أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

مفهوم القيامة والرجاء

القيامة والرجاء... كيف تغيّر مفهوم الذبيحة، وما الفرق بين الفصح والقيامة؟ وماذا بقي من القيامة التمُّوزية والأدونيسية.. ووضع الناس في أبرشية بُصرى وحوران وجبل العرب.

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، بينما تعيش هذه المنطقة آلامها اليومية من أوجاع وقتل يطالان الأرواح والعمارة ويفتكان بالأجساد في عالم يزداد الأغنياء فيه تغوّلاً ويتنامى الجشع في الدول الكبرى، يتكئ إنسان هذه البلاد على الأمل كرافعة، والأمل أخو الرجاء في اللاهوت المسحيي، والرجاء مرتكزٌ للقيامة. القيامة هي واسطة عقد الإيمان وحجر الزاوية الذي ارتكز عليه البناء الإنساني للدين، وها نحن وتحت سطوة الموت العميم في بلادنا تستدرجنا القيامة لنتكلّم عنها وعن الرجاء. فرصة هي محاورة مطران بُصرى وحوران وجبل العرب للروم الأورثوذكس سابا إسبر لأنه القريب إلى مقاربة الرجاء، وهو الذي رفع لواءه في السنوات الصعبة الماضية ولا يزال فيما الأرض تهتزّ تحت الأقدام، عن هذا وعن حوران والجبل وسوريا وأنطاكيا سنحاوره بعد أن تتعرّفوا إليه.

تقرير:

وُلِد المطران سابا إسبر في مدينة اللاذقية عام 1959 وتخرّج في جامعتها مهندساً مدنياً عام 1984، وفي معهد القديس يوحنا الدمشقي بجامعة البلمند عام 1990 حاملاً إجازة في اللاهوت وفيه درّس ورُسم شمّاساً عام 1988.

وفي العام 1990 عُيّن كاهناً في اللاذقية فأسّس مكتبة الفرح ونشط في التأليف والترجمة. رُقّي في العام 1998 إلى رتبة الأسقفية وعُيّن وكيلاً بطريركياً، وبعد عام واحد انتُخب مطراناً على أبرشية بُصرى حوران وجبل العرب.

كانت الأبرشية تعاني من الفقر والهجرة والتعب فرفع لها شعار "أليعازر هلمّ خارجاً"، وبدأ العمل في البشر والحجر والزراعة فأنشأ فرق التعليم وجوقات الترتيل وبنى كنائس ورمّم أخرى، وأسّس العديد من المشاريع الإنتاجية ونشر مجلة العربية، وأسّس دار الفرح للنشر والترجمة مصدراً عشرات الكتب الدينية والتربوية ومجلة فرح للأطفال باللغتين العربية والإنكليزية، وهي المجلة الأورثوذكسية الوحيدة للأطفال في بطريركية أنطاكيا الأورثوذكسية، وأنتجت أبرشيته شريطاً وثائقياً بعنوان "الكنيسة المنسيّة".

بعد وفاة البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم انتُخب قائمقاماً للبطريرك تمهيداً لاجتماع المجمع الأورثوذكسي الذي انتخب يوحنا العاشر يازجي بطريركاً جديداً. له كتابان ومقالات ودراسات لاهوتية وكتابية.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، نعايدك سيّدنا سابا إسبر بعيد القيامة.

سابا إسبر: أدامك الله، وأنتم والبلد والمشرق جميعه بألف خير.

غسان الشامي: ونعايد كل السادة المشاهدين، كل مَن يعيّدون القيامة على التقويم الشرقي بعد أن تمّ العيد الأسبوع الماضي على التقويم الغربي. سيّدنا ما هي القيامة مسيحياً؟

سابا إسبر: القيامة المسيحية هي تذكار حدث قيامة السيّد المسيح من الموت بعد صلبه ودفنه، هي بالنسبة للمسيحيين العيد الرئيسي، هي تُسمّى عيد الأعياد وموسم المواسم، يتمركز كل اللاهوت المسيحي وكل الحياة المسيحية حول قيامة السيّد المسيح. عبّر بولس الرسول عن أهمية القيامة بالكلمة التالية "لو لم يقم المسيح لكان إيماننا باطلاً"، إذاً هي حجر الأساس في الإيمان المسيحي. طبعاً القيامة كما يدلّ إسم العيد عليها، عيد الفصح وهي كلمة تأتي من الآرامية، فاساح أي عَبَر، عبور، هو عيد العبور من الموت إلى الحياة، من الأرض إلى السماء، من الشر إلى الخير، فإذاً هي ليست مجرد إيمان بحدث تمّ مرة في الزمن ولكن حدث تمّ ومفاعليله ما تزال مستمرة حتى يومنا الحاضر وستبقى إلى منتهى الدهر.  

غسان الشامي: ولكن سيّدنا ذكرت الفصح، في عقل الناس أن الفصح هو عيد يهودي، الاحتفال هو بالقيامة، ما الفرق بين فصح اليهود والفصح المسيحي، والكثيرون يقولون أنه لا يجب أن نقول أنه عيد الفصح بل عيد القيامة لأن المسيح قام من بين الأموات، أنت ماذا تقول؟

سابا إسبر: هذا السؤال يحتاج إلى جواب يشرح كيف ورثت المسيحية كل التراث الذي نسمّيه تراث العهد القديم لأنه كله كان تحضيراً لمجيء المسيح.

غسان الشامي: لكن مسيح العهد القديم لما يأتِ.

سابا إسبر: نعم، ولكن كله كان تحضيراً لمجيء المسيح الذي انكشف وأتى كلياً في بداية العهد الجديد. عندنا في العهد القديم 332 نبوءة عن المسيح تحقّقت فعلياً حرفياً في شخص المسيح عندما أتى، من هنا الديانة المسيحية تعتبر أن اليهودية انتهت بمجيء المسيح، وهذا التراث هو تراث مسيحي وتفسيره مسيحياً هو الذي يعطي المعنى للفصح ولغير الفصح. الفصح اليهودي هو تذكار حدث خروج الجماعة الأولى بقيادة موسى من مصر إلى سيناء عندما عبروا البحر الأحمر، من هنا أتى الإسم، الفصح يعني عَبَر، عبور، عبروا إلى البحر.

غسان الشامي: ولكن قلتَ أن الكلمة آرامية.

سابا إسبر: الكلمة آرامية وبالعبرية أيضاً يتساح أو فيتساح، اللغات جميعها سامية ومتقاربة من بعضها، فتذكار عبور البحر الأحمر بالنسبة للمسيحيين هو صورة مسبقة عن العبور نحو الخلاص الذي تمّ فعلياً بالمسيح، لذلك عبور البحر الأحمر نسمّيه رمزاً أو صورة مسبقة Prototype، هناك الكثير من الصوَر في العهد القديم تُنبئ بالمسيح بهذه الطريقة. فصح اليهود تمّ مرة واحدة أما الفصح المسيحي فمفاعيله مستمرة لأن القيامة حقيقية.

غسان الشامي: نعم لذلك يركّز لاهوتيون معاصرون على أن القيامة هي مرتكز وليس الفصح، المسيح قام وبقيامته نقول وطئ الموت بالموت، قيامته هي كما قال بولس هي الشرط الأساس ليكون هناك مسيحية، أيضاً إسمح لي هذا أيضاً مرتبط بمفهوم الذبيحة، الفصح اليهودي له ذبيحة خاصة تختلف عن الذبيحة المسيحية، ما مفهوم الذبيحة ومقارنتها بين الديانتين؟

سابا إسبر: نعم، كذلك الأمر قبل أن يخرج موسى مع الجماعة الأولى، أنا لا أسمّيها يهودية لأنه في ذلك الوقت لم يكن الدين اليهودي قد تكوّن أصلاً، هذه الجماعة لِنَقُل الأولى في بداية تكوّنها وهي جماعة إيمانية، لن ندخل الآن في السياسة، نتكلم لاهوتياً، الجماعة تكوّنت حول موسى إيمانياً، مَن آمن بإله موسى انتمى إلى هذه الجماعة وبعد ذلك تتابع الأمر. قبل أن يخرجوا ويتركوا مصر قدّموا ذبيحة هي الحَمَل، حَمَل حولي ذَكر فتيّ لا عيب فيه، قدّموا هذه الذبيحة لله ودهنوا بيوتهم بدم هذا الحَمَل، كل واحد منهم دهن إشارة على باب بيته بدم هذا الحَمَل لأنه كان بحسب الرواية التوراتية في ذلك الوقت سوف يأتي المُهلك وتنجو هذه البيوت التي عليها العلامة. في المسيح تحقق رمز هذا الحمل الفصحي، المسيح كان فتياً عمره 33 عاماً، لا عيب فيه، ذكر، وبدمه خلّص البشرية الذي سُفِك على الصليب، فالحمل الفصحي في العهد القديم هو صورة أيضاً Prototype عن الحمل الحقيقي الذي كان سيأتي بعد قرون وأتى بشخص السيّد المسيح.

غسان الشامي: ولكن المسيحية تجاوزت الذبيحة.   

سابا إسبر: تجاوزت الذبيحة، لم يعد ثمّة من ذبيحة في المسيحية بعد ذبيحة المسيح.

غسان الشامي: يعني تحولّت إلى نوع مؤنسن أكثر صاحب السيادة.

سابا إسبر: طبعاً، صرنا نحن المسيحيون نحيا هذه الذبيحة ونشترك بها بواسطة الخبز والخمر في القداس الإلهي، لم يعد من ذبيحة دموية. إذا درسنا مسيرة تدبير الله منذ العهد القديم إلى نهاية العهد الجديد إلى المسيح نلاحظ أن الله ألغى الذبائح البشرية أولاً ثم اكتفى بالذبائح الحيوانية، بعد ذلك صار يطلب ذبيحة القلب إلى أن أتى المسيح وقدّم ذاته ذبيحة عن كل البشرية التي قبله والتي بعده وخلّص البشرية، فلذلك ما من ذبيحة، ونسمّي ذبيحة القداس الإلهي التي نحياها ونستمد منها طاقة القيامة في كل أحد ذبيحة غير دموية، لم يعد ثمّة ذبائح في المسيحية بعد ذبيحة المسيح.  

غسان الشامي: أين يكمن مفهوم الرجاء وهو تحوّل إلى فلسفة وإلى نوع من اللاهوت في هذا العيد؟    

سابا إسبر: دعني أبسّط الأمر، عندما سُلّم المسيح وأُخذ إلى المحاكمة فُقد الأمل والرجاء عند تلاميذه خاصة عندما رأوه مسلّماً إلى الصلب ومات ودُفِن أمام أعين الذين تبعوه عن بُعد لأنهم خافوا، لم يعد عندهم من أمل لكن اجتماعهم خلال هذه الفترة اليومين أو الثلاثة ما بين الدفن والقيامة كانوا في حيرة فاقدي الأمل ولكنهم متمسّكين بكلام المسيح الذي لم يكونوا يفهمونه جيداً حتى ذلك الحين، قال لنا أنه سيبقى معنا، كيف سيبقى عنا؟ عندما ذهبوا صباح الأحد، ذهبت النسوة أولاً حاملات الطيب إلى القبر ووجدنه فارغاً وعلمنَ من الملاك أنه قد قام، وعدنَ فبشّرنَ الرسل بذلك، فهموا وبدأ العمل يعود إليهم، بدأ الرجاء يعود إليهم، بعد ذلك انطلقوا وتحدّوا العالم، إثنا عشر رسولاً بسطاء جداً بمقاييس الزمن والبشر والدول العظمى، ليس لديهم شيء من القوة البشرية، بقوة الإيمان بالقيامة استطاعوا أن ينشروا المسيحية في كل أصقاع المسكونة. من هنا الرجاء هو بالقيامة يتجدّد دائماً، في كل قداس إلهي يتجدّد عند المؤمن أنه ما من يأس إلى النهاية، ما من حزن إلى النهاية خاصة وأن معنى الموت تغيّر، بعد القيامة صار الموت معبراً، وسيلة سفر إلى الحياة الأبدية الحقّة. من هنا إيماننا في الحياة الأبدية يجعلنا نعمل جاهدين كمؤمنين على أن نحقّق هذه الحياة الأبدية أو ملكوت الله على هذه الأرض طالما أن طاقة القيامة أُعطيت للبشرية كلها بقيامة المسيح، فنحن هنا نتمتم هذا الملكوت على رجاء اكتماله في الحياة ما بعد الموت، فهي طاقة لا تتوقف.

غسان الشامي: سيّدنا هناك قيامة أو قيامات في الديانات ما قبل المسيحية، في الديانة التمّوزية هناك قيامة تمّوزية، في الأدونيسية أيضاً، في مصر، ما الفرق بين القيامة في ديانات ما قبل التوحيد والقيامة المسيحية؟

سابا إسبر: لو تسمح لي أولاً أن أقول أن هذه نقطة هامة جداً، لن يأتِ المسيح عبثاً في هذه المنطقة ، لماذا أتى هنا ولم يأتِ في منطقة أخرى في أفريقيا مثلاً أو في أوروبا؟ أتى بالضبط لأن الله كان يُهيّئ كل البشرية من أجل مجيء المخلّص. نحن نرى في الديانات ما قبل المسيحية أيضاً يد الله في هذا التحضير لها، لذلك الديانات السورية مثلاً أو السومرية أو حتى المصرية لأن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، فيه شيء من الله، هذا تشوّه بعد سقوط الإنسان الأول من الفردوس لكن بقيت آثاره موجودة، من هنا هذا العطش إلى الخلود عند البشر، هذا العطش إلى الكمال، هذا اللاشبع من الحب، التوق إلى الحرية، هذه كلها من صورة الله في الإنسان، فما هو حلم عند الإنسان لا يعرف مصدره كان يُعبَّر عنه بهذه الديانات دائماً عبر قصصها أو ما يسمّى أساطيرها، أتى المسيح وحقّقها، هي صورة ميثولوجية في الديانات القديمة تحققت فعلياً في التاريخ بشخص المسيح، لذلك لو تسلّط الكاميرا على الأيقونة وراءنا والتي هي أيقونة القيامة في التقليد الأورثوذكسي وإسمها النزول إلى الجحيم نرى السيّد المسيح يقف على درفتي باب متصالبتين والأقفال غير موجودة، خلع، دمّر أبواب الجحيم ويمسك بيدي رجل وامرأة يرمزان إلى آدم وحواء.

غسان الشامي: وأيضاً النزول إلى العالم السفلي، العالم السفلي موجود أيضاً في الديانات القديمة.

سابا إسبر: تماماً، إذاً المسيحية لم تأتِ من فراغ، هذا يقوّي حسب إيماننا أصالة المسيحية وتاريخيتها، وخلّص كل البشر الذين كانوا قبله، الصور في الأيقونة هم أشخاص من الأبرار ما قبل المسيح.  

غسان الشامي: ذكرتَ النسوة حاملات الطيب، الشاهد الأول والصلب على القيامة هم نساء، مع ذلك نرى أن الإنجيل يهمّش دور المرأة، النساء بقين مع السيّد المسيح، المريمات ومارثا بقين مخلصات للسيّد المسيح.

سابا إسبر: بقين حتى الصليب بينما الرسل خافوا.

غسان الشامي: حتى الصليب عندما هرب الكثيرون، المرأة في حياة السيّد المسيح ماذا تعني؟

سابا إسبر: إنسان كامل الإنسانية والكرامة والحرية، للأسف في التاريخ المسيحي بسبب سيادة فكر المجتمع الذكوري هُمّشت في بعض المراحل من التاريخ أدوار المرأة، ولكن إذا درسنا تاريخ الكنيسة المسيحية بتمعّن نلاحظ أنه في أحيان كثيرة كان لها دور فاعل جداً في الكنيسة وما يزال حتى اليوم، نحن اليوم نستعبد الكثير من أدورانا ولكن للأسف الفكر الاجتماعي يطغى. سأعطي مثالاً حدث معي ويحدث مع كل المطارنة، أجد صعوبة كبيرة في إقناع الناس بأن تكون المرأة عضواً في مجلس الرعيّة خصوصاً أن أبرشيتي معظمها ريفي أي قرى، الآن والحمد لله دخلت المرأة في كل المجالس عندنا في الأبرشية لأن القانون يسمح لها مثلها مثل الرجل ولكن الناس لم تكن تتقبّل ذلك، استغرق الأمر معي وقتاً طويلاً لإقناعهم، تقبُّل موضوع اجتماعي محض، لو كان الفكر المسيحي هو الأقوى من الفكر الاجتماعي لما كانت هناك مشكلة.

غسان الشامي: وصلني بعض الحق ولكن بقليل من الوقت هل نستطيع أن نفكّر صاحب السيادة أن المسيحيين سيُحيون عيد قيامة واحد؟

سابا إسبر: هذا رجاء عندنا، يبدو حتى الآن أن تحقيقه صعب لأسباب تتعلق بتاريخ الطوائف المسيحية في الشرق والتشتّت الذي أصابهم في العالم، لكن ينمو الشعور --والوعي لأهمية أن يكون العيد في وقت واحد في الشرق أكثر فأكثر شعبياً وقيادة، ولكن هناك صعوبات عند بعض الطوائف تؤثر على وحدتها لا تزال تعيق ولكن عندنا علامات عديدة تقوّي الرجاء، عدة تجمّعات بدأت كنائسها تسمح لها أن تعيّد على الشرقي، الشعب بدأ يطالب بالتعييد على الشرقي. الأمر يتخمّر شيئاً فشيئاً، أرجو في وقت قريب أن ننتهي من هذا الموضوع وأن نشهد شهادة واحدة على القيامة.

غسان الشامي: سنذهب إلى فاصل إذا سمحت هكذا طبيعة البرنامج، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع المطران سابا إسبر، انتظرونا. 

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، تقرير عن كنيسة القدّيس جاورجيوس في إزرع بحوران، هذه الكنيسة ما تزال منذ عام 515 للميلاد مفتوحة وهي ألف باء المعمار المسيحي.

تقرير:

تقع إزرع على بعد 80 كيلومتراً جنوب دمشق وهي مدينة كنعانية حقّقت شهرة في العصر الروماني، وباتت كرسياً أسقفياً في العهد البيزنطي حيث كانت فيها ثلاث كنائس ومنها كنيسة مار جرجس التي تعود إلى عام 512.

قامت على معبد وثني وضمّت ذخائر للقديس جاورجيوس الحارث الأكثر شهرة في المشرق، وقد جاء في كتابة يونانية أن يوحنا إبن ديوميديس بناها كدار للشهداء بعد حلم أتاه، وعلى العتبة كتابة تشير إلى أن تدشينها تمّ بعد ثلاثة أعوام.

قال عنها العالم الماركيز دو فوغيه إنها أكثر المباني إثارة في تلك المنطقة، وأدرجها سير فليتشر كمرجع في تاريخ الهندسة المعمارية، وهي المثال الأول للبناء الكنسي المربع الذي ثُبّتت القبّة فوقه.

يبلغ طول الكنيسة 27 متراً و 60 سنتمتراً وعرضها 19 متراً وارتفاعها مع القبّة 16 متراً وتقوم على ثمانية أعمدة ويتخذ البناء شكل مضلّعين مثمّني الزوايا، وفي واجهتها الغربية ثلاثة أبواب.

منذ 1500 عام تحافظ الكنيسة على الشكل الذي بُنيت عليه وقد تضررت قبّتها خلال حرب إبراهيم باشا عام 1840، وتهدّمت القبّة الأصلية في زلزال عام 1899، وأعيد ترميمها عام 1911 وما تزال قائمة.

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً، صاحب السيادة كيف تعتنون بهذه الكنيسة، هذه الحرب هل أثرت عليها؟

سابا إسبر: بدأنا في العام 2002 بمساعدة وزارة الثقافة قسم الآثار بترميم الجدران المتداعية منها والقبّة الخشبية الضخمة، واستطعنا إتمام هذا الأمر.

غسان الشامي: بالمناسبة هذه القبّة هي رمز لبناء القبّة في العالم.  

سابا إسبر: نعم هي القبّة الأولى التي بقيت صامدة واستفادوا معمارياً منها في آيا صوفيا.

غسان الشامي: أو في بناء قبّة الصخرة.

سابا إسبر: نعم، وكنا نعمل على إكمال الدراسة من أجل ترميمها بالكامل من القواعد إلى رأسها، وللأسف أتت المحنة السورية وأوقف كل شيء. كنا نرتّب في العام 2015 لإحياء مهرجان كبير بمناسبة 1500 سنة على بنائها ووقوفها. حالياً الأمور متوقفة بانتظار جلاء الأمور الأمنية إن شاء الله ونتابع.

غسان الشامي: إن شاء الله، هل هي متداعية؟

سابا إسبر: كلا حالياً لا يوجد عليها أي خطر بعد الترميم الذي تمّ.

غسان الشامي: سابقاً في حديث منذ زمن مع حضرتك قلت لي أن نسبة المسيحيين في حوران أصبحت 3% بعد أن كانت أكثر من 50%، مضت هذه الحرب، الآن بعد 8 سنوات ما هي النسبة؟ ما هو الواقع الحالي للمسيحيين؟

سابا إسبر: أقدّر تقديرياً، حالياً لا توجد لدينا إحصاءات ولا نملك القدرة للقيام بإحصائيات دقيقة ولكن تقديرياً من خلال عملنا الرعوي أقدّر أن 15 إلى 20% قد تركوا المنطقة ومعظمهم تركوها وقصدوا دمشق، ولكن المنطقة تعاني من هجرة الشباب كما كل سوريا حالياً، هي المشكلة الكبرى اليوم، هؤلاء الشباب الذين يذهبون إلى الخارج إما للدراسة أو العمل هل سيعودون في ما بعد؟ ماذا يمكن أن نعمل لكي نشجعّهم على العودة؟ متى ستنتهي هذه المحنة؟ هذه أسئلة لا نملك إجابتها.  

غسان الشامي: القرى التي احتلتها جبهة النصرة وتمّ تهجير المسيحيين منها في أبرشيتكم هل عاد الناس إليها؟

سابا إسبر: بعض القرى فرغت من الغرباء الذين كانوا فيها وبدأ أهالي هذه القرى يتردّدون عليها من حين إلى آخر لأن البيوت شبه مدمّرة جزئياً أو كلياً، مسروقة كلها، لا يستطيعون أن يقيموا فيها قبل الترمي والبناء والإصلاح وهذا يحتاج إلى اطمئنان أن الأمن مستتب وباقٍ، ولكن بدأ البعض يعودون. بعض القرى ننتظر أن يخرج الذين وفدوا إليها خلال المحنة وسيطروا عليها وهم ليسوا من أهلها، ننتظر، وُعدنا في هذا الشهر أن يخرج من القرية الكبرى كل الغرباء لكن لم يتم هذا الأمر.

غسان الشامي: تقصد خَرَبا. 

سابا إسبر: نعم خَرَبا.

غسان الشامي: سيّدنا أنت رئيس أساقفة على إقليم العربية أو الحورانية وهو في تاريخ هذا المشرق قيمة كبرى في المعمار وفي الفن وفي الكنائس، بُصرى الشام ليست كلمة قليلة في التاريخ، هناك بولس الرسول تعلّم المسيحية، هناك أساقفة الوبر الذين حضروا المجمع الأول وهم من قبائل كانت تحت الخيام، أما من طريقة لاستعادة هذا الإرث إلى هذه المنطقة؟  

سابا إسبر: في الحقيقة أن التاريخ بالنهاية، الله سيّد التاريخ، وعندنا محطات عديدة في التاريخ شهدت انقلاباً سريعاً. في أواخر القرن التاسع عشر كان المسيحيون أقل من 15% في بلاد الشام، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية عادت النسبة إلى 30 حتى 35%. التاريخ في حركة مستمرة، حالياً الرؤية صعبة لأن الإمكانات المتوافرة في الكنيسة هي إمكانات لا تفي بتحقيق هدف تشجيع الناس على العودة إلى المنطقة، عدة أسباب ساهمت في خروجهم من المنطقة وهذه المنطقة بقيت إلى حد كبير بعيدة عن مراكز الاقتصاد والعمل والمال التي يطلبها الناس وعن مراكز العلم أيضاً. المسيحيون في تلك المنطقة يحبّون العلم كثيراً وأقبلوا إليه باكراً، بعدما تعلّموا لم يجدوا فرصة لممارسة علمهم فيه. بعد عام 2005 كان عندنا رجاء كبير وكنا نعمل مع الناس على عودتهم إلى قراهم لأن الحركة الاقتصادية تنشّطت كثيراً في سوريا، بعد العام 2011 عادت فضُربت، نسعى اليوم بقدر إمكاناتنا المتواضعة ولكن الحرب أقوى من إمكاناتنا، عندنا رجاء كبير بأن الله لن يترك هذه المنطقة. عندما أتيتُ أسقفاً إلى هذه المنطقة في العام 1999 كانت تحتضر، الأبرشية المسيحية كانت تحتضر، وحتى الآن أجرى الله معي عجائب أستطيع أن أؤلّف كتاباً بالأحداث التي حصلت حتى أقمناها وعادت إلى الازدهار وأُحييت من جديد. أتساءل أحياناً لو كان الله عارفاً وهو عارف بأن المسيحيين سينتهون كلياً من هذه المنطقة، لماذا ساعدني ولا يزال من أجل إحيائهم على صعيد البشر والحجر والمؤسسات والشهادة الاجتماعية، هذا أيضاً سبب للرجاء.

غسان الشامي: هذا إيمانك ورجاؤك، هذا أمر عاطفي ولكن أنا أيضاً أريد أن أسألك يا صاحب السيادة، هذا العالم موغل في التطرّف، كيف يمكن حماية الشبيبة المسيحية في أزمنة التطرّف؟ أنت تتعاطى مع الشبيبة بشكل جدّي، هل من طرق تقومون بها؟ هل من وسائل لحمايتهم من هذا التطرّف؟

سابا إسبر: لدينا الوسيلة الأولى الأساسية وهي التعليم، علينا أن نساعد الشباب أن يكونوا موضوعيين تجاه كل الأمور، ألا يُؤخَذوا بالفعل ورد الفعل، هذه النقطة الأولى الأساسية. من الضروري جداً أن تعود الكنيسة إلى صفاء التعليم الإنجيلي وإلى وضوحه لأنه عبر التاريخ دائماً في كل الأديان، كل البشر، تحصل مراحل انحطاط وتطغى مفاهيم اجتماعية ذات طابع ديني على الجوهر الديني. علينا العودة إلى صفاء الإنجيل وإلى وضوحه وتعليمه كما هو من دون أفكار مسبقة، الكثير من المسيحيين مثلاً يظنون أن المسيحية ديانة ضعف انطلاقاً من آية "من ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر"، علينا أن نشرحها كما أرادها المسيح وليس كما فهمناها عبر العصور المظلمة، عندما تضربني على خدي الأيمن أنت تضربني باليد اليسرى، الآية نفسها "مَن ضربك على خدك الأيمن فحوّل له الأيسر"، يعني إذا ضربني بالأيمن اليمين لا يستطيع أن يضربني بها باليسار، الفكرة أن لا تقاوم الشر بالشر. ثمّة فَهْم خاطئ لمفهوم مقاومة الشر في المسيحية الشرقية خصوصاً لأنها عاشت قروناً في وضع صعب جداً فتلعّمت الخنوع وربطته بهذه الآيات. أنا من ناحيتي أحاول أن أنفض غبار التاريخ عن موروث هذه الآيات لأعيدها إلى ألقها الإنجيلي الصافي. عندنا مفهوم خاطئ حتى عن استعمال العنف، متى نلجأ إلى العنف وهل العنف في بعض الأحيان مسموح وكيف وإلى ما هنالك، هذا موضوع أعمل عليه حالياً.

غسان الشامي: سيّدنا دعني معك في القِيَم المسيحية، هناك قِيَم مسيحية تبشّر بها المسيحية ولكن أين هي في العالم المعاصر؟ كيف مثلاً يستقيم الحب في زمن الكراهية؟

سابا إسبر: تزداد الحاجة إليه ولكن علينا أن نفهم معنى الحب إنجيلياً، الحب الإنجيلي لا يعني السذاجة، لا يعني الغباء، يعني أن تحبّ الإنسان بمعنى تريد الخير له وتتعاطى معه بحسب فَهْمه لكي توصل له هذه المحبة، عندما يفهم المحبة بشكل خاطئ عليك أن تصححها، وقد تلجأ من محبتك له ومن أجل خلاصه أحياناً إلى تأديبه. هناك غبار تاريخ باعتقادي سميك جداً علينا أن ننفضه وإذا لم ننفضه خلال هذه الفترة أعتقد أننا نكون مقصّرين جداً والتاريخ لن يرحمنا.  

غسان الشامي: صاحب السيادة نشر القِيَم يعتمد على أن تكون في الشارع وبين الناس، ونحن رويداً رويداً نجد أن الكهنة ينكفئون إلى داخل حجارة كنائسهم وأديرتهم، كيف يستقيم هذا؟

سابا إسبر: هذا من مظاهر الضعف الحاضرة الموجودة هنا ولكن حقيقة ليسوا جميعهم منكفئين، ليس لديهم القدرة جميعهم على المواجهة ولكن ليسوا جميعاً منكفئين، وهناك محاولات بيضاء جداً وشاهدة جداً عن كهنة وصلوا إلى الموت لكي ينقذوا أشخاصاً، ولدينا شهداء جُدُد في هذه المحنة السورية نستطيع أن نذكر أسماءهم. هناك مواجهة ولكن الواقع لا يزال أقوى من إمكانات هذه المواجهة، لذلك أنا أركّز على التعليم وعلى إعادة إحياء المفاهيم المسيحية في أصالتها، في ينابيعها.

غسان الشامي: سأذهب إلى بعض القضايا الأورثوذكسية الحارة، لم يستطع الأورثوذكس طيلة الألف عام الماضية أن يقيموا سينودس، الاجتماع العام، بمعنى كان من المفترض أن يتم في كريت قبل ثلاث سنوات ولم يحصل، هل مدى الاختلاف في العالم الأورثوذكسي يصل إلى هذه الدرجة؟

سابا إسبر: في الحقيقة لم يحصل هذا الاجتماع العام خلال ألف سنة ببساطة لسبب تاريخي لأنه لم تكن كل البلدان الأورثوذكسية حرة، كانت تحت الاحتلال، بلدان حوض المتوسّط كلها كانت تحت الاحتلال العثماني، حتى صربيا والبلقان وجزء من رومانيا، ما إن تنفّست الحرية حتى حدثت الثورة البلشفية وسيطر الحزب الشيوعي الذي حارب الكنيسة كثيراً في البلدان الشرقية كروسيا ورومانيا وإلى ما هنالك. بعد انهيار المنظومة الشيوعية عادت الكنيسة إلى الالتقاء وحصلت عدّة اجتماعات ليست على مستوى رسمي لكل بطاركة ورؤساء الكنائس الأورثوذكسية الأربعة عشر، وتفعّل كثيراً موضوع الاجتماع العام الذي كنا نأمل أن يحدث في 2016 بإجماع كل الكنائس، ولكن للأسف طُبخ على عَجَل ولم تُتبع فيه قضية معالجة بعض المشاكل المحلية بين كنيسة وكنيسة، وفي الوقت نفسه برز مفهوم جديد عند البطريركية المسكونية لتفسير الإجماع الذي كنا جميعاً، كل الكنائس الأورثوذكسية متفقين عليه، أي قرار يؤخذ يؤخذ بالإجماع، هذه هي القاعدة الأورثوذكسية. ظهر تفسير جديد لم توافق عليه عدّة كنائس وحتى أن عدداً من الكنائس التي شاركت في اجتماع كريت في 2016 لم تكن موافقة ولكن شاركت على أمل إيجاد حل ما ولكن للأسف لم يحصل.

غسان الشامي: ويبدو أن الاختلاف يتفاقم بعد ما حصل بين البطريركية المسكونية في القسطنطينية والكنيسة الروسية حول أوكرانيا، هل ذهب موضوع المجمع المسكوني طيّ النسيان في ظل هذه الخلافات؟

سابا إسبر: بالتأكيد لن يُطرح في ظل هذه الخلافات ولكن لا أعتقد أنه ذهب إلى النسيان لأن ما عملته البطريركية المسكونية في أوكرانيا حتى اليوم لم تعترف به أية كنيسة أورثوذكسية من الكنائس الأربعة عشر المستقلة. الكنيسة الروسية قطعت الشراكة مع الكنيسة المسكونية ولكن بقية الكنائس لم تعترف، لم تقطع الشراكة على أمل أن يتم حوار ما ولا تزال هناك محاولات حتى اليوم. هناك شيء إيجابي ظهر في الأسبوع الماضي، هناك لجنة أكاديمية علمية تابعة للبطريركية المسكونية كانت تدرس الوضع الذي حصل في أوكرانيا ووضعت حلاً له، هذا الحل من الصعب جداً أن يتم لأنه وفق منظور معين، ولكن أهمية ما جرى أن دراسة هذه اللجنة وهي تابعة للبطريركية المسكونية كلياً تقول أو تقرّ بأن المحاولة التي جرت في أوكرانيا محاولة فاشلة وليست ناجحة ويجب أن تُحلّ، هذه تعطي إشارة واضحة ملموسة ورجاء بأن يكون الحل قريباً.

غسان الشامي: ولكن ما حصل بين البطريركية المسكونية وروسيا مَن يتابع يرى أن فتوراً قد حصل أيضاً ما بين البطريركية المسكونية وبطريركية أنطاكيا، هم يقولون إن بطريركية أنطاكيا وسائر المشرق تدعم الكنيسة الروسية.

سابا إسبر: بطريركية أنطاكيا طوال تاريخها وحتى اليوم هي بطريركية مستقلة، وعندها مبادرات لها قيمة كبيرة كانت عبر التاريخ القريب وحتى اليوم عند كل الكنائس. المشكلة اليوم أنني عندما لا أوافقك في ما تفعله تصنّفني مع الذي تتخاصم معه وهذا ليس صحيحاً، الكنيسة الأنطاكية تقيم علاقات كاملة وشراكة كاملة مع البطريرك المسكوني، والبطريرك الأنطاكي باسم المجمع المقدّس أرسل أكثر من رسالة فيها موقف واضح جداً ويحافظ على ميزات البطريركية المسكونية، ويطلب أن يصير حوار، اجتماع عام لرؤساء الكنائس من أجل تدارس قضية ما حصل في أوكرانيا وحل الأمر، ويشدّد الموقف الأنطاكي على الإجماع الأورثوذكسي.

غسان الشامي: بدقيقة، العلاقة مع كنيسة القدس اليونانية بين أنطاكيا والكنيسة المقدسية.

سابا إسبر: بعد استنفاذ كل الحلول واللقاءات المشتركة التي أجريت من أجل حل المشكلة التي تمّت في كنيسة قطر ولم تتجاوب البطريركية الأورشليمية، علّقنا الشراكة على صعيد الإكليروس فقط بيننا وبينهم، وهذا تدبير إداري معمول به في العالم الأورثوذكسي حتى تشدّ الخيط على أخيك كي يشعر بسخونة الأمر، الموضوع لا يُسكت عليه، واليوم العلاقة هي بهذا الشكل، ننتظر التحوّل، كان هناك اجتماع قريب كنا نأمل أن يتم في قبرص بين بطاركة الحوض المتوسّط أي الإسكندرية، القدس، أنطاكيا وقبرص، لم يتم في موعده ولكن غبطة البطريرك سيعود اليوم من قبرص، حينما ذهب كان الاجتماع بينه وبين القبرصي وقد يأتي الإسكندري والأورشليمي، ليس لديّ معلومات، ليتني كنت أمتلك معلومات أدق قبل تسجيل الحلقة ولكن غبطته لم يرجع بعد، المحاولات مستمرة.             

غسان الشامي: أشكرك، طوبى لصانعي السلام في هذا العالم المُدمَّى، طوبى لمَن تسربلوا بالرجاء في عالم انحسار الأمل، في يوم القيامة وللأسف نقول إنه ليس يوماً موحّداً حتى الساعة لكن معناه واحد، نعايدكم جمعياً متمنّين لكم وافر الرجاء. شُكرُنا للمطران سابا إسبر على حضوره في أجراس المشرق، شُكرُنا لمطرانية زحلة التي استضافتنا في كنيسة مار نقولا في زحلة، شكراً لزملائي الذين يقرعون معي هذه الأجراس، سلام عليكم وسلام لكم.