معتصم الحارث الضوي - عبد الرحمن الأمين

 

 

المحور الأول

 

وفاء العم: وسط استمرار الاعتصامات السودانية أمام مقرّ قيادة الأركان، تتسارع الخطى في الخرطوم من أجل وضع خارطة طريقٍ للمرحلة الانتقاليّة. لقاءاتٌ بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، تخيّم عليها أجواءٌ إيجابيّة بحسب تصريحات الطرفين.

اجتماعاتٌ تبدأ اليوم للنظر في القضايا الخلافية منها صلاحيات مجلس السيادة، ومدة الفترة الانتقالية، وكيفية تسليم السلطة لحكومةٍ مدنية، ما يطرح التساؤل عن شكل المجلس المقبل، هل سيكون مدنياً بعناصر عسكريّةٍ أم العكس؟

هذه الاجتماعات يبدو أنّها أثارت استياء بعض الأحزاب على اعتبار أنّ التفاوض يجري بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، فأيّ دورٍ لتلك الأحزاب في المرحلة المقبلة؟

تحديات الداخل الأمنية والسياسية والاقتصادية توازيها تحديات الخارج، في ظل دخول السعودية والإمارات على الخطّ، عبر دعمها المجلس العسكري، وتقديم مساعدات مالية للخرطوم، في مقابل مخاوف تركيا من خسارة موقعها في السودان.

وكما يبدو، فإنّ عمر البشير كان قد أرسى علاقاتٍ محلية وإقليمية ودولية معقدة، فهل ينجح السودانيون في تفكيكها وإعادة بنائها بما يحفظ سيادة وأمن السودان؟ أيّ شكلٍ لمستقبل السودان سيكون في مرحلة ما بعد البشير؟

هذا ما سنناقشه مع ضيفينا الكاتب والباحث السياسي الأستاذ معتصم الحارث الضوي، والأستاذ عبد الرحمن الأمين رئيس تحرير صحيفة الصيحة.

فأهلاً بكم في حوار الساعة.

 

(فاصل)

 

وفاء العم: أرحّب بكما مجدّداً ضيفينا الكريمين. أبدأ منك أستاذ معتصم. يبدو بأنّ هناك أجواء إيجابية. هذا ما نقرأه ونتابعه عبر الأخبار، بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري.

هل هذا مؤشر إلى أنّ المرحلة الانتقالية في السودان ستكون سلسة؟

 

معتصم الحارث الضوي: شكراً جزيلاً أستاذة وفاء، وتحية لك ولجمهور قناة الميادين الموقّرة.

 

وفاء العم: أهلاً بك.

 

معتصم الحارث الضوي: الاجتماع الذي جمع بين المجلس العسكري الانتقالي والقوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير مساء الأربعاء، أي منذ يومين، كان في تقديري المتواضع، نقطة فاصلة في صوغ العلاقة بين هذين الجسمين اللذين اتسمت علاقتهما في مرحلة سابقة بالكثير من التشاحن، خصوصاً أنّ قوى الحرية والتغيير كان لها موقف سلبي ممّا أسمته تعنّتاً ومحاولات للتعالي من المكتب السياسي التابع للمجلس.

اجتماع مساء الأربعاء كان نقطة تحوّل باعتباره أزال الكثير من نقاط الاختلاف بين الطرفين المتفاوضين، واتسم أيضاً بكثير من الجو الودي للغاية، لدرجة أن ما رشح عن الاجتماع يشير إلى أنّ الفريق أول البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي حتى وصل إلى مرحلة أنه كان يتحدث عن بعض همومه أو بعض المصاعب التي يعانيها في إدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، وقال لأعضاء قوى إعلان الحرية والتغيير إنه يواجه ضغوطاً متعدّدة من جهات مختلفة، وما إلى ذلك.

لكن ما زالت هناك نقطة عالقة أو بعض النقاط العالقة كما يعلم الجميع، وعلى رأسها مسألة تشكيل المجلس السيادي تحديداً الآن، حيث كما أشار المتحدث الرسمي باسم المجلس العسكري الانتقالي، إلى رغبة المجلس بالاحتفاظ بهذا الجسم في المرحلة المقبلة، في حين ترفض قوى إعلان الحرية والتغيير، والأهمّ من ذلك بكثير أنّ الشارع السوداني، وهو القوة الأقوى في المرحلة الحالية، يرفض ذلك تماماً.

يمكن الحديث بأنه يوجد قبول عام في الشارع السوداني لمجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري محدود كما أشار الشريط المتحرك لديكم، تحديداً يقصد بذلك بأنّ التمثيل العسكري المحدود يعني أنه وجود لوزيرين، وزير للدفاع ووزير للداخلية في المجلس السيادي.

 

وفاء العم: سأعود إلى هذه النقطة، حتى فقط لا نقفز على المحاور. فقط أودّ الحديث عن العلاقة الآن التي تبنى بين المجلس العسكري وبين قوى الحرية والتغيير.

هل هذا يؤشر إلى مرحلة انتقالية سلسة، أم ربما لا نعلم إن كانت هناك تعقيدات ستطرأ في المرحلة المقبلة؟ هذا التفهّم، أو الأجواء التي وصفتها هل تستمرّ أم تخضع للضغوط الخارجية؟

هذا محطّ تساؤل، ولكن اسمح لي أيضاً في نفس الوقت، أن نشرك معك الأستاذ عبد الرحمن الأمين.

أستاذ عبد الرحمن، هذه الأجواء الإيجابية هل من الممكن أن تواجه تعقيداً بمعنى أنّ ضغوطاً تُمارَس على المجلس العسكري، وبالتالي يخضع لهذه الضغوط، بما يعقّد ربما المشهد السوداني؟

 

عبد الرحمن الأمين: طبعاً أنتم تعلمون أنّ الاجتماع الذي انعقد بين المجلس العسكري الانتقالي والقوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير كان الهدف منه إعادة بناء الثقة بين الطرفين، لطالما تبدّدت هذه الثقة في المرحلة السابقة. ليس صحيحاً القول إنه تم الاتفاق على نقاط، ولكن الصحيح أنّه تمّ تحديد النقاط الخلافية، وتمّ تكوين لجنة مشتركة للنظر فيها ومحاولة الوصول إلى اتفاق في شأنها.

النقاط الخلافية كما تعلمون هي الفترة الانتقالية، وأنتم تعلمون أنّ المجلس العسكري حدّد الفترة الانتقالية بعامين، فيما ترى القوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير أن تمتدّ إلى أربعة أعوام، بحسبان أنّ النظام البائد قد امتدّت فترة حكمه إلى ثلاثين عاماً، وأنشأ دولة عميقة تحتاج إلى فترة زمنية مطوّلة، حتى يمكن تفكيك هذه الدولة العميقة.

نقطة الخلاف الثانية كانت قد نشأت في شأن، من الذي يمارس أعمال السيادة في الفترة الانتقالية. المجلس العسكري يقول بأنه يجب أن تقصر عليه أعمال السيادة، بينما ترى القوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير، أن يتكوّن مجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري، وهذه هي النقاط الخلافية التي ستعكف عليها اللجنة في اجتماعاتها ابتداءً من اليوم. أنا تقديري أنّه يمكن جداً تجاوز هذه النقاط الخلافية، باعتبار أنّ المجلس العسكري سيوافق في النهاية على أن تكون القوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير هي التي تشكّل الحكومة المدنية في الفترة الانتقالية.

كانت اللجنة السياسية التي رفضتها قوى الحرية والتغيير قد فتحت الباب واسعاً لكل القوى السياسية، حتى تلك التي شاركت النظام البائد في حكمه، إلى درجة أن الناطق الرسمي قال بأن اللجنة السياسية قابلت في الفترة الماضية 318 جسماً سياسياً أو منظمة، وتلقّت 125 مبادرة، والحرية والتغيير تقول إنه لا ينبغي لقوى شاركت النظام حتى غروب شمسه أن تكون مشاركة كذلك في الفترة الانتقالية، وأنّ فتح اللجنة السياسية لهذا الباب واسعاً يُراد منه إغراق الساحة، ومن ثمّ القول إنّ هذه القوى السياسية المتناسلة والمتكاثرة يجب السعي إلى اتفاقها، ومن ثمّ إيجاد فقرة لتكوين حكومة انتقالية كيفما اتفق.

 

وفاء العم: ما تقوله مهمّاً.

 

عبد الرحمن الأمين: في شأن المجلس السيادي، أنا تقديري هناك ثلاثة خيارات. إما أن يكون التمثيل عسكرياً، وإما أن يكون التمثيل مدنياً يدخل عليه تمثيل عسكري محدود، وإما أن يكون تمثيلاً مدنياً خالصاً، وتعلمون أنّ هناك ضغوطاً دولية، إلى أمس كانت الولايات المتحدة الأميركية تقول، ومشرّعون في الكونغرس الأميركي أعدّوا مذكرة، قالوا إنّه ينبغي على الولايات المتحدة ألا تعترف بالمجلس العسكري، وكذلك أنه لا ينبغي التعامل ولا إجراء مفاوضات مع السودان لرفع إسمه من لوائح الإرهاب، ما لم يتمّ تسليم الحكومة لجسم مدني.

كذلك الاتحاد الأفريقي كان قد أمهل السودان لأول مرة 15 يوماً، ثمّ جرى التمديد إلى ثلاثة أشهر، هذه كلها ضغوطات تمارَس على المجلس العسكري.

 

وفاء العم: هذا ما كنت أودّ الوقوف عنده أستاذ عبد الرحمن. عندما يكون المجلس في اجتماعاته منفتحاً ليتحدّث عن وجود ضغوط، نحن نتحدّث هنا عن ضغوط داخلية أو ضغوط خارجية؟ وإذا كانت ضغوطاً خارجية، هي ضغوط إقليمية على اعتبار بأن هناك أطرافاً إقليمية بدأت ربما تدعم المجلس العسكري، أم هي ضغوط دولية تتعلق فقط بضغوط الولايات المتحدة الأميركية؟

 

عبد الرحمن الأمين: الضغوط الواقعة على المجلس العسكري ضغوط داخلية وضغوط خارجية. الضغوط الخارجية الداخلية تتمثل في أنّ النظام القديم الذي يمثله حزب المؤتمر الوطني البائد ومَن حالفه، هؤلاء ما زالوا متمترسين، وهؤلاء ما زالوا ممسكين بالكثير من مفاصل الدولة، ومن ثمّ يشكّلون ضغطاً، تعلمون أنّهم كانوا قد أعلنوا أنهم يوم الإثنين المقبل سيسيّرون مسيرة للدفاع عن الشريعة. هم يضعون الشريعة واجهةً لكنّهم يريدون من وراء ذلك أن يقولوا نحن هنا، وأنّ على المجلس العسكري أن ينتبه إلى أننا ما زلنا قوة موجودة في الساحة، وضاغطة، وهذا يشكّل ضغطاً على المجلس العسكري.

الضغط الثاني، تعلمون أنّ المنظمات، الاتحاد الأوروبي قال إنه لن يعترف بنظام الحكم العسكري في السودان، الاتحاد الأفريقي قال إنّ على المجلس العسكري أن يسلّم السلطة في غضون ثلاثة أشهر، الولايات المتحدة قالت إنها لن تعترف بنظام الحكم العسكري. هذه كلّها تمثّل ضغوطاً خارجية، ومن ثمّ فإنّ المجلس العسكري يجد نفسه بين قطبي رحى.

 

وفاء العم: أستاذ معتصم، عندما نتحدّث عن عقدة تشكّل المجلس في المرحلة الانتقالية، هل هو مجلس مدني بوجود عناصر عسكرية تمثله، أم هو سيبقى بهذا الشكل، مجلس عسكري وفيه مشاركة من القوى المدنية؟ هل يمكن أن يتحوّل ذلك إلى عقدة ربما تعكّر الانتقال، لنقل يعكّر صفو المرحلة الانتقالية في السودان؟

 

معتصم الحارث الضوي: لا أظنّ ذلك. أرى أنّ المجلس العسكري الانتقالي ربما يحاول، لعله يقامر أو يغامر، وأتمنى ألا يكون هذا المصطلح فيه بعض من المبالغة، يحاول الحصول على، نَيْل أكبر مكاسب ممكنة في المرحلة المقبلة على حساب تمثيل المدنيين في المجلس السيادي. لكن قد تكون تلك مناورة كما ذلك لمحاولة الحصول على مقاعد أكثر في المجلس السيادي، علماً أنّه ربما يمكن الحديث عن شبه إجماع في الشارع السوداني بقبول الخيار الذي يشير إلى أغلبية مدنية في المجلس السيادي وتمثيل عسكري محدود.

هذا الرأي وهذا الخيار قد أصبح مقبولاً لدى الكثيرين، وربما في ظل غياب أدوات لقياس الرأي العام، إذا أخذنا آراء الإعلاميين بشكل عام، أو حديث الإعلاميين والقطاع الصحافي في السودان، في داخل أو خارج السودان عن هذه القضية، نجد أنّ معظمهم يميل إلى القبول بهذا الخيار، علماً بأنّ القوة الأعظم في الشارع السوداني الآن والتي تؤثر على محور أو تفاعلات وتماحكات حتى القوى المختلفة، سوى المجلس أو القوى، هو الشارع الذي يتمثل في الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، وكذلك في المدن الأخرى، وبعض التظاهرات التي تنطلق هنا وهناك.

هناك مطالب شعبية ينبغي أو يجدر أو حتى دعوني أستخدم صفة الوجوب، يجب على أيّة جهة كانت، سواء المجلس أو قوى إعلان الحرية والتغيير، الانصياع لها، وأستخدم كلمة الانصياع وأعنيها تحديداً، لماذا؟ لأنّ الشعب لم ينتفض لتحقيق مطالب محدودة في المرحلة المقبلة. أتفق مع الأستاذ عبد الرحمن الأمين بأنّ المرحلة المقبلة قد

يكون فيها بعض الخلافات، وتشكيل اللجنة بلا شكّ هو يُعَدّ، تشكيل اللجنة المشتركة بين الطرفين، بلا شكّ هو خطوة إيجابية في إطار ما تحدّثت عنه سابقاً من وجود التذليل، أو سعي جاد لتذليل نقاط الخلاف الرئيسة ما بين الطرفين. الشارع هو الحاكم، هو الفيصل في هذه المعادلة، وعلى الجميع بلا شكّ أن ينصاع له ولإرادته.

 

وفاء العم: أستاذ عبد الرحمن، يؤخذ على قوى الحرية والتغيير بأنّهم لم يفصحوا للشارع السوداني بتفاصيل ما حصل خلال الاجتماع بالمجلس العسكري. هل هذا صحيح؟ هل الصورة غير واضحة بما تمّ الاتفاق عليه والتوافق حوله؟ وما هي النقاط التي تمّ الاتفاق حولها؟ وما هي النقاط التي ستشكّل لجنة لمناقشتها وحلحلتها إذا ما استبعدنا قضية الخلاف الظاهر بمسألة شكل المجلس المقبل الذي سيقود المرحلة المقبلة؟

 

عبد الرحمن الأمين: الشارع هو الذي أنجب هذه القوى، قوى الحرية والتغيير، والشارع هو الذي ساند تجمّع المهنيين، والشارع هو الذي انتصر لثورته، والشارع هو الذي قاد مسيرته، ومن ثمّ فإنّ الشارع لصيق، ولا يحتاج إلى مسيرة تعطيل، ربما كانت الإيجابية الوحيدة التي أثمرت عن لقاء المجلس العسكري مع قوى الحرية والتغيير أنه لأول مرة يعترف المجلس العسكري بأنه لقوى الحرية والتغيير الدور الرائد والمبادر والقائد في الثورة، هذا يعطيه ميزة إيجابية على كل القوى السياسية الأخرى التي قابلتها اللجنة السياسية أو قابلها المجلس العسكري.

الشارع يعلم كذلك يقيناً نقاط الخلاف، مثلما قلت لك، نقطة الخلاف ربما في الفترة الانتقالية، طبعاً العسكريون قالوا بفترة عامين، وهذه من جانب العسكريين، الناس يعتبرونها حتى فترة مطوّلة، لأنّ بين الناس من يخشون ويخافون من أن يستلم العسكريون السلطة، ثمّ بعد ذلك لا يتخلّون عنها. أظنّ يقولون نقتدي بسوار الذهب، تعلمون أنّ سوار الذهب هذا كان قائد جيش وانحاز إلى الشعب في انتفاضة أبريل من العام 1985، وكانوا يقولون إنّ سوار الذهب كان خلف تنفيذ الانقلاب العسكري على الحكم، ليس على مستوى الحزب، إنما على مستوى العالم أجمع. لذلك، يرى البعض أنّ العسكريين إن دخلوا إلى السلطة فإنّهم لن يخرجوا منها.

نقطة الإشكال الآن، قوى الحرية والتغيير تعلن عن فترة انتقالية أربع سنوات، وإذا ما صاحبها المجلس العسكري بسطوته السيادية المنفردة، فإنّ الأزمة تبدو كبيرة جداً، أنهم بعد أربع سنوات، يصعب أن يتخلّى العسكريون عن السلطة.

 

وفاء العم: ربما نواصل النقاش، ولكن نستعرض ربما ما جاء في صلب هذا النقاش، ما جاء في صحيفة الأخبار اللبنانية، "أول تنازلات الحرية والتغيير: نحو مجلس مشترك مع العسكر"، فاطمة المبارك.

 

الأخبار اللبنانية: أوّل تنازلات "الحرية والتغيير": نحو مجلس مشترك مع العسكر، فاطمة المبارك

بعد محاولاته تجاهل قيادتها للحراك الشعبيّ، استطاعت قوى "إعلان الحرية والتغيير" فرض نفسها على "المجلس العسكري" وإجباره على التنازل عن الكثير من قراراته، ما دفعه إلى الاجتماع بها من جديد، في تجاهلٍ إضافيٍ لبقية قوى المعارضة، التي بدأت تتذمّر من الاجتماعات المغلقة. لكنّ علاقات "المجلس" الخارجية المشبوهة، ولا سيما مع السعودية والإمارات ومصر، لا تبدو هي محلّ الخلاف الأبرز معه بالنسبة إلى قوى "الحرية والتغيير"، التي لم تضع بين شروطها التفاوضية وقف استفراد "العسكري" بالملفات الخارجية كالمشاركة في حرب اليمن، بل اشترطت فقط إقالة أعضاءٍ فيه حاولوا الالتفاف عليها.

أجبر تمسّك قوى "إعلان الحرية والتغيير" بمطالبها، واستمرارها في الضغط على المجلس العسكري من خلال تعليق المفاوضات، ودعوة المعتصمين إلى عدم مفارقة الميدان، رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمّد حمدان دقلو (حميدتي)، على دعوتها إلى الاجتماع من جديد في القصر الجمهوري، حيث خضع الرجلان المقرّبان من محور السعودية والإمارات ومصر لمطالب كانت تلك القوى قد اشترطت تنفيذها قبل الدخول في التفاوض حول الترتيبات الانتقالية، وتمثّلت في الاعتراف بدورها في هذه الترتيبات كممثّلةٍ للحراك الشعبيّ، وفي إقالة بعض أعضاء المجلس.

القيادي في «الحزب الشيوعي السوداني»، عضو قوى «إعلان الحرية والتغيير»، صديق يوسف، في حديث إلى الصحيفة، يبيّن أن من بين النقاط الخلافية رغبة البرهان وحميدتي "في الاستمرار كمجلس عسكري، بينما تتمسك قوى إعلان الحرية والتغيير بوجود مجلس سيادي مدني". ويقول إن "الاجتماع أوصى بتكوين لجنةٍ من الطرفين للوصول إلى اتفاقٍ حول كيفية تكوين المجلس، بين أن يكون عسكرياً صرفاً أو مدنياً فيه تمثيل عسكري"، مضيفاً أنهم من ناحية مبدئية "منفتحون على حل وسطي".

 

وفاء العم: أستاذ معتصم، نسمع منك تعليقاً على ما جاء في المقال من تنازلات قدّمتها الحرية والتغيير، هذا أولاً. الأمر الآخر، هل هناك فعلاً استياء لدى الأحزاب المعارضة من استثنائها، أو ربما تهميشها من الاجتماعات الحاصلة لحساب قوى الحرية والتغيير؟

 

معتصم الحارث الضوي: أشكرك. أستاذة، دعينا نثبت في البداية أنّ وجود المجلس العسكري، وهنا أتحدّث ربما عمّا يشعر به الشارع السوداني، أنّ المجلس العسكري أن يحاول أن يفرض نفسه شريكاً في المجلس السيادي، هي خطوة لم تطالب بها الجماهير السودانية. الجماهير السودانية طالبت بتسليم السلطة لسلطة مدنية. كون المجلس العسكري، هنا ينبغي التحديد والتوثيق بأنّ الشعب السوداني لم يطالب الجيش باستلام السلطة، وإنما طالبه بالانحياز إليه، بمعنى تأمين الثورة وتأمين الانتقال السلس من نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى سلطة مدنية خالصة، وأركّز هنا على كلمة خالصة.

كون المجلس العسكري يحاول انتزاع المزيد من التنازلات من جانب قوى الحرية والتغيير التي بلا شكّ تمثّل وبشكلٍ واقعيّ، الشعب السوداني، هي محاولة مرفوضة من قطاع واسع للغاية من الشارع السوداني. هذه من ناحية. من الناحية الأخرى، كون قوى إعلان الحرية والتغيير قد قبلت بتمثيل أو ربما هي بصدد القبول بتمثيل عسكري محدود، هذا من باب البراغماتية السياسية، وبالنظر إلى تمثيل القوى، محاولة بالفعل إلى الانطلاق إلى الأمام من دون التوقف عند حجر أو اتخاذ مسألة وجود ممثلين للمؤسسة العسكرية في المجلس السيادي القادم، هذا بلا شكّ هو براغماتية ومرونة من جانب قوى إعلان الحرية والتغيير.

في المقابل، ينبغي ألا تُقابَل هذه الخطوة من جانب المجلس العسكري الانتقالي، ومرّة أخرى، أدّعي أنني أتحدث ربما باسم قطاع واسع في الشارع السوداني، بحسب ما أفهمه، هذه ينبغي ألا تُقابَل بالمزيد من التعنّت من جانب المجلس العسكري الانتقالي لأنّ ذلك سيتسبّب لا سمح الله في إفشال المفاوضات التي تجري الآن، والتي يرتقبها الشارع، ويقف الناس الآن في الاعتصام، بانتظار ما ستسفر عنه تلك المفاوضات.

على المجلس العسكري أن يكون مرناً، أن يقابل تلك المرونة والبراغماتية التي اتخذتها قوى إعلان الحرية والتغيير بالمقابل، بقدر مقابل أو مماثل لكي تنطلق العجلة إلى الأمام، ولا نتوقف عند هذه المحطة، علماً بأننا عندما نتحدّث عن المجلس السيادي، هناك تركيز على المجلس السيادي، وفي المقابل، المجلسان الآخران المطروحان، مجلس الوزراء، ثمّة اتفاق شبه جامع أو جامع حتى، على أنّهما سيكونان من التكنوقراط، من الكفاءات في قطاعاتها، أما المجلس التشريعي، مرة أخرى هناك شبه اتفاق أو اتفاق حتى على أنّه سيمثل تمثيلاً نسبياً للشعب، للحركات المسلحة، للكيانات السياسية، ومرّة أخرى، بعد اتخاذ معيار الكفاءة الشخصية، وإمكانية أن يكون الشخص مؤهّلاً للإسهام في عملية تشريعية، وهي عملية في غاية التعقيد بلا شكّ، تمثيل للقوى الحديثة، والقوى التقليدية وما إلى ذلك.

مسألة المجلس السيادي ينبغي ألا تكون حجر عثرة أمام التطور نحو الأمام. على المجلس العسكري الانتقالي أن يبدي مرونة مماثلة لكي لا نتوقف، لأنّ الجماهير، وهي الأهمّ، وهي الفيصل، وهي الحاكم، وهي قبل كلّ جهة أخرى، هي التي تأمر، وهي التي تنتظر تشكيل الحكومة المدنية، السلطة المدنية، لكي تعود عجلة الحياة إلى طبيعتها. نحن الآن نعيش وضعاً استثنائياً، منذ أكثر من أربعة أشهر، ينبغي أن تعود الحياة إلى وضعها الطبيعي، تدريجاً بلا شكّ، هناك إجراءات ثورية ينبغي اتخاذها، ربما لا تقلّ أهمية عن تشكيل هذا المجلس، وهي مسألة القضاء على آثار الفساد، القضاء على الدولة العميقة التي أشار إليها الأستاذ عبد الرحمن الأمين، وما إلى ذلك، وهناك أولويات تنموية، أولويات في معالجة المشاكل العاجلة في قطاعات الصحة، في قطاع المواد الغذائية، وما إلى ذلك. هذه قضايا لا تقلّ أهمية، ينبغي ألا نتوقف عند هذه النقطة كثيراً.

 

وفاء العم: أستاذ عبد الرحمن، ما موقع الأحزاب السياسية التقليدية؟ نتحدّث عن حزب الأمّة، الوطني، الاتحادي، الشعبي، الديمقراطي، والشيوعي، وأيضاً الإخوان المسلمين في السودان. أي دور لهذه الأحزاب في المرحلة المقبلة أمام الدور أيضاً الذي تقوم به قوى الحرية والتغيير؟

 

عبد الرحمن الأمين: ينبغي أن نفصّل وأن نوضح ما هي القوى الموقّعة على إعلان الحرية والتغيير. هذا الإعلان وقّع عليه تجمّع المهنيين، وهذا يمثّل النقابات، ثمّ قوى نداء السودان، وهذه يتزعمها حزب الأمّة وإلى جانبه حزب المؤتمر السوداني.

 

وفاء العم: ما أتحدّث عنه، عذراً أستاذ عبد الرحمن، دورها كأحزاب سياسية في المرحلة المقبلة، وليس فقط كقوى حرية وتغيير لتقود المرحلة الانتقالية في مرحلة لاحقة.

 

عبد الرحمن الأمين: نعم، أنا أفهم سؤالك. حزب الأمّة، بالرغم من أنه عارض نظام الحكم طيلة ثلاثين عاماً، لكنّه قال في تصريحات صحافية منشورة إنه لا يرغب في المشاركة في الحكومة الانتقالية، وإنما يريد فقط أن يمثَّل في المجلس التشريعي الانتقالي. الحزب الاتحادي الديمقراطي، رغم أنه كان مشاركاً إلى آخر يوم في نظام الحكم البائد، لكنه قال كذلك إنه لا يرغب في المشاركة في الحكومة الانتقالية، وإنما يرغب في المشاركة في المجلس التشريعي الانتقالي.

حزب الإخوان المسلمين وكذلك كل الأحزاب التي كانت مشاركة مع حزب المؤتمر الوطني إلى غروب شمسه، هؤلاء يقولون إنهم لا ينبغي أن يقتصر الأمر على قوى الحرية والتغيير، وإنما ينبغي أن تشارك كل القوى السياسية في المرحلة الانتقالية، وهم يقولون إنهم كانوا جزءاً من الحراك الثوري. نحن نعتبر أنّ ميثاق وإعلان الحرية والتغيير كان مطروحاً أمام كل القوى السياسية، لكنّ القوى التي رأت فقط أن توقّع هي نداء السودان وهي قوى الإجماع الوطني، وهي كذلك تجمعات الأحزاب الاتحادية المعارضة. باقي القوى لم توقّع، ومن ثمّ ظلّت إلى جانب نظام الحكم البائد إلى أن غربت شمسه، والآن تريد أن تقول إنّها كانت جزءاً من الحراك، وأنّ قواعدها كانت ضمن الذين ساروا واحتجّوا. الآن، مع الأسف، أنّ الأحزاب التي صنعت التغيير، أمس كانت قوى الحرية والتغيير تقول إنها كلها قد اتفقت على ألا تشارك في الحكومة الانتقالية، وإنما تقدّم كفاءات وقدرات. الذين صنعوا الثورة لا يرغبون في المشاركة في الحكومة الانتقالية، وإنما يرغبون فقط في أن يكون لهم حق الترشيح. الذين لم يصنعوا الثورة ولم يكونوا جزءاً منها، يريدون أن يشاركوا في الحكومة الانتقالية، هذه مفارقة.

 

وفاء العم: ولكن أليس ذلك طبيعياً، أن تشارك الأحزاب السياسية، على اعتبار بأنّ هذا حق للجميع أستاذ عبد الرحمن؟

 

عبد الرحمن الأمين: يا أختي، أنت تعلمين، نحن ليست أول ثورة نصنعها في التاريخ المعاصر، وكذلك ينبغي أن نوثّق أنّ هذه هي الثورة الثالثة، ربما كنّا الشعب الوحيد في العالم من حولنا كله الذي صنع ثلاث ثورات في تاريخنا المعاصر. صنعنا ثورتنا الأولى في أكتوبر من العام 1964، وصنعنا ثورتنا الثانية في أبريل من العام 1985، واليوم هذه هي الثورة الثالثة، ولنا تجارب، ولنا إرث في هذا. في الثورتين السابقتين، كانت القوى التي تشكّل أكثرية الحكومة الانتقالية وتنفذ برامجها، هي القوى الثورية التي صنعت التغيير وقادته، وليست القوى التي كانت شريكة في النظام القديم.

 

وفاء العم: نعم، ولكن أستاذ عبد الرحمن، أنا أتحدّث كحقّ، حقّ يكفله أيّ دستور، كقوى موجودة، بأن تشارك في العملية السياسية. أين الضير؟ أين المشكلة؟

 

عبد الرحمن الأمين: المرحلة الانتقالية تقودها الشرعية الثورية، وإذا كان هؤلاء الذين كانوا مشاركين للنظام البائد حتى غروب شمسه يريدون أن يشاركوا كذلك في المرحلة الانتقالية، فلماذا ثرنا وعلى من انقلبنا؟

 

وفاء العم: سنواصل الحديث حول هذه النقطة. ربما نتحدّث أيضاً في الجزء الثاني من الحلقة حول ما يحدث في السودان، والتدخلات الإقليمية والمواقف الإقليمية والدولية حول ما يحدث في السودان، وتأثير ذلك على المشهد السياسي السوداني، ولكن بعد فاصل قصير نتابع بعده حوار الساعة. ابقوا معنا مشاهدينا.

 

 

المحور الثاني

 

وفاء العم: أهلاً بكم من جديد إلى هذه الحلقة من حوار الساعة.

إسمحوا لنا أن نرحّب بضيفينا في هذه الحلقة الأستاذ معتصم الحارث الضوي الكاتب والباحث السياسي، وأيضاً أرحّب بالأستاذ عبد الرحمن الأمين رئيس تحرير صحيفة الصيحة.

أستاذ معتصم، كيف تلقّى السودانيون هذا الترحيب من قبل الإمارات والسعودية بالمجلس العسكري الانتقالي، بل وذهبت أكثر لدعم السودان بثلاثة مليارات دولار؟

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، ينبغي التوضيح بأنّ هذا الموقف ربما أثار دربكة أو ربكة في الشارع السوداني، تحديداً أتحدّث عن تناول الأحداث في السودان التي انطلقت في ديسمبر 2018 من الناحية الإعلامية. لأشهر، في خلال الأشهر الأولى، وسائل الإعلام التابعة لتلك الدول، ونحن نعلم أنّها وسائل حكومية تلتزم خطاً حكومياً رسمياً، لا يمكن أن تغرّد خارج السرب كما هو معلوم، التزمت ربما، بعضها التزم الصمت المطبق، لكن السواد الأعظم اتخذ موقفاً معادياً للانتفاضة الشعبية ولكن بصورة حذرة، وهذا أكبر دلالة وأكبر أمارة على أنّ الإرادة السياسية في دعم الانتفاضة الشعبية أو الثورة، فلندع علم السياسة يحدّد لاحقاً ماهيتها تحديداً.

 

وفاء العم: تتحدّث عمّن أستاذ معتصم؟ السعودية؟

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، هذا المحور الذي أشرت إليه تحديداً. متى وكيف حدثت نقطة التحول في الموقف السياسي لتلك الدول إزاء الانتفاضة الشعبية، وبعبارةٍ أخرى، متى رفعت تلك الدول يدها عن نظام البشير، على الأقلّ من ناحية الدعم المعنوي والإعلامي، هذه نقطة جديرة بالبحث، للأسف لا تتوافر لديّ معطيات كافية للخوض فيها بشيء من التفصيل، لكن بالفعل من الضروري أن يتطرق إليها الباحثون ليعرفوا، أو الصحافيون الاستقصائيون الزملاء، لمعرفة كيف ولماذا حدثت، في ظلّ أيّة ظروف. التساؤل هنا عن وجود، الآن أصبح هذا الدعم للمجلس العسكري الانتقالي، أو للتغير الذي حدث واضحاً في السودان، أصبح واضحاً من قبل تلك الدول، مصر والسعودية والإمارات والبحرين ودول في السياق العام تتخذ مواقف مماثلة عادة في سياساتها الخارجية.

في المقابل، رأينا موقفاً عدائياً من المحور العربي أو الإقليمي الآخر، وهو الذي تنتمي إليه قطر وتركيا وإيران ودول أخرى. هنا ينبغي الإشارة، واسمحي لي أن أقولها عبر قناتكم الموقّرة، ومن باب الإنصاف وإحقاقاً للحق، في حين أنّ تلك الدول التي أشرت إليها، مصر والسعودية والإمارات والبحرين وغيرها تمارس، تحاول نيل أكبر مكاسب سياسية ممكنة خلال المرحلة المقبلة، وتكشف أوراقها على العلن، فإننا نرى في المقابل، وللأسف الشديد، مواقف ربما متواطئة ومتآمرة، وأستخدم كلمة متآمرة بشكل واضح، لديّ من الدلائل ما يشير إليها، من التدخل تحت السرّة إن صحّ التعبير عفواً، من قبل قوى في المعادلة السودانية الآن، رأينا، وهنا أشير بشكل واضح إلى النظام القطري، والذي أؤكد أنه سيّر تظاهرات مدفوعة الأجر داخل السودان، في محاولة لضرب المحور الآخر.

ليست المشكلة في ضرب المحور الآخر، ولكن فلتمارس قطر أو أية دولة أخرى عملها السياسي المباشر أو تحت السرة أو الخفي خارج السودان. أبعدونا عن محاوركم، عن صراعاتكم الإقليمية، عن محاوركم الإقليمية، فلن يسمح الشعب السوداني ولن يرضى بأية حال من الأحوال أن يكون السودان ملعباً لتصفية الحسابات بين المحاور الإقليمية. هذا عليه إجماع كامل.

الشارع السوداني ربما، يمكن الحديث أنه، إن كان ثمة إجماع في الشارع السوداني، فهو لا لمحاولة أي محور إقليمي أياً كان وفي ظلّ أيّ ظروف وأيّ مسوّغات، أن يحاول الهيمنة، أو يفرض أجندة، أياً كانت، على السودان في المرحلة المقبلة.

 

وفاء العم: ولكن هل يستطيع السودان حماية نفسه من هذه التدخلات؟

 

معتصم الحارث الضوي: يستطيع في حال واحدة، أو هناك شرطان رئيسان في تقديري. أولاً، استمرار الإرادة الشعبية، أكرّر، الإرادة الشعبية على رفضها لسياسة المحاور وسياسة العمل على أن تكون السياسة الخارجية متوازنة وفيها استقلالية، وتحافظ على سيادة البلاد واستقلاليتها خلال المرحلة الحالية والمقبلة، وهذا عليه إجماع جماهيري.

 

وفاء العم: ما تقوله مهمّ جداً.

 

معتصم الحارث الضوي: من ناحية أخرى، هنا نقطة في غاية الأهمية، عفواً، لو سمحت لي بإضافة.

 

وفاء العم: تفضل.

 

معتصم الحارث الضوي: النقطة الثانية في غاية الأهمية، ونحن نتحدث عن تشكيل مجلس سيادي ومجلس وزراء وما إلى ذلك، من الضروري بمكان أن تكون وزارة الخارجية أو مؤسّسة الخارجية السودانية في هذه المرحلة الدقيقة للغاية، أن تكون على قدر كبير من الوعي والمسؤولية، وأن يتمّ اختيار بالفعل أشخاص أكفاء للغاية وذوي خبرة متميزة في إدارة الصراع والعبور بسلاسة عبر هذا البحر المتلاطم من التحالفات والنزاعات والتماحكات الإقليمية التي نراها حولنا.

 

وفاء العم: ما تقوله مهمّ جداً. إسمح لي أن ننقل هذه النقاط للأستاذ عبد الرحمن الأمين.

هل فعلاً يمكن أن يقع السودان في فخّ الصراعات الإقليمية على اعتبار أنّ السعودية والإمارات والبحرين تدعم المجلس العسكري الانتقالي، تدعم هذه المرحلة ربما لتحقيق مصالحها في السودان، في المقابل هناك أيضاً محور آخر، قطر وتركيا، وبالتالي هذا يضع استقرار السودان واستقلالية قراره على المحك أيضاً في هذه المرحلة الحساسة؟

 

عبد الرحمن الأمين: تعلمون أنّ النظام البائد هو الذي أدخلنا في هذه الدوامة، دوامة التموضعات السياسية، لأنه لم يكن مبدئياً في علاقاته، وإنما كان براغماتية لدرجة الانتهازية، كان يقيم علاقات ودية مع إيران ثمّ انقلب عليها، وأقبل على المملكة العربية السعودية وساندها في تحالف القوات المتحالفة العربية في اليمن، ومن ثمّ دارت عليه الدائرة عندما وقع الخلاف الخليجي الخليجي وأصبحت المملكة العربية السعودية والبحرين ومصر في مواجهة قطر، وهو كان يتذكّر دوماً موقفه الذي كان مصادماً لكل المواقف العربية في أوائل التسعينات عندما قدم صدّام إلى الكويت. كانت كل الدول العربية تقف إلى جانب الكويت، وهو الذي كان يناصر صدّام، ربما عانى من هذا الموقف الذي كان غير مدروس وغير عقلاني، وثمّ ابتعدت عنه كل دول الخليج، حتى نهاية التسعينات. لمّا أدرك ذلك، أراد أن يقول إنه يقف على مسافة واحدة، لكن للأسف كل الأطراف حسبت عليه هذا الموقف، وتحالف مصر والسعودية والبحرين كانوا يقولون دائماً من ليس معنا فهو ضدّنا، ومن ثمّ حسبت عليه هذا الموقف. مصر كذلك كانت تراهن على أنّ الإسلاميين ينبغي أن يكونوا إلى جانبها، وكذلك لم تقدّر له هذا الموقف.

وظلّ هذا هو موقف علاقاتنا الخارجية، إلى أن سقط النظام البائد. الآن عندما نجحت الثورة، تعلمين أنّ عون الخليج عن النظام البائد، ربما كذلك أسهم بقدر واسع في سقوط النظام، لأنه تبيّن لاحقاً أنّ كلّ العون الذي كان يُقدَّم، لم يكن يذهب إلى صالح الشعب السوداني. بعد سقوط النظام، أتانا العون من تلقاء المملكة العربية السعودية ومن تلقاء الإمارات. أهل السودان يقدّرون هذا العون، وأهل السودان يقدّرون أنّهم لا يريدون أن يقعوا في فخّ المحاور، وإنما كانت السياسة الخارجية السودانية دوماً في حقبة ديمقراطية.

 

وفاء العم: إذاً إسمح لي أن نستعرض هذا التقرير، ربما يفتح لنا أيضاً أفقاً جديداً للنقاش، "هل حفر البشير قبره بيديه في اليمن"، فارس الجيرودي.

 

الميادين نت: هل حفر البشير قبره بيديه في اليمن؟، فارس الجيرودي

يبدو كما لو أن الرئيس البشير قد حفر قبره بيده من خلال إرسال وحداتٍ كبيرةٍ ومؤثّرة من الجيش السوداني للمشاركة في الحرب السعودية-الإماراتية في اليمن، إذ كانت تلك الحرب مناسبةً لكلٍ من الدولتين اللتيْن تديرانها، للحصول على موالين لهما داخل الجيش السودانيّ، من كبار ضباط الفرق الذهبية الوازنة في الجيش، عبر إغراقهم بالمال، تمهيداً لنسج علاقاتٍ وثيقةٍ بهم.

كما شكّل التنسيق الأمني الذي بدأه نظام البشير مع وكالة المخابرات الأميركيّة ضد "الإرهاب" مناسبةً أخرى للأميركيين للحصول على مراكز قوى داخل الاستخبارات والأمن السوداني، إذ مثّل مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني، الفريق "صلاح عبد الله محمّد صالح" المعروف بـ"صلاح قوش" عين الأميركيين في السودان.

ومع خفض البشير تدريجاً للمشاركة السودانية في الحرب اليمنية، وازدياد حاجة كلٍ من الإمارات والسعودية والولايات المتحدة للجيش السوداني في مشروع "الناتو العربي"، الذي يتم تشكيله بإشرافٍ أميركيٍ لمواجهة إيران، خصوصاً بعد اعتذار مصر عن المشاركة فيه، استغلّ الضباط المرتبطون بالخارج الضغط الجماهيريّ المُطالِب بتنحي البشير، فأطاحوا بقيادة وزير الدفاع نائب البشير، قائدهم السابق.

ويثير التكتّم على أسماء أعضاء المجلس العسكري الجديد، هواجس إضافية من الطابع الأمني للمجلس، ومن الدعم الخارجي الذي تحظى به أعمدته، علماً بأنّ الجنرال المُستبعَد من منصب نائب رئيس المجلس العسكري "عبد المعروف الماحي" معروف بعلاقاته الوثيقة بحزبيين إسلاميين، ما جعل كثيرين يعتبرون أنّ سبب استبعاده ارتباطه بمحور "قطر-تركيا"، ليحلّ محله الفريق "عماد الدين عدوي" الذي تردّدت شائعاتٌ بأنه المرشّح المُحتمَل الحقيقي لخلافة البشير، ليدخل السودان مرحلة غامضة من صراعات مراكز القوى داخل الجيش تعكس صراعات قوى خارجية تتنافس على النفوذ في سودان ما بعد البشير.

 

وفاء العم: ما جاء في هذا المقال مثير للاهتمام. أستاذ معتصم، هل فعلاً بدأ الجيش يخضع ويكون فيه مراكز قوى تخضع لمتغيّرات إقليمية ولنفوذ إقليمي؟ وما مدى خطورة ذلك؟ هذا أولاً.

الأمر الآخر، أريد أن أتوقف عند ما يحدث في اليمن. إلى أيّ مدى المرحلة المقبلة ربما يسحب السودان نفسه من الحرب في اليمن؟

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، الجيش الوطني، الجيش السوداني، ينبغي التأكيد على أنّ السواد الأعظم منه جيش وطني ينتمي وينحاز جملة وتفصيلاً إلى الشعب، هذه نقطة ينبغي تثبيتها في البدء. الاستثناء هو بعض القيادات التي تتسلم مناصب قيادية، أو رتب عليا في الجيش، والذين ينبغي التوضيح بأنّهم من الإسلاميين، وهم ينتمون إلى ما يسمّيه الأستاذ العزيز عبد الرحمن، النظام البائد، وهؤلاء معظمهم وصل إلى تلك المراكز ليس عبر بوابة الكلية الحربية والكلية العسكرية، وإنما عبر التعيينات الأيديولوجية نسبة إلى انتمائهم إلى هذا التنظيم الإسلامي المخلوع، وصلوا إلى مناصب قيادية في الجيش، علماً بأنّ الكثيرين منهم لم يخضعوا حتى للتدريب العسكري الأولي، هؤلاء، ولذلك هناك ضغط جماهيري متزايد للإطاحة بهم وإزالتهم من المناصب الحساسة في الجيش. لكن بقية الجيش والسواد الأعظم من الجيش هو جيش وطني وغير مؤدلج، أؤكّد عليها، يرتبط بالعقيدة الوطنية، العقيدة القتالية للجيش، ويرتبط بالأجندة الوطنية التي يفرضها، ويسيّرها الشعب السوداني كما يريد وكما يشاء، هذه نقطة.

بالنسبة إلى مسألة اليمن، هناك إجماع شعبي داخل السودان على مسألة رفض ذهاب المقاتلين السودانيين، سواء من الجيش أو من قوات شبه نظامية، للمحاربة في اليمن، وذلك لسببين. السبب الأول، ينبغي عندما نتحدّث عن الشعب أن نفهم عقلية الشعب، عقلية الشعب السوداني ترى أنّ الحرب، عندما يشارك الشخص في حرب، ليست الحرب للدفاع عن نفسه أو منطقته، فإنه يرتزق، أو يرهن قراره للآخرين، ولذلك فهي مرفوضة من حيث المبدأ. ينظر الشعب إلى أنّ المشاركة في هذه الحرب هي ارتزاق، وهذا مرفوض من حيث عقلية أو نفسية الشعب السوداني.

من الناحية الأخرى، يرى الكثيرون أو يرى السواد الأعظم من الشعب السوداني بأنّ هذه الحرب لا ناقة لنا فيها ولا جَمَل بشكل مباشر، قد يتحدث البعض أو قد يشير البعض من المتعاطفين مع مشاركة الجيش السوداني في اليمن أو قوات سودانية في اليمن، إلى صراعات إقليمية وإلى إيران وإلى نزاعات جيو-استراتيجية وما إلى ذلك، قد يكون هذا مفهوماً من الناحية النظرية، ولكن أنا أتحدّث عن نقطة الشارع السوداني. يقول لا ناقة لنا ولا جَمَل، وما الذي يهمّنا في الذي يحدث في اليمن.

 

وفاء العم: ولكن هذا أيضاً يطرح سؤالاً ربما أستاذ معتصم، أي دور يريده السودان؟

 

معتصم الحارث الضوي: السودان في المرحلة الحالية، هناك أولويات، هناك أولويات في السودان، لدينا إرث وتركة ثقيلة للغاية من ثلاثين سنة من حكم المتأسلمين البغيضين الذين وصلوا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، انقلاب دُبّر بليل كما هو معلوم. هذه الحسبة كما رأينا، رأيناها في سوء الإدارة بين المحاور الإقليمية، ومحاولة القفز من محور إقليمي إلى آخر، وعلى المحور الداخلي كذلك سياسة القتل والتهجير والنهب.

 

وفاء العم: هذا يعود بي إلى نفس السؤال أستاذ معتصم، هو أي دور يريده السودان في المستقبل على مستوى السياسة الخارجية؟

إسمح لي بمقاطعتك فقط، ولكن حتى نشرك معنا ضيفنا الأستاذ عبد الرحمن.

ربما سقوط البشير أستاذ عبد الرحمن، أعاد إلى الواجهة الحديث عن اتفاقية سواكن مع تركيا، ويبدو بأنّ هناك خشية لدى تركيا من التراجع عن هذه الاتفاقية. إلى أي مدى يمكن أن يتمّ فعلاً التراجع عن هذه الاتفاقية على اعتبار بأنّ السودانيين يعتبرون بأنه تمّ التنازل عن جزء من سيادة السودان لصالح تركيا في هذه الجزيرة الاستراتيجية؟

 

عبد الرحمن الأمين: أنت تعلمين أنّ الضعف الذي أوصلنا إليه نظام البشير، هو الذي أوقعنا في فخّ هذه المحاور المتقاطعة، وتعلمين أنّ القوى هي التي تفرض نفسها، وأنّ مركز القوة الذي ربما السودان يتجه إليه بعد ثورته هذه، سيجعله يعتمد سياسة الحياد الإيجابي، من المؤكد سننأى بأنفسنا عن أية تحالفات أو أية تقاطعات. إلى الآن، للأسف، نحن صُنّفنا بغير إرادتنا، وربما بسبب ضعفنا وبسبب خطأ وخطر السياسات التي اعتمدها النظام البائد، وقعنا ما بين محور أُسمِيَ محور المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر ومحور قطر وتركيا وإيران. السودان ظلّ دوماً في سياسته الخارجية يعتمد سياسة الحياد الإيجابي، وظلّ ينأى بنفسه عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ومن ثمّ أنا أعتقد، الآن، من بعد هذه الثورة، فإنّ السودان سيعتمد في سياسته الخارجية سياسة الحياد الإيجابي.

وفي ما يتعلق بمسألة تركيا، إلى الآن، لم يُتّخذ قرار في شأن الجزيرة، جزيرة سواكن ليست جزيرة، هذا خطأ صادر في الأجهزة الإعلامية، وقلنا الاتفاق الذي تمّ بين السودان وتركيا كان هو تأهيل سواكن، لأن تركيا تعتبر أنّ هذا كان واحداً من الإرث العائد للخلافة العثمانية. ليس صحيحاً أنّ تركيا تريد أن تقيم قاعدة في هذه المنطقة، وبتقديري فإنّ السودان سيظلّ حريصاً على أن تكون له علاقة متينة وأيدٍ ممتدّة إلى الجميع من دون أن يرتهن قراره ومن دون أن ترتهن إرادته، ومن دون أن يتوحّل في أفخاخ التحالفات. يا أختي، دائماً كان السودان يلجأ إليه الفرقاء حين تقع بينهم الأزمات.

 

وفاء العم: إذاً أنت مع سياسة الحياد أستاذ عبد الرحمن؟

 

عبد الرحمن الأمين: نعم، السودان كان دوماً يصدّر إيجاباً سياسة للخارج، ولا يقع في فخ العلاقات.

 

وفاء العم: إسمح لي على مقاطعتك، ولكن ربما داهمنا الوقت، وأسمع تعليقاً سريعاً منك أستاذ معتصم الحارث.

أية سياسة خارجية يمكن أن يلعبها السودان مستقبلاً؟ في نصف دقيقة لو سمحت.

 

معتصم الحارث الضوي: نعم، السياسة الخارجية أو ملامح السياسة الخارجية المرتقبة والمنشودة بلا شكّ من جانب الشعب السوداني هي سياسة متّزنة، متوازنة، مدروسة بعناية، تنأى عن الوقوع بين مطرقة وسندان التحالفات أو الموازنات الإقليمية، وإنما تحاول أن تسيّر شؤونها باتخاذ مصالح البلاد أولاً وأخيراً بوصلةً لها في المرحلة المقبلة، هذا هو المطلوب، سياسة معتدلة تحافظ على الصداقات ولا تستعدي، ولا تتخذ عداءات مع أيٍّ كان، خصوصاً بالنظر إلى الموقع الجيو-استراتيجي للبلاد وأهميتها للجميع بلا استثناء.

 

وفاء العم: أشكرك كل الشكر أستاذ معتصم الحارث الضوي الكاتب والباحث السياسي على مشاركتك معنا في هذه الحلقة. الشكر موصول لك أستاذ عبد الرحمن الأمين رئيس تحرير صحيفة الصيحة، كنت معنا من الخرطوم.

كل الشكر لكم مشاهدينا على حُسن المتابعة. إلى اللقاء.