أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

التضارب بين الأحكام الشرعية.. الأسباب والعلاجات

كثيرا ما يطرح سؤال من قبل المتابعين للشأن الإسلامي و السائلين عن الأحكام الشرعية , لماذا يوجد تضارب أحيانا بين هذا الحكم الشرعي وذاك الحكم الشرعي , أيعقل أن يكون المشرّع غير حكيم يصدر الحكم ونقيضه أو الحكم والأقل منه في درجة الحلية والحرمة ...وفي هذا السياق قال قال العلامة بدر الدين الزركشي في البحر المحيط اعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة؛ بل جعلها ظنية قصداً للتوسيع على المكلفين لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه . ومسألة الإختلاف في الأحكام الشرعية ترتبط بفعل الإجتهاد الذي ينظر في كل الأدلة الشرعية و مباني فهم النصوص , ومسلكية كل مستنبط في التعامل مع النص ,وموقفه من العقل وهل له دخل في وضع الحكم أو الحكم عليه سلبا أم إيجابا ...ولعقلية المجتهد وطريقة تفكيره وآليات تعامله مع النصوص الواردة والأحكام التي لم يرد فيها النص دخل كبير في تحديد ماهية الحكم الشرعي.... والسؤال الأساس في هذا السياق إذا كان التضارب في الحكم الشرعي وارادا بسبب إختلاف مناهج المجتهدين في الإستنباط, فلماذا ينسب هذا الحكم المتناقض إلى الله وهل يمكن أن يضع الله أحكاما متناقضة, و هو الذي الذي أوجد الكون وفق منظومة واحدة تعجز كل عاقل وتحيره ..وقد وضع الأصوليون مناهج في التعاطي مع الأدلة المتناقضة وقال بعضهم: إذا تعارض نصان شرعيان، فأول واجب هو الجمع بينهما بأحد وجوه الجمع المقبولة، فإن تعذر ذلك فيعمل بالمتأخر منهما، فإن لم يعلم المتأخر فيرجح بينهما ويؤخذ بالأرجح . ولا بد من ملاحظة أن مناهج الفقهاء في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية قد تختلف في الناحية التطبيقية، فمنهم من يتبين له وجه الجمع بينها، ومنهم من قد يرى في الجمع تكلفاً فيلجأ إِلى القول بالنسخ أو الترجيح، وهكذا .

 

المحور الأول:  

يحيى أبو زكريا: حياكم الله، وبياكم، وجعل الجنة مثواكم.

كثيراً ما يطرح سؤال من قبل المتابعين للشأن الإسلامي والسائلين عن الأحكام الشرعية، لماذا يوجد تضارب أحياناً بين هذا الحكم الشرعي، وذاك الحكم الشرعي؟

أيعقل أن يكون المشرّع غير حكيم، فيصدر الحكم ونقيضه، أو الحكم، والأقل منه في درجة الحلية والحرمة؟

وفي هذا السياق قال العلامة بدر الدين الزركشي في البحر المحيط "إعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية قصداً للتوسيع على المكلفين، لأن لا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل عليه.

ومن جهة أخرى، فإن كثيراً من الأحكام الشرعية جاء التشريع بها على مراحل مراعاة لأحوال الناس زمن نزول الوحي، فقد يكون الشيء في أول الأمر مستحباً، ثم يصير واجباً أو يكون مباحاً، ثم محرماً، أو العكس.

أما النووي فيقول "وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر، فلابد من الجمع بينهما، أو ترجيح أحدهما، وإنما يقوم بذلك غالباً الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون المتمكّنون في ذلك صوناً  للمعاني الدقيقة الرائضون أنفسهم في ذلك، فمن كان بهذه الصفة لم يشكل علي شيء من ذلك إلا النادر في بعض الأحيان".

ويقول المفكر الإسلامي محمّد باقر الصدر "إن تغير أحكام الشريعة عن طريق النسخ يكون أيضاً أحد العوامل المستوجب للتعارض بين الأحاديث والنصوص".

ومسألة الاختلاف في الأحكام الشرعية ترتبط بفعل الاجتهاد الذي ينظر في كل الأدلة الشرعية، ومباني فهم النصوص، ومسلكية كل مستنبط في التعامل مع النص، وموقفه أيضاً من العقل، وهل له دخل في وضع الحكم أو الحكم عليه سلباً أم إيجاباً؟

ولعقلية المجتهد وطريقة تفكيره، وآليات تعامله مع النصوص الواردة، والأحكام التي لم يرد فيها نص دخل كبير في تحديد ماهية الحكم الشرعي.

والسؤال الأساس في هذا السياق إذا كان التضارب في الحكم الشرعي وارداً بسبب اختلاف مناهج المجتهدين في الاستنباط، فلماذا ينسب هذا الحكم المتناقض إلى الله تعالى؟

وهل يمكن لله أن يضع أحكاماً متناقضة، وهو الذي أوجد الكون وفق منظومة واحدة تعجز عن التعبير عنها من قِبَل العقلاء، والتي حيّرت أيضاً العقلاء؟

وقد وضع الأصوليون مناهج في التعاطي مع الأدلة المتناقضة، وقال بعضهم إذا تعارض نصان شرعيان، فأول واجب هو الجمع بينهما بأحد وجوه الجمع المقبولة. فإن تعذّر ذلك، فيعمل الفقيه طبعاً بالمتأخّر منهما، فإن لم يعلم المتأخّر، فيرجح بينهما، ويؤخذ بالأرجح.

ولابد من ملاحظة ها هنا، أن مناهج الفقهاء في دفع التعارض بين الأدلة الشرعية قد تختلف في الناحية التطبيقية، فمنهم من يتبين له وجه الجمع بينهما، ومنهم من قد يرى في الجمع تكلفاً، فيلجأ إلى القول بالنسخ، أو الترجيح وهكذا دواليك.

"التضارب بين الأحكام الشرعية، الأسباب والعلاجات"،  عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من الأردن الحبيب الشيخ الفاضل مصطفى أبو رومان، الباحث في الفكر الإسلامي والداعية المعروف، ومن مصر الحبيبة الشيخ الفاضل علي المطيعي من علماء الأزهر الشريف.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

 

كتاب"تعارض الأدلة الشرعية" لمحمود الهاشمي.

قد يتساءل عن منشأ وقوع التعارض بين الأحاديث الصادرة عن المعصومين، رغم أنهم جميعاً يفصحون عن أحكام الشرع المبين والمنزّه عن التناقض، والاختلاف، وقد ينطلق من ذلك للتشكيك في الأسس والأصول الموضوعية التي يبتني عليها الفقه.

أما دخول التزاحم إثباتاً ونفياً في التعارض الإصطلاحي، فهو مسألة اختيار لأن مقوم التعارض الاصطلاحي هو التنافي بين المجعولين في عالم الفعلية، فإن عمّم هذا التنافي بين المجعولين للتنافي غير المباشر بينهما، ولو باعتبار ما يستتبعه المجعول من تنجز وامتثال دخل التزاحم في تنافي المصطلح، لأن كل من المجعولين في موارد التزاحم ينافي المجعول الآخر، لا بنفسه بل بامتثاله.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ علي المطيعي، سؤال يردّده الكثير من الشباب الذين لم يغوصوا في الدراسات الشرعية وآليات الاستنباط الشرعي من الكتاب، من السنّة، ومن المظان الأخرى.

إذا كان هنالك تناقض في الأحكام الشرعية، هل هذا يعني أن المولى عز وجل يريد أن يحير المكلفين، ويضع بين أيديهم أحكاماً شرعية متناقضة متغايرة أحياناً، أم أن المسألة غير ذلك تماماً؟

علي المطيعي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه المنتجبين وبعد.

أولاً يا دكتور أنا لي تعليق على العنوان في كلمة تضارب الأحكام الشرعية. التضارب هو من تفاعل الضرب، والضرب لا يليق بالأحكام الشرعية، إنما قد يكون هناك اختلاف في العلم بالحكم الشرعي، لأن الحكم الشرعي في الحقيقة هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، أو بأعمال المكلفين اقتصاء أو تخييراً، أو على جهة الوضع.

لكن هو إذاً في الأصل خطاب الله تبارك وتعالى، وخطاب الله تبارك وتعالى لا يتعارض ولا يتضارب، لأنه إذا قلنا أن الحكم الشرعي يحدث فيه تضارب، فنحن نسيء إلى قول الله تبارك وتعالى وخطاب الله الذي أتى من كتاب أو سنّة أو من إجماع أو من قياس، أو من أي من مصادر التشريع المتفق عليها، أو المختلف فيها.

لكن في الحقيقة هو اختلاف في العلم بها اختلاف في الفقه لأن الفقه أصلاً يعني الفهم، واصطلاحاً العلم بالأحكام، فيحدث الاختلاف بين العلم بالحكم عند هذا الفقيه، وعند هذا الفقيه، وذلك لعدة أسباب:

أولها، مثلاً أن أدلة الشرع نفسها أولاً الكتاب الذي هو قطعي من حيث ثبوته، ولكن في أغلبه دلالاته ظنية، ثم السنّة التي في معظمها ظنية الثبوت، ثم تأتي أيضاً أنها ظنية الدلالة، فهذه الدلالات التي منها يستقي الفقيه أدلته، وهي الأدلة التفصيلية التي يأخذ منها الحكم، هي في دلالاتها الظنية، وعلم الدلالة هو علم كبير.

ثم يأتي بعد ذلك في طريقة ومنهج بحثه في الاستنباط، فمثلاً قد يأخذ ببعض المصادر، ولا يأخذ بالأخرى.

يحيى أبو زكريا: صحيح؟

علي المطيعي: قد يكون في علم الأصول عنده يختلف عند الآخر، الأمر بالشيء نهي عن ضده أم ليس نهياً عن ضده، والنهي عن جميع الأضداد الوجودية، أم النهي عن النقيض، أو ما إلى ذلك من الأصول التي بها يستطيع أن يستنبط الحكم من هذا الدليل.

فالدليل نفسه ظني، ثم إن هذا الاختلاف الذي بين العلماء هو مراد الله تبارك وتعالى الله. تبارك وتعالى أراد ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم حينما أرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سيّدنا معاذ إلى اليمن سأله، كيف تقضي؟ قال: "أقضي بكتاب الله." قال له:  "فإن لم تجد" قال له: "أحكم بسنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم." قال:  "فإن لم تجد"، قال: "أجتهد رأيي، ولا ألوي"، فضرب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيده الشريفة على صدر سيّدنا معاذ، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي الله ورسوله". فرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أقرّ معاذ على أن يجتهد رأيه، ولم يقل أن هذا الاجتهاد شيء بدعة، أو ما إلى ذلك.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي طبعاً عندما استخدمنا مصطلح التضارب، كما يقال في الحواضر العلمية، لا مشاحنات في المصطلحات ، ولا نقصد إهانة شريعة معاذ الله تعالى. فذلك ليس مقصدنا، لكن يجوز للشعراء، ما لا يجوز لغيرهم.

دعني أمضي إلى الأردن إلى الشيخ مصطفى.

شيخ مصطفى، إذا كان الأمر كذلك كما قال فضيلة الشيخ علي المطيعي من أن المولى عزّ وجلّ أقرّ طرائق الاجتهاد المتعدّدة استناداً إلى ما رواه عن معاذ، لما ذهب إلى اليمن رضوان الله تعالى عليه.

إذاً، هل أفهم أن المولى عزّ وجلّ مراده أيضاً أن التعدّدية في الرأي وفي الأحكام الشرعية؟

لكن ألا يضطرب المسلمون عندها؟ ألا يكثر تذبذبهم؟ ألا تكثر حيرتهم؟

هذا يصوم في هذا اليوم، وذاك يصوم في اليوم التالي، وآخر عيده في يوم الثلاثاء، وآخرون يوم الأربعاء، ويوجد جماعة يفطرون مثلاً يوم الخميس.

هل المولى عزّ وجلّ يهمه أن يضرب المسلمون بعد أن دعا إلى وحدتهم، ودعاهم إلى التمسك بالوحدة والتعلق بأحكام شرعية ثابتة؟

كيف تقرأ هذا المشهد؟

مصطفى أبو رومان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيّدنا ومولانا محمّد حبيب رب العالمين المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتقين.

وحياكم الله دكتور، وشكراً لكم.

حيا الله ضيفك الشيخ المطيعي، ومرحباً بكم مشاهدينا جميعاً.

الموضوع حقيقة دكتور، أنت عندما دعوت لهذا الموضوع، وهذا العنوان يحتاج منا الكثير الكثير لأنه يؤرق ويقلق الكثير، وخاصة أن الاتهامات كما قلت كثيرة جداً، أن مادام مصدر شريعتكم واحد هو كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة نبيكم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلماذا هذا الإختلاف؟

الله عزّ وجلّ أولاً خلق العقول متفاوتة في الفهم والفقه، هو الفهم لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، "من يريد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده".

فالفقه الذي اختلفنا فيه، واختلف فيه العلماء اختلف من عهد الصحابة من الصدر الأول. هذا الخلاف موجود ولكن هذا الخلاف منه الممدوح، ومنه المذموم. فخلاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم الذين عاصروا الوحي، ورأوا أن الدين واحد ومصدره واحد كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والأصل الاتفاق لا الاختلاف. ولكن الاتفاق كان ولا يزال في باقي الأصول التي جاء بها كتاب الله عزّ وجلّ وسنّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وهنا نذكر أن مصدر الأحكام من كتاب الله ومن سنّة رسول الله لا يتجاوز ال500 آية والـ 500 حديث. إذاً الخلاف في فروع  هذه الأحكام التي استنبطت من هذه الـ 500 آية والـ 500 حديث نبوي شريف.

الله عزّ وجلّ يقول "أطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين".

وكذلك يقول الله عزّ وجلّ "ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم".

إذاً، هذه الأمّة متفقة على أصول، وعلى قواعد في عقيدتها، وفي أصل عبادتها. ولكن الاختلاف في مندوبات وفي مباحات عادات وتقاليد إلى غير ذلك، وإذا وجد خلاف في العقيدة فذلك وجد من بعض الدعاة الذين لم يصلوا إلى مرتبة الاجتهاد ولا مرتبة الاستنباط، أو أنهم أرادوا بهذا الخلاف أن يفرقوا بين الأمّة في عقيدة أو في فقه أو في عبادة. ولكن لو رأينا جميع فقهاء الأمّة أئمتها من الأئمة الأربعة أو غيرهم من المذاهب الأخرى التي هي مصدر الإجماع بجميع المذاهب. جميعها متفقة على أصول الصلاة والصيام والزكاة والحجّ والمواريث وغير ذلك، وإن وجد خلاف فهي مسائل فرعية جداً، ولهذا  إذا كان عصر الفقه ما يتوصل به إلى الأدلة، ويبحث في كيفية الاستنباط، فهذا يدل على أن هذا الدين العظيم جعل للعقل البشري أن يفكر وأن يبحث وأن يدرس، لا أن يغرق، ويقول له هذه العبادات وهذه العقائد وهذه الأحكام الشرعية، ولا مجال لك للتفكير فيها.

ولهذا عندما جعل الله عزّ وجلّ القرآن "إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ولهذا أمرنا الله عزّ وجلّ بالتفكر، بالتدبّر، بالتذكّر وهذا هو مجال الاستنباط والبحث في الأحكام الشرعية.

عندما ننظر إلى جيل الصحابة وفي عهد النبي، وفي حياة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم اختلفوا ومنهم من قال لا يصليّن أحدكم العصر إلا في بني قريظة، فاجتهد البعض.

يحيى أبو زكريا: صحيح؟

مصطفى أبو رومان: وأقرّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، من اجتهد ومن صلّى في بني قريظة. وهذا دليل على أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، لم يصادر عقولهم، بل أقرّ كلاً منهم على ما فعل.

كذلك الصحابة قبل عصر التدوين، كانوا على خلاف، وهذه الخلافات مدوّنة، ووصلت إلينا أنهم اختلفوا، ولكن بحثوا عن الدليل الأقوى، والترجيح بين الأدلة. وإذا وجد تعارض بين أحاديث أو آيات، ففي هذا التعارض ذهبوا إلى التوفيق بين هذه الأدلة. وأمثلتها كثيرة جداً، على سبيل المثال في عهد سيّدنا أبي بكر وعمر وعلي وعثمان حدثت حوادث كثيرة جداً في الميراث، والطلاق، والاختلاف في ألفاظ معينة من كتاب الله عزّ وجلّ أو سنّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولكنهم وصلوا بالنتيجة إلى اتفاق حول الدليل لهذا الحكم الشرعي الذي وصل إلينا من هذا الخلاف مع الصحابة، لكن بعد عصر التدوين بدأ هذا الخلاف يكبر عندما انتشر المسلمون في الأمصار والأقطار، بلا شك أنهم هناك وجدوا العادات والتقاليد، ووجدوا اللغات والثقافات.

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى  سنأتي إلى كل هذه المحاور، ونتطرّق إليها بالكثير من التفصيل في المحور الثاني.

أذكّر ببعض الكتب التي كتبت في هذا السياق "أسباب اختلاف الفقهاء"، وكتاب "جميل تعارض الأدلة الشرعية" للسيّد المرحوم محمود الهاشمي الذي انتقل إلى رحمته تعالى قبل فترة وجيزة، وكتاب "قواطع الأدلة في أصول الفقه"، وأيضاً الكثير من الكتب في هذا السياق.

مشاهدينا فاصل قصير، ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

كتاب "أسباب اختلاف الفقهاء الحادي عشر" المؤلّف عليل الخفيف الناشر

عدم بلوغ الدليل وثبوته وفهمه هذا واقع في خير الأمّة بعد نبيها، وهم الصحابة رضي الله عنهم، فبعضهم بلغته الأحاديث، وبعضهم لم تبلغه، ومنهم كبار الصحابة وهم الخلفاء الراشدون، فمثلاً لما سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن ميراث الجدّة قال ما لها في كتاب الله من شيء، وما علمت لها في سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من شيء، ولكن اسألو الناس، فسألهم فقام المغيرة بن شعبة، وقال حضرت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأعطاها السدس، فقال أبو بكر: "هل معك غيرك"، فقام محمّد بن مسلمة، فقال مثلما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، وكذلك علي رضي الله عنه حيث أفتى هو وإبن عباس وغيرهما، بأن المتوفّى عنها زوجها، إذا كانت حاملاً تعتد بأبعد الأجلين، ولم تكن قد بلغتهم سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سبيعة الأسلمية حيث أفتاها النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن عدّتها وضع حملها.

فهؤلاء كبار الصحابة رضوان الله عليهم، وهم أعلم الأمّة بسنّة رسول الله عليه الصلاة والسلام بأحواله، ومع ذلك فقد فاتهم من الأحاديث ما فاتهم، واعتقدوا بأن الأحاديث التي لم تبلغهم ما قالها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلما بلغتهم ممن سمع تلك الأحاديث وعلمها عملوا بموجبها وقضوا بها.

وهكذا هي حال من جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم فخفاء السنّة عليهم من باب أولى.

 

 

المحور الثاني:

 

"التعارض بين الأقيسة وأثره في الفقه الإسلامي" ميادة محمّد الحسن

 

يمتاز التشريع الإسلامي بكونه تشريعاً إلهياً، وضعه خالق البشر العالم بما يصلحهم وقد جاء وافياً بحاجات الناس في كل زمان ومكان، ومحقّقاً للمصالح التي عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة.

ولأن الإسلام يمثل الدين الخاتم، ولأن النصوص التشريعية محدودة بحياة المبلّغ صلّى الله عليه وسلّم، فقد أوكل أمر النظر في المستجدات والنوازل إلى المجتهدين من العلماء، وإذا كان المجتهدون متعبدين بإظهار ما يغلب على ظنهم أنه حكم الله في الواقعة، فإنه لا شك في أن يقع التردد في نظرهم الإجتهادي أثناء دراسة الواقعة. وقد يتبدل المجتهد خلال نظره اختلاف بين الأدلة أو بين ما تلحق به الواقعة، وهو ما يعبّر عنه بالتعارض.

وإذا كانت مستجدات الحياة تفرض نفسها على المجتهد ليبيّن حكم الله تعالى فيها، فإن القياس هو الآلية المنضبطة التي تتم بها مواجهة تغيّرات المجتمع المستجدة.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد، من أدرك حلقتنا الآن نحن نعالج موضوع التعارض في الأحكام الشرعية، التعارض الحميد طبعاً، والذي يجب أن نفهمه من السياقات الاجتهادية والاستنباطية.

شيخ علي طبعاً، المولى عزّ وجلّ أولى الشريعة أهمية خاصة. هو الذي خلقنا، وبالتالي هو أدرى وأعلم جلّ في علاه جلّ جلاله بالحكم الذي يسعد البشر، ويوصلهم إلى الضفاف الحضارية المتقدمة.

وهنا نتحدّث أيضاً عن العقل، أن العقل يرجح لأن ما حكم به الشرع يقينا العقل يقرّه ويستحسنه.

دعني أغوص معك قليلاً في بضاعة المجتهد، عندما يرد سؤال لمجتهد لفقيه المستنبط يقيناً سيعمل أولاً في كتاب الله تعالى، ثم في سنّة نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم البعض قال القياس، البعض قال الإجماع، أيضاً البعض قال بالعقل.

هل توضح لي كيف يكون الاختلاف في المباني في المناهج طريقاً للاختلاف في ماهية الاستنباط، أو الطريقة النهائية، أو النتيجة النهائية للحكم الشرعي؟

 علي المطيعي: أولاً، نحن قلنا إن الله سبحانه وتعالى حينما أتى لنا بخطابه من خلال كتاب الله، ومن خلال سنّة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقلنا إن هذه الأدلة تحتاج إلى معيار عقلي من أجل أن يستوعب، ويفهم هذا النص.

لذلك وضع كل إمام من الأئمة مبنى أصولياً به، كيف يستنبط هذا الحكم الشرعي، فكان هذا الاختلاف، وقبل الخوض في هذه المسألة أود التفريق ما بين نوعية الاختلافات، لأن هناك خلاف محمود، وخلاف مذموم. الخلاف المحمود هو الخلاف الذي يكون مبنياً على أسس، وعلى قواعد وعلى ضوابط، وعلى احترام المخالف.

أما الاختلاف المذموم الذي ننكره هو الخلاف الذي ننكره هو الخلاف الذي يكون مبنياً على الهوى، ومبني على المصالح الشخصية، أو مبني على التحزّب أو التفرّق، أو أن كل فريق يرى أن رأيه صواب، وما عداه باطل.

يحيى أبو زكريا: صحيح؟

علي المطيعي: في الحقيقة أنه لو نظرنا لما جاء عن سيّدنا الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، جاء حقيقة في وقت كان فيه تصارع ما بين مدرستين، وهي مدرسة الأثر ومدرسة الرأي. وكان البون فظيعاً بينهما، فلو تأملنا مثلاً مدرسة الأثر لوجدنا في نفس هذه المدرسة طرفي نقيض بين هذا وذاك، فوجدنا مثلاً مذهب الظاهرية ومذهب الحنابلة، وكلاهما يتبع مدرسة الأثر لا يتبع مدرسة الرأي، ولكن كلاهما بينهما بون شاسع.

يحيى أبو زكريا: صحيح؟

علي المطيعي: لماذا لأن المباني التي بنى عليها هؤلاء مختلفة، فالظاهرية مثلاً قالوا نحن لسنا أمامنا إلا ظاهر النص، وما أتى به النص أخذنا به حتى وصلوا إلى أن البكر إذا قالت رأيها لا يصح النكاح،  لأن البكر تستأذن وابنها صمتها، فإن تحدثت ضاع الصمت وصل إلى حد الجمود في فهم النص.

لذلك اختلف العلماء في هذه المباني التي يستقي منها الاستنباط، فمثلاً الإمام مالك رضي الله تبارك وتعالى عنه أخذ بالمصالح المرسلة، والمصالح المرسلة كان لها عنده دور كبير، وبالاستحسان. والاستحسان ما هو إلا العقل، ما هو إلا إعمال العقل، بل قال الإمام مالك رحمه الله تبارك وتعالى إن الاستحسان تسعة أعشار العلم.

يحيى أبو زكريا: صحيح؟

علي المطيعي: فأخذ بهذا الاستحسان، والاستحسان ما هو إلا العقل. الإمام الشافعي مثلاً أخذ الاستصحاب، ولم يلاق عنده الاستحسان مرجعية أن يكون في منهجية استنباطه للحكم من الدليل.

ثم أن هناك أمراً مهماً جداً عند هؤلاء الأئمة، أنه يراعي أولاً المصالح. المصالح أي مقاصد الشرع لأن مقصد الشرع في الحقيقة الشرع الشريف كما قلت الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل المسلم متحيراً، لا بل الله سبحانه وتعالى يريد سعادة المكلف.

 يحيى أبو زكريا: صحيح؟

علي المطيعي: فالفقه أولاً يجب أن يراعي المستنبط، والمجتهد المقاصد الشرعية، والمقاصد تدور مع المصلحة وجوداً وعدماً، ثم بعد أن يراعي تلك المقاصد، فيراعي المآلات التي تصير لها هذه الأحكام.

إذاً، ينظر للحكم في بداية مقاصده، ثم حينما ينتهي إليه إلى مآلاته، هل هي في صالح المسلمين أو في غير صالح المسلمين؟

وقد يجتهد في رأيه مع عدم وجود نص، فمثلاً سيّدنا عمر إبن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه، حينما مثلاً منع زواج المسلمين من الكتابيات، وهناك نص قرآني يبيح للمسلم أن يتزوج كتابية، ولكنه أتى إلى باب سد الذرائع، فهذا وجد أن في باب سد الذرائع أن هذا مصلحة للمسلمين. 

يحيى أبو زكريا: طبعاً شيخ علي يوجد مَن وضع كتباً في سياق هذه الاجتهادات، الاجتهاد والنص.

 هل يجوز الاجتهاد مقابل النص؟ البعض قال إذا وجد نص فلا داعي للاجتهاد، لأن الله أبان، ولا رأي يعلو على حكم الله، ولا اجتهاد يعلو على ما أمر به الله، وكان واضحاً.

دعني أكمل هذه الفكرة رجاءً مع الشيخ مصطفى.

شيخ مصطفى، المجتهد إذاً يجب أن يكون على علم واسع، يجب أن يكون قرآنيا فيعرف القرآن، أسباب نزوله، الناسخ والمنسوخ، المكّي والمدني، المطلق والمقيّد العام والخاص، في ما نزلت كل آية ليستطيع أن يتحرّى الحكم الشرعي.

كما يجب أن يكون عارفاً بالسنّة النبوية في كل تفاصيلها، في صحيحها، في ضعيفها، في المتروك منها، وما إلى ذلك.

وأيضاً يجب أن يكون عالماً بلغة العرب، كما كانت أيام قريش لأن اللغة المولّدة في العصر الأموي وفي العصر العباسي ليست هي لغة العرب نهائياً، ويجب أن نتعاطى مع الشرع باللغة التي كانت سائدة أيام نزول الوحي.

إذاً، هي مسؤولية كبيرة، هل لذلك المولى عزّ وجلّ حذّر من الإفتاء بغير علم؟ وأن الإفتاء بغير علم هو الذي أفضى إلى تضارب وتعارض الأحكام الشرعية؟

مصطفى أبو رومان: أشكرك دكتور، بارك الله فيك وجزاك الله خيراً، وشكراً للدكتور الذي أشار إلى موضوع فهم الخلاف، وهذا يجب أن نتأكّد منه بعد معركة العالم للكتاب والسنّة كما قلت وللناسخ والمنسوخ والمقيّد والمجمل إلى غير ذلك من كل الشروط التي وضعوها للعالم المجتهد، ولكن هناك أمران إسمح لي يا سيدي أيضاً من الشروط الواجب معرفتها في العالم.

أولاً، كان يعرف الفقيه هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بعيوب نفسه.

 يحيى أبو زكريا: أحسنت.

مصطفى أبو رومان: كان يعرف الفقيه بهذا التعريف، إذا أولاً فليكن عنده معرفة بدينه ودنياه وبعيوب نفسه وهذا بالدرجة الأولى.

الأمر الثاني إذا لم يعرف الخلاف بين العلماء، ليس بعالم. ولهذا يقول قتادة مَن لم يعرف الاختلاف لم يشم رائحة الفقه بأنفه، وقول سعيد إبن أبي عروبة مَن لم يسمع باختلاف لا تعدّوه عالماً. وأيوب السختياني يقول أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً باختلاف العلماء.

لهذا اختلاف العلماء يجب أن يعرفه العالم المجتهد حتى إذا عرف هذا الخلاف بحث عن الطريق الموصل إلى الاتفاق، والبعد عن الاختلاف.  ونحن أحوج ما نكون بعد الآن ما أتحيت لنا كل وسائل الاتصال، وأمامنا كل الكتب والمراجع، وأمامنا كل العلماء موجودين في الجامعات، وعليهم أن يبحثوا، وأن يدرسوا للخروج من هذا الخلاف بالكلية، والوصول إلى الفقه الذي لا يجعل من الآخرين وسيلة ليصلوا بنا إلى هذا الاتهام الذي نراه، بل يا سيّدي إذا كان العالم الغربي من هذا الاختلاف يقول وولفز في كتابه "تاريخ الحضارة"، يقول إنه ما استفادت الحضارة الغربية مثلما استفادت من الحضارة العربية الإسلامية في أحكامها القانونية، وغير ذلك.

لهذا يا سيّدي نحن بحاجة إلى الفقيه الذي يفهم الخلاف، ويكون بصيراً بدينه. كما بدأت أنت بكتاب الله عزّ وجلّ بسنّة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأكثر ما يعرّضنا إلى الخلاف هو التعارض بين الأدلة في الأحاديث الشريفة، فهذا صحيح، وهذا ضعيف.  وكما قلت أنت وضع العلماء كتباً كثيرة، وحقيقة لما طلبت مني هذا الموضوع، هناك كتاب للسيّد محمّد علوي المالكي "منهج السلف في فهم النصوص" حقيقة أشبع هذا الموضوع بحثاً في هذه النقطة، ولهذا كثير من الكتب والبحوث والدراسات في الوصول إلى الخروج من الخلاف، ولا أقول الخروج من كل الخلاف.

ولكن من الخلاف المؤدي إلى الفرقة، الخلاف المؤدي إلى التشتت، الخلاف المؤدي إلى فقد الثقة بين العوام والعلماء. الآن العوام لا يفهمون هذا الخلاف بين العلماء، لكن جاءت هناك مدرسة تقول للعوام أنتم علماء، وقرأ الكتاب والسنّة، والتزم، وجعل منه عالماً هو لا يعرف لا بناسخ ولا بمنسوخ ولا بمقيد ولا بمجمل ولا بخاص ولا بعام.

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى وأنت عندما تتأمل خارطة الدعاة والعلماء في العالم العربي، تجد كل منهم يحفظ ما تيسّر من سورة الإخلاص قل هو الله أحد، يصبح إبن جلى وطلاّع الثنايا وحيد دهره وفريد عصره، ويفتي وخصوصاً لما جاءت فتاوى الهواء على الهواء.

كان العالِم في ما مضى إذا سئل في حكم شرعي ترتعد فرائسه ويخشى المولى عزّ وجلّ ويفرّ، إبن أبي ليلة سئل في مئة مسألة أجاب عن حكم واحد.

اليوم هكذا الأحكام الشرعية تقال قولاً على الهواء مباشرة.

طبعاً لنا عودة إلى هذا الموضوع شيخ مصطفى.

شيخ علي من خلال تتبعي لتاريخ صناعة الحكم الشرعي من أيام عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إلى عهد التابعين إلى مَن والاهم بذلك بإحسان إلى يوم الدين.

وجدت أن هنالك عقبتين أديتا إلى صناعة التناقض بين الحكم الشرعي: العقبة الأولى، أو العامل الأول التعصّب عندما تركنا الكتاب وذهبنا إلى السنّة، وتركنا السنّة وذهبنا إلى أقوال العلماء تعصّبنا وتشبثنا بأقوال العلماء، أنت حنفي، أنت حنبلي، أنت جعفري، أنت زيدي، أنت إباضي، بدأت متاريس الفتنة.

الأمر الثاني السياسة وصناعة الحكم الشرعي، ربّ سلطان، ربّ حاكم يتصل بفقيه نريد فتوى مُخاطة بطريقة جيدة لهذا العرش وذلك العرش.

ما رأيك في هذين العاملين وتأثيرهما على صناعة الحكم الشرعي وتناقضه؟

علي المطيعي: طبعاً بالقطع، العامل الذي طرحته حضرتك وهو التعصّب المذهبي، وأنا قلت إن التعصّب المذهبي هو الممقوت، وهو الاختلاف الذي لا نريده.

التعصّب المذهبي في الحقيقة إن كان وصل إلى حد التنازع فعلاً والتضارب والتقاتل، فهذا كان في مرحلة لم تطل في بغداد في حقبة زمنية لم تطل فيها.

لكن نريد أن نفرّق ما بين أمرين ما بين التعصّب المذهبي وبين الالتزام المذهبي. الالتزام المذهبي في الحقيقة هو منجاة لكل مسلم، وكتب في هذا عليه رحمة الله العلامة الشهيد الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي كتاب من أجمل ما يكون.

يحيى أبو زكريا: عليه رحمة الله.

علي المطيعي: عليه رحمة الله ورضي الله تبارك وتعالى عنه "اللا مذهبية أكبر خطر يهدّد كيان الشريعة الإسلامية".

المذهبية أن يلتزم المرء، ويكون له مرجعية يرجع إليها، فهذا أمر محمود بشرط أن هذه المذهبية وهذا الإلتزام المذهبي لا يجعله يسفّه الرأي الآخر، ولا يتطاحن مع الرأي الآخر، كما نرى الآن مثلاً عند دعاة السلفية. ويقولون نحن على منهج السلف، ومذهب السلف رأيهم فقط هو الصواب وما عداه باطل ، نحن ما نقوله القرآن  بفهم السلف، والسنّة بفهم السلف، والعقيدة بفهم السلف، والسلف هذه كلمة مطاطة دلسوا بها على العامة.

أنا مع الالتزام المذهبي، بالنسبة لطالب العلم أن يكون ملتزماً التزاماً مذهبياً، وأن يكون موسوعياً من حيث أن يعرف أدلة مذهبه، وأدلة المخالف. وإن كان هناك تعارض، وإن لم يترجح مذهبه عليه أن يأخذ بالراجح عنده في المذهب الآخر.

يحيى أبو زكريا: صحيح؟

علي المطيعي: هذا بالنسبة لطالب العلم.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي، وهذا كان السائد عندكم في الأزهر، حيث كانت كل المذاهب الإسلامية حاضرة في أروقة الأزهر الشريف.

علي المطيعي: ومازالت. 

يحيى أبو زكريا: ومازالت.  

تفضل أكمل فكرتك.

علي المطيعي: أن يكون كل واحد لديه التزام مذهبي وله مرجعية يذهب إليها، ويكون أيضاً على العوام أن يكون له على الأقل شيخ يرجع له من أجل أن يفتيه لقوله سبحانه وتعالى، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. فعلى العامي أن يسأل العالم، فما أفتى به هذا المفتي له، فهو حكم الله بالنسبة له.

ثم على المفتي الذي عليه إصدار الفتوى أن يراعي كما قلت المصالح، وأن يراعي المقاصد، وأن يراعي المآلات. فعلى سبيل المثال عندنا في دار الإفتاء المصرية تأتي كل 3300 حالة سؤال فتوى في الطلاق لا يوقعون منها سوى حالة واحدة.

يحيى أبو زكريا: سبحان الله.

علي المطيعي: كل 3300 حالة طلاق يوقعون منها حالة واحدة فقط.  لماذا؟ لأنه لا يتقيد هنا بمذهب بمذهبه، المفتي الذي يجلس على كرسي الإفتاء في دار الإفتاء لا يلتزم بمذهبه، ولكنه يراعي تلك المصالح، يراعي تلك المقاصد كيف يراعي أن الأسرة لا تتهدم، وأن هذه الأسرة يحافظ على كيانها، ومطلب شرعي إنه لي كل من قال كلمة في معرض انفعال أو الخ، يقع به الطلاق ويخرب به البيت.

هذه النقطة الأولى من حيث التعصّب المذهبي بسبب الهوى أو بسبب الضوابط. السبب الثاني بسبب السياسة قطعاً من أول دولة بني أمية، ظهر هذا حتى أن بعض الكتاب وبعض العلماء كتبوا حتى ليس لأئمة المذاهب، حتى لأئمة الجرح والتعديل. وهناك كتاب للسيّد محمّد بن عقيل إسمه العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل، كيف أن مثلاً الإمام البخاري لم يكن عنده الإمام جعفر الصادق ممن يأخذ منه رواية الحديث، وذلك لأسباب سياسية. السياسة تدخلت عند العلماء وعند الفقهاء منذ العصور الأولى.

يحيى أبو زكريا: شيخ علي، أستطيع أن أضرب مصداقاً على ذلك اليوم مثلاً، إذا كان هنالك شخص معارض والسلطات تلاحقه، يقيناً سيتبرّأ منه الجميع، العلماء، والجهلاء، والعوام خوفاً من أن ذكره إذا أورد سوف يتسبّب في عقبات كبيرة جداً، وهكذا كان الأمر في ذلكم العصر.

أرجو أن تبقى شيخ مصطفى كما يقول علماؤنا في حواضر البحث العلمي، ها قد وصلنا إلى ثمرة البحث.

ما هي ثمرة البحث يا شيخ مصطفى؟

إذا كانت الأحكام الشرعية مأخوذة من أدلة قد تكون قطعية وغير قطعية في الأحكام الشرعية التي لم ترد فيها نصوص قطعية من القرآن والسنّة تبقى ظنية، قد يكون هذا مراد المولى عزّ وجلّ، وقد لا يكون هذا مراد المولى عزّ وجلّ، إنما اجتهاد.

لكن الإسلام في كليته أجاز هذا الاجتهاد درءاً للاضطراب، درءاً للفراغ الفكري والتشريعي والقانوني.

إذا كان الأمر كذلك في الشق الثاني، لماذا أنا اتعصّب لرأيي؟ وأقول أن رأيي هو رأي الله وما هو للآخر كفر وزندقة ومجوسية وما إلى ذلك من الألفاظ التي نسمعها.

لما لا نتواضع ونعمل جميعاً على عبادة الله بالطرق الاجتهادية كافة؟

مصطفى أبو رومان: أحسنتم سيّدي الله يبارك بكم، حقيقة كما قبل قليل، قلنا إن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اختلفوا، ولكن هذا الخلاف لم يصل بهم في الأحكام الفقهية، خاصةً في استنباط الأدلة، وفي اجتهاد رأيهم.

عندما اختلفوا هذا الخلاف في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كصلاة العصر أو التيمم والوضوء القصة المعروفة عن سيّدنا عمر والصحابي الجليل، هذا الخلاف الذي وقع بين الصحابة لم يعنّف أحدهما الآخر، ولم يلغ الآخر، ولم يصادر الآخر. كذلك عندما نسمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ينقلون لنا أحاديث رسول الله مثلاً حديث سلمان الفارسي يقول الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه أو حديث ما تعلم أن الله فرض فرائض فلا تضييعوها، وحدّ حدوداً، فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

اليوم نتصيّد لبعضنا البعض مع هذا الخلاف، حتى ولو كان بين مجتهدين. لكن هل المجتهدون في العصور الأولى كان يصل بهم إلى هذه الدرجة من الخلاف؟ وهذا التكفير؟ وهذا الإلغاء للآخر؟ لا.

يحيى أبو زكريا: شيخ مصطفى تأكيداً لقولك، والوقت قد داهمني كان علماء المراحل الأولى عندما يجتهد أحدهم يقولون رحم الله أخانا جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء، هو قال هذه المقولة ونحن لنا رأي آخر نسأل الله أن يسدّد خطانا، كان الدعاء بالخير، كان التعاون على الخير، كان الحب سيّد الموقف، وصارت الحرب سيّدة الموقف اليوم. 

مصطفى أبو رومان: لا حول ولا قوّة إلا بالله، سيدّي ثوانٍ لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وقول الله تعالى"فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول". إذا رجعنا إلى هذه الأدلة سنجد الحل إن شاء الله تعالى.

يحيى أبو زكريا: إذاً، هي دعوة للعودة إلى الله جلّ جلاله. وهل هنالك أجمل من العود إلى الله تعالى؟ العودة إلى الله مطمئنة تأخذ بيد الإنسان إلى طريق الفلاح والنجاح، هيّأ الكثير من الأعمال في شهر شعبان وسوف يدركنا رمضان فهنيئاً للعاملين.

الشيخ مصطفى أبو رومان من الأردن الحبيب شكراً جزيلًا لك، الشيخ علي المطيعي من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها، إلى أن ألقاكم، هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدا ودائعه.

 

"الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل" تأليف الدكتور رشيد صلهات

إنه في ظل التنافس الذي يشهده المجتمع البشري، تتنافس الأديان والأفكار والنظم على قيادة الحضارة الإنسانية المعاصرة عن طريق التفنن في الظهور بالمظهر الجميل والأحسن لنيل القيادة إعجاباً، أو الظهور بالمظهر القوي لإرهاب المنافس، فتنال القيادة استسلاماً أو الجمع بين المظهرين في ظل هذا التنافس.

يتفاوت نصيب كل فكرة ودين من الجهود التي بذلها والفرص التي أتيحت له والمكاسب التي حققها، فبعضهم ملك دولاً، وآخر ملك دولة، وثالث دويلة، ورابع فرقة، وخامس طريداً مشرداً. وهذه سنّة التنافس في الحياة وعلى الحياة، سنّة الله هكذا عهدت وهكذا ستبقى ولن تجد لسنة الله تبديلا.

في ظل هذا التنافس أبينا البقاء على هامش الصراع نتفرج لأنه يعني البقاء على هامش الحياة لأن الحياة صراع في خلق الإنسان عبثاً، وما كان الخالق عابثا "وما كان خلق ربك لهواً بل بالحق" ولكن الغفلة صنعت منا الكثير.