مذهبياً إلى ما ينتمي إليه المماليك كانوا يخضعون لشروط قاسية، يعني نلاحظ أنه في العام 1440، الدولة المملوكية سقطت عام 1517 في مصر، في 1516 انتهى قانصوه الغوري في مرج دابق، هل هناك عامل آخر نستطيع أن نحدّده غير العامل المذهبي في صراع المماليك مع بقية أطياف الشعب في هذه المنطقة من العالم؟

أندريه نصّار: الصراع المذهبي هو الأساس، اللافت للنظر أن المماليك طبّقوا بحق المسيحيين أو السكان المحليين الشروط العمرية، بينما نرى أنه في معاهداتهم مع التجار الأوروبيين لم يطبّقوا شيئاً من هذه الشروط، مثلاً التجار الأوروبيون كان يُسمح لهم بإقامة فنادق للإقامة وهذا الفندق يتضمن كنيسة وفرناً، حتى عند مجيء الفرنسيسكان إلى بيروت سُمح لهم بإنشاء مقر للقصادة ولم يُجبروا على دفع الجزية، إذاً تعاملوا بمكيالين تبعاً للمصالح.

غسان الشامي: المسيحي الغربي بالسمنة والمسيحي الشرقي بالزيت.

أندريه نصّار: بالمصالح، كانوا يطبّقون حيث تكون مصلحتهم، لدرجة أنه في العام 1444 كان هناك وفد ضمّ موارنة ودروزاً توجّه إلى روما لمقابلة البابا أوجين الرابع، وهذه الفترة التي تتحدّث عنها عن انتقال المقر البطريركي من إيليج باتجاه قنّوبين.

غسان الشامي: ومقتل البطريرك حجولا.   

أندريه نصّار: البطريرك حجولا هو ردّة فعل على حملة ملك قبرص على الإسكندرية.            

غسان الشامي: وبعد الإسكندرية حصل ذلك، هذا هو الوقت أشكرك، لسنا من هواة العودة إلى التاريخ حباًّ بالحكاية أو لنكء الجراح لكن في ظل حالات التشوّه التاريخي يجب أن نتّعظ لنستشرف المستقبل ونخطّط لأيام بلا غزاة لأهل هذه البلاد. شكراً للدكتور أندريه نصّار على مشاركته وإضافاته في أجراس المشرق، للزملاء الأحباء الذين يقرعون معي أسبوعياً هذه الأجراس، لكل من يرسل لنا الرسائل بعد كل حلقة، لكم أينما كنتم سلام عليكم وسلام لكم.