حوار الساعة

برنامج حواري يستضيف شخصية سياسية أو أكثر ويحاورها في أبرز المستجدات حول قضية معينة.

صفوان القربي - عضو مجلس الشعب السوري

 

المحور الأول

دينا زرقط: لا دخان أبيض من جولة محادثات أستانا الثانية عشرة.

المشاركون خرجوا بلا نتيجة في ملف تشكيل الجنة الدستورية، وعليه بنيت تساؤلات حول مسار أستانا بالكامل.

أما التحليلات فاستندت إلى أن الجهود والمساعي الدولية استنفذت، وصار لازماً البحث عن مخارج بصيغة جديدة لمسار أستانا.

وبالتزامن مع محادثات الحل السياسي، لم يبتعد صدى التصعيد الميداني على أطراف منطقة خفض التصعيد في إدلب عن مسامع المجتمعين في العاصمة الكازاخية.

فخرجت أصوات روسية تشدّد على أن الوضع يجب أن لا يستمر على حاله، ودعمت هذه الأصوات تقارير وصلت إلى الخارجية الروسية فحواها أن مساعي بذلتها هيئة تحرير الشام لإعادة هيكلة نفسها وتحويل عناصرها إلى معارضة معتدلة.

كل هذه التطوّرات ترافقت مع أجواء عكستها الصحف الروسية حول إيجابية سعودية اتجاه دمشق نقلتها زيارات مسؤولين سعوديين إلى موسكو.

فإلى أية مسارات تتجه الأزمة السورية بكل تشعّباتها؟

وهل اقتراب الحلول أو ابتعادها يقاس بنتائج الاجتماعات والمحادثات بين الأطراف السوريين؟ أو بالتوازنات والمعادلات الإقليمية والدولية؟

من باب محادثات أستانا نفتح النقاش اليوم مع صفوان القربي عضو مجلس الشعب السوري، فأهلاً بكم إلى حوار الساعة.

فاصل

 

دينا زرقط: أرحّب بالدكتور صفوان القربي عضو مجلس الشعب السوري، أهلاً بك د. صفوان.

صفوان القربي: صباح الخير لك آنسة دينا، والإخوة المشاهدين، وقناة الميادين المتميّزة.

دينا زرقط: صباح النور أهلاً بك.

بدايةً الجولة الثانية عشرة من محادثات أستانا حتى اليوم، لماذا لم يتم التوصل إلى نتيجة خصوصاً في ما يتعلّق باللجنة الدستورية؟

صفوان القربي: أساتنا عموماً، دعيني أقول ربما بالمختصر المفيد حول الجولة الثانية عشرة ربما تكون كلمة راوح مكانك هي عنوان مناسب لهذه الجولة.

أستانا كانت فكرتها الأساسية تأمين مخارج لترتيبات أفضل لواقع سوريا للقضاء على الإرهاب لإعادة أراض سلبت في غفلة من الزمن من الدولة السورية لإعادتها بشكل هادئ ومتدرّج، وحالياً برأيي يتم تطوير منظومة أستانا ربما لترتيبات إقليمية أوسع من بوابة مناقشة الواقع السوري ومحاولة تصويبه وترميمه.

أستانا قطعت مراحل جيدة ومفيدة، برغم أننا ربما نختلف على عامل الزمن، فكلنا نريد أن يكون هذا الإنجاز بزمن أسرع وربما بخسائر ودماء أقل.

ما أنجز جيد في المنطقة الجنوبية، في جوار دمشق، وكان مهماً جداً، وأيضاً في المنطقة الوسطى حمص وحما. بقيت المعضلة في محافظة إدلب، وهي المعقل الأخير للإرهاب التي تحوي حالياً أكبر تجمع إرهابي  في منطقة جغرافية واحدة.

معضلة إدلب معضلة كبيرة جداً، وبرأيي كانت هي العقبة الكأداء نتيجة المراوغة التركية، والإصرار على التلكؤ، وإبطاء إنهاء هذا الملف وتركه أطول فترة ممكنة. تركيا لا تريد الخروج من إدلب بسهولة تريد تأخير هذا الخروج واستثمار هذا التواجد في إدلب لمعطيات سياسية ضاغطة على الدولة السورية وأصدقائها.

دينا زرقط: د. صفوان سنتحدّث عن موضوع إدلب بشكل مفصّل، لكن هل كان السبب الحقيقي  موضوع إدلب، أو موضوع تشكيل اللجنة الدستورية؟ هناك مَن يتحدث من قِبَل الوفد السوري عن تدخلات وضغوطات أيضاً، وهل مورست ضغوطات وتدخلات؟ وبأي معنى؟

صفوان القربي: ربما كانت الدولة السورية هي الأكثر تيسيراً ومساعدة في موضوع إنجاز اللجنة الدستورية، الدولة السورية قدمت الأسماء المقترحة الخمسين مبكراً منذ أشهر طويلة إلى المبعوث الأممي، وأنهت القسم المختص بها.

دينا زرقط: وإسمك من بين الأسماء المطروحة، ننوّه بهذا الموضوع.

صفوان القربي: ربما أكون، حالياً لم أبلّغ رسمياً بهذا الاتجاه حتى لا أستبق الأحداث. ففي المعارضة حصلت خلافات كبيرة جداً، برأيي ربما الخلاف المشتبك السعودي التركي كان هو جزءاً مهماً من تشكيلة هذه اللجنة، من خلال محاولات إدخال العناصر المفرقة الإخوانية، دعيني أقول أصحاب أفكار متطرّفة كانت هي ربما أحد عناوين أساسية للسياسة التركية، وغير التركية في عمل هذه اللجنة.

القسم الخاص بالمجتمع المدني أيضاً حصل فيه اشتباك كبير. ولمحاولة ترتيب هذا الموضوع برأيي يجب أن يقوم الجميع بما قامت به الدولة السورية، وكما قال الرئيس الروسي الذي كان واضحاً في هذه النقطة أن الدولة السورية أدّت التزاماتها كاملة في الإسراع، وتيسير أمور تشكيل اللجنة الدستورية.

نقرأ مشهد اللجنة الدستورية في سوريا براحة لا مشكلة لنا، بالنهاية من يرتّب أمور الدستور هو الأقوى. الدولة السورية خرجت الأقوى حالياً، وهي تمارس حال انتصار عقلانية منطقية، ولكن بنفس الوقت نحن لا نريد دستوراً مفروضاً بالقوة. دعيني أقول نريد دستوراً يرضي الأغلبية الساحقة من السوريين، وهو نهج راقٍ وطني تقوم به الدولة السورية بكل مسؤولية تاريخية، لا مشكلة لي بالدستور رغم أن الدستور  السوري الحالي 2012 بإجماع الجميع وفق كل القراءات العاقلة هو دستور نوعي هادئ يراعي كل الأطياف، منطقي عملياً لا توجد فيه اختراقات مهمة ننظر بإيجابية لأيّ مقترح لتعديل على أن يكون هذا المقترح هادئاً ووطنياً. كما قلت لا مشكلة لنا في أيّ مقترح لتعديل يراعي الحال السورية، ولكن برأيي هناك ملاحظات مهمة جداً حول تشكيل هذه اللجنة.

المشكلة في تفاصيل إدارة اجتماعات هذه اللجنة مستقبلاً، المقترحات، آلية التصويت، لمَن تُرفع هذه المقترحات. برأيي الخلاف على هذه الجزئيات هو الحاضر الغائب، أيضاً هناك مبادئ فوق دستورية، وبرأيي في دساتير العالم كثيراً هناك مبادئ مهمة جداً، كما قلت سمّيناها مبادئ فوق دستورية يجب الاتفاق عليها مسبقاً، وإيضاحها، وإشهارها، والمجاهرة بها، أيضاً حتى ربما بعض الدساتير تقول هذه المبادئ غير قابلة ربما للتعديل مستقبلاً، هوية سوريا، حالتها العلمانية، كثير من النقاط برأيي لابد من إيضاحها في صورة الدستور القادم، فدماء كثيرة بُذِلَت، ودمار حصل، ودفعنا أثماناً هائلة لنكون في مرحلة قادمة أكثر استقراراً وهدوءاً وأماناً.

دينا زرقط: د. صفوان، لكن اليوم هل نفهم من حضرتك بأن المشكلة ليست في بعض التسميات وبعض الشخصيات؟ بعض علامات الاستفهام حول بعض الشخصيات المطروحة من قِبَل كل الأطراف في اللجنة الدستورية. وهل المشكلة حول ربما آليات العمل؟ هل هذا ما نفهمه؟

صفوان القربي: برأيي، كان هناك خلاف على بعض الشخصيات، والإدارة الأميركية أصرّت على إدخال بعض الأسماء عنوة في قسم المجتمع المدني، وكانت هناك ملاحظات عليها، وربما تكون هذه النقطة تمّت تسويتها، برأيي حالياً يجب التدقيق بالتفاصيل، والتدقيق في التوقيت.

دينا زرقط: كيف تمّ تثبيتها د. صفوان؟

صفوان القربي: ربما تم التوافق على بعض الأسماء حالياً، ولا أظن أن هناك  نقطة خلافية حول الأسماء، ربما التكتيك بالتفاصيل الصغيرة، وفي إنجاز عمل هذه اللجنة مثل اختيار المكان، حتى برأيي كمراحل أولية كما قلت لمَن تُرفَع المقترحات؟ أيضاً على المبادئ فوق الدستورية التي لا بد من إيضاحها، وهناك إصرار سوري. ولابد من إيضاحها، ولابد من المجاهرة بها، والتأكيد عليها  لتكون واضحة في مستقبل سوريا.

أيضاً برأيي بعض النقاط مهمة في إجرائية موضوع اللجنة الدستورية، لكنن ننظر براحة، بصراحة نقرأ أن الإعلان عن بدء اجتماعات اللجنة الدستورية، وانطلاق العملية السياسية تعطي راحة سياسية للدولة السورية، كثيرٌ من الدول الصديقة، وربما غير الصديقة الرمادية تترقّب إعلان بدء الحال السياسية في سوري لإعادة علاقات أكثر وضوحاً، وأكثر جرأة، وأكثر علنية.

هذا الموضوع يريح سوريا في الحال السياسية مع الحوار والتواصل مع الآخرين، لذلك لا مشكلة بالنسبة لسوريا في البدء والانطلاق والإقلاع في عمل اللجنة الدستورية بالمطلق.

دينا زرقط: حضرتك تحدّثت منذ قليل، وذكرت بأنه يجري العمل على تطوير، أو أن هناك مقترحاً لتطوير أستانا من بوابات إقليمية، لو نستطيع إيضاح هذه الفكرة أكثر؟ كيف؟ وبأيّ معنى؟

صفوان القربي: برأيي، في أستانا ربما يريد الأصدقاء الروس والإيرانيون، حتى الرغبة التركية، ولا أظن أن هناك مشكلة في تطوير منظومة أستانا لتصبح منظومة تكامل وتناغم وحوار إقليمية، وعملية لترتيبات واقع المنطقة، ليس فقط في سوريا.

الحال في سوريا هي بوابة لحوار كما قلت أكبر من سوريا بكثير، هناك اشتباك ليس فقط على سوريا. الحال ربما تكون الساحة السورية ساحة اشتباك آخرين، حالياً يوجد أكثر من اشتباك بين السوريين أنفسهم، والمشهد على مستوى الإقليم هو أكبر بكثير من سوريا، وما يجري حالياً تسوية كبرى وصفقة كبرى بعنوان صفقة القرن، وتريد أميركا وأصدقاء أميركا تمرير هذه الصفقة بهدوء وصمت.

المطلوب صمت سوريا، وصمت إيران، وصمت أصدقائنا عما يجري في هذه الصفقة المشبوهة التي تحاول تصفية القضية الفلسطينية، وإنهائها ربما إلى أمد بعيد. هذا الموضوع لا يروق بالتأكيد لسوريا ولمحور المقاومة، وبرأيي القسم الأكبر من الضغوط التي تمارس على سوريا وأصدقائها بهذا العنوان، المطلوب تحجيمهم وإسكات صوتهم قسراً أو طوعاً، برأيي لذلك سعت أميركا إلى تسارع الأحداث في المنطقة، وربط الملفات.

عملياً حصلت أشياء كثيرة في فلسطين المحتلة بتسارع كبير، كما قلت إجراءات  في ما يخص القدس وإعلان ضمها، ونقل العاصمة والسفارة، عملياً فيؤما يخصّ الجولان، حتى التلويح بالضفة الغربية، هذه إجراءات عملياً خطيرة، وكلها تجري بزمن قصير، وربما غير مقروء في السياسة.

لذلك نحتاج إلى الكثير من الهدوء، ونحتاج إلى الكثير من الروية، ولابد من ربط هذه الملفات كلها عموماً، لنقرأ المشهد بشكل جيد، الضغوطات الكبيرة التي تمارس على إيران برأيي لو قالت إيران حالياً كلمة واحدة نعم، ولا بأس بتمرير صفقة القرن، برأيي لحلّت كثير من القضايا المثارة والضجيج والغبار المثار حول إيران، وحول اتفاقها النووي، وحول تصدير نفطها. وكل هذه الملفات برأيي لابد من ربطها بشكل هادئ وحكيم.

دينا زرقط: د. صفوان نفهم من حضرتك ومن خلال هذا الكلام هو أن سوتشي سيكون بوابة لحلحلة قضايا أخرى، وأيضاً ربما جبهة موازية لما يحاك في ما خص صفقة القرن.

هل هذا ما نفهمه؟ فهناك أيضاً أزمات أخرى ما بين الدول، حتى ربما تحل من خلال مؤتمر أستانا أو محادثات أستانا.

صفوان القربي: كما قلت تماماً، المنطق يتطلب الكثير من التكامل والحوار والكثير من الرؤية للمصالح المشتركة للدول المجاورة في المنطقة، وأعتقد هذه النقطة يعمل عليها كثيراً ومن خلال محاولة توعية تركيا من قبل الأصدقاء في إيران، وحتى الأصدقاء الروس أن تركيا هي في عين الهدف الأميركي، وإنها هي الخطوة التالية، أو أنها هي الفريسة المقترحة رقم 2 بعد إيران حالياً. هكذا تطلب أميركا، لذلك محاولة نصح تركيا بالهدوء والروية ومقاربة مصالحها الوطنية والتفاهم مع دول الجوار عموماً، بعيداً عن المكائد الأميركية، وإدخال الأميركي في بعض الأزمات التركية. نحتاج إلى بعض العقلانية التركية برأيي في هذه المرحلة، وهي مهمة جداً لتوعيتها وتخفيف الكثير من الأزمات المتصاعدة التي فاقت كل الحدود.

الأصدقاء الإيرانيون يعملون بشكل جيد رغم كل محاولات المشاغبة الخليجية التي دخلت على الخط، وما لا يخفى على أحد حالياً أن هناك صراع محاور عنيفاً معلناً وغير معلن، ما يجري في السودان، والكباش إلى حد كبير في السودان، في ليبيا، حتى في الشمال الإفريقي العربي عموماً ما بين محور تركي قطري، ومحور سعودي إماراتي. حالياً يدخل عليه الخط الأميركي بشكل أكثر وضوحاً، وهو يعطي مؤشراً على اتجاهات أميركية التي تستثمر، ربما ببعض الدعم الخليجي المالي لهذه المجموعات هنا وهناك، وهناك اشتباك كما قلت كبير بحاجة لأن نقرأه بشكل هادئ موزون، ولذلك كان هذا الموضوع أيضاً.

لاحظت قائمة الزيارات الكبيرة التي حصلت في المرحلة الماضية، قسم منها كان يعطي نوعاً ربما من أنواع محاربة الطرف الآخر، أو نكاية بمحور آخر أكثر ما تكون محاولة فتح أبواب هادئة مع الدولة السورية لتصحيح وتصويب أوضاعها، غالباً نحن العرب عملياً لا نتقن فن مراجعة الذات.

 أقول هذه الكلمة للأسف الدول والأفراد والمجموعات والأحزاب، تحتاج بين كل فترة وفترة إلى وقفة مع الذات، أين أخطأنا؟ أين أصبنا؟ كيف نطوّر هذه الفكر، ونحاول أن نرمّم الأخطاء؟ تصويب الحال العامة للأسف كثير من الدول العربية، وأقصد الخليجية عموماً بالتصويب لا تتقن هذه الميزة لعنوان أساسي، ربما لأنه مسلوبة بمعظمها للقرار السياسي، حتى لا أقول كل القرار السياسي لأكون إلى حد ما دبلوماسياً. القرار السياسي للدول الخليجية للأسف مسلوب، ومُسلّم للقرار الأميركي بامتياز.

دينا زرقط: سنفتح النقاش على هذه المواضيع وغيرها، أيضاً لكن نتابع ما كتبه اليوم مازن بلال في صحيفة الوطن السورية تحت عنوان "المسؤولية السورية المُغيّبة"

 

الوطن السورية: "المسؤولية السورية المُغيّبة" مازن بلال

دخلت لقاءات أستانا منذ عام تقريباً مرحلة مختلفة، فبعد المؤتمر الوطني في سوتشي تحوّلت مهمتها وغدت تنسيقاً إقليمياً للحفاظ على توازنات الدول الراعية.

وربما سيستمر هذا الأمر لفترة طويلة، فموسكو وأنقرة وطهران لن تستطيع تبديل المعادلات الإقليمية والدولية، وفي الوقت نفسه لديها حدود باتت واضحة في مسألة التأثير في مسار الحل النهائي.

فالاختراق الممكن لا يتّضح في اللقاءات التي تجري أو الترتيبات المتعلقة باللجنة الدستورية، إنما في أبعاد هذه الترتيبات قدر الإمكان عن الحسابات القائمة اليوم بين العواصم الكبرى.

إن المسألة المهمّشة في موضوع الحل السياسي هي عدم اعتراف جميع الأطراف بأن المساحة السورية لا يمكن ترتيبها دولياً، حيث أصبحت خطوط تماس لكل الأطراف، ولم تعد تعبّر عن مصالح فيزيائية للدول الكبرى. فهي جغرافيا يتم الاستناد إليها للتأثير في قضايا مختلفة وفي مستقبل التوازن الدولي عموماً.

عملياً فإن الجهود الدولية استنفذت طاقتها خلال السنوات السابقة لخلق توازن خاص في سوريا، فالمؤتمرات والتقارير واللقاءات وصلت إلى مستوى قياسي ولكنها لم تحقق أهدافها في إيجاد توازن داخل سوريا يسمح بفرض نموذج لحل النزاعات يشابه ما حصل في يوغوسلافيا السابقة أو غيرها من الدول. ونواجه اليوم أكثر من مسألة عجز دولي للتحدّي السوري عموماً، وهو في إعادة تلك الدول وتقييم تدخلها السابق في سوريا.

فهي لم تعد تراهن على الأطراف السورية التي شكلتها خلال الأزمة، بل على الداخل السوري الذي باعتقادها سيكرّر الاضطراب، ولو بعد سنوات نتيجة عملية الإغلاق في الحل السياسي والحصار الاقتصادي الذي سيعرقل أية جهود تنموية.

 

دينا زرقط: سيّد صفوان مما جاء في هذا المقال الاختراق الممكن، ولا يتضح في اللقاءات التي تجري أو الترتيبات المتعلقة باللجنة الدستورية، إنما في إبعاد هذه الترتيبات قدر الإمكان عن الحسابات القائمة اليوم ما بين العواصم الكبرى.

لكن حضرتك كنت تتحدّث منذ قليل عن ربط الملفات، وأيضاً أنه ستكون هناك حلحلة، ربما لأزمات كبرى من بوابة أستانا وما إلى ذلك.

كيف سيتم هذا الموضوع؟

صفوان القربي: برأيي كما قلت نحن حالياً في مرحلة مخاض كبير جداً في المنطقة، الكل يترقّب المشهد، الكل ربما يحاول الاحتفاظ بأوراق القوة الموجودة بين يديه لانخفاض مستوى الغبار في المنطقة ليظهر المشهد بشكل جيد ربما، أو يصبح أكثر وضوحاً.

ويبقى التأجيل برأيي والمراوحة في المكان والإبطاء هو عنوان أساسي لما يجري حالياً في الملف السوري، لذلك كما قلنا، ولاحظنا المرحلة الأخيرة دعيني أسميها، مرحلة تسويف ومماطلة وترك الملف لمرحلة قادمة قد تكون هي عنوان أساسي بانتظار بعض المعطيات الجديدة لأن تظهر في الوضع الحالي.

بالتأكيد نحن نقرأ الموضوع في المرحلة القادمة بأننا نحتاج، وأحوج ما نكون إلى بعض التسخين في بعض الملفات لإعطاء نوع ما من الإحراج وإعطاء نوع من الحركة لبعض الملفات، ملف إدلب لابد من تحريكه ببعض اللقطات العسكرية، قد نختلف أو نتفق على مساحة هذه اللقطات، لكن هناك خواصر رخوة في إدلب، والجيش سوري كبير جداً، ونخبة الجيش السوري موجودة على تخوم محافظة إدلب، وملف شرق الفرات حالياً يغلي. كنا نقول أدلب أولاً، حالياً برأيي لا يمنع، وربما نقول إدلب وشرق الفرات أولاً.

مشهد شرق الفرات والضغط الاقتصادي الكبير الذي يمارس على الدولة السورية حالياً رغم أولوية الحوار، والحوار أولاً وثانياً وثالثاً، وربما عاشراً مع الإخوة في المكون الكردي وقوات سوريا الديمقراطية ومع الموجودين في المنطقة الشرقية.

أرى أننا قد نحتاج إلى بعض الإجراءات غير الاعتيادية ربما تكون لقطة الرقة بالأمس تعطي مؤشرات أيضاً لمرحلة قادمة مستقبلية، نحن بحاجة لتوافقات مكامن سوريا النفطية الغازية.

كثير من الخيارات الاقتصادية موجودة في المنطقة الشرقية، ونحن أحوج ما نكون إلى يدها حالياً في هذه المرحلة، في مرحلة تشديد العقوبات على سوريا، وعلى إيران، وعلى أصدقائنا، ونحن بحاجة إلى هذا الموضوع بشكل كبير جداً.

تركيا أقول بكلمات في ما يختص ملف إدلب لم تتقدم خطوة واحدة باتجاه الحل إن لم تحشر في الزاوية، لابد من ممارسة ضغوط على تركيا بكل العناوين، تركيا محرجة في إدلب وتبحث عن إخراج. ولكن كل سيناريوهات الحل في إدلب عملياً تحرج تركيا أكثر.

لذلك لابد من الروية في هذا الملف، وأرى أننا بحاجة لبعض اللقطات العسكرية المهمة جداً في ملف إدلب، وكل الإمكانية موجودة ونحتاج إلى قرار سياسي، والقرار السياسي ربما يحتاج إلى توقيت هادئ وذكي، ومشاورة الأصدقاء مهمة جداً في هذا الاتجاه أن يكون برأي واحد.

دينا زرقط: بكل الحالات، كان هناك إشارات روسية في ما خص هذا الموضوع. سنفتح هذا الموضوع بعد قليل سيّد صفوان، لكن حضرتك تحدّثت عن إشارات من خلال ما جرى في الرقة أو صورة الرقة أمس.

ما هي هذه المؤشرات؟ على ماذا يفتح موضوع الرقة؟

 

صفوان القربي: الدولة السورية أعطت مؤشراً مهماً جداً، وإشارة بلون عسكري أنها لن تترك ملف شرق الفرات للأهواء المتنوعة الموجودة في المنطقة، لا الحاضر العسكري الكبير موجود كما قلت، والإمكانيات الاقتصادية لابد منها. التوافق عنوان أساسي جداً، وبرأيي الحركة العسكرية بالأمس كانت جزءاً منها، هو توافق توافق.

ولكن مع وجود غطاء عسكري سوري وروسي كبير جداً، كان بمساعدة مهمة جداً من العشائر العربية الموجودة في المنطقة. هذا مؤشر مهم على أهمية فتح الباب واسعاً لحوار هادئ، أيضاً مع العشائر العربية الموجودة في المنطقة، هناك إستئثار من بعض المجموعات الكردية بالقرار في المنطقة. الأغلبية السكانية لا تسير بهذا الاتجاه، ولابد من التنمية والعمل على الروح الوطنية أكثر والتأكيد على التواصل مع العشائر العربية بشكل كبير.

هناك دخول سعودي إماراتي تمويلي على هذا الخط، ولكن بأهداف غير مريحة وغير صائبة، لذلك ملف شرق الفرات يحتاج إلى جهد كبير جداً بهذا الإتجاه، وأعتقد أن لقطة الرقة هي لقطة مهمة قد يكون ما قد يتبعها في القريب القادم.

دينا زرقط: ذكرت حضرتك منذ قليل عن الموضوع العربي تحديداً الإماراتي السعودي، لكن حضرتك ذكرت بأن القرار العربي مرهون للإدارة الأميركية.

هناك نوع من الانفتاح العربي، انفتاح إماراتي على الجانب السوري أيضاً، بعض الصحف الروسية تتحدّث عن إيجابية اتجاه سوريا نقلتها عبر قنوات روسية.

كيف ستتعامل سوريا مع هذه الإيجابية وهذا الانفتاح؟

صفوان القربي: ربما كانت الإمارات عبر بداية فتح سفارتها في سوريا سباقة في هذا الاتجاه، وهي كانت أول من دخل على هذا الخط، وهي نقطة حميدة بالتأكيد، ولكن دعيني أقول بعقلانية أقول في المحور الآخر هناك صاحب قرار وحيد فقط لا غير هو الأميركي فقط لا غير.

قرار الانفتاح المتدرج على سوريا كان قراراً أميركياً تبعه وفق مبدأ إعطاء بعض الأمل، وإعطاء بعض العطايا، وإعطاء بعض الانفتاح، ثم الإغلاق بقصد الإحراج والابتزاز، هذا عنوان أساسي لأميركا بالتعامل مع الدولة السورية.

لقطة جميلة، لقطة طيبة بنفس الوقت، وهناك تشديد هائل للعقوبات لإجبار سوريا عملياً على تسليم القرار السيادي في كثير من الملفات، وتقديم تنازلات أكثر في كل الملفات. وكما قلت أعود وأقول لفكرة أساسية المطلوب تمرير صفقة القرن بهدوء وأمان وسلاسة في هذه المرحلة الحساسة، لذلك الاشتباك مع سوريا.

وعلى سوريا أن تصمت عما يجري في الإقليم، وتبقى التفاصيل الداخلية برأيي في ما يخص سوريا تفاصيل قابلة للحوار والنقاش والحل بزمن وبسرعة أكثر مما يتوقعه الجميع.

لذلك، الحراك الأميركي نقرأه بعدما كان يتّجه باتجاه الإنسحاب أصبح يتّجه إلى إعادة الانتشار في المنطقة الشرقية وإلى الإستعانة بالأدوات المحلية في المنطقة، وهم قوات قصد، وحالياً بالهاربين من الباغوز لمحاولة إشغال الحدود السورية العراقية.

عموماً المنطق الأميركي يتجه إلى إشغال أكثر الأدوات المحلية، واستخدام العقوبات والحرب الناعمة لإحراج سوريا وإزعاجها، ولإجبار سوريا على تقديم تنازلات بعناوين سياسية مهمة على صعيد الداخل السوري والإقليمي.

دينا زرقط: سنخوض أكثر في النقاش في هذا الموضوع سيّد صفوان، لكن بعد هذا الفاصل القصير، إبقوا معنا مشاهدينا.

 

المحور الثاني:

دينا زرقط: أهلاً  بكم من جديد مشاهدينا في حوار الساعة، ونعاود الترحيب بضيفنا من العاصمة السورية دمشق عضو مجلس الشعب السوري د. صفوان القربي.

أهلاً بك د. صفوان من جديد.

صفوان القربي: أهلاً وسهلاً، صباح الخير.

دينا زرقط: صباح النور من جديد، د. صفوان، كنت تتحدّث قبل الفاصل عن نوع من الإشغال الأميركي من بوابة إعطاء الضوء الأخطر لبعض الدول العربية الخليجية تحديداً بفتح العلاقات، أو إبداء إيجابية ومرونة في ما خص العلاقات مع سوريا، ومن ثم إغلاق هذا الموضوع من باب الإشغال، هذا في ما خص العلاقات العربية.

لكن نحن اليوم نتحدّث عن أستانا والمراوحة، وأيضاً حضرتك تحدّثت عن مراوحة في نقطتين مفصليتين موضوع إدلب، وموضوع اللجنة الدستورية، والتأخير في البتّ بالنقطتين، هل يأتي هذا أيضاً يأتي من باب الإشغال الأميركي؟

صفوان القربي: أقول الرغبة التركية والأميركية هي تقريباً متطابقة في ما يخص الملفين، عملياً ملف اللجنة الدستورية، وملف أدلب ظهر أن هناك خلافاً بين الرؤية الأميركية والرؤية التركية تماماً. جايمس جفري كان واضحاً جداً في أكثر من تصريح، وليس هناك تصريح واحد، كان يقول دائماً إن  المطلوب إبقاء الوضع في إدلب على ما هو. عملياً، ووفق القراءة الأميركية والتركية، أن أي حوار يجري بالسياسة حول الحل السياسي في سوريا وفي اللجنة الدستورية، وبوجود إدلب بيد المجموعات الإرهابية وبرعاية تركية عملياً هو يعطي نقطة قوة سياسية في أيّ حالة حوار سياسية. لذلك أن تترك أدلب قبل فتح العملية السياسية هو أمر غير مقبول وغير مرغوب فيه تركياً وأميركياً.

الكل يقرأ أن إدلب هي ستحدّد الوجه المستقبلي الإقليمي لتركيا، لذلك تركيا محرجة في ملف إدلب كما قلت وكل سيناريوهات الحل تحرج تركيا بشكل كبير، ونفس الموضوع كما قلت ينطبق على ملف اللجنة الدستورية.

إدلب دائماً في الهوى والقلب، ونعود إليها في كل أحاديثنا، وتعتبر حجرة كأداء في مسير الحل. لماذا؟ لأنه لا بد من الالتزام بما تم الاتفاق عليه. المنطق السوري والروسي والإيراني يقول بضرورة إيفاء تركيا بالتزاماتها التي وقّعت عليها في سوتشي في ما يخص إدلب، وكانت هناك جداول زمنية ملزمة ومناطق منزوعة السلاح وإبعاد المسلحين وتسليم السلاح الثقيل، كل هذا لم ينفّذ عملياً، والبطء التركي غير مقبول. وكلنا نعرف أن تركيا سوف تماطل وتبطّئ وتتريّث، هذا كان الأداء التركي في إدلب، وعدم وجود أيّ حراك طوال هذه المدة نقطة مقلقة في ظل تمادي السلطات التركية في التتريك شمال سوريا. وهناك عمليات تغيير ديموغرافي تجري بشكل كبير في إدلب والشمال والقرى المسيحية التي تم تهجيرها، وهناك 12 قرية درزية لم يبقَ منهم إلا القليل، وعلى الحدود التركية السورية يمنع تواجد المكوّن الكردي، وبالتالي التشجيع على وجود قسم من التركمان القادمين من ريف دمشق على هذه الحدود لإعطاء تركيا نوعاً من الأمان.

إذاً، الإجراءات التركية مقلقة ومن حقنا أن نشعر بالقلق اتجاه ما يجري في إدلب، وتركيا تعتبر إدلب متنفساً اقتصادياً كبيراً لها، وتعتبر أن الجنوب التركي والسوري متداخلان  وكأن ذلك يشكل الفضاء السياسي لتركيا. وهناك تقديرات متفاوتة لأعداد السوريين الموجودين في شمال سوريا ومجموعهم قد يصل إلى 3 أو 4 ملايين، وتقول أنه يجب أن يحملوا الهوى السياسي التركي، وتعتبرهم قوى انتخابية أساسية في أية انتخابات قادمة، فهي تتريث وتتباطأ وتفنّن في فصول تأخير ما يجري في إدلب.

ستخرج تركيا من الشمال السوري لكن ستبقي أثراً ثقافياً مستقبلاً، تريد أن يبقى الولاء الثقافي والاجتماعي لتركيا، وهذه نقطة غير مريحة وخطيرة. لذلك فإن عامل الزمن عامل ضاغط يحرجنا كثيراً، ويلزمنا أن نكون أكثر نشاطاً خاصة أننا نملك كل المقومات العسكرية لفتح هذا الملف بكل جرأة ومسؤولية، لكن القرار العسكري هو قرار جمعي وتوافقي لمحور قبل أن يكون للدولة السورية.

دينا زرقط: د. صفوان الرئيس السوري بشّار الأسد تحدّث وأشار إلى هذا الموضوع، والإشارة كانت واضحة من قِبَل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي قال إنه يجب يفي الأتراك بالتزاماتهم في ما يخص موضوع إدلب. في هذه الحال هل يتم التدوال بالصيغة التي أشرت لها أنه في بعض المناطق لا بد من الحل القاسي والجراحة لبعض البؤر في إدلب؟ كيف سيكون الشكل في حال تم هذا الموضوع؟

صفوان القربي: جغرافياً محافظة إدلب ليست جغرافيا بسيطة، هي جغرافيا واسعة وأوسع مما يتوقع الجميع، وهي صعبة، فيها تنوّع تضاريسي من الجبال والغابات إلى الأراضي المنبسطة، وهذا التنوّع يفرض على الجوانب العسكرية، لكن هناك خواصر رخوة. أقول ربما بأيام ولا أقول بساعات أن الجيش العربي السوري وأصدقاءه قادر من خلال القوة النوعية الضخمة الموجودة حالياً على تخوم محافظة إدلب إعادة أقسام مهمة من هذه المحافظة، وهذا إجراء لا بد من البدء به وإن كان بشكل تدريجي. هذا الموضوع يعطي ميزة حصر الإرهابيين في داخل محافظة إدلب أو أقرب ما يكون إلى الحدود التركية. هناك نوعيات من الإرهابين يجمع الكل أنه لا يمكن التعامل معهم إلا عسكرياً، القسم الكبير منهم في إدلب لا يقبلون بالحوار السياسي، وجبهة النصرة تحت عين الرعاية التركية تستولي عملياً على القرار السياسي في محافظة إدلب، لكن طبعاً تحت عين الاستخبارات التركية التي تدير محافظة إدلب من الألف إلى الياء بكل التفاصيل الكبيرة والصغيرة.

ومحاولة تلميع صورة جبهة النصرة، وإعطائها لوناً سياسياً هي أحد الألاعيب التركية التي تبحث عن تغيير اليافطة والعنوان، لكن العقل هو نفسه، العقل التكفيري الإرهابي، والإرهاب هو فكر قبل أن يكون أداءاً، والتعامل العسكري لا بد منه بغض النظر عن الحجم.

دينا زرقط: د. صفوان، لا زلنا نتحدّث عن الصورة من المنظور التركي، لكن من المنظور والمصلحة السورية عامل الوقت مهم جداً وهذا بحسب ما تحدّثت عنه المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الروسية التي قالت بأن هيئة تحرير الشام تعيد هيكلة نفسها لتكون معارضة معتدلة.

ماذا تنتظر اليوم القيادة السورية من أجل بتّ موضوع إدلب؟

صفوان القربي: بالنهاية كما قلت لا بدّ من التوافق، ومعركة إدلب ليست معركة سهلة بالمعنى العسكري بالرغم من الاستعدادات الضخمة، وهناك هواجس كثيرة. البعض أشار إلى هاجس المدنيين، والدولة السورية هي أكثر الحريصين على المدنيين الموجودين في محافظة إدلب، وهذه نقطة لا خلاف عليها، لكن الموضوع ضمن محافظة إدلب يحتاج إلى ترتيبات أوسع، مثل اختيار الزمن. واختيار التوقيت نقطة منوطة بصاحب القرار السوري الذي يتقن تحديد ذلك من حيث التعاون والتكامل مع الدول الصديقة في محور سوريا، واختيار التوقيت على الصعيد الدولي أيضاً.

إذا وجد التوافق بالنسبة للعمل العسكري، وأيضاً بإيجابية أو بصمت تركي فتكون العملية أكثر نجاحاً وسرعة. وبالتالي دماء أقل، وحفاظ على البنية التحتية ما أمكن، وتكون الحال أفضل. لكن في ظل العناد والمرواغة التركية تصبح العملية العسكرية أكثر كلفة ودماً، وهذه النقطة التي يعمل عليها السوريون والعملية العسكرية ستأتي حتماً في الغد القريب، وبالتالي تكون كلفتها أقل.

دينا زرقط: لكن اليوم كلام الرئيس الروسي بالأمس، هل يشير إلى أن ضغوطاً روسية ربما ستمارس على الجانب التركي ليحصلوا على ضمانة من أجل صمت تركية عما يحصل في إدلب؟ هل نفهم ذلك؟

صفوان القربي: الرسالة كانت واضحة أنها موجّهة لتركيا، وبرأيي إنها موجّهة للشارع السوري تحت عنوان المطالبة بالمزيد من الصبر، فالمواطن السوري قلق، ويشعر أن الزمن طال في ما يخص فتح ملف محافظة إدلب، وكان هناك زخم كبيرعند انطلاقة هذه القوات، وكما قلت هي إشارة صبر وهدوء وروية، لكن نريد نحن كمواطنين أن ترتفع الحرارة في القرار ونحن الشرقيون متحمسون أكثر، أما الروس فإنهم ربما بحكم الجو السيبيري البارد يتروون أكثر، نحن نحتاج أن نعطيهم بعض الحرارة المشرقية ليكون الأداء أكثر سرعة ونشاطاً  في إنجاز ملف نراه أنه طال أكثر مما يجب.

دينا زرقط: هل يجري العمل من الجانب السوري لإعطاء هذه الحرارة المشرقية للجانب الروسي؟ تفضل.

صفوان القربي:  أقول هذه الرسالة مني كقارئ لمزاج الشعب السوري رغم قناعته المطلقة واحترامه الكبير جداً للجهد العسكري الروسي الذي كان أساسياً مع الإخوة والأصدقاء في إيران وحزب الله لتنظيف مناطق جغرافية واسعة في سوريا من الإرهاب، وأيضاً نكّن الاحترام للدماء من الدول الصديقة والأحزاب كذلك، عملياً ساهمت في تحرير أجزاء مهمة من سوريا.

لكن كما قلت نعوّل على الزمن أن يكون أقصر لأن جراح السوريين السياسية والاقتصادية أصبحت عميقة ولا بد من التعامل معها باحترام.

دينا زرقط: أيضاً دكتور صفوان نتوقف مع هذا التقرير من صحيفة الخليج الإماراتية حول أستانا إثني عشر مكانك راوح، لنتابع.

 

الخليج الإماراتية: أستانا 12 .. مكانك راوح

انتهى مؤتمر "أستانة 12" الذي انعقد في العاصمة الكازاخية "نور سلطان" بشأن الأزمة السورية من دون تحقيق اختراق في مجمل القضايا التي كانت مجال مناقشات بين الدول الثلاث الضامنة روسيا وإيران وتركيا ووفد المعارضة السورية.

لم تختلف النتائج عن الجولات السابقة، وبقيت قضايا تشكيل اللجنة الدستورية والمعتقلين والوضع في إدلب تراوح مكانها. اللجنة الدستورية التي من المفترض أن تتولّى وضع دستور جديد أو تعديل الدستور الحالي كمقدّمة للحل السياسي، اصطدمت بتمثيل المعارضة في اللجنة التي من المفترض أن تضم 150 عضواً، حيث تباينت مواقف قيادتها حول الشخصيات التي يمكن أن تتمثل من جهة، ومطالبة أنقرة بتمثيل واسع لـ "الإخوان" في اللجنة من جهة أخرى، وهو ما تحفّظت عليه دمشق وبعض قوى المعارضة، كما أن الأمم المتحدة المكلفة بتشكيل وفد من 50 عضواً يمثل المجتمع المدني والمستقلين اصطدمت بمواقف رافضة للأسماء التي تم اختيارها. أما الوضع في إدلب فكان له نصيب الأسد في المحادثات من دون التوصّل إلى أية نتيجة أيضاً، إذ إن الوفد التركي الذي ترأسه مساعد وزير الخارجية سادات أونال لم يحمل تفويضاً لحسم مسألة تنفيذ اتفاق سوتشي، ولم يخرج عن المراوغة في الحديث عن صعوبة الوضع هناك، مع الالتزام بتنفيذ الاتفاق وتنشيط مركز العمل الثلاثي الروسي الإيراني التركي المتعلق بمنطقة خفض التصعيد.

المصادر التي تابعت محادثات أستانا أعربت عن اعتقادها بأن صبر روسيا بدأ ينفد بالنسبة لإدلب، إذ أعطت أنقرة الوقت الكافي لحسم مسألة "جبهة النصرة" هناك، ولم يعد بإمكانها الانتظار أكثر، والسماح للجماعات الإرهابية بأن تهدّد أمن قواتها، أو أن تبقي المنطقة وسكانها رهينة في يدها.

 

دينا زرقط: دكتور صفوان ما تابعناه الآن هو افتتاحية صحيفة الخليج الإماراتية، وكأنها نوع من المغازلة للجانب السوري، ويصبّ أيضاً في ما تحدّثت عنه في ما يخص تشكيل اللجنة الدستورية، وإصرار الطرف الآخر على تمثيل إخواني واسع. هل يصبّ هذا الأمر في نفس الخانة التي تحدّثت عنها، أي الإشغال الأميركي عبر فتح العلاقات العربية الخليجية مع سوريا، وبعد ذلك إغلاقها؟

صفوان القربي: جزء كبير من التقرير أقرب إلى الواقعية، ويعتبر قراءة هادئة للمشهد، وهذا أمر جيد أن يكون من صحيفة خليجية.

كما أشرت إلى الانفتاح على سوريا، هذا الفتح الموارب الذي يرافقه التلويح بمزيد من العقوبات مقابل بعض العطايا والمزايا التي يجب أن تقدّمها الدولة السورية. برأيي الذي كان يشجع الانفتاح على سوريا كان يعتقد أن الاقتراب من سوريا يبعد إيران، ربما كانت هذه أحد الأفكار. كانت وجهة النظر السورية أن هذا الانفتاح في هذه المرحلة الضاغطة على إيران أيضاً سيريح إيران، لذلك برأيي انتصرت وجهة النظر الأخيرة أي ممارسة الضغط على سوريا وإيران وتأجيل الحل في مرحلة لاحقة عملياً.

أما في موضوع اللجنة الدستورية، فالنهج الإخواني واضح، وبالذات الأصوات المغرقة في الإخوانية، والمطلوب تركياً إدخالها ضمن إما قائمة المعارض التي تم الاختلاف عليها مع السعوديين بشكل كبير، أو ضمن قائمة المجتمع المدني. هي نقطة خلافية إضافية كما قلت في صراع المحاور الذي يشهد جولات وجولات وتسخيناً كبيراً في هذه المرحلة الحساسة جداً من تاريخ المنطقة.

لذلك، كان تأجيل ملف إدلب وتركه إلى مرحلة لاحقة لأن نهج أستانا بالعموم نهج فضفاض يعطي هامشاً للمناورة لكل الأطراف للتملّص والتريّث والمراوغة، وإن كانت فقرته الأخيرة وسوتشي ملزماً من جداول زمنية. ولاحظت أن الرئيس الروسي حرص على أن يوقّع وزيرا الدفاع الروسي والتركي على هذا الاتفاق بوجود الرئيسين، كانت نقطة مهمة تنم عن استشعار المماطلة والتريث التركي.

المرحلة الحالية مرحلة ترقّب الأوضاع كما قلت، وهي مرحلة حساسة وربما يكون الضغط على إيران وإعلاء الصوت وقرع الطبول والصراخ الأميركي الكبير بمؤازرة خليجية ضد إيران، وكذلك انتظار الزمن الحساس للمعركة على إيران بوجهها الإعلامي والسياسي حالياً، وتتطلب هذه المرحلة من الجميع التريّث والهدوء والروية، وتأخير ملف إدلب. وبالتالي الذي صبر كثيراً، لا بأس أن ينتظر شهراً أو شهرين لمرحلة قادمة قريبة إن شاء الله.

دينا زرقط: لكن قد يقول قائل، اليوم جرى تأجيل عدة ملفات بسبب عرقلة الطرف الآخر الذي من مصلحته هذا الأمر، وكل ما تأخر الوقت كان في مصلحة الطرف الآخر. لكن الآن ألا تسير المنطقة بالتوقيت الأميركي؟

صفوان القربي: عملياً أميركا تريد إبطاء ووقف وإفشال مسار أستانا بشكل كبير، والانطلاق إلى جنيف الذي تشعر أنه ملعب أميركي غربي بامتياز، وصوتها أعلى. لذلك يوجد مزيد من العرقلة لأستانا التي تخدم المصلحة الأميركية، وتعتمد أميركا على الصوت التركي لتأكيد عملية التأخير على أمل أن تقطف سياسياً في جنيف، وهذا ما يؤدّي إلى سحب ملف اللجنة الدستورية من أستانا إلى جنيف الذي هو رغبة أميركية لإعطائها نوعاً من الغطاء الأممي والدبلوماسي أكثر بعيداً عن الغطاء الإقليمي الروسي مع أصدقاء روسيا الموجودين في أستانا. وجود غير بيدرسون وجود مهم أيضاً لمحاولة إعطاء حالة أممية، وقد كان هادئاً إلى حد ما في جلسات حواره وإطلاعه على الملف السوري عموماً، وإلى الآن يتميّز بالهدوء وقراءة المواقف. لكن بالنهاية فهو يمثّل الصوت الأممي الذي تعتبر أميركا صاحبة الصوت الأعلى فيه، لذلك التوجه الأميركي حالياً لسحب ما أمكن باتجاه جنيف وليس فقط ملف اللجنة الدستورية.

دينا زرقط: المؤشّرات تقول أنه سيسحب هذا الملف باتجاه جنيف، كيف ستتعاملون؟

صفوان القربي: سوريا تنظر براحة، فهي دولة منتصرة عملياً، ولا نمارس في سوريا نقطة الانتصار، والمنتصر هو في النهاية من يفرض الدستور، لكن في سوريا ننظر إننا نريد دستوراً حضارياً وطنياً توافقياً يرضي الأغلبية الساحقة، وهذا الدستور يبقى ويدوم، ولا نريد دستوراً لحظياً قابلاً لإعادة الصوغ في مرحلة قادمة قريبة. سوريا تتعامل براحة كما قلت، وتشعر بعدم وجود مشكلة في هذا الاتجاه طالما هي واثقة من نفسها وأصدقائها وحلفائها. وبالنهاية من يملك الإنجاز على الأرض هو صاحب الصوت الأقوى على أية طاولة حوارية وتفاوضية بأي عنوان كانت سياسي أو عسكري.

دينا زرقط: إذاً، الدكتور صفوان القربي عضو مجلس الشعب السوري شكراً جزيلاً لك.

أيضاً الشكر الكبيرلكم مشاهدينا على حُسن المتابعة، نلقاكم غداً.

إلى اللقاء.