أ ل م

برنامج حواري أسبوعي، متخصص بقضايا الفكر الإسلامي، يعالج ملفات راهنة وجدلية من أجل تقريب وجهات النظر والتقارب بين المسلمين، من موقع إسلامي معتدل كبديل عن الإسلام المتطرف.

شهر رمضان وإشراقات الروح

في شهر رمضان تتألق الروح وتزداد قرباً من خالقها, لأن هذا الشهر هو مدرسة ربانية تتوفر فيها كل مقومات المعرفة الربانية الحقة ... وأعظم العلوم علم التوحيد وأشرف المقامات نيل أسرار المكاشفات ولا يختص بهذه المعرفة إلا الأكابر المقربون, فكن منهم, ولا توقف فيض الله بذنوبك, الحصول على العلم الرباني يحتاج إلى التطهر من المعاصي .. ورمضان مدرسة لإشراقات الروح ,,مدرسة القرب و البوح ..و مدرسة لمعرفة المولى عز وجل ... يصوّر بعض الخطباء و الدعاة الله تعالى على أنه غليظ منتقم معذّب, لا شأن له سوى إحراق الناس بالزقوم والنار, ويشوي لحومهم وجلودهم, والحقيقة أنه رحمان رحيم, يغفر الذنب مهما كبر, ويتجاوز عن كثير, و جلّ في علاه يتجاوز عن كل شيئ, إلا في موضوع الدماء, حيث يصبح الحق ها هنا للإنسان المقتول والمذبوح ظلماً وعدواناً, فإذا شاء عفى وإذا شاء أمر بالقصاص له يوم الدين .. من أعظم الفرص لإشراق الروح شهر رمضان قال تعالى : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ )

 

المحور الأول

 

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله وبيّاكُمُ وجعل الجنّة مثواكُمُ.

جاء شابٌ إلى عارفٍ بالله وقال له "إنّ في حياتي ثلاثة أقفالٍ كبيرة، أرجو منك أن تعطيني ثلاثة مفاتيح لها: الأول أريد أن أتزوّج زواجاً سليماً سعيداً، الثاني أودّ أن يكون عملي بركة وتوفيقاً ونجاحاً، الثالث أبحث عن حُسن العاقبة".

فقال له العارف "للقفل الأول فصلّ الصلوات الواجبة بأول الوقت، وللقفل الثاني صلّ الصلوات في أول الوقت، وللثالث أيضا صلّ الصلوات في أول وقتها".

قال الشاب مستغرباً، "لثلاثة أقفال مفتاح واحد يا شيخ؟"، قال الشيخ العارف صاحب الكرامات "نعم، إن الصلاة في أول وقتها هي المفتاح الملك".

فماذا لو كان هذا الالتزام في فترة الصيام وفي الشهر الذي يختزل كلّ المكرمات الربانية، شهر رمضان، والسِّيَر والسلوك إلى ملك الملوك، أجمل رحلةٍ يقوم بها الإنسان، لأنه يسير في الاتجاه المستقيم إلى الآخرة، فهنيئاً لمن عرف معالم الطريق.

في شهر رمضان تتألّق الروح وتزداد قرباً من خالقها، لأنّ هذا الشهر هو مدرسةٌ ربّانيةٌ تتوفّر فيها كلّ مقوّمات المعرفة الربانية الحقة. وأعظم العلوم علم التوحيد، وأشرف المقامات نيل أسرار المكاشفات، ولا يختصّ بهذه المعرفة إلا الأكابر المقرَّبون، فكن منهم ولا توقف فيض الله بذنوبك.

الحصول على العلم الربّانيّ يحتاج إلى التطهّر من المعاصي. رمضان مدرسةٌ لإشراقات الروح، مدرسة القرب والبوح، مدرسةٌ لمعرفة المولى عز وجل.

يصوّر بعض الخطباء والدعاة إلى الله تعالى، الله على أنه غليظٌ، منتقمٌ، معذّبٌ، لا شأن له سوى إحراق الناس بالزقوم والنار، يشوي لحومهم، وجلودهم، والحقيقة أنّه رحمنٌ رحيم، يغفر الذنب مهما كبُر، ويتجاوز عن كثير، جلّ في علاه يتجاوز عن كل شيء إلا في موضوع الدماء، حيث يصبح الحق ها هنا للإنسان المقتول والمذبوح ظلماً وعدوانا، فإذا شاء عفا، وإذا شاء أمر بالقصاص له يوم الدين.

من أعظم الفرص لإشراق الروح شهر رمضان. قال تعالى "شهرُ رمضان الذي أنزِل فيه القرآن هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان". قال السعدي، أي الصوم المفروض عليكم، وشهر رمضان الشهر العظيم الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن الكريم المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحقّ والباطل والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة.

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان.

والله عز وجل إذا أراد بعبده خيراً فتح له أبواب التوبة والندم والانكسار والذلّ والافتقار والاستعانة به، وصدق اللجوء إليه ودوام التضرّع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، قد حفظوا صيامهم من لغوهم، وخشعوا في الليل في ذكرهم.

شهر رمضان وإشراقات الروح عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من مصر الحبيبة المفكّر الإسلاميّ الدكتور محمود سعيد ممدوح، وهو من علماء الأزهر الشريف أيضاً، ومن سوريا الحبيبة الشيخ الفاضل عبد السلام الحراش منسق التيار العربي المقاوم.

مشاهدينا بمناسبة قدوم شهر رمضان أقدّم كلّ التبريكات والتهاني لكلّ المسلمين في خط طنجة جاكرتا وفي جغرافيا الإسلام في القارات الخمس.

 

كتاب "شهر رمضان رحلة الإنسان إلى الله" سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله:

يقول العلاّمة محمّد حسين فضل الله إنّ شهر رمضان هو مدرسة الوصول إلى الله بكل مسؤولية ووعي، إذ يهذّب الصوم ملكات النفس ويقوّي الإرادة ويشعر المرء بطمأنينة القلب، وبحركة العقل في مواجهة الشيطان ووسوسته، وهناك تكون الانطلاقة نحو آفاق الحياة الرحبة.

ويركّز سماحته في أبواب الكتاب وعناوينه الغنية والمتنوّعة على معاني الصوم وتأكيد قِيَم الإسلام في خطابها للإنسان المسلم الممتلئ فكرياً وروحياً والمندفع إلى إعمار الحياة بكل طهارة عقل وروح ومشاعر صافية.

فهذا الشهر الفضيل ببرنامجه العبادي هو محطة أساسية تدعو إلى تخليص النفس من كل ما علق فيها من أدران فكرية أو شعورية منحرفة بأن تعيش النظافة في الروح والفكر وأن تسمو بالقرب من الله تعالى.

وينتقل إلى تعريف المعنى المادي والروحي للصوم، وما ينبغي للإنسان أن يعيشه في هذا الشهر من مسؤوليّةٍ أمام الله، بما ينعكس إيجابياً على دوره ونشاطه الفرديّ والجماعيّ.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، تعبنا من السياسة، تعبنا من الدنيا، تعبنا من أخبار القتل والانفجارات وضياع بلاد العرب والمسلمين والاضطرابات هنا وهناك.

هل من عودةٍ إلى الروح؟ هل من عودةٍ إلى الصفاء؟ هل من عودةٍ إلى الله، ورمضان أطل علينا بهلاله العرفانيّ؟

 

محمود ممدوح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الأكرمين ورضي الله عن أصحابه وعن التابعين.

كلّ عامٍ والأمّة الإسلاميّة في خيرٍ وسعادةٍ وسرور، وجزاكم الله خيراً يا دكتور يحيى على هذه الاستضافة، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا الشهر هو شهرُ يمنٍ وبركات ورحمات ومغفرات وتجليات وسكنات واطمئنان على المسلمين أجمعين.

 

يحيى أبو زكريا: إلهي آمين.

 

محمود ممدوح: قال الله تبارك وتعالى "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس". الله سبحانه وتعالى امتنّ علينا بهذا الشهر الكريم خدمةً للقرآن الكريم، الذي هو ليس هدىً للمسلمين فقط، ولكنّه هدىً للناس أجمعين، لأنّه هو المعجزة الباقية لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، في ما بين أيدي الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

شهر رمضان شهر تجلّيات ورحمات، والله سبحانه وتعالى أقامنا في مقام كبير، في مقام العبادة والتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر بالصيام وبالقيام وبالجود وبالإنفاق وبالرحمات وبالبركات.

شهر رمضان يجتمع فيه المسلمون جميعاً كما قلتم يا دكتور، من خط طنجة إلى جاكرتا، المسلمون جميعاً يتوحّدون في هذا الشهر. سبحان الله، السنّيّ والشيعيّ والمعتزليّ والإباضيّ، جميعاً يتجمّعون في هذا الشهر ويصومون.

الذين يتقاتلون في ما بينهم ويخالفون أوامر الحقّ تبارك وتعالى، وكانوا من المسلمين أو هم من المسلمين، إذا جاء هذا الشهر، توافقوا واتّحدوا في الصيام من أول الفجر إلى أن تغيب الشمس، ويتوافقون في الأخلاق في هذا الشهر، وفي التجليات واستقبال رحمات الله تبارك وتعالى.

فهو شهر رحمة حتى على المتخاصمين، حتى على المتدابرين، كأنّ الله سبحانه وتعالى ينادينا "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم"، "هو سماكم المسلمين".

في هذا الشهر تجليات كبيرة وعظيمة، يقول رسول الله صلّى الله عليه وعلى وآله وسلّم، "من صام رمضان إيماناً"، أي إيماناً بهذه الفريضة العظيمة وأنها حق من الله تبارك وتعالى غُفِر له ما تقدم من ذنبه.

أمر آخر قال رسول الله صلّى الله وعليه وآله وسلّم، "من قام رمضان إيماناً واحتسابا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه".

أمرٌ ثالث، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، "من قام ليلة القدر إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه"، صيامه وقيامه وليلة القدر وختم الصوم بزكاة الفطر، اجتماعات، تجليات، عبادات، رحمات، بركات.

هلمّوا وأقبلوا إلى الله وعلى الله تبارك وتعالى.

 

يحيى أبو زكريا: ففرّوا إلى الله، صدقاً دكتور كما أسلفت، هو شهر فيضه لا ينقطع، ينبوعه لا يتوقف، إشراقاته متكاملة.

دعني أمضي إلى الشيخ عبد السلام الحراش في أرض سوريا الحبيبة.

شيخ عبد السلام الحراش، ما هي مصاديق هذه الإشراقات في شهر رمضان؟ لماذا تميّز هذا الشهر روحياً عن سائر الشهور؟

هو شهرٌ متكامل، شهر الأنبياء، فيه نزل الزبور، وفيه نزلت التوراة، والإنجيل، وفيه نزل القرآن والفرقان. لِمَ هذا الشهر شهر الروح والإشراق؟

 

عبد السلام الحراش: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وعلى خاتمهم سيّدنا محمّد الفاتح لِما أغلِق، ناصر الحق بالحق، القائل صلّى الله عليه وسلّم، "ألا إن لله في دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها".

في هذه اللحظات، وأنا أحدّثكم من شام نور، حيث تلتقي الأرض بالسماء، وهذا ما أكّده صلّى الله عليه وسلّم عندما قال، ويتحدّث عن "عمود النور الذي استُلّ من تحت وسادته فأتبعه بصره، فإذا هو في الشام".

لذلك عندما نتحدّث عن إشراقات الروح ونحن نحلّق ويجذبنا النور إلى النور، لا بدّ من أن نسمو بأرواحنا في هذه اللحظات لنكون في دائرة العبودية لله.

أوليس سبحانه هو القائل "وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين".

ومن أسمائه الحُسنى وصفاته العُلى الصمد، والصمد من لا جوف له، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.

وعندما نذكر الناس بأيام الله فيدور الزمان في دورته، ويعود رمضان محمّلاً بالعطايا والهدايا والفضائل بدءاً من تسمية هذا الشهر التاسع من الأشهر القمرية، رمضان، رمض، الرمضاء الملتهبة، وأرمض، أي أثقل الحر على القوم فأتعبهم.

وكأنّ هذا الجهد في رمضان من الجوع والعطش الذي يقابله احتراقٌ وحرقٌ، احتراقٌ بالوجد، لحبّ الله ومرضاة الله عزّ وجل، وحرقٌ للخطايا والذنوب، وكأنّ رمضان يحرق الخطايا كما تحرق النار الحطب.

في هذا السياق، يسمّي الله تعالى هذا الشهر برمضان، فتتكامل فيه شعائر الله، ومن يعظّم شعائر الله فإنّها من تقوى القلوب.

ولعل الغاية هي الإنسان، وهو غاية الوجود، فإذا ما تكاملت الشعائر في رمضان فالمطلوب من المسلمين أن لا تنفصم شخصيّتهم، ولا ينسلخوا ولا ينفصلوا عن هذه الشعائر، فيكون برزخٌ بينهما، بين الشعائر والشعور.

وأنا أسأل المسلمين في رمضان، هل تتمنّون عودته كلّ عام؟ "لو عَلِمَتْ أمّتي ما في رمضان لتمنّت أن يكون العام كله رمضان"، وشعيرة الصلاة كانت تريح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيقول "أرحنا بها يا بلال"، "قم يا بلال وأسمع الجوزاء واصدع بما قال النبيّ وجاء".

بذلك ارتقوا وسموا إلى عالم الملائكة، فبالله عليك أيها الأخ المسلم، هل أنت ملتصقٌ بالشعور مع الشعائر حتى تحبّها، فتنتظر رمضان إلى رمضان، والصلاة إلى الصلاة، وذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنّ من السبعة الذين يُظِلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه رجلٌ قلبه معلَّق بالمساجد.

لا نريد في رمضان يا سيّدي أن نهتمّ بالمساجد، فعلينا بالساجد، وأنا أتابع حركة القرآن الكريم باتجاه الفقير والمحتاج والمسكين، تطلُعني وتطالعني أقصر خطبةٍ في التاريخ للعارف بالله الجيلانيّ، عندما قال "لقمةٌ في بطن جائع خيرٌ من بناء ألف جامع".

نحن لا نتجاوز الأجر في عمال بيوت الله.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ عبد السلام، والمسلمون عندما فرّطوا في فقه الروح وثقافة الأخلاق والتقرب إلى المولى عزّ وجل أصابهم ما أصابهم.

هذا الإسلام العظيم وهذا الرسول العملاق صلّى الله عليه وآله وسلّم صقل الأنفس والشخصيات، وجعل من رعاة الإبل قادة للأمم والجيوش. هذا هو الإسلام في صقله للروح وفي بنائه للمجتمع.

مشاهدينا فاصلٌ قصير ثم نعود إليكم، فابقوا معنا.

 

كتاب"من الفكر والقلب" لمحمّد سعيد رمضان البوطي:

كتابٌ رائع ظهرت فيه رجاحة عقل الشيخ البوطي رحمه الله وشموليّة تفكيره وطريقته في جذب عقول وقلوب شباب الأمّة على اختلاف تفكيرهم وميولهم، بوضعه بعين الاعتبار محاولة إصلاح جميع جوانب الشخصية الإنسانية من عقلٍ، ووجدانٍ، وسلوكٍ، إذ إنّ إصلاح جانبٍ واحدٍ فقط مع إهمال باقي الجوانب يحمل الإنسان على التخبط والحيرة، بين الانقياد إلى العقل المتمثل بالعقيدة والدين، أو السعي وراء العاطفة التي تسيطر على جزءٍ كبيرٍ من كيانه، أو الإنقياد وراء السلوك الذي يفرضه المجتمع، فتنقلب نفسه إلى حلبةٍ للصراع ومسرحٍ للتناقض، فيهلك المجتمع وتتراجع الأمّة، في الوقت الذي يسعى فيه العلماء لمساعدتها على التقدم.

فالحل كما قال البوطي، عن طريق ملء عقولهم باليقين وتغذية قلوبهم وعواطفهم بما يتوافق مع الفطرة الإسلامية الصافية، وتقويم سلوكهم وسيرهم ونشاطهم ضمن حدودٍ منضبطةٍ، فأيّ تأثيرٍ سيّىءٍ في إحدى هذه الحلقات سينعكس بالضرورة على باقي الحلقات، باعتبارها شبكة متماسكة ومتصلة ببعضها.

قسّم البوطي كتابه إلى ثلاثة أقسامٍ، حلّل فيها جملةً من المفاهيم المختلفة والقضايا والمسائل الشائعة في مجتمعنا.

القسم الأول: علومٌ وإسلاميات.

القسم الثاني: أدبٌ واجتماع.

القسم الثالث: كتبٌ وشخصيّات.

 

 

المحور الثاني

 

"جمالية الدين معارج القلب إلى حياة الروح"، فريد الأنصاري:

جمالية الدين، معارج القلب إلى حياة الروح. إننا عندما نقول هنا جمالية الدين، فإننا نعني أن الله الذي جعل الدين جميلاً قصد أن يكون التديّن جميلاً قصداً تشريعياً أصيلاً، بمعنى أن ذلك قُصِد منه ابتداءً وليس صدفةً ونفاقاً، فالجمالية هنا متعلقة بتلك الإرادة الإلهية الجميلة التي قضت أن يتجمّل الناس بالناس ويتزيّنوا به عبادة لله رب العالمين، ومنهاجاً لعمران الإنسان في الأرض.

إن جمالية الدين مفهوم له امتداد كلي شمولي، إذ يمتد ليغطي علاقات المسلم بأبعادها الثلاثة: علاقته مع ربه، وعلاقته مع الإنسان، ثم علاقته مع البيئة أو الكون أو الطبيعة، وما يطبع ذلك كله من معاني الخير والمحبة والجمال.

ويبيّن الكتاب الحقيقة الجمالية الجوهرية في الإسلام عقيدةً وشريعة، كما يبيّن نوابض الحسن من ذلك في مجال التديّن، عسى ألا يعمينا دخان الحرائق المشتعلة بهذا الزمان عن مشاهدة ما لدينا من ثروةٍ جماليّةٍ والتجمّل بمباهجها تديّناً نسلك به إلى الله ذي الجمال والجلال.

ومن هنا، حاول هذا الكتاب تلمّس بعض صوَر الجمال لممارسة التديّن في الإسلام وتذوّق محاسنه، مع تأصيل ذلك ضمن مفاهيم واضحةٍ ومقاييس محدَّدةٍ في مجالات العقيدة والعبادة والسلوك، مع الاسترشاد بهدي القرآن وسنّة المصطفى صلّى الله عليه وسلّم.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلاً بكم من جديد. تقبّل الله أعمالكم وقيامكم وهنيئاً للمستعدّين، للواصلين، لمغتنمي هذه الفرصة لتجديد العهد مع الله تعالى.

أذكّر ما دمنا نتحدّث عن الروح ببعض العناوين القيّمة في هذا السياق، "النفس والروح وشرح قواهما" للإمام الرازي رحمة الله عليه، "جمالية الدين معارج القلب إلى حياة الروح" لفريد الأنصاري، "من الفكر والقلب" للعلامة الشهيد محمّد سعيد رمضان البوطي رحمة الله عليه، "الحِكَم العطائية"، ومَن مِنّا لا يعرف العلامة الكبير إبن عطاء الله السكندري، وأنا شخصياً تعلّمتُ منه الكثير رحمة الله عليه، وكتاب "شهر رمضان رحلة الإنسان إلى الله" للعلامة الراحل السيّد محمد حسين فضل الله.

دكتور محمود، أنا أعلم أنك موسوعة عملاقة جداً في مجال التراث الإسلامي والفكر الإسلامي. ماذا عن الإرث الأخلاقيّ والموروث الروحانيّ لعلماء الإسلام؟ ولماذا كان هذا الاهتمام الكبير بفكر الأخلاق وثقافة الوصول إلى المولى عزّ وجلّ، أو ثقافة السِّيَر والسلوك إلى الله تعالى؟

 

محمود ممدوح: الصيام عبادةٌ عالميّة، قال الله تبارك وتعالى "يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكُم الصيام كما كُتِب على الذين من قبلكم لعلّكم تتّقون"، فكلّ المؤمنين الذين تقدّموا على الرسالة الخاتمة المحمّدية، كانوا يصومون للحقّ تبارك وتعالى بنصّ القرآن الكريم.

والله سبحانه وتعالى درّج المؤمنين عندما انتقلوا إلى المدينة المنوّرة، فأحيل الصيام بينهم على درجات، فكانوا يصومون عاشوراء، وثلاثة أيام كلّ شهر، ثمّ أنزل الحقّ تبارك وتعالى "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كُتِب على الذين من قبلكم"، فكان المؤمنون يصومون ويفطرون، فإذا جاء أيام تقرّبوا إلى الله تبارك وتعالى بالصيام.

ثم في المرحلة الثالثة أنزل الحق تبارك وتعالى، "فمن شهد منكم الشهر فليصُمْهُ"، وتكامل هذا التشريع بأحوال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في بيانه للقرآن الكريم بأحواله في الصيام وفي العبادة وفي التقرب إلى الله تبارك وتعالى، وكانت للنبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحوالٌ شريفة في هذا الشهر الكريم، فإنّه كان أجوَدَ الناس، وكان أجوَد ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل، فإنّ جبريل عليه السلام كان يدارسه القرآن الكريم في كلّ ليلةٍ، فجود النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في طوال العام هو موجود، ويزيد هذا الجود بمدارسة جبريل، ويزيد هذا الجود لأنه كان في شهر رمضان، وكان يدارسه القرآن الكريم، فلرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أجود من الريح المرسلة في هذا الشهر.

علماء الإسلام اهتموا بهذا الشهر الكريم لاهتمام النبي صّلى الله عليه وعلى آله وسلم به. فعلماء الحديث أفردوا في كتب السُّنَن كتاباً خاصاً بأحكام الصيام، ويدور ليس في الأحكام فقط، ولكن يدور في الترغيب والترهيب، وعلماء التفسير إذا جاؤوا إلى آيات الصيام، فإنّهم يسارعون في البيان وفي بيان الأحوال والصفات والقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

علماء السيرة كذلك، علماء الفقه ذكروا في كتب الفقه كتاباً خاصاً هو أحكام الصيام. فما من عالمٍ من العلماء المسلمين إلا وقد تناول هذه الأحكام في فنّه الذي يدرّسه للناس، وقد ذكرتم يا سيّدي الدكتور يحيى، بعض العلماء الذين اعتنوا، بالعلماء المعاصرين وغير المعاصرين الذين اعتنوا للتصنيف في فضائل هذا الشهر الكريم. والحقيقة أنه يمكن لنا أن نكتب جزءاً خاصاً بأسماء المصنّفات الإسلامية التي صُنّفت في بيان الاحتفاء وأحكام هذا الشهر الكريم، وهذا إنما يدلّ على أنّ هذا الشهر له مزيةٌ كبيرةٌ وعظيمةٌ عند المسلمين.

أحبّ أن أؤكّد أنّ المزيّة العظيمة إنما تدور حول القرآن الكريم، كتاب الله تبارك وتعالى، كتاب العقائد والتشريع والأخلاق والقصص، وهو الذي جعله الله تبارك وتعالى رحمةً ونوراً للعالمين سبحانه وتعالى. فالصيام والقيام والاحتفاء إنما هو تشريفٌ لهذا القرآن الكريم، كأنّ الله تبارك وتعالى ينادينا، فيقول "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس"، هو هدى للناس أجمعين، وليس للمسلمين فقط، ولكنه هدى للناس أجمعين.

القرآن هدى للناس، أي من ضمن المقاصد، اجعلوا يا أيها المسلمين هذا القرآن هدى للناس، فإذا كان القرآن هدىً للناس فمن باب أولى أن يكون هدى لأمّة الإجابة، التي استجابت لله ولرسوله، وآمنت بهذا الكتاب العظيم كنظام حياة لهم في عقائدهم وفي شريعتهم وفي أخلاقهم وفي نظام حياتهم. إذا كان كذلك فإنه ينبغي للمؤمنين إكراماً لهذا الشهر، أن يبدأوا صفحة جديدة ويتصالحوا مع كتاب الله تبارك وتعالى، ويكونوا خلفه.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، تأكيداً لكلامك فقط، أشير إلى أن الكثير من الأطبّاء الأوروبيين كتبوا كتباً عن فضل الصوم ودوره في تطبيب الإنسان البشري، وأنا زرت أحد المرضى المسلمين في مشفى أوروبي، فلفت نظري، هناك جناح كامل العلاج بالصوم، فسألت كبير الأطباء هلا شرحت لي هذا المدلول، قال لي هو الصوم الذي عند المسلمين، نحن نعالج الكثير من التقرّحات والسموم الدموية، وعدّد مجموعة من الأمراض، بالصوم، بالصوم، بالصوم.

شيخ عبد السلام الحراش، فلنبقى في المفردات الروحانية لأن المعاني المادية كبيرة وكثيرة جداً، لكن يهمنا نحن الغوص في بحر الروح. شهر رمضان يتميز بنكهة أخرى، نكهة الإكثار من الاستغفار، من الذكر، من التعبد، من قراءة القرآن، ومن قرأ آية له كذا حسنة، لا أقول أ ل م حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف.

ماذا عن هذه المعاني الروحية أيضاً شيخ عبد السلام؟

 

عبد السلام الحراش: عودٌ على بدء، وأنا عندما تحدثت عن الشعائر التي تكاملت في رمضان، حتى العمرة وهي من أعمال الحج، وهي تعادل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأتحدث في رمضان عن الفضائل، حيث الزكاة إلى جانب الصوم، وعامود ذلك العمل الصالح هو الجود في رمضان، والمستهدف هو الفقير كما قلت آنفاً.

أنا أتحدّث عن ضيفٍ محمَّل بالهدايا عرّفها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يحمل معه رمضان، فقال أعطيت أمتي خمساً لم يُعطهنّ نبي قبلي من الأنبياء، فإذا كان أول ليلة من رمضان نظر الله إلى الصائمين من أمّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قال تعالى "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا"، فمن كان في عين الله ويجري بعين الله فلا يضل ولا يشقى.

وأما الهدية الثانية، فإن الله يأمر جنته أن تتزيّن وتتهيّأ فأوشك عبادي الصائمون أن يستريحوا من عناء هذه الدنيا إلى نعيم الله في جنّته، تلك الجنّة التي لم يقرأ عنها بعض المدلِّسين حقيقة تغييبها عنّا، وكيف نعمل لها، فراح يصوّرها أنها جنّةٌ  للنساء ولا نعيم آخر، ذلك أنّ هؤلاء وفي هذه المحطة لم يجيدوا القراءة باسم ربّنا الذي خلق، فقرأوا باسم أشياقهم وأحزابهم، فضلّوا في رمضان وما قبل رمضان وما بعد رمضان الطريق، فسلكوا شعاباً متفرّقة، صوّروا أنفسهم أنهم الفرقة الناجية، وأنّ ما دونهم هم ينظرون إليهم نظرةً دونيّة.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ عبد السلام، قبل الفرقة الناجية بربّك، والأمّة الإسلامية صارت كلها فرقة هاوية، هذا الكلام جميل جداً، رمضان شهر الله، شهر التبتّل، شهر التعبّد، هذا ما نتلوه في القرآن، هذا ما نقرأه في السّنّة، هذا ما نقرأه في حياة الصالحين من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

لكن اليوم بدل شهر العبادات والقربات، هو شهر المسلسلات والشيشات. اليوم الإعلام العربي لا علاقة له برمضان، لا علاقة له بالتعبّد، حتى المسلسلات التلفزيّة كلّها في الخيانة الزوجية وفي العشق الحرام والعشق الممنوع وما إلى ذلك، أي رمضان لا يلامس حياتنا بالكامل. مَن المسؤول عن ذلك؟

 

عبد السلام الحراش: كنت أود أن أتطرّق إلى هذه الحال، وإلى مؤسسات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي، وأعتقد أنها تسبّب استفزازاً واضحاً للصائمين المتبتّلين في رمضان، ولعلّه عملٌ يفتح باباً للشيطان الموصَدة أبوابه أمام المؤمنين.

لذلك أنا أودّ أن أكمل بموضوع الهدايا في دائرة السمو الروحي إذا صحّ التعبير. تحدّث النبي صلى الله عليه وسلم، وأن خلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك.

 

يحيى أبو زكريا: دعني أكمل الفكرة مع الدكتور محمود.

دكتور محمود، المشكلة ليست في ما قاله الشيخ عبد السلام. هنالك ما هو أفظع، الغِيبة والنميمة وذِكر أعراض الناس وقتل الناس في شهر رمضان.

اليوم يُحكَم بالإعدام على أطفال صغار، أعمارهم 16 سنة و15 سنة، هذا رمضان الذي كان يصنع الرجال الرجال، اليوم المسلمون لا يتعلمون منه. الدول العربية مُسترسلة في ظلمها وطغيانها وإعداماتها، وصدّقني هذا اليمن سيُذبَح 60000 مرة في رمضان، والله أعلم ماذا سيحدث في العراق، ولبنان، وفي إيران، وفي الجزائر، وفي السودان.

لم نعد نتعلم من شهر رمضان بكل صراحة يا شيخ محمود.

 

محمود ممدوح: يا سيّدي، بسم الله الرحمن الرحيم إنّ القلب يتأثّر ويتحرّق من أحوال المسلمين في كلّ العالم، فما بالك في شهر رمضان شهر الرحمات والبركات، ينبغي أن يتوقف هؤلاء العُصاة، المذنبون، الفاسقون، المجرمون، عن استعمال آلات القتل، وعن أن يظلموا إخوانهم المسلمين بأيّ نوعٍ من أنواع الظّلم، وهذا الأمر الذي حلّ بالمسلمين سواءٌ في الإعلام وفي غير الإعلام، إنما جاء من قول النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، "إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".

ولكن إذا وُسّد الأمر إلى أهله فأهله علماء، رحماء، شرفاء، يقومون لله وينامون لله ويقفون بين يدي الله ويعرفون حدود شريعة الحق تبارك وتعالى، ولكنّهم يتنافسون في التطاول في البنيان، هؤلاء الذين وُسّد لهم الأمر. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيّىء للأمة الإسلامية أمر رشدٍ ليس في مكانٍ واحد ولكن في كلّ بقاع الأمّة الإسلاميّة، وأن ينزّل البركات والرحمات على هؤلاء القوم الذين شاء الله تبارك وتعالى أن يقفوا على نواصي المسلمين وعلى قلوب المسلمين، نسأل الله أن يهديهم ويكفّوا عن استيراد هذه الأسلحة بأموال المسلمين، ويحوّلوها إلى تعمير المسلمين وإلى الصلح بينهم.

المسلمون ينادون إخوانهم، قفوا، توقّفوا، ابتعدوا، ارفعوا سيوفكم، ارفعوا أسلحتكم. الله سبحانه وتعالى يقول "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة". وبهذه المناسبة فإني أطلب من إخواني المسلمين في كلّ مكان، أن يستقبلوا هذا الشهر الكريم بتوبةٍ إلى الله تبارك وتعالى، والقائمون على أمور المسلمين، كلّ من يقوم على أمر المسلمين، بحسب مسؤوليته، أن يتقدّم هذا الشهر الكريم بتوبة إلى الله تبارك وتعالى، وأن يتعلّم أحكام شريعته، وأن يقف عند حدود الحق تبارك وتعالى.

أمر عام، أمر خاص، ينبغي على كل مسلم أن يستقبل هذا الشهر بمعرفة أحكام الصيام، حتى يقوم بالصيام على بصيرةٍ ونورٍ من الحق تبارك وتعالى.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمود، طبعاً دعني أذكّر فقط أنّه من أحكام الصيام إطعام الجائع وإطعام الصائم، وهنا أسأل الشيخ عبد السلام كونه منسّقاً للتيار العربي المقاوِم، اليوم ما إن أوشك محور المقاومة على تحقيق انتصار في أكثر من جغرافيا، حتى لاذت أميركا والكيان الصهيوني والدول الأعرابية بمشروع باء. ما هو مشروع باء؟ هو تجويع سوريا والعراق واليمن وما إلى ذلك.

ما الذي تقولونه في خطة تجويع العالم العربي والإسلامي بأموال العرب والمسلمين؟ صارت أموال النفط بصراحة في خدمة الحركة الصهيونية العالمية.

 

عبد السلام الحراش: بسم الله الرحمن الرحيم. الحقيقة موضوع الحلقة موضوع مهمّ جداً، ويحتاج إلى وقتٍ، ولا سيما ونحن نحلّق في أجواء رمضان عبر أمواج القرآن الكريم العالية.

قبل الإجابة عن موضوع الحصار وأميركا وأدواتها في المنطقة.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ عبد السلام، لا وقت لديّ لكثير من التحشية والتفريع. أجبني عن دور أميركا والدول النفطية في تجويع العالم العربي والإسلامي.

 

عبد السلام الحراش: في كلّ الأحوال، هكذا كان دَيدَن العرب قبل أميركا عندما انقسموا بين الروم والفُرس، وكانوا أدواتٍ في مرحلةٍ، حتى كان ذي قار انتصروا فيه، وذاك يوم انتصف فيه العرب من العجم، أما أميركا التي شنّت حروبها في العالم تحت عنوان مكافحة الإرهاب، فهي أمّ الإرهاب، وأمّ مَن قتل على وجه هذه البسيطة، والهنود الحمر دليلٌ صارخٌ في وجه هؤلاء، وربيبتها إسرائيل.

في كلّ الأحوال، هذا الحصار على الأمّة الإسلامية لتركيعها، وجد ترامب من يلتقي معه في منتصف الطريق، فيُمعن قتلاً ويصوم عن السلام ويُفطِر على الإجرام والقتل في أكثر من مكان، وأنا عندما تحدّثت عن انفصام شخصية المسلمين، فكانوا ولا يزالون، البعض منهم، أدوات لهؤلاء الذين يهرولون للتطبيع مع الكيان الصهيوني.

أنا أحدّثكم من دمشق الثائرة، رغم كلّ الحصار، وليس بالوقود يحيا الإنسان، الشام دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة كما اليمن، ولا يجوع أهل الشام رغم حصار أميركا وكل العالم.

في رمضان دعوةٌ لإصلاح ذات البيْن، وهي سبيلٌ لمواجهة العدوان والحصار، فإنّ فساد البين هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، إنما هي حالقة الدين.

 

يحيى أبو زكريا: شيخ عبد السلام، أما أنا فأقول، نحن معشر المقاومين، وبشرف نقاوم، وبعزّةٍ نقاوم، وسنلقى الله مقاومين. نحن ندمن الصوم، إن جوّعونا نصوم، ونحن في شهر رمضان، وبإذنه تعالى، بإذنه تعالى نأكل التراب ولا نبيع كرامتنا.

 

عبد السلام الحراش: ولا نركع إلا لله.

 

يحيى أبو زكريا: ولا نبيع كرامتنا، وهذه وصية للأجيال العربية والإسلامية.

الشيخ عبد السلام الحراش من سوريا الصامدة المنتصرة شكراً جزيلاً لك، الدكتور محمود ممدوح المفكّر الإسلامي من مصر الحبيبة شكراً جزيلاً لك.

مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها. إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبداً ودائعه.

 

كتاب" النفس والروح وشرح قواهما" لفخر الدين الرازي:

تناول الإمام الرازي موضوع النّفْس في هذا الكتاب وفي كتبٍ أخرى، ففي كتابه "الأربعين في أصول الدين" أفرد الرازي المسألة الثامنة والعشرين لمعالجة موضوع حديقة النفس، وهو ما أفرد له الرازي هنا جزءاً غير يسير في كتابه الذي بين أيدينا، فكان من يمن الطالع أن تكشّف هذا الكتاب للقارئ العربي بعد أن طُبِع لأول مرة في بلاد باكستان بعناية الدكتور محمد صغير معصومي، وقد بذل رحمه الله جهداً في إخراج النص سليماً قدر الطاقة، والكمال لله وحده، إذ وقع في هذه النسخة المشار إليها بعض الأخطاء، خاصة وأن الدكتور المعصومي لم يحقق النصوص التي اعتمد عليها الرازي من كتب الإمام الغزالي وكذلك من كتب الإمام المحاسبي وغيرهما من النصوص المنسوبة لغالينوس وأتباع أرسطو، طاليس في الكلام على العقل والقلب.

كما أن الكتاب جاء خالياً من التعليقات على بعض المسائل العلمية التي أوردها الرازي في كتابه والتي تتناقض مع العلم الحديث، فقد كتب رحمه الله التعليقات منفصلة عن الكتاب، ونشرها باللغة الإنجليزية، ولذا لم تؤتِ ثمارها، فقد نشرت منفصلة عن النص العربي وبلغةٍ غير عربية، ولم يتيسّر للكثيرين الحصول عليها، ولكن يبقى الشكر له موصولاً على جهده الذي ساعدني كثيراً في إخراج هذا العمل بهذه الصورة.