وفيق إبراهيم - محمد علي مهتدي

 

المحور الأول:

فتون عباسي: مرحباً بكم.

قبل أيام عقدت الدورة الثانية لمنتدى مبادرة الحزام والطريق المعلنة نهاية 2013. الحضور 37 دولة ورئيس حكومة، عدد الدول المشاركة في المبادرة 125 دولة، والمشروع يغطي عدداً كبيراً من الدول، وهو مرشح للارتفاع في ثلاث قارات: آسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

الموقع الجغرافي للدول العربية الذي يضعها في قلب طريق التجارة القديم، يجعل منها شريكاً مهماً لبكين في مشروعها الحالي.

روسيا وباكستان من الدول الداعمة للمشروع، قلق الأوروبيين والأميركيين إزاء المشروع يعلّلونه بالتخوّف من نيّات الصين البعيدة المدى.

بعض الأوروبيين شاركوا بعد أن انضموا للمبادرة حديثاً.

واشنطن لم ترسل أحداً.

عن مبادرة الحزام والطريق في أسبابها وأهدافها، في أهميتها ومعانيها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وعلاقاتها بالعالم والمنطقة، ولا سيما بدولنا العربية والإسلامية، نسأل ونناقش المستشار في مركز دراسات الشرق الأوسط محمّد علي مهتدي، والباحث في الشؤون الإقليمية وفيق إبراهيم.

أهلاً بكم إلى حوار الساعة.

 

فاصل:

 

فتون عباسي: إذاَ، مرحباً بكم مشاهدينا إلى هذه الحلقة عن طريق الحرير، وكل ما قد يهمكم عن هذا الطريق من حديث ومبادرات ومنتدى، المنتدى الثاني الذي عقد منذ أيام حول هذه المبادرة طريق الحرير.

على كل حال إذاً، ضيفينا هما من إيران كما ذكرنا، ومعنا ضيف في الاستوديو، أرحّب بكما ضيفينا الكريمين.

أبدأ معك مباشرة د. وفيق إبراهيم، وأسأل بشكل مباشر وواضح. ما هي الآثار الجيو سياسية لطريق الحرير الجديد؟ وكيف يؤثر على موازين القوى في أوراسيا؟

وفيق إبراهيم: الحقيقة إن كل تعديل في توازن القوى الدولي يحتاج إلى بنيان اقتصادي كبير، عام 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية. دمّر الغربيون العالم، وأقاموا سوقاً اقتصادية ضخمة قامت كناتج لموازنات القوى العسكرية، وكانوا مهيئين في ذلك اقتصادياً أكثر من غيرهم.

اليوم هناك صعود صيني هائل، هذا الصعود الصيني ارتدى شكلاً حيادياً على المستوى السياسي والعسكري، أو افتعل هذه الحيادية مع شحن اقتصادي ضخم جداً، استطاع أن يمتد ويستفيد من سياسات غربية كان الغرب قد وضعها ليمسك بالعالم أكثر، على المستوى العولمة مثلاً استطاعت الصين أن تخترق العولمة، وتخترق معظم أسواق أوروبا وأميركا نفسها، بالإضافة لأسواق أفريقيا وآسيا.

هذا ما أصاب الأمريكيين برعب شديد، واعتبروا أن السلاح الذي أرادوا منه أن يمهد ويدفع العالم كله تحت جناحيهم استغلته الصين. لذلك بدأت بمحاولة اللعب على هذا الصعود الصيني، تارة بإلغاء العولمة، وإقفال الحدود، وبنظام الحمائية، وبإلغاء التجارة الدولية، إلا أن الصين ظلت صامدة وردت اليوم هذا الرد. هو رد جيو استراتيجي أكثر من كونه فقط سياسياً، هذا الرد يريد أن يؤكد أولاً الحل الاقتصادي للصين العظمى بما هي 2 مليار نسمة، وأيضاً يؤكد على أن الصين قد تكون جزءاً من نظام دولي ثنائي أو ثلاثي. وحتى اليوم لا أحد في العالم بما فيها روسيا يستطيع أن ينافس الأميركيين إلا الصينيين، لماذا؟

للأسباب التالية:

الصين بنت الاقتصاد الصيني على شكل مشابه  جداً  للإقتصاد الأميركي وسيتفوّق عليه في الخمس سنوات المقبلة.

فتون عباسي: هو ثاني أقوى اقتصاد عالمياً؟

وفيق إبراهيم: صحيح ثاني دولة، وتنحو إلى أن تكون الأولى في وقت قريب.

ثانياً، الصين تبني مؤسّسة عسكرية ضخمة هي في طور أن تكون أساسية في العالم، إلا أنها بدأت هذا العقل العلمي الصناعي الذي يستطيع أن يعبّر عن نفسه أيضاً على المستوى العسكري. عندما تمتلك الصين هاتين الميزتين الاقتصادية والعسكرية، تصبح منافساً فعلياً، ومدمّرة فعلياً للأحادية الأميركية، فكيف الحال عندما تكون متحالفة مع روسيا؟

فتون عباسي: لكن أيضاً، لا أحد يستطيع أن ينكر بأن الصين فعلاً كرّست كل مواردها وعائداتها من الموارد للتنمية الاقتصادية. وهنا جيمي كارتر كان قد قال لدونالد ترامب عندما سأله، لماذا الصين تتفوّق؟ قال له لأنها ذهبت باتجاه الاقتصاد، ونحن لم نترك حرباً إلا ودخلناها. على كل حال سنعود لنتحدّث أكثر عن موازين القوى تحديداً في أوراسيا. لكن بعد أن أنتقل إليك د. مهتدي، أهلاً ومرحباً بك مجدّداً، تنضمّ إلينا من إيران.

لذلك أسألك بشكل مباشر وواضح، ما هو موقع إيران في هذه المبادرة؟ وهنا أسأل لجهتين، السياسي والاقتصادي.

محمّد علي مهتدي: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً إيران تولي أهمية كبيرة جداً لهذا التطوّر الذي هو تحوّل جيو استراتيجي كما تفضّل د. وفيق، وتحوّل مهم جداً على صعيد العلاقات الدولية والمعادلات الدولية، هذا التطوّر ممكن أن نقول عنه أنه ذو بُعدين، بُعد اقتصادي، وربما بإمكاننا أن نقول أنه يشكل بداية حرب باردة، أو تصعيد الحرب الباردة الاقتصادية والتجارية بين الصين من جهة، وبين الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. واستراتيجياً أيضاً هذا التحوّل يشكل تغييراً مهماً في المعادلات الدولية، أميركا طبعاً تحاول أن تكون مسيطرة بالنسبة للنظام الدولي، ونظام الأحادية القطبية، ولكن بعد هذا التطوّر يبدو أن روسيا والصين يصلان إلى مستوى المنافسة مع أميركا دولياً، وسوف نشهد نظاماً دولياً متعدّد الأقطاب، من خلال هذه النواحي إيران تولي أهمية كبرى جداً لهذا التطوّر، وإيران ترحب بالنسبة لطريق الحرير، وأن إيران تشكل حلقة مهمة ورئيسية في هذا الطريق.

فتون عباسي: كيف ستستفيد إقتصادياً؟ أنت تحدّثت عن المنحى السياسي، لكن أيضاً بشكل عام سنشرح خلال الحلقة أكثر بهذا المنحى الجيّاش السياسي، وتحديداً الاستراتيجي منه بعيد المدى وليس فقط الآني. لكن اقتصادياً، كيف تستفيد إيران من طريق الحرير؟

محمّد علي مهتدي: أولاً، طريق الحرير القديم كانت تمر عبر آسيا المركزي وأفغانستان إلى منطقة خرسان شمال إيران وصولاً إلى تركيا، ومن ثم إلى أوروبا، والبندقية.

إيران كانت تشكّل الحلقة الرئيسة في هذا الطريق القديم، أما الطريق البحري أيضاً كانت تصل هذا الطريق إلى بحر عُمان، وثم يصبح طريقين عن طريق البحر الأحمر إلى قناة السويس، ومن ثم إلى أوروبا.

وطريق عبر مضيق هرمز إلى البصرة، ومن ثم يلتقي مع الطريق البري، أحد المآخذ الإيرانية على الصين، أو إحدى الخلافات أن الطريق الجديد اليوم من الصين تمر لآسيا الوسطى، وعلى روسيا، ومن ثم تصل إلى أوروبا، كأنهم تجاهلوا أهمية إيران في هذا الطريق. ولكن الصينيين يؤكّدون لنا أن الطريق القديم مازال موجوداً وفعالاً، وهذا الطريق الجديد تعزيز للطريق القديم.

فتون عباسي: قبل أن تكمل لو سمحت إيران ليست على خريطة الطريق الجديد ولن تكون عليها؟

محمد علي مهتدي: بلى، إيران موجودة في الخريطة بحسب الطريق القديم، أما الطريق الجديد فتمر بآسيا الوسطى، وقد بنوا طرقاً وجسوراً وقطارات في منطقة آسيا الوسطى في أوزباكستان، وطانجاكستان، وحتى تركمانستان، وبعد ذلك عن طريق روسيا إلى أوروبا.

الصينيون يقولون لنا بأن الطريق القديم مازال فعالاً ومهماً، وهذا الطريق الجديد كذلك تعزيز للطريق القديم.

إذاً، إيران مازالت موجودة في الطريق والحزام، أما الموضوع المهم موضوع هيمنة الدولار، أعتقد أن هذا التكتل الاقتصادي الكبير جداً الذي شاهدناه في بكين، مستقبلاً سوف يستغنون عن الدولار كعملة دولية، وربما يعتمدون عملات أخرى مثل اليوان الصيني والروبل الروسي، فهذا يفيد إيران لأن هناك حصاراً وضغوطات وعقوبات على إيران، ومصدر كل هذه الضغوطات موضوع بيع النفط بالدولار الأميركي.

فإذا استطاعت كل الدول المجتمعة في هذا التكتل الكبير، إذا استطاعوا الإستغناء عن الدولار واعتماد عملات أخرى مثل اليوان والروبل، فهذا سيكون مكسباً كبيراً لإيران. هناك كثير من الدول التي نواجه الهيمنة الاقتصادية الأميركية والهيمنة السياسية وهيمنة الدولار على كل هذه الدول.

فتون عباسي: لكن هذا الكلام الذي تتفضل به د. مهتدي يطرح سؤال مهماً جداً، إن كان هذا الطريق طريق الحرير يشكل كل هذا الخطر فعلاً على المصالح الأميركية والاقتصاد الأميركي والهيمنة الأميركية، ألن يكون هناك مشروع مضاد من قبل أميركا مع بعض الحلفاء الأوروبيين الذين يتخوّفون من هذا الطريق ومآلاته وانعكاساته في السياسة والاقتصاد؟

محمّد علي مهتدي: حتى الأوروبيين، وكثير من الدول الأوروبية مستاؤون ومنزعجون من الأوامر الصادرة من البيت الأبيض، إدارة ترامب تريد من أوروبا أن تكون تابعة لأميركا في كل سياساتها الدولية والإقليمية والاقتصادية، خصوصاً حتى أوروبا من صالحها أن تتحرّر من هذه الضغوطات والقيود الأميركية سواء الاقتصادية أو الاستراتيجية.

لذلك، رأينا أن كثيراً من الدول الأوروبية شاركت في هذا المؤتمر، ورحّبت بهذا المؤتمر. بريطانيا شاركت، ودول جنوب أوروبا إسبانيا، إيطاليا، هؤلاء شاركوا بهذا المؤتمر، ورحبوا بما يجري في هذا المؤتمر. وايضاً لصالح أوروبا كسر الأحادية القطبية الأميركية عالمياً.

فتون عباسي: على كل حال، هناك أكثر من نقطة تطرح من خلال هذه الإجابة. لكن بعد أن نستمع سوية ضيفيّ الكريمان إلى ما جاء في رأي اليوم الإلكترونية بعنوان "مبادرة الحزام والطريق والسياسية التجارية للصين ذات النزعة الماركانتيلية لطارق ليساوي.

 

رأي اليوم الإلكترونية: مبادرة الحزام، الطريق، والسياسة التجارية للصين ذات النزعة الماركانتيلية، طارق ليساوي

عقدت في بكين الدورة الثانية لمنتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي ما يعد حدثاً مهماً لتعزيز التعاون الدولي في إطار مبادرة الحزام، والطريق تهدف إلى إحياء طرق التجارة القديمة عن طريق إنشاء الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين من أجل بناء شبكة للتجارة والبنية التحتية لربط قارة آسيا بأوروبا وأفريقيا.

صحيح أن التوجّه الرسمي الصيني هو توجّه ينبذ سياسة القوّة والتدخّل في شؤون الغير، لكن السياسة التجارية للصين ينبغي الحذر منها. فالصين تتبع سياسة تجارية ماركانتيلية قائمة على تحقيق فائض مطلق في الميزان التجاري، إذ تحقّق فائضاً تجارياً ضخماً مع مختلف بلدان العالم.

وإذا نظرنا إلى بنية الواردات العربية من الصين، سنلاحظ في الغالب أنها سلع استهلاكية عادية وبعضها هامشي كلعب الأطفال مثلا. وهذه السلع يمكن تصنيعها محلياً، وتوفير فرص عمل والحد من العجز المزمن في الميزان التجاري مع الصين. فالصادرات الصينية تنافس المنتج المحلي وتتبنى أسلوب إغراق يصعب ضبطه.

ومهما يكن إعجابنا بالتجربة التنموية الصينية، إلا أننا ومن دون تردّد نغلب مصالح بلداننا العربية والإسلامية وضمان حقها في التنمية والنهوض الاقتصادي، وأفضل خيار لمواجهة الغزو التجاري الصيني هو تقوية التعاون والتكامل الاقتصادي والسياسي بين البلدان العربية والإسلامية، ووضع سياسة موحدة للتعامل مع الصين وغيرها من القوى الدولية.

فتون عباسي: إليك د. وفيق إبراهيم، ضيفنا من طهران طرح نقطة مهمة، كنت أريد أن أرجئها إلى ما بعد، لكن بما أنه طرحها الآن فلا مشكلة أن نطرحها الآن.

عندما نتحدّث عن الأوروبيين والأميركيين هناك خطر واضح يتهدّد أميركا والمصالح الأميركية بطريق الحرير، كنت سألته عن استراتيجية معينة أو مشروع مضاد يمكن أن يضعه الأميركي لمجابهة طريق الحرير.

وفعلاً، هل تعتقد بأن الأوروبيين منزعجون إلى هذه الدرجة من سياسة ترامب؟ أم أن مربع التحالفات الأساسية يعود إلى مكانه الطبيعي عندما يكون هناك خطر يوحدهم لربما؟

وفيق إبراهيم: هم منزعجون بالتأكيد من سياسات ترامب، إلا أن هذه المبادرة الصينية لا مكان لأحد أوروبي فيها إلا ألمانيا فقط. أما ما تبقّى فهي بلدان ضعيفة اقتصادياً لا تستطيع، وكل هؤلاء لا يستطيعون مجاراة الصين.

فتون عباسي: إيطاليا شاركت.

وفيق إبراهيم: الوحيدة التي لديها مشروع اقتصادي خارجي هي ألمانيا.

فتون عباسي: صحيح.

وفيق إبراهيم: لذلك، حتى أميركا مستاءة من ألمانيا أكثر مما هي مستاءة من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وكل هذه الدول. لذلك ألمانيا إذا تمكنت من الخروج من الهيمنة السياسية الأميركية، فإن لها مكاناً في مشروع الحرير الصيني.

بالنسبة لكل أوروبا، تطمح تعتقد أن الصين قد تسمح لها الصين اليوم وقّعت عقوداً مع 37 دولة لبناء جسور، طرقات، موانئ، بنى تحتية، كل ذلك في 37 دولة.

أوروبا لا شك عندما ترى أن السوق قد بدأ، فإنها تحشر نفسها في محاولة للحصول على بعض هذه الصفقات، إلا أنني لا أعتقد إن الولايات المتحدة الأميركية ستقف كما تفضلت مكتوفة الأيدي، هي بدأت أمس عندما بدأ الرئيس ترامب بتوجيه كلام للملك سلمان من دون أية مناسبة، عاود وقال له ستدفع وتسكت من دون أي سبب، وستدفع وأخذ يقلده كيف يتكلم؟ هذه المرة الأولى في العلاقات الدبلوماسية.

فتون عباسي: لماذا؟

وفيق إبراهيم: سببها أن السعودية تراهن على حلف الحرير.

فتون عباسي: وظهر ذلك على شاشات الإعلام.

وفيق إبراهيم: أميركا ابتدأت ربما بإيجاد خطة مضادة لهذا الأمر، قد يكون حصاراً لإيران، وله علاقة بهذا الموضوع، وحتى هذا الموضوع إيران هي الوحيدة التي تستطيع أن تؤمن للصين، عكس ما يتحدّث الدكتور، عن مدى في الشرق الأوسط هو مدى من أفغانستان.

فتون عباسي: هذه النقطة مهمة جداً نريد أن نفهمها أكثر لو سمحت؟

وفيق إبراهيم: الصين أبعدت إيران نسبياً كي لا تثير غضب الولايات المتحدة الأميركية، لكنها تعرف أن طريق الحرير من دون إيران لا تمر، إيران هي التي تمسك بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط. هذا الأمر هام جداَ، واللغة جيو سياسية، هذا يعني أن تحاول الصين القدوم إلى الشرق الأوسط من طريق آسيا الوسطى، وأن تلتف إلى روسيا، وروسيا تطالب بطريق يسمّى الطريق الشمالي يتفرع من منطقة الحرير ويمر من الناحية القطبية.

فتون عباسي: على كل حال،عن العلاقة ما بين روسيا والصين في هذا الملف، سأتحدث بتوسّع بعد قليل، دعنا في إيران.

وفيق إبراهيم: آسيا الوسطى طريقها التاريخي إلى إيران. إيران لها جزء من علاقات بآسيا الوسطى تاريخياً كعلاقاتها بالشرق الأوسط، حتى أن هناك شعوباً تتنمي إلى عرقية الفرس موجودة في هذه المناطق. لذلك هذا المدى التجاري يمر بإيران حتى يصل للشرق الأوسط، هذه هي الطريق الطبيعية للصين.

الصين اليوم تختبئ قليلاً من موضوع إيران كي لا تثير حفيظة الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها في مشروعها الفعلي، إيران في قلب مشروع الحرير.

فتون عباسي: لو سمحت نشرك ضيفنا من طهران بهذه النقطة تحديداً.

كما سمعت د. محمّد علي مهتدي، ضيفنا هنا وفيق إبراهيم يقول أنه لا طريق حرير فعلياً من دون إيران لأنها الواصل تماماً إلى هذه المنطقة منطقتنا، ما يسمّونها اصطلاحاً الشرق الأوسط.

برأيك هل توافق على هذا الكلام بالمعنى الجيو سياسي؟

محمّد علي مهتدي: طبعاً، أنا كما ذكرت أن إيران الحلقة الرئيسية في طريق الحرير، سواء الطريق القديم، أو الطريق الجديد. ولا ننسى أن هناك طريقين طريق بري وطريق بحري، والصين تعتمد على كثير من الموانئ في المحيط الهندي، وبحر عُمان. فهنا تأتي أهمية دورالمرافئ الإيرانية، بندر عباس وبندر شابهار، خصوصاً أن هناك التقاء بين الطرق البرية والطرق البحرية عن طريق إيران لأن دول آسيا الوسطى ليس لديها شواطئ على البحار الحرة، إلا عن طريق إيران. هنا أهمية مشروع خط الحرير.

نعرف أن الصينيين يولون أهمية كبيرة جداً للطريق البحري على القطارات السريعة اليوم، خط القطار الوحيد الذي يصل بين بندر عباس على الخليج وبندر شاهبهار على بحر عُمان، أو على المحيط الهندي إلى منطقة آسيا الوسطى التي تعتبرها الصين مهمة جداً في طريق الحرير الشمالي، وهؤلاء يحتاجون إلى إيران للوصول إلى الطرق البحرية.

بالإضافة إلى أن الأميركان، لا يستطيعون أن يعرقلوا أو يعملوا أية عملية ضد الطرق البرية، لكن بإمكانهم ربما ضرب الموانئ والبنادر والطرق البحرية. هنا أيضا يأتي دور البحرية الإيرانية في موضوع الحفاظ على الأمن في المحيط الهندي وفي منطة الخليج وفي بحر عُمان خصوصاً.

لذلك لا يمكن للصين ولا لأية جهة أخرى الاستغناء عن إيران والدور الإيراني، سواء في الطرق البحرية، أو في الطرق البرية.

فتون عباسي: ماذا تريد أن تقول د. وفيق؟

وفيق إبراهيم: لدي نقطة إضافية البناء الإقتصادي يحتاج إلى موازنات عسكرية، لا تصدقي أن باستطاعة الصين أن تفعل هذا المدى الاقتصادي من دون أن تكون ضمن منظومة تحالفات عسكرية كما حدث في الحرب العالمية الثانية.

اليوم الصين بحاجة إلى روسيا، وإيران بحاجة ماسة ليس من أجل الحرب، بل من أجل مزيد من الإقناع في التوازن العسكري، وهو لإقناع الطرف الآخر بأنني أستطيع أن أتمدّد اقتصادياً على هذا المدى.

نحن نتحدّث عن الصين، آسيا، أوروبا، إفريقيا، وأميركا الجنوبية. كل العالم هذا يتطلب إفهام أميركا بشكل نهائي أن وراء هذا المشروع قوة عسكرية كونية تستطيع أن تضبطه، وأن تكون مؤازرة له، لذلك إيران جزء من هذا المشروع الحيوي.

فتون عباسي: وانطلاقاً، وربطاً بهذا الكلام في المقلب الآخر، الصين تقوم وقامت باستثمارات كبيرة جداً حتى في بلدان هي ليست بمكان يستجلب الاستثمارات، وقامت بهذه الاستثمارات.

قديماً عن طريق الحرير القديم، كان يقال أنه مَن يسيطر على طريق الحرير القديم يسيطر على العالم، الصين الآن ستسيطر على العالم؟

وفيق إبراهيم: داخل أميركا طبعاً، أعتقد أنها ستكون قوة عالمية، هي قوّة دولية اليوم تتجه إلى أن تكون قوة كونية إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية. نحن نتحدث عن أميركا وكأنها انتهت، أميركا إمبراطورية عندما نتحدث عن الدولار، وإذا استطاعوا استبدال الدولار بالعملات الصينية والروسية والإيرانية تأكدي أن وضع هذه الإمبراطورية يصبح متدهوراً، فاليوم الناظم الاقتصادي الأساسي هو الدولار.

لذلك بدأوا بالتفكير في هذا الموضوع، أنا أقول لك لا يمكن إقامة هذا المدى الاقتصادي الكبير والوصول إلى أميركا الجنوبية.

اليوم الصين لديها علاقات مع عدة دول في أميركا الجنوبية، هي أقامت هذه العلاقات على أساس السلعة الرخيصة بالتسلل الاقتصادي والسلع الرخيصة، هذا الأمر غير سليم عندما تتنبه أميركا إلى هذا الانتشار، تستطيع أن تتعامل معه. لذلك، تأتي هذه الاتفاقية اتفاقية الحرير لكي تشكل منظومة اقتصادية أو محمية عسكرية من ثلاث أربع بلدان، واحدة منها إيران.

لذلك، أنا أقول لك نعم هي تحتاج إلى وقت، مثلاً بدأ الأميركيون أمس بالقول إن الصين تريد إرباك العالم بنظام الديون، والصين أسّست مصرفاً للتنمية العالمية، ولديها أكبر أسهم فيه لتقديم قروض.

فتون عباسي: وهناك من يقول أنها تريد أن تستبدل صندوق النقد الدولي بنفسها في ما بعد على المستوى المالي؟

وفيق إبراهيم: لذلك ممكن فَهْم الحزام والحرير كنظام اقتصادي جديد نظام اقتصادي عالمي جديد تقدمه قوى عظمى جديدة، تريد فرض تكسير الأحادية الأميركية بالقوة، حتى اليوم أميركا لا تعترف بروسيا أنها دولة إقليمية حتى اليوم.

فتون عباسي: على كل حال بالنسبة لعلاقة روسيا والصين بهذا الملف أيضاً، هناك من يتخوّف يقول إن روسيا والصين علاقتهما ليست قوية جداً. ونرجئ هذا الحديث لما بعد الفاصل لأنه يتطلب وقتاً أكبر لشرحه منك، ومن ضيفنا أيضاً من طهران.

إذاً، مشاهدينا الكرام فاصل قصير، ومن ثم نعود لاستكمال هذه الحلقة عن طريق الحرير.

إبقوا معنا.

 

المحور الثاني:

فتون عباسي: من جديد مرحباً بكم مشاهدينا الكرام، وأجدّد الترحيب بضيفيّ من إيران المستشار في مركز دراسات الشرق الأوسط محمّد علي مهتدي، والباحث في الشؤون الإقليمية، وهو معنا في الاستوديو وفيق إبراهيم، أهلاً ومرحباً بكم ضيفينا الكريمين.

قبل أن نستمع إلى ما جاء في الأهرام، كان في المقال السابق الذي سمعناه قبل قليل الحديث عن الماركانتيلية.

الماركانتيلية لمَن لا يعرف من المشاهدين هي رديف الإتجارية، سياسة ظهرت في بداية القرن السادس عشر على ما أعتقد تتبعها الصين.

حدّة التوتّر تزداد ما بين تايوان والفليبين والولايات المتحدة مع الصين، ما يجعل الطريق البديل الذي تحاول إيجاده الصين ضرورياً جداً لها، خصوصاً أن لديها نسبة إنتاج كبيرة جداً أكثر من صادراتها.

برأيك، كيف يمكن أن يحدث مثل هذا التوازن الإقتصادي فعلياً بالنسبة للصين؟ بمعنى أن تعطي بحجم ما ستكسب في الإقتصاد والسياسة.

وفيق إبراهيم: حسنة الصين أنها تجمع بين الفكر التجاري الحر والحزب الشيوعي، هذه معجزة أن يكون هناك نظام سياسي في الداخل، يقوم على الفكر الشيوعي حتى اليوم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بنحو 30 سنة، وتطبق بنفس الوقت تجارة رأسمالية حرة تقوم على مبادئ النظام الرأسمالي، لذلك هي تستفيد من حسنات النظام الشيوعي في الداخل عبر الإستفادة من نظام عمل مندفع، وبأقل قدر ممكن من التكاليف مع مدى رأسمالي تمكنت من الوصول إليه بالسلع الرخيصة، والصين سيطرت على العالم بالسلع الرخيصة، هذا المدى يحيّر العلماء حتى اليوم، أنه كيف يمكن لك أن تكوني شيوعية؟ وفي نفس الوقت تحاولين الاستناد إلى مبادئ العمل الرأسمالي حرفياً من دون أية مناورة، وتعتمدين في بعض الأوقات على نظام براغماتي كأية دولة أخرى.

لذلك، الصين تجري اقتصادياً بسرعة، وأخيراً تنبهت أنها بحاجة لنظام حماية لهذا الصعود الاقتصادي الكبير. فهي تتّجه اليوم إلى بناء نظام حماية عبر شبكة تحالفات، ويصادف أنها أيضاً لديها مشاريعها. روسيا مثلاً تحتاج لأن تكون في النظام الدولي، هي تمتلك جانباً عسكرياً. الصين لديها جانب اقتصادي فتنضمّ إلى الجانب العسكري الروسي، فيحدث التكامل بين الجانبين، وأيضاً في الجانب الجيو استراتيجي يوجد إيران التي تعتبر وتداً داخل الشرق الأوسط بين آسيا الوسطى، على مقربة من روسيا على بحر قزوين، يعني أنها تحيط بكل هذه الدول. لذلك الدولتان مضطرتان لنسج تحالف لحماية نفسيهما من المخاطر الأميركية.

فتون عباسي: في هذه النقطة، أحيل إليك السؤال دكتور محمّد علي مهتدي، هناك رأي يقول إن روسيا فعلياً ليست مندفعة جداً باتجاه موضوع طريق الحرير مع الصين لأنّ هذا على المدى البعيد سيؤمّن سيطرة كبيرة للصين سياسياً واقتصادياً على آسيا الوسطى التي هي منطقة نفوذ مهمة للروس، هل تخاف روسيا من اختلال موازين القوى والتأثير على كل أوراسيا بسبب هذا الطريق؟ هل تعتبره نوعاً من الهيمنة الصينية؟

محمّد علي مهتدي: العلاقات الروسية الصينية معقّدة شيئاً ما، من جهة هناك علاقات تعاونية وروسيا تهمّها منطقة أوراسيا، وروسيا تولي أهمية كبيرة لهذه المنطقة، وتمنع الغرب من التدخل. لكن الحفاظ على أوراسيا بحاجة إلى طريق الحرير والتعاون مع الصين، وفي نفس الوقت هي بحاجة للشرق الأوسط من أجل الحصول على أوراق وموطئ قدم، كل هذا توظفه من أجل الحفاظ على الأهمية الجيوسياسية لأوراسيا.

هنا أيضاً، تأتي أهمية إيران التي تعتبر الوسيلة الوحيدة التي تمكّن روسيا من الدخول إلى منطقة الشرق الأوسط، وقد رأينا ذلك من خلال سوريا والدور الذي لعبته روسيا.

فتون عباسي: نفهم منك دكتور أن العلاقات الإيرانية الروسية الصينية بالنسبة إلى طريق الحرير سيرسّخ تحالف الضرورة في الاستراتيجية أكثر بالنسبة للبلدان الثلاثة؟

محمّد علي مهتدي: طبعاً، روسيا بحاجة إلى تعاون مع الصين، وفي نفس الوقت هناك علاقات تنافسية بين روسيا والصين. لكن بحسب أهمية أوراسيا، روسيا بحاجة إلى الصين وطريق الحرير، وفي نفس الوقت بحاجة إلى إيران، وإلى موطئ قدم في هذه المنطقة الإسلامية.

فتون عباسي: إذاً، تبقيان معنا سوية لنستمع إلى ما جاء في الأهرام، هناك وجهة نظر مختلفة يطرحها الكاتب في صحيفة الأهرام "العالم بين حزام الصين وأسلحة أميركا" لحسن أبو طالب.

 

الأهرام: "العالم بين حزام الصين وأسلحة أميركا" / حسن أبو طالب

شهد الأسبوع الماضي ثلاثة أحداث مهمة، تشترك في كونها مؤشّرات عالم جديد يتم بناؤها، ولكن مع اختلاف الأدوات والأهداف. القصة بين الرئيس الروسي ونظيره الكوري الشمالي التي عقدت في شرق روسيا، ثم قمّة طريق الحرير الجديدة، التي شهدتها العاصمة الصينية بكين. والحدث الثالث هو قرار الرئيس ترامب الانسحاب من المعاهدة الدولية لتجارة الأسلحة التقليدية الموقّعة عام 2012. الأحداث الثلاثة تهمّ العالم بأسره، إذ تقدّم آليات مختلفة للتعامل مع ثلاث قضايا تهمّ النظام الدولي ككل، وتسهم في تشكيل مساراته الكبرى في الأعوام المقبلة، ومن شأنها أن تطرح إشكاليات ومهام ما زال على النظام الدولي أن يتعامل مع نتائجها. أولى القضايا ترتبط بقمّة طرق الحرير الجديدة، ذات الصلة الوثيقة بمبادرة الحزام والطريق الصينية التي تستهدف تشبيك العديد من الاقتصادات لدول العالم في القارات الخمس. وهنا نجد نوعين من التقييم لهذه المبادرة، الأول تقييم إيجابي يرى فيها فرصة كبرى لتثبيت آليات التعاون الجماعي من أجل بناء عالم أكثر رخاء وأمناً واعتماداً متبادلاً. أما التقييم الثاني فيأتي أساساً من كبريات الدول الغربية ذات الاقتصادات القوية، والتي تتعامل مع مبادرة الحزام بحذر وقلق، وترى فيها استراتيجية تستهدف تعزيز مكانة الاقتصاد الصيني دولياً على حساب الاقتصادات النامية، ومن ثم التربّع على قمّة الاقتصاد الدولي وإزاحة الاقتصادات الغربية والحد من هيمنتها. وفي كلا التقييمين قدر من الحقيقة وقدر من التحدّي الذي سوف تكشف عنه مسيرة المبادرة ذاتها، وعن مدى قدرتها على تعزيز التعاملات المكافئة بين الأطراف الذين يتشاركون فيها.

فتون عباسي: دكتور وفيق، هل تؤيّد ما جاء في المقالة؟ تحديداً في ما يتعلق ببوتين والقمّة وانسحاب أميركا من معاهدة الأسلحة التقليدية وطريق الحرير.

هل فعلاً سيرسمون الخارطة المقبلة سياسياَ، واقتصادياً؟ لأن الاقتصاد مَن يسيطر ويحرّك السياسة.

وكيف سيرسمونها؟

وفيق ابراهيم: المقال الذي قدّمه حسن أبو طالب يتضمّن ثلاث قضايا شائكة، وأيضاً نظام الضرورة الذي يعدّ مسألة أخرى. في العمق هناك تنافس إيراني روسي صيني، إلا أن هذا التنافس أقل حدّة من الخطر الأميركي الذي هو أكبر من حجم التنافس الداخلي بين البلدان الثلاثة. وهذه الدول تتعامل بطريقة براغماتية، وتعرف مصدر الخطر وتتعامل معه، ثم تتنافس في ما بعد، ليس كالدول الخليجية والعربية، لذلك هذا الأمر هام جداً.

وما ذكره يرتبط بمؤشّرات، فعندما يأتي رئيس كوريا الشمالية إلى روسيا على وجه السرعة، ويتكلّم الرئيس بوتين عن مسألة هامة أنه يريد ضمانات لإلغاء كل العقوبات في العالم، هذا أمر هام جداً. في طريق الحرير إذا لم تكن هناك استفادة لروسيا وإيران واضحة، فإنهما لن يلتزما بها، لذلك الصين ستحاول أن تقدّم لهما مكسباً واضحاً. وأنت تعرفين أن الصين بحاجة إلى داعم عسكري وسياسي، وإيران داعم سياسي كبير لأن لديها تحالفات من أفغانستان إلى لبنان، هذا المحور الكبير يؤمّن رقعة كبيرة للانتشار الصيني، ثم إن روسيا تستطيع إسناد الصين بالدعم العسكري ما يؤدّي إلى نجاح المشروع الصيني، من دون أن تقدّم الصين تنازلات واضحة لا يمكن.

فتون عباسي: لكن في إحدى الوثائقيات من سنتين كانت هناك آراء لبعض الروس، لمواطنين عاديين، وفي مناطق أخرى مثل كازاخستان أن معظم الأيادي العاملة التي تعمل في طريق الحرير هي صينية.

وفيق ابراهيم: هذا سؤال جيد، لذا تطالب روسيا بخط قطبي لطريق الحرير يمر من ساحل روسيا الشمالي ثم يأتي على خط المضيق، يعني أنها تريد أن تجعل جزءاً من قمّة الحرير روسياً. هذا حق لروسيا باعتبار أنها تأخذ احتياطاتها من أجل الأيام المقبلة، لذلك تسجّل من خلال هذا الخط المتفرّع حقها في طريق الحرير بشكل اقتصادي، ثم تريد المشاركة في 37 دولة من خلال مشاركة الصين في إنشاء البنى التحتية فيها. فهي تحاول أن توطّد نوعاً من التعاون الروسي الصيني من خلال خلفية إيرانية في موضوع الحرير، وبذلك تستطيع هذه الدول الانتصار على الهيمنة الأميركية. أما إذا تنافسوا فإن الهيمنة الأميركية باقية، وربما تزداد شراسة، وعلى مستوى أوروبا فليس فيها إلا ألمانيا التي لها مصلحة في ذلك.

فتون عباسي: وعلى كل حال، تشوتشينغ التي هي النقطة الأولى التي ينطلق منها طريق الحرير، والصين مزدهرة منذ ثلاثين عاماً، حتى إنها تورَّد كمبيوترات ACER إلى ألمانيا وفرنسا من هذه المدينة.

لكن أعود إليك دكتور مهتدي، القروض التي قدّمتها الصين لدولة نامية فاقت الـ 90 مليار دولار. هل تعتبر إيران هذا الأمر تهديداً على مستوى الخارطة العالمية الجيوسياسية؟ أم أنه ستكون هناك خطوط حمر ما بين الدول الثلاث الصين وروسيا وإيران حول ضبط مفاعيل أي تمدّد لأي طرف على حساب الآخر؟

محمّد علي مهتدي: أنا أستغرب لماذا يكون هناك تهديد؟ ما الداعي للشعور بالتهديد؟ خصوصاً أن الصينيين يؤكّدون أن هذا التعاون هو على قاعدة رابح رابح، الصين رابحة والدول الأخرى كذلك. الرئيس الصيني أعلن في نهاية هذا المؤتمرأنهم خصّصوا 64 مليار دولار لمشاريع مهمة بنيوية في طريق الحرير. سابقاً وصل حجم التبادل التجاري بين الصين وهذه الدول إلى 6 ترليونات دولار، وهناك 3 آلاف فرصة عمل ستكون في هذا الطريق، فهذا لصالح الجميع. فلماذا الخوف والشعور بالتهديد؟

نقطة مهمة أريد أن أركّز عليها وهي الموضوع العسكري، فأميركا من أيام أوباما أعلنت أنها نقلت مركز الثقل الاستراتيجي لأميركا من الشرق الأوسط إلى شرق الباسفيك، شرق المحيط الهادئ لاحتواء وحصار الصين. ربما النقاط الضعيفة في الطريق البحري لطريق الحرير موضوع الموانئ، وإمكانية أميركا في الإخلال بمسألة الملاحة في المحيط الهندي. فهنا أريد أن أركّز أن الصين لم تهمل البُعد العسكري أيضاً في حماية طريق الحرير بشكل متزامن مع هذا المؤتمر في بكين، والصين أعلنت عن اختبار صاروخ متطوّر جداً بإمكانه تعطيل المنظومة البحرية الأميركية وضرب السفن الأميركية، وهذا مهم، وهناك جانب عسكري الصينيون لا يهملونه، وهناك جوانب اقتصادية أيضاً.

فتون عباسي:  وهذه النقطة ذكرها دكتور وفيق إبراهيم، وهي مواءمة الجانب العسكري مع الاقتصادي، وحاجة هذه البلدان لبعضها البعض لتأمين توازن هذه القوى الاقتصادية والعسكرية، لكن طرحت عليك السؤال عن التهديد، والصين عندما أقرضت سريلانكا التي لم تستطع سداد دَينها، فمنحت سريلانكا الصين إدارة ميناء من موانئها الحيوية في جنوب البلاد. وهناك من يقول إن الطريقة التي تتبعها الصين فحواها السيطرة على المدى البعيد على الموانئ والمناطق الاستراتيجية.

على كل حال، لم يتبق لدينا الكثير من الوقت، وسنستمع إلى ما جاء في الميادين نت للدكتورة بثينة شعبان "حزام واحد، وطريق إلى المستقبل"

 

الميادين نت: حزام واحد وطريق إلى المستقبل/ د. بثينة شعبان

في ملتقى بكين المهم طرحت كل القواعد التي ترفض أسلوب التعامل الاستعماري الغربي مع العالم من دون أن تسميها بالإسم، وطرحت بدائل جميلة ومقنعة للجميع وتعود بالخير على الجميع. وتم التأكيد عشرات المرات على أهمية التشاور والتواصل والترابط كمبادئ تحكم مفهوم طريق الحرير وروحه.

في اجتماع القمّة الثانية لحزام واحد طريق واحد في بكين، شعرت أن العالم الذي نقاتل من أجله، ونطمح إلى رؤيته آخذ في التشكّل فعلاً، وهو العالم الذي لا يعتمد على نهب ثروات الآخرين وشنّ الحروب للتدخّل في شؤونهم، وفرض العقوبات على مَن لا يكون طيّعاً منهم، ولا شك في أن أسلوب طرح المبادرة وأدوات معالجتها، والتي تبني واقعاً جديداً متيناً عالمياً على أسس تطمح البشرية إلى رؤيتها من دون ذِكر كلمة واحدة عن الهيمنة الغربية وأساليبها التي مقتتها شعوب الأرض، يعبّر عن حكمة ورؤية وتصميم على بلوغ الهدف.

اليوم يتشكّل عالم آخر لا يعلن التحدّي لكل هذا الظلم ولا مواجهته، ولكنه يؤسّس لطريق آخر وآليات عمل تعتبر الاختلاف بين الدول والشعوب جوهر جمال الحياة الإنسانية، وتعتبر التشاور والتشارك الصادق أساس الغنى، ونحن نراقب التقدّم السريع لهذا العالم الجديد سوف تنحسر أهمية وأساليب العالم الذي طغى وتجبّر على شعوب الأرض.

 

فتون عباسي: دكتور وفيق، ضمن مشروع الصين الطموح لإحياء طريق الحرير. سأقرأ لك خط بري يمر في العراق، وبحري في باب المندب عند سواحل اليمن ثم عبور قناة السويس المصرية.

كيف تستفيد الدول العربية من سوريا إلى الدول المنتمية لمحور المقاومة، والدول العربية الأخرى من طريق الحرير؟

وفيق إبراهيم: الدول العربية بحاجة إلى أنظمة تؤمن بتقدّم شعوبها لذلك تستطيع أن تستفيد من هذا التقدّم الصيني على مستوى الشراكة الصناعية من سوريا إلى قناة السويس مروراً بباب المندب، كلها بلدان فيها ثروات. تحتاج ليس فقط إلى استخراج هذه الثروات، إنما بناء شبكة مصانع بين الصين والعالم العربي لنستفيد من طريق الحرير ليس كما كان من عشرة قرون، لكن بحسب الوقت الحاضر.

مشكلتنا أن معظم هذه الدول المنتشرة على هذا الخط باستثناء سوريا وبعض الدول الأخرى، كلها بلدان تدخل ضمن النظام الأميركي العام. اليوم تستمعين إلى معلقين سياسيين يقولون لك علناً نحن ضمن المنظومة الأميركية.

فتون عباسي: مثلاً سوريا والعراق، كيف تستفيد؟

وفيق إبراهيم: الدولتان تتوقعان أن تتعاونا صناعياً مع الصين، وهم تعتقدان أنها تستطيع السيطرة على الأسواق  المشتركة. والمطلوب في هذه المرحلة نوع من التنسيق السوري العراقي بأي مدى لإنقاذ هذه المنطقة مما يدبّر لها من فتن وتخلّف.

فتون عباسي: وهذا حاصل فعلاً، ويتعزّز بشكل كبير في السياسة والعسكر.

سؤال أخير إليك دكتور مهتدي بما أن إيران هي التي يمر من خلاها الطريق للشرق الأوسط عن طريق المنطقة العربية، كيف يمكن أن يكون التنسيق بين إيران والمنطقة العربية للإفادة من طريق الحرير اقتصادياً وجيوسياسياً؟ باختصار شديد لو سمحت

محمّد علي مهتدي: فعلاً، هنا بيت القصيد. ونحن منذ بداية انتصار الثورة الإسلامية طرحنا على الإخوة العرب أن نصل إلى صيغ أمنية واقتصادية، فنقوم بصيغ اقتصادية وأمنية مشتركة للحفاظ على أمن المنطقة والاستغناء عن الأمن المستعار والأساطيل الغربية البريطانية والأميركية والفرنسية، هذه الأساطيل التي تريد فقط مصالحها، وليست مصالحنا نحن كأبناء المنطقة. لكن بالمقابل لم نجد أية تلبية لكل هذه الاقتراحات الأمنية والاقتصادية.

أعتقد أن على الدول والأنظمة العربية أن تستفيق لأن العالم يتغيّر، والمعادلات العالمية تتغيّر. ما زالوا يفكّرون وكأن أميركا هي المسيطرة في العالم، ولديها 99% من أوراق القوة في هذه المنطقة، هذا خطأ. الصين مثل يأجوج ومأجوج هؤلاء من كل حدب ينسلون. فعلى العرب أن يستفيقوا، ويغيّروا سياساتهم.

فتون عباسي: أشكرك كل الشكر الدكتور محمّد علي مهتدي.

طبعاً إيران تعلن انفتاحها على كل البلاد، حتى الخليجية المختلفة معها في السياسة في بعض الملفات.

أشكرك كل الشكر دكتور محمّد علي مهتدي المستشار في مركز دراسات الشرق الأوسط ، والشكر بطبيعة الحال لك الباحث في الشؤون الإقليمية وفيق إبراهيم على وجودك معنا في هذه الحلقة.

ودائماً الشكر الأكبر لكم مشاهدينا الكرام على متابعتكم لكل ما تفرده الميادين من مساحات إخبارية وحوارية وتحليلية.

ألقاكم في حلقة مقبلة من حوار الساعة.

دمتم سالمين.