أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الكهنوت والروحانية في عصر المادة

العلم والمدرسة ،الكهنوت والروحانية في عصر المادة... الكهنوت والنساء والطلاق وموقف الكنيسة. الجليل وأهله وما يحتاجونه... وبيروت والتحديات الاجتماعية والاقتصادية...

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، تعود أبرشية بيروت للروم الكاثوليك إلى عام 1736 ثم ضُمّت لها جبيل في القرن الثامن عشر، وكونها مطرانية في قلب العاصمة اللبنانية رُتّبت عليها أعباء كثيرة حيث تتشر كنائسها في جبل لبنان وجبيل مع أديرة معروفة في نطاق عملها الرعوي، وقد فُجّرت خلال الحرب اللبنانية، فالكنيسة التي نصوّر فيها هذه الحلقة ودار الأبرشية على خطوط التماس المعروفة والمشؤومة ونالت حصتها من الحرب المدمّرة. في عالمنا المعاصر الذي يرى فيه الكثيرون ازورار الرعيّة عن مؤسسات الكنيسة تبرز أمام رؤساء الأساقفة تحديات كبرى في الحفاظ على المؤمنين وعلى تطوير آليات العمل وعصرنتها واستيعاب الشباب، من هنا جاء تنصيب المطران جورج بقعوني الآتي من النبع العلمي أكاديمياً ولاهوتياً في حريصا، الخبير في الاقتصاد حافزاً للمستقبل. نحن بالمناسبة حاورناه عندما كان مطراناً على صور وتابعنا عمله الصعب عندما استلم مطرانية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل، مرة ثانية نقدمّه لكم.

تقرير:

وُلِد المطران جورج بقعوني في بيروت عام 1962 وفيها درس وحاز الإجازة في إدارة الأعمال من الجامعة اللبنانية عام 1985، وعمل في مصرف وفي المحاسبة بين عامي 1979 و 1989.

درس كطالب إكليريكي بين عامي 1990 و 1995 وحصل على الإجازة في الفلسفة ودبلوم اللاهوت من معهد القديس بولس حريصا. رُسم كاهناً في أبرشية بيروت وجبيل وتنقّل كاهناً في عدة بلدات.

عُيّن نائباً للقيّم العام في الأبرشية ثم قيّماً عاماً وعضواً في لجنة الدعوات ومنسقاً للجنة الشبيبة ومرشداً في العمل الرعوي الجامعي من عام 1995 إلى عام 2005 حيث ألقى العديد من المحاضرات في الجامعة والمخيمات.

رُسم متروبوليتاً عام 2005 وراعياً لأبرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك أواخر العام نفسه، وعُيّن مدبّراً بطريركياً لأبرشية حمص وحماة ويبرود بين عامي 2010 و 2011، وهو مدبّر بطريركي لأبرشية طرابلس والشمال.

أشرف المطران بقعوني على العمل الرعوي الجامعي منذ عام 2008 وهو رئيس للجنة الجامعات ونائب رئيس اللجنة الأسقفية لرسالة العلمانيين.

في حزيران عام 2014 انتُخب رئيساً لأساقفة عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل، وفي كانون الأول من عام 2018 انتُخب مطراناً على بيروت وجبيل وتوابعهما. يتقن اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية ويُلمّ باليونانية.    

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك سيادة المطران جورج بقعوني عزيزاً ونحن نثمّن ما قمت به في السنوات الماضية، لنبدأ سيّدي من بيروت أبرشية واسعة، جئت في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة على الناس، على جميع اللبنانيين، هل هذه الصعوبات تندرج عليكم أيضاً أم أنكم تعيشون في عالم آخر؟  

جورج بقعوني: من الطبيعي أن تنسحب علينا هذه الظروف لأننا جزء من هذا الشعب، والراعي يجب أن يكون على تماس مباشر مع رعيّته يفرح لأفراحهم ويحزن لأحزانهم ويرافقهم في الأيام الحلوة والصعبة. نحن في لبنان لدينا أشياء جميلة جداً ولكن كوطن ومجتمع نمرّ بظروف صعبة اقتصادياً وعلى أصعدة أخرى، نحن مع شعبنا على كل الجهات.

غسان الشامي: هل يمكن توصيف هذه الصعوبات تجاه الرعية المنتشرة؟

جورج بقعوني: هناك أولاً الصعوبة الروحية واليوم مع كل التطورات التي حصلت نلاحظ أحياناً أزمة في العلاقة مع الكنيسة، وأحياناً أزمة أقل في العلاقة مع شخص يسوع المسيح الذي يطرح تساؤلات عديدة عند البعض، هذا أول تحدٍّ، تحد كبير بأن يرجع أبناء الرعية وأبناء الأبرشية لهذه العلاقة الحيّة الشخصية مع يسوع المسيح، بعد ذلك يأتي الالتزام في الكنيسة لأن معرفة المسيح هي الأهم وتنسحب على مختلف نواحي حياة الإنسان، الكائن البشري، الزوج، الزوجة، الأولاد وعلى كل المستويات. الصعوبة الثانية، العمل الاجتماعي للكنيسة الذي هو واجبها، العمل محبة، طبعاً هناك مبادرات خاصة من أبناء الأبرشية والعديد من المسيحيين في مؤسسات عديدة تُعنى بمختلف المجالات، المعوّقون وذوو الاحتياجات الخاصة، المحتاجون مالياً، حتى في مؤسّسات الكنيسة، ولكن أيضاً في ظل وضع الدولة لدينا كيف تستطيع ملء بعض الفراغات التي خلّفها غياب الاهتمام أو إمكانية الاهتمام المادي بالحاجات عند بعض الأشخاص. 

غسان الشامي: سيّدنا أنت أتيت إلى الكهنوت من العمل، أنت خبير اقتصادي وكنت رئيس فرع لأحد البنوك وتعرف تماماً كيف يأتي الإنسان من عالم مغاير تماماً، من عالم مادي إلى عالم الروح ولكن كونك راعٍ وخبيراً بالاقتصاد هل فكّرت بمشاريع اقتصادية لهذه الأبرشية قبل أن أذهب إلى الموضوع الروحي؟

جورج بقعوني: الموضوعان المادي والروحي لا ينفصلان عن بعضهما، نحن ننظر إلى السماء ولكن أقدامنا في الأرض، حتى حين كنت في عالم المصارف كنت ملتزماً مسيحياً أيضاً، هذه لا تمنع تلك، طبعاً المخاطر أكبر في عالم المال كي يكون الإنسان ملتزماً، وأنا منذ بضعة أشهر بدأت أكتشف الواقع كما هو لنرى كيف يمكننا أن نطوّر الإمكانيات الاقتصادية كي نكون أقرب إلى المحتاجين، هدف التطوير هو ليس أن تكون لدينا فقط مؤسّسات بل كي تكون هذه المؤسّسات فعّالة في خدمة أبنائنا.  

غسان الشامي: سيّدنا العلم هاجس لدى اللبنانيين، لديكم مدارسكم، طبعاً أنتم ضمن المدارس الكاثوليكية، هذه المدارس هناك كلام كثير حولها لدى الشارع اللبناني، ماذا تقدّمون فعلاً للعائلة اللبنانية في المدارس؟   

جورج بقعوني: في المدارس كيف تجمع بين المستوى التربوي وحقوق الأساتذة والعاملين في المدرسة من جهة وتجمع بين إمكانية الإنسان لدفع قسطه، يجب أن توفّق بين الأمرين بطريقة لا تُكبّد المدرسة الخسائر وتتمكّن من الاستمرار ولا تحرم الأهالي من تعليم أولادهم. المسألة المطروحة أنهم يرون بعض علامات الغنى في بعض المؤسّسات الكنَسية ومن ناحية أخرى يرون الأقساط المرتفعة جداً، وهذا ما يطرح تساؤلات لدى المؤمنين أنه كيف أنكم لا تملكون المال وتنجزون كل هذه المشاريع. التحدّي هو على ضمير كل مسؤول كنسي وكل صاحب مدرسة لأنه كما تعرف المدارس لا تتبع أبرشية أو رهبنة واحدة، هذه المجموعة الكاثوليكية وحتى المجموعة المسيحية يجب أن تفكّر أولاً أن لدينا رسالة يسوع المسيح، نحن لا نمثّل فقط التربية بل نمثّل التربية بشخص المسيح الذي ضحّى بأمور كثيرة، ونحن بحاجة لأن نضحّي أكثر لنساعد الناس في تعليم أبنائها، وهذه تخلق جدلية كبيرة مع بعض أبنائنا وحتى مع غير المسيحيين أن هذه المدارس التي تحمل رسالة، هي لا تحمل فقط رسالة تربوية ولكن رسالة محبّة وقرب من الآخرين، نبذل جهداً في تأمين العلم للجميع.

غسان الشامي: ولكن الناس سيّدنا كما قلت تشكو من ارتفاع الأقساط سنوياً، طبعاً الآن تسمع أن هناك محاولة لخفض المرتّب الشهري الذي يتقاضاه الموظف اللبناني من دولته، هؤلاء يشكون بأنهم يصلون إلى مكان لا يستطيعون التعليم فيه، هل من أحد ينظر في العائلات الفقيرة التي تريد أن تعلّم أبناءها علماً عالياً في لبنان؟

جورج بقعوني: نعم يوجد وهناك الكثير من المبادرات والمؤسّسات التي تساعد، أحياناً بعض الأهالي يشعرون أن هناك زيادات مُبالَغ بها وتفوق التوقعات. مؤخراً كنت مع سيّدة كنتُ مرشداً لها في الجامعة عندما كانت تلميذة في الهندسة تناضل في إحدى المدارس الكاثوليكية مع لجنة الأهل، تترأس لجنة الأهل وتناضل من أجل تحسين الأقساط وخفضها، قلت لها تابعي نضالك، نضالك ليس ضد المسيحية، إذاً نحن نناضل كمسؤولين وكأبناء كنيسة لحثّ المدرسة على تحسُّس هذه الحاجة. الآن إذا حصل خفض للرواتب والمخصّصات الشهرية يجب أن نضحّي، لا يجوز أن تكون لدينا مؤسّسات ونفقد أبناءنا، لا يجوز أن ننجح في إدارة العقارات وأبناؤنا لا يملكون المسكن، نحن لا نريد أن نصبح كنيسة أراضٍ وعقارات بل نريد أن نبقى كنيسة البشر وأبناءنا المؤمنين، وهذا يتطلّب جرأة وكرماً وتضحية، نحن اخترنا، أنا لم يجبرني أحد أن أدخل سلك الكهنوت ولكنني اخترته لأنني أريد أن أتبع يسوع المسيح الذي لم يكن غنياً ولم يكن لديه مكان يسند إليه رأسه. نريد أن نعيش بطريقة كريمة ولكن ليس بطريقة تزيد عن المستوى العادي الذي يعيشه الكثير من أبنائنا.  

غسان الشامي: سيّدنا أنا حاولت أن أطّلع على الخريطة الجغرافية للأبرشية وتوزّعها، كنائس كثيرة منتشرة من جبل لبنان إلى جبيل إلى بيروت وصولاً إلى الدامور، جغرافيا واسعة حقيقة في لبنان للأبرشية، هل من تغطية حقيقية في الكهنة لهذا الاتّساع بكنائسها؟

جورج بقعوني: نعم كعدد كهنة هناك عدد كافٍ لخدمة الرعايا، كخدمة رعوية وخدمة أسرار هذا الأمر متوفّر، طبعاً هناك قسم من كهنة الأبرشية وقسم من الرهبان من الأديار الموجودة في الأبرشية الذين يضعون أنفسهم في خدمة بعض رعايا الأبرشية، إذاً يوجد على كل المستويات من اللقلوق إلى كل الجبل إلى منطقة عالية، فالوغا، حمّانا، صوفر نزولاً إلى الساحل، حيث توجد الكنيسة الخدمة مؤمّنة. 

غسان الشامي: ولكن ما لفتني حين أمرّ أحياناً قرب كنيسة لكم في غابة بولونيا أجدها مغلقة، هل تفتح نهار الأحد مثلاً أو في الأعياد؟  هي كنيسة رعيّة؟ لهذا السبب أنا سألتك.  

جورج بقعوني: هي كنيسة رعيّة وتفتح في الصيف أكثر لأنه يوجد أناس كثيراً خلال الشتاء في بولونيا، ومنذ بضعة أيام تحدثت إلى الكاهن وأخبرني عن الأيام التي يفتح فيها الكنيسة أسبوعياً، هذه خدمة رعوية وهذا يتوقف على قدرة الناس على المجيء بسبب البرد، إذاً هناك بعض الأنشطة الرعوية إضافة إلى قدّاس الأحد، إذاً الكنيسة لا تفتح كل أيام الأسبوع صحيح.

غسان الشامي: الروم الكاثوليك خرّجت وبكل ثقة أقول هذا الكلام عتاة المثقفين من الكهنة، والأديرة شهيرة، حريصا خرّجت أسماء كبرى في الثقافة والفكر واللاهوت والأدب العربي، الفاخوري لا يحتاج إلى مَن يشير إليه، وهي قدّمت أقدم مطبعة في حريصا وأقدم مطبعة في لبنان في الخنشارة ولكن نجد تراجعاً في الكهنة الكتّاب، في الأنشطة الثقافية، لماذا صاحب السيادة؟

جورج بقعوني: هذه حسب الدعوات في الرهبنات التي كانت ولا تزال رسالتها هي التأليف والكتابة ومن دون أن ندخل في التسميات، اليوم صحيح هناك تراجع، المسألة مرتبطة بالأشخاص الذين ينضمّون إلى الرهبنات لأنه لا يكفي بأن تكون لديه ثقافة وإمكانية علمية وذكاء معيّن بل أيضاً يجب أن يكون خورياً وتكون هذه دعوته، مع كل هذا الأديار لدينا خرّجت الكثير من الأشخاص الذين لم يصبحوا كهنة ولكنهم غذّوا الثقافة في لبنان كثيراً منذ تأسيس هذه الرهبنات ولا زالوا. نتمنى أن نعود إلى هذا الدور الطليعي وأن يبعث إلينا الله أشخاصاً لأنه كما تعلم كل هذه الأديار رهبنات وتقدّم للمجتمع وفقاً لما يأتيها من دعوات.

غسان الشامي: نعم، هل هناك إقبال على الكهنوت؟

جورج بقعوني: أقلّه على صعيد الرعايا هناك إقبال لأن المتزوّجين عندنا باستطاعتهم أن يصبحوا كهنة، التحدّي هو عند العازبين إن كان في الرهبنات أو في الأبرشية ولكن ليس لدينا أزمة دعوات كأبرشية لخدمة الكنيسة لأن المتزوّج بإمكانه أن يصبح خورياً، وهذا يساعدنا كثيراً في تأمين الخدمة.

غسان الشامي: سؤالي لأنه في صخب هذا العالم والتسليع الذي يحصل، الهجرة، يشير إلينا لماذا شاب يأتي إلى الكهنوت برأيك؟  

جورج بقعوني: المسيح، المسيح عندما يجذب الشخص وهذه لا يفهمها إلا مَن اختبر هذه العلاقة. المسيحية كما يقول البابا بنديكتوس ويستشهد بها البابا فرنسيس هي ليست منظومة أخلاقية ومبادئ عقائدية، أساس المسيحية هي اختبار لقاء شخصي بشخص يسوع المسيح الذي يعطي الحياة أفقاً جديداً وتوجيهاً حاسماً. المسيحية هي لقاء بشخص يسوع الذي يمنحك أفقاً جديداً لحياتك واتجاه حاسم، هناك أشخاص يرغبون أن يكونوا مع الربّ ليس فقط في الحياة اليومية بل يكرّسون حياتهم له، اختبار محبة المسيح لا يوازيه شيء في العالم.

غسان الشامي: من تجربتك صاحب السيادة كيف يمكن أن تكون هناك مشاريع داخل الكنيسة لاستقطاب الشباب؟

جورج بقعوني: أن تُعطى هذه الخدمة للعلمانيين أولاً، لذوي الخبرة من العلمانيين الملتزمين مسيحياً وإنشاء مراكز حسب الحاجات ولكن هذه المبادرات لا تكون فقط على عاتق الإكليروس، الإكليروس لا يستطيع والكنيسة منذ زمن أعطت دوراً كبيراً للعلمانيين، يبقى أنه في الشرق انحصر عمل العلمانيين كوكلاء وقف وحين نحتاج إلى المال نطلب منهم. 

غسان الشامي: باشكاتبيّون.   

جورج بقعوني: أن يعطوا دوراً أكبر، أنا حينما كنت في حيفا سلّمت لجنة العيلة في الأبرشية إلى علماني، تثق بالعلمانيين وتعطيهم مسؤوليات أكبر لأنهم يمتلكون الخبرة التي تحتاجها في بعض المجالات لمساعدة الشباب. هناك مسائل كثيرة اليوم لكننا لا ننجح دائماً في أن نقدّم للشباب المسيح الحقيقي، مسيح الإنجيل لأن الشاب لديه مبادئ في عقله ويحبّ الأمور الواضحة والراديكالية، ونحن أحياناً لا نقدّم لهم المسيح كما يجب بسبب شهادة حياتنا وليس بسبب كلامنا، اليوم هناك كلام كثير على وسائل التواصل الاجتماعي عن يسوع ولكن الشباب يميّزون الشخص إذا ما كان يعيش كما يقول، هذا هو سبب الأزمة مع الشباب ونحن بحاجة لأن نقترب منهم، لا نستطيع البقاء في كنائسنا وراء مكاتبنا وكأنّ الناس جلّ اهتمامها أن تحلم بنا وتأتي إلينا، يجب علينا أن نذهب إليهم. في أبرشية صور زرتُ جميع المؤمنين والأبرشية ليست كبيرة، في أبرشية الجليل وضعت مخططاً وزرت أكثر من نصف الأبرشية في منازلهم، واليوم في بيروت سأحاول جاهداً القيام بهذا الأمر لكن ما هو الهدف؟ أن أقترب، الشباب بحاجة لأن نكون بجانبهم.

غسان الشامي: سيّدنا ما تزال الكنيسة الملكية مغلقة على الدعوة للنساء، هل من إمكانية أن نرى يوماً في الخدمة الكهنوتية إمرأة؟ هنّ نصف المجتمع سيّدي.

جورج بقعوني: يجب أن نميّز بين الخدمة الكهنوتية والخدمات الأخرى التي يمكن أن تقدمها المرأة. مؤخراً كنتُ في سينودس الشبيبة في الفاتيكان لمدة أربعة أسابيع مع غبطة البطريرك، وكانت إحدى التوصيات إعطاء المجال للمرأة في مختلف قطاعات الكنيسة، طبعاً لا نتحدّث عن الرسامة الكهنوتية ولكن هناك أمور كثيرة تستطيع المرأة القيام بها، ونحن يجب علينا أن نفتح لها المجال ونتحرّر من الذكورية، مثلاً عند تعييني في اللجنة الاقتصادية وللمرة الأولى في تاريخ الأبرشية هناك سيّدتان أصبحتا معنا، مع الرجال على الرغم من أن اللجان كلها ذكورية. منذ بضعة أيام قلت لمجلسنا الأعلى هل يُعقل ألا يضمّ المجلس الأعلى للطائفة إمرأة! كما قلتَ المرأة نصف المجتمع، يجب أن نفتح المجالات للمرأة لتأخذ دورها حتى في التبشير والرسالة، هناك سيّدات لديهنّ إمكانيات أكثر بكثير من الرجال، يجب أن نعطيهنَ المجال ونثق بهنَ، وهذه إحدى توجّهاتي في الأبرشية لإعطاء دور أكبر للمرأة، وطبعاً لا نتحدّث هنا عن الرسامة الكهنوتية ولكن هناك أمور أخرى يستطعن القيام بها.

غسان الشامي: أريد فقط بكلمة المانِع من أن تكون المرأة في سلك الكهنوت.   

جورج بقعوني: يسوع المسيح عندما أسّس سرّ الكهنوت ونحن قادمون على خميس الأسرار أسّسه مع الرسل مع أن والدته مريم كانت ترافقه وكان هناك نساء ترافقنه.

غسان الشامي: المريمات ومارتا.  

جورج بقعوني: وأيضاً سوسانا ومريم المجدلية وعدّة نساء وكُنّ يبذلن أموالهنّ في خدمة يسوع وفقاً لإنجيل لوقا، ولكنه في ليلة خميس الأسرار، ليلة الفصح اكتفى بدعوة الرسل فقط، حتى أنه لم يدعُ والدته، إذاً هذا ما أسّسه المسيح مع الرجال فقط ونحن التزمنا بذلك.  

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع سيادة المطران جورج بقعوني مطران بيروت وجبيل للروم الملكيين الكاثوليك، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم، لفتني وأنا أبحث في الكنيسة وتحديداً مطرانية بيروت أن هناك ديراً في اللقلوق في أعالي جبل لبنان باسم دير الميلاد، هناك وفي الألف الثالثة كهنة متوحّدون هناك، يعيشون بما تنتجه الطبيعة ويرسمون الأيقونات، تقرير عنهم ونعود إلى الحوار مع سيادة المطران جورج بقعوني.

تقرير:

في التاسع من أيلول عام 1994 أُعطي ستة رهبان إمكانية عيش خبرة رهبانية توحّدية تقليدية مدة ثلاث سنوات، وبعد سنتين اشترى الرهبان بفضل هبة مالية من سيّدة فرنسية قطعة أرض مساحتها ثمانية آلاف متر مربّع وترتفع 1850 متراً عن سطح البحر في منطقة اللقلوق بقضاء جبيل.

سجّلوها باسم أبرشية بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك، وفي نيسان من عام 1997 منحهم السينودس بركة بناء دير والإقامة فيه، وبدأ العمل بتبرّعات من محسنين، وانتقل الرهبان إلى الدير في خريف العام نفسه، كما اختاروا إسم جماعة دير الميلاد الإلهي ودُشّنت كنيسة الدير.وفي أيلول عام 2003 مُنح الدير الاعتراف الكنَسي كدير توحّدي مستقل تابع لسلطة مطران بيروت وجبيل.

يتبع الدير طريقة روحية ونظام حياة الرهبانية الشرقية التوحّدية التقليدية اعتماداً على النصوص الإنجيلية والآبائية كمرجع، وغاية توحّد الرهبان هي اتحادهم بالسيّد المسيح والعيش مثل حياته الخفيّة في الناصرة وبيت لحم مرتكزين على الصلاة والخفاء والبساطة والفقر والاستسلام لمشيئة الله.

يعمل الرهبان خمس ساعات ونصف ساعة في اليوم يقومون خلالها بجميع الأعمال الديرية بما فيها إعداد الطعام والاعتناء بالبستان وبحديقة الدير، ويعتمدون في معيشتهم على المشغل الذي يضمّ مشغل التصوير الحرفي "نور من لبنان" ومشغل الخشب.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، صاحب السيادة الدير في اللقلوق تابع لأبرشيتكم وهو بعيد، أولاً ملفت للنظر الفكرة، كيف جاءت فكرته؟ ما الرسائل التي يقدّمها دير برهبان متوحّدين في هذا العالم المعاصر؟

جورج بقعوني: مثل ما قدّم مار شربل رسالة، اليوم أكثر مَن يؤثر في المجتمع المسيحي وغير المسيحي في لبنان كشخصية مسيحية هو القديس شربل الذي كان متوحّداً، ولكن نحن لا نستطيع أن نرى أبعاد الخير الذي يقدّمه الراهب المتوحّد إلا مع السنوات في صلاته وفي عيشه القِيَم الإنجيلية ضمن جماعته وأيضاً في شهادة حياته، كل هذه المسألة لها تأثير كبير، وهذا الدير هو ملجأ للكثير من الأشخاص الذين يودّون الصلاة والاعتراف والاسترشاد والتساؤل، وأنا أيضاً من الأشخاص الذين أذهب إليهم لأعترف. لديهم رسالة جميلة جداً ويطلبون دوماً من الكنيسة أن تكون في العالم ونحن في العالم، ولكن ربنا أعطى مواهب متعدّدة وأعطانا هذه الموهبة البركة بأن يكون هنالك أشخاص منصرفين للصلاة والعمل وعيش حياة الرهبانية بجذريتها وبأصولها، هذه أراها بركة كبيرة وصعبة أيضاً، هي ليست بالمسألة السهلة مع الثلج والحرّ، أن تبقى بعيداً عن العالم ومغرياته، حتى مغرياته الإيجابية ولا نتحدّث عن المغريات السلبية، شهادة أن الإنجيل يُعاش في عالم اليوم.  

غسان الشامي: ولكن صاحب السيادة النسك في بداية المسيحية كان له طرق، أنت تعلم هناك 12 طريقة للنسك، ناسك الوقوف، العمودي، هذا النسك كان مقصداً للناس، مار شربل جاء أيضاً في وقت كان الوضع صعباً في جبال لبنان، الآن نحن في القرن الوحد والعشرين بكل صعوباته ومغرياته الإيجابية والسلبية، هذا أمر ملفت للنظر أن يأتي شباب ويذهبون لأن يكونوا متوحّدين.

جورج بقعوني: نعم وهذا أمر جيّد، نحن لا نستطيع أن نستوعب كيف يعمل الروح القدس، يعطيك كهنة ورهباناً ينصرفون إلى الكتابة والتأليف، يعطيك رهباناً للتعليم، يعطيك كهنة لمختلف القطاعات في المجتمع وفي العلوم، ويعطيك أيضاً كهنة ينصرفون إلى الصلاة والعبادة والعمل اليدوي، يعطينا رهباناً. هذا عمل الروح القدس الذي يرفد كنيسته في مختلف أنواع الدعوات لخير شعب الله ولخير كل شخص يرغب في التعرّف على يسوع المسيح.

غسان الشامي: قال لي البعض أن أسألكم أن القضاء الكنَسي رتيب ومملّ، أتكلم بصراحة، وأن البتّ في الدعاوى يأخذ أحياناً سنوات، لماذا إذا كان هذا الكلام في جادة الصواب؟

جورج بقعوني: كان فيه الكثير من الصحة إلى حين أصدر البابا فرنسيس مما يزيد على سنة ونصف السنة وثيقة "يسوع العطوف الرحوم"، في هذا القرار خفّف البابا من إجراءات المحاكمة واتّبع المسار المختصر، حتى أنه أعاد للأسقف إمكانية إجراء بطلان زواج ضمن شروط معينة، فعندما يكون هناك اتفاق بين الطرفين وحين تكون هنالك أسباب واضحة للبطلان أصبح بالإمكان إنهاء القضية خلال ثلاث أو أربعة أشهر. المسألة أحياناً تُطرح حينما يكون هناك خلاف بين الطرفين، إذا لم يستأنف أحد الطرفين حكم محكمة البداية تنتهي الدعوى في محكمة البداية، منذ سنة ونصف السنة كان الاستئناف إلزامياً ولم تكن دعوى البطلان تنتهي لدى محكمة البداية، الآن تنتهي إلا إذا أراد أحد الطرفين أن يستأنف. اليوم لم يعد هناك مبرّر للتأخير إلا إذا أراد أحد المتداعيين أن يضغط بواسطة محاميه، أحياناً يتأخر في حضور الجلسات وأحياناً يطلب التأجيل أو التدخّل. نحن نتبع القانون ولا نستطيع أن نتجاوزه ولكن حين يكون هناك سلام على الأقل بين الطرفين لإبطال الزواج فالمسألة تسير بشكل أسرع شرط أن يكون هناك سبب للبطلان، وأحياناً لا يكون هناك سبب.

غسان الشامي: أنت تقصد حالات الطلاق.

جورج بقعوني: بطلان الزواج.

غسان الشامي: ولكن صاحب السيادة كلّما سرّعنا بهذه الحالات بوجود خلافات عائلية كلّما حصنّا العائلة، أن يدخل القضاء الكنَسي في آليات وميكانيزمات القضاء المدني والاستئناف وما شابه ذلك معنى ذلك أن الأمور ستأخذ سنوات أيضاً من جديد.

جورج بقعوني: أصبحت تستغرق سنوات إستثنائياً، اليوم أصبح من الطبيعي أن لا تستغرق وقتاً طويلاً، إن كان في المسار المختصر بضعة أشهر أو في محكمة البداية سنة على الأكثر. إذا كانت الأمور تسير بطريقة سليمة سوف تنتهي، نحن اليوم ليس هدفنا تعذيب الناس وقهرهم، يكفي قهرهم ومشاكلهم ولكن أحياناً حين يضغط أحد المتداعيين هذا ما يسبب التأخير كما في المحاكم الأخرى، أما البابا فرنسيس وانطلاقاً من الرحمة التي ينادي بها أخذ قرارات تاريخية في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية لتسهيل هذا المسار وإراحة الناس، الناس محقّون في ما يقولون، لا يُعقل في ظل وجود الخلافات والمشاكل والدعاوى أن نُرهق الناس وندفعهم إلى خيارات أخرى كتغيير الدين أو الإلحاد أو العيش بطريقة خاطئة بسبب عدم القدرة على تخليص معاملاتهم في الكنيسة، أنت محقّ.

غسان الشامي: سيّدنا سأذهب إلى السنوات الأربع ونيّف التي قضيتها في حيفا وسائر الجليل، أولاً أسألك عن وضع الأبرشية التي تركتها.

جورج بقعوني: أبرشيتنا هناك هي إحدى أكبر الأبرشيات في الشرق الأوسط، فيها 70 ألفاً من الروم الكاثوليك من أبناء البلد لأن الظروف الإقليمية هناك لا تسمح بمجيء روم كاثوليك من لبنان أو من سوريا أو من دول أخرى للعيش في الأبرشية، إذاً لدينا 70 ألفاً من أبناء الأبرشية، 32 رعيّة، 36 خورياً عدا الرعايا المهجّرة، نتحدّث عن 32 رعيّة في الخدمة، لدينا عدّة مدارس ومؤسّسات للأبرشية وأملاك، والأبرشية ناشطة جداً، أنا كنت أقوم بأول قربانة مقابل عيتا الشعب مباشرة على حدود لبنان في بلدة إسمها فسوطة التي جميعها من الروم الكاثوليك، 3000 تقريباً، كل سنة بين 56 و 70 ولد في أول قربانة.

غسان الشامي: وهي شلفة حجر من لبنان.

جورج بقعوني: نعم هي على الحدود مباشرة، سابقاً كنت أمرّ في عيتا الشعب وأرى فسوطة في الجانب المقابل حينما كنت مطران صور، الآن صرت أذهب إلى فسوطة وأشاهد عيتا الجبل في الجانب المقابل. في هذه الرعايا هناك أعداد كبيرة من الاحتفالات والقربانات ومن أبنائنا من ذوي المراكز العلمية على مختلف الأصعدة وفي مجالات كثيرة، كنيستنا حيّة جداً هناك.

غسان الشامي: في مجتمع متنوّع كالجليل كيف كانت شروط العمل الكنَسي، الرَعوي، الاجتماعي، الثقافي؟  

جورج بقعوني: العرب المسيحيون اليوم يشكّلون 1.7% فقط من عدد السكان، أولاً نحن أقلية، هناك مسيحيون غير عرب يسكنون هناك خاصة المرسلين الأجانب الذين جاؤوا إلى الأماكن المقدّسة، والروس الأورثوذكس الذين هاجر قسم منهم، وكذلك من العاملين من الفليبين ومن دول أخرى، أما العرب لأنهم أقليّة أين يعبّرون عن هويتهم؟ من خلال الكنيسة، عملياً أين؟ إما في الرعايا أو في المؤسّسات التي معظمها مدارس، فحينما تعرّضت مدارسنا لمحاولة خفض مخصّصاتها أعلنّا الإضراب وأقفلنا كل المدارس المسيحية لمدة شهر للمطالبة بإعطائها حقها في المخصّصات لأن المسألة ليست مسألة مدارس فقط إنما هي قضية هوية، أنتم تهدّدون هويتنا. لدينا تحديات كأية أقلية في أي بلد لأنه ليس لديك صفة تمثيلية قوية في المجالات الأخرى ويجب أن تحافظ على هويتك، جاؤوا بهويتهم أكثر إلى داخل الكنيسة.

غسان الشامي: هذا عبء على الكنيسة.

جورج بقعوني: طبعاً نحن بين العمل الروحي الرَعوي وبين الهوية، لذا هم متمسّكون كثيراً بطائفتهم هناك وكانوا يقولون لي نحن لا يوجد مَن يتكلم باسمنا غيرك كمطران.

غسان الشامي: ولكن الملفت أن السينودس قد انتخب مطراناً فلسطينياً خلفاً لك، هل هذا دفعٌ لعمل المطرانية مثلاً أو أن يكون إبن البلد هو راعي أبرشيتها؟

جورج بقعوني: من الأفضل دائماً أن يكون إبن البلد الذي يعرف واقع البلد والمؤمنين والواقع العملي اليومي، من الأفضل دائماً في جميع الأبرشيات أن يكون من الأبرشية أو ملمّاً بها، فانتخبنا كاهناً والرسامة بعد شهرين ونصف الشهر وأصله من عيلبون ومن سكان الناصرة إسمه يوسف متّى الذي سيصبح بعد الرسامة مطران الأبرشية وهو من البلد وهذه أبرشيته وخدم فيها ويعرفها.

غسان الشامي: في مجتمع تحت الاحتلال ونحن نعلم شروط الاحتلال، ألاعيبه السياسية والأمنية لتفتيت الهوية الفلسطينية، ماذا يمكن أن تقدّم الكنيسة من حماية للهوية الفلسطينية هناك؟

جورج بقعوني: نحن دافعنا كثيراً عن الهوية وعن الحقوق الفلسطينية، أنا في السنتين الأخيرتين كنت رئيساً لمجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأراضي المقدّسة أي ما يوازي مجلس البطاركة والموارنة الكاثوليك في لبنان، وأصدرنا بياناً من لجنة العدالة والسلام ضد التطبيع لأن الفلسطينيين مظلومون ولا يجوز التطبيع قبل إعطاء حقوق الفلسطينيين. مؤخراً عند صدور قانون القومية اليهودية أصدرنا بياناً وأنا مَن يوقّع هذا البيان أننا ضد هذا القانون. الدولة تدّعي أنها تسير وفقاً للقانون ولكن المشكلة عندما تسنّ قوانين ظالمة تناسبهم ولا تناسب الأقلية العربية الموجودة التي تشعر بالظلم، الكنيسة هي صوت يرتفع بطريقة سلمية ولكن يعبّر عن آلام وتطلّعات الشعب هناك ونقوم بذلك من دون خجل.

غسان الشامي: ماذا يحتاج أهل الجليل عموماً من محيطهم، من لبنان، من سوريا؟

جورج بقعوني: في كل مرة أسافر فيها إلى الجليل يطلب مني اللبنانيون أن أصطحبهم معي لزيارة الأراضي المقدّسة، وعندما أعود إلى لبنان يطلب أهل الجليل مني اللبنانيون أن أصطحبهم معي لزيارة لبنان، لبنان بالنسبة لهم هو حلم، حتى في الفن تجد أن المطربين اللبنانيين العظام لهم أهمية استثنائية هناك، شاشات التلفزة اللبنانية كلها تُتابع هناك، لبنان بالنسبة لهم مثال وطموح ويحبّونه جداً ويحبّون زيارته. أنا أسأل نفسي متى سيُسمح في لبنان، قد تحدّد الدولة عمراً معيناً فوق ال 50 عاماً مثلاً وتسمح للمسيحي بزيارة الأراضي المقدّسة حتى لأسبوع واحد في حياته، لا يُعقل أن يُحرم المسيحي من زيارة القدس أو بحيرة طبريا، قسم كبير من رسالة يسوع هي في الجليل.

غسان الشامي: إن لم يكن أغلبها.     

جورج بقعوني: نعم في الجليل، أن يذهب إلى الناصرة، أنا حصلت على هذه النعمة والبركة، جبل الكرمل مكان وجود النبي إيليا، كل هذه الأمور، لماذا يُحرم المسيحي؟ كانوا يقولون لي نحن روم كاثوليك ولكن ماذا يربطنا بكنيستنا، نحن لا نستطيع الذهاب ولا هم يستطيعون المجيء، لا نرى أحداً منهم ولا هم يروننا، هذا أمر مؤلم. الروم الكاثوليك متمسكون بمسيحيتهم وبكنيستهم، صدّقني أنك لو حضرت الاحتفالات في حيفا أو في القرى ستشعر أنك هنا والوعظ بالعربية والصلاة بالعربية، الحال نفسه، ولا فرق سوى هذه الحدود، وهم بحاجة إلى التواصل، هم بحاجة لرؤيتنا وزيارة لبنان ولو لمرة واحدة، يحبّون زيارة مار شربل ودير المخلّص.

غسان الشامي: دير المخلّص هو الأساس في الكثلكة.  

جورج بقعوني: للمعلومات فقط أن قسماً كبيراً من الرعايا كان يخدمهم رهبان المخلصية حينما كانت الحدود مفتوحة، وحتى اليوم لا يزال رهبان المخلصية يخدمون هناك في عدّة أماكن لكن بعدد أقل، لم تكن هناك حدود جغرافية.    

غسان الشامي: بماذا استفدتَ من تجربة الخدمة ضمن هكذا أجواء فيها ضغط سياسي وفيها عملية الحصار التي تحدّثتَ عنها؟  

جورج بقعوني: بداية استفدتُ في الاتكال على المسيح العابر للحدود والعابر لجميع الحواجز. أنا خدمت في لبنان وفي حمص لفترة معينة كمدبّر وخدمت أيضاً في الجليل، وكنت أرى حدود لبنان من الجهتين. ما تعلّمته أن الإنسان بحاجة للسلام وبحاجة إلى الحصول على حقوقه، كل إنسان على وجه الأرض لا يستطيع العيش بكرامة إذا كانت حقوقه منقوصة، والإنسان إنسان، وهناك حاجة وعطش وأحياناً التحديات الرعوية وكما نقول "كما حنّا كما حنين"، وبحاجة لأن تكون الكنيسة قريبة منهم وقريبة من الشبيبة ومن تطلّعاتهم، نفس التحديات الموجودة لدينا في لبنان وفي الشرق. تعلّمت أن هناك المزيد من الخير، وحين كنا نجمع المال سنوياً قبل عيد الميلاد كنا نقوم بذلك لنساعد المسيحيين في سوريا، وعلى عدّة سنوات قدّمنا مبلغاً كبيراً في الأبرشية وقمنا بتحويله بواسطة مؤسّسات مسيحية أوروبية لأنك تعرف الظروف ولكننا كنا نجمع مبلغاً كبيراً ونقوم بتحويله بغرض مساعدة المسيحيين. تعلّمت أن التضامن المسيحي موجود، شعور الانتماء للكنيسة لا يزال موجوداً رغم كل الحدود والمشاكل والوضع الإقليمي، شخص يسوع المسيح يجمعنا ولا يزال يجمعنا.

غسان الشامي: أتيت على الوضع في سوريا أي ما يقدّمونه لسوريا وكما قلت أنك في بدايات الحرب كنتَ مدبّراً بطريركياً في يبرود وحمص، هي أبرشية، هناك الآن نازحون سوريون، هناك الكثير من الروم الكاثوليك الذين جاؤوا من سوريا إلى لبنان في هذه الحرب، ماذا تقدّم لهم الكنيسة؟ كيف يمكن إعادتهم؟ مدارسكم ماذا تفعل لأبنائهم صاحب السيادة؟ 

جورج بقعوني: هناك الكثير من الأمور التي تمّت خاصة في أبرشيات البقاع وتم استقبال الكثير من المسيحيين في المنازل، مشكورون المطارنة والكهنة في هذه الأبرشيات الذين قدّموا كل هذه الخدمات، يقدّمون على قدر استطاعتهم.  

غسان الشامي: في بيروت؟

جورج بقعوني: في بيروت يوجد في بعض الرعايا، مبادرات على صعيد رعايا أما على صعيد الأبرشية كعمل منظّم لا، ولكن في الرعايا وحيث توجد الحاجة فإنهم يقفون إلى جانبهم خاصة في برج وحمود ومناطق متعدّدة، هناك الكثير من الخدمة، أيضاً نسهّل عمل المؤسّسات التي تقدّم المساعدات ونساعدها في عملها أقلّه في الأمور الرسمية.   

غسان الشامي: حتى تساعدون مثلاً أبرشية زحلة المطران درويش؟ هل من تنسيق؟

جورج بقعوني: ننسّق حيث تستدعي الحاجة ولكن المطران عصام يقوم بعمله على أكمل وجه مشكوراً.

غسان الشامي: والمدارس هل تستوعب؟  

جورج بقعوني: مدارسنا في بيروت قليلة ولا تُستعمل ولم يُطلب منا ذلك، لا مانع لدينا ولكن لم يُطلب منا ذلك.                     

غسان الشامي: شكراً جزيلاً على سعة صدرك صاحب السيادة.

جورج بقعوني: أهلاً وسهلاً.

غسان الشامي: صعوبات كثيرة تعترض العمل الكنَسي في حياتنا المعاصرة ولا سيّما في ظل انتشار التكفير والتعصّب وفي ظل تحديات هذه الحياة، لكن أصحاب العقول وذوي النهى والإيمان والحق يمكنهم التغلّب دائماً. شكراً لسيادة المطران جورج بقعوني على حضوره في أجراس المشرق، نتمنّى لك سيّدي عملاً صالحاً ومثمراً في الأبرشية الجديدة، نعايدك أيضاً ونعايد كل الذين يعيّدون عيد القيامة على التقويم الغربي ونأمل أن يصبح عيداً واحداً لا شرقي ولا غربي، عيداً واحداً للجميع. كل الشكر للزملاء في البرنامج الذين يقرعون معي هذه الأجراس، لكم أنّى كنتم سلام عليكم وسلام لكم، شكراً سيّدي.