أجراس المشرق

برنامج حواري ثقافي أسبوعي يطرح قضايا الوجود المسيحي الراهن وعبر التاريخ في الشرق العربي من زواياه الحضارية والثقافية والسياسية ويعتبر الأول من نوعه على شاشة فضائية عربية.

الكنعانيون في فلسطين

 

المحور الأول:

غسان الشامي: مساء الخير، توقف علماء التاريخ والآثار عن اعتبار التوارة مرجعاً تاريخياً لأن كل التنقيبات المحمومة التي قادها الإسرائيليون بعد احتلال فلسطين أثبتت أن الوعد الإلهي مزعوم ولا معطى أركيولوجياً له، فيما برهنت الأرض عن كنعانيتها، وإذا استعرنا المثل المعروف "من فمكِ يدينكِ يا إسرائيل" نجد أن ما ورد في سفر التكوين "أعطي لنسلك أرض كنعان" التي تفيض في سفر الخروج لبناً وعسلاً يؤكد فقط كنعانية الأرض، وأن مَن أتى جعلها تفيض دماً وقيحاً كما فعل أسلافهم وأجلافهم. الدكتور هاني نور الدين جار الحرم القدسي متخصّص بالكنعانيين وعصر البرونز والحديد، وحاصل على الدكتوراه من جامعة ستراسبورغ ودكتوراه النظام الجديد من السوربون، يدرّس التاريخ ويرأس دائرته بجامعة القدس، شارك بتأسيس المعهد العالي للآثار ويقوم بحفريات في موقع سبسطية السامرة، قبل أن نبدأ الحوار معه تقرير عن الكنعانيين وانتشارهم وثقافتهم.

تقرير:

امتدت الحضارة الكنعانية على الساحل الشرقي للبحر المتوسّط وبلاد الشام في العصر البرونزي منذ بداية الألف الثانية قبل الميلاد وحتى عام 1200، لكن ظهورهم بدأ قبل ذلك بأكثر من ألف عام، ونقلوا حضارتهم إلى قبرص وكريت، وربطوا مدنهم باليونان وشمال أوروبا والخليج والهند، وحوّلوا المتوسّط إلى مسرح لحضارتهم وتجارتهم، واكتشفوا الأطلسي وداروا حول أفريقيا.

أسّس الكنعانيون 135 مدينة منها في فلسطين، عكا وأسدود وعسقلان وغزّة والقدس ومجدّو، وفي سوريا أوغاريت وأرواد وعمريت، وفي لبنان جبيل وبيروت وصيدا وصور، معتمدين في ذلك نظام الدولة المدينة التي تستقل بحاكمها وإلهها.

قدّم الكنعانيون للبشرية الأبجدية وصناعة الزجاج واللون الأرجواني. عرفوا أنواع الزراعة والكرمة  والزيتون والفاكهة، وقاموا بتربية المواشي والطيور وصنعوا الملابس من الجلود والفراء ومختلف أنواع الأسلحة من البرونز والحديد، وشيّدوا القصور والمعابد واستخدموا الأخشاب في البناء والأثاث، واستخدموا الدواب والماشية كوسائل للمواصلات، وقدّسوا الأنوثة الكونية المتمثلة بالربّة عشتروت وقوى الطبيعة كالشمس والقمر والبرق والمطر والرياح والعواصف، وقدّموا لها القرابين والأضاحي وعبدوا الإله بعل المسؤول عن إنتاج الخيرات والمسيطر على قوى الطبيعة، ومن آلهتهم إيل وحدد وعنات وشمشم، وكانوا يقومون بالاغتسال والتطهير بالماء واستعانوا بالنار لتطهير الذبائح، وكان عندهم فن متقدم وأول نوتة موسيقية، وعرفوا الصنوج والدفوف والطبول والقيثارة.

غابت حضارة المدن الكنعانية جراء غزوات المصريين والآشوريين والبابليين والفرس وكذلك الإغريق والرومان والبيزنطينيين.

غسان الشامي: أهلاً بكم في أجراس المشرق، أهلاً بك دكتور هاني نور الدين ضيفاً عزيزاً سيّدي، سيّد نور الدين حتى لا نغرق في التاريخ الموغِل لفلسطين يعني أن نعود مليون سنة إلى الوراء من منطقة العبيدية قرب بحيرة طبريا، لنبدأ مباشرة كي ندخل إلى الكنعانيين من عصر البرونز، ما هي ملامح فلسطين في الألف الثاني قبل الميلاد؟

هاني نور الدين: أولاً مساء الخير أستاذ غسان ومساء الخير لجميع المشاهدين، أنا فعلاً سعيد جداً بأن أكون في منبركم هذا. في البداية أودّ التشديد على نقطة أساسية وهي أنه عندما نتكلم عن الكنعانيين يجب أن نعود إلى الوراء بألوف السنين بل عشرات ألوف السنين،لأننا عندما نتكلم عن الكنعانيين نتكلم في سياق التاريخ الحضاري وليس فقط في سياق التاريخ أو التأريخ والذي يعود فقط إلى 3500 سنة قبل الميلاد، نحن نتكلم عن تراكم حضاري طويل جداً، لذلك عندما نتكلم عن فترة المدنية أو العصر المدني الذي بدأ متأخراً، هذه الفترة لا تعدو واحداً بالمئة من مجمل العصور الحضارية السابقة والتي بدأت منذ أكثر من مليون سنة، ومرّت خلال العصور المختلفة، العصور الحجرية القديمة والعصور الحجرية القديمة الوسطى، ومن ثم التحوّل نحو العصر الحجري الحديث، حيث أنه خلال هذه الفترات كان الإنسان ملتقطاً صياداً ومن ثم بعد آلاف بل مئات آلاف السنوات تحوّل إلى إنسان يعمل في الزراعة.

غسان الشامي: لذلك قلت لك دكتور نور الدين أنه إذا عدنا إلى الوراء فلن تأخذ هذه الحلقة حيّزها في الإضاءة على الكنعانيين ولكن هذه الإضاءة مهمة، لنبدأ بهذا الحضور مع إشكالياته منذ ألفي عام من عصر البرونز إذا سمحت.

هاني نور الدين: فعلاً إذا أردنا أن نتكلم عن الكنعانيين أولاً يجب أن نضع النقاط على الحروف، بمعنى آخر كلمة الكنعانيين ظهرت في البداية منذ الألف الثالث قبل الميلاد في الكتابات المصرية، ولكن لا نستطيع فعلاً أن نتمسّك فقط بكلمة الكنعانيين ونعمّمها بشكل أو بآخر ونقول إن هذه الحضارة حضارة كنعانية بل حضارة شاملة تعود إلى العصور السابقة، وبُنيت الحضارة الكنعانية على أسس الحضارات السابقة وعلى أسس المعطيات الزراعية القروية، ومن ثم نستطيع أن نقول إن المدينة ظهرت في هذه الفترة حوالى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد أو تحديداً نهايات الألف الرابع قبل الميلاد نستطيع القول إن المدينة ظهرت في فلسطين وأيضاً في مناطق متعددة في الشرق القديم منها في بلاد الرافدين ومنها أيضاً في شمال بلاد الشام.  

غسان الشامي: نعم، إذا تجاوزنا ملامح العصر الحديدي ونأتي عليها في ما بعد لأنه كانت قد تكوّنت المدينة الكنعانية، ما هي ماهية الحضارة الكنعانية في شموليتها أولاً ولنبدأ من فلسطين، لتكن نقطة انطلاقنا فلسطين.

هاني نور الدين: عندما نتكلم عن الحضارة المدنية وارتباطها بالموضوع السكاني فنحن نتكلم عن حضارة، فعلاً يوجد في منطقة بلاد الشام الحراك، الحراك الحضاري حيث وُجدت بدايات الحضارة المدنية أو ظهور المدن الأولى في فلسطين موازية عملياً أو متشابهة مع ظهورها في كلٍّ من بلاد الرافدين وسوريا أي في شمال وجنوب سوريا أو شمال بلاد الشام وجنوبها، أي ظهرت في فترات متقاربة نسبياً في هذه المنطقة. إذاً الحراك الحضاري المدني ظهر في فترات متشابهة ومتساوية عملياً، فلذلك عندما نتكلم عن المدن، فعلاً المدينة تمثل البُعد الاجتماعي الاقتصادي الديني وجميع المظاهر الاجتماعية، لذلك هي تعكس على البُعد الاقتصادي، فإذا قارناها مع بلاد الرافدين نرى أن المدينة أصغر حجماً بالنسبة للمعطيات الاقتصادية، إذا قارناها أيضاً مع شمال بلاد الشام ومنطقة الفرات نرى أن مكوّناتها عملياً ليست بهذه الضخامة كالمكوّنات المدنية التي تحتويها منطقة بلاد الرافدين أو شمال سوريا، ولكن نحن نقول إن المعطيات المدنية، المدينة ومكوّناتها بشكل أو بآخر ظهرت في فلسطين وفي جميع مناطق بلاد الشام في مراحل متشابهة ومتساوية أي تقريباً في نهايات الألف الرابع، بدايات العصر البرونزي القديم الأول ومن ثم خلال الألف الثالث والألف الثاني حيث بدأ التطوّر في معطيات المدينة نراها خلال العصر البرونزي المتوسّط أي النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، واستمرت أيضاً في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، العصر البرونزي المتأخّر.

غسان الشامي: يعني أنت تريد أن تقول إن المدن الكنعانية في فلسطين هي مثل أخواتها في بلاد الشام وأيضاً في الرافدين، ولكن أيضاً أنت من أصحاب قراءة أن الكنعانيين أيضاً وصلوا إلى مصر، آثارهم وصلت إلى مصر كيف؟   

هاني نور الدين: خلال العصر البرونزي المتوسّط حيث البنية السياسية والاقتصادية نمت وتطوّرت مع المجتمعات التي كانت موجودة في منطقة بلاد الشام وفي منطقة الرافدين. كلمة العموريين عندما نتكلمّ عن الكنعانيين هي كلمة، العموريون بشكل عام قريبون على الكنعانيين إذا لم يكونوا الكنعانيين أنفسهم، لذلك يجب أن نركّز على الكلمة نفسها، الكنعانيون، العموريون، الأكاديون الذين وُجدوا أيضاً في منطقة بلاد الرافدين، جميعهم، معظمهم يوجد لهم حراك اجتماعي متداخل ديني عملياً، هذه كل المجموعات الأساسية التي كان حراكها في منطقة الهلال الخصيب فعلاً تطوّرت خلال العصر البرونزي المتوسّط، ونستطيع أن نقول إن هناك تحالف ما بين جنوب بلاد الشام أي فلسطين ومناطق العموريين أو الأموريين الذين كانوا موجودين في منطقة بلاد الشام وحتى منطقة الرافدين، لذلك قوّتهم هذه أتت في فترة معينة خلال العصر البرونزي الثاني أي خلال منتصف القرن السابع عشر ودخلوا إلى ولا نستطيع أن نقول دخولاً حربياً ولكن هو عبارة عن حراك اجتماعي اقتصادي دخل في منطقة الدلتا في الشمال وفي فترة معينة أي خلال الأسرة الرابعة عشر والخامسة عشر والسادسة عشر، نقول عنها الفترة الانتقالية الثانية في تاريخ مصر، نرى الهكسوس أو كما يُسمّوْن عند المصريين بالحكام الأجانب هم عملياً حكموا في منطقة شمال مصر أو منطقة الدلتا وكانت عاصمتها أفاريس أو تل الضبعة، لذلك توجد فعلاً نستطيع أن نقول سيطرة لسكان منطقة بلاد الشام على منطقة شمال مصر خلال نهايات عصر المملكة الوسطى.  

غسان الشامي: هل نعدّد المدن الكنعانية في فلسطين؟ هل نتكلّم وأنت عملت على القصور الكنعانية، ما هي المدن والقصور الكنعانية؟

هاني نور الدين: المدن الكنعانية الرئيسية التي نستطيع أن نتكلّم عنها، فعلاً لا زلت أقول أنه حتى خلال العصور البرونزية لم تصل مساحة المدن إلى نفس مستوى مساحة المدن الموجودة في منطقة الرافدين أو في شمال بلاد الشام، ولكن نتكلم عن بنية مدينة متكاملة متداخلة، مثلاً مدينة القدس كانت إحدى هذه الأماكن المهمة، مدينة شكيم أيضاً أو نابلس حالياً، نتكلم عن مجدّو تل المتسلم، نتكلم عن حاتسور، نتكلم عن تل الجزر أو تل أبو شوشة، نتكلم عن مناطق أخرى مثل تل الدوير أو لاكيش جنوب مدينة الخليل، نحن نتكلم عن مدن عدة بشكل عام وكانت تمثل تقريباً المدن الدولة ولكن بشكل يختلف تقريباً عن مركّبات الدولة الموجودة في منطقة الرافدين.   

غسان الشامي: دكتور نور الدين إذا عدّدنا بعض القصور الكنعانية، ما هي صفات القصور وما هي صفات العمارة الكنعانية؟

هاني نور الدين: عندما نتكلم عن العمارة الكنعانية بشكل عام وخاصة في منطقة جنوب بلاد الشام فنحن نتكلم عن مساحات ليست بالكبيرة، يعني نتكلم عن مساحة تقريباً 500 أو 600 متر مربع أو بالأحرى لا تتجاوز عدة مئات من الأمتار المربعة تقريباً مع المدن الأخرى التي تصل إلى مئات الأمتار أو أكثر مثل مدينة  ماري وغيرها، لذلك المدينة هنا يجب أن نضعها في الحيّز الاقتصادي السياسي بشكل أو بآخر للمنطقة نفسها، فنرى أنه فعلاً توجد مدينة في ذلك العصر، توجد أسوار حول هذه المدينة، توجد نظم دفاعية بشكل أو بآخر، تقسيم أبنية عامة ومن خلال هذه الأبنية العامة نستطيع أن نقول إن القصور وكانت القصور مركزاً للإدارة السياسية، ولكن للأسف الشديد لا يوجد لدينا أي دليل من الكتابات كما هي موجودة في تل مرديخ أو في مدينة أوغاريت أو في مدينة ماري، إذاً لا توجد لدينا أدلة مباشرة حول القوة أو السيطرة السياسية وماهية الإدارة السياسية الموجودة لأنه لا يوجد لدينا أي نوع من الوثائق التاريخية أو الأرشيف كما يُسمّى الأرشيف الملكي في المناطق الثانية، لذلك نستطيع أن نقول إن القصر هو عبارة عن مركز للمدينة التي تُعتبر مدينة دولة بشكل عام وتحكم مساحة معينة من الكيلومترات حولها، لذلك نستطيع أن نقول في القدس ومنطقتها، في منطقة شكيم وفي المناطق الأخرى.

غسان الشامي: في آخر سؤال في هذا المحور دكتور نور الدين أريد أن أسألك هل هناك في فلسطين معطيات عن الكتابة الكنعانية، عن اللغة الكنعانية أم أنها هي جزء أُخذ من بقية المدن الكنعانية في بلاد الشام؟

هاني نور الدين: عندما نتكلم عن الكتابة سأعود فقط إلى الوراء قليلاً، يجب أن أركّز على نقطة بسيطة أنه عندما نتكلم عن المدنيّة في فلسطين، توجد عناصر متعددة للمدنية ولكن العنصر الأساس الذي نتكلم عنه هو الكتابة، الكتابة لا توجد في فلسطين بشكل مباشر، جميع الوثائق التي وُجدت إما في المواقع وهي قليلة نسبياً بل هي معدومة بشكل عام خلال العصور البرونزية ولكن توجد معلومات غير مباشرة تدلّنا أو تعطينا علاقة المدن الأخرى أو علاقة الدول الأخرى مع فلسطين، لذلك نستطيع أن نقول أنه توجد دلائل عن المدن التي تكلمت عنها في السابق موجودة في أرشيف أو في نصوص اللعنات التي تمت كتابتها خلال عصر المملكة الوسطى، الأسرة الثانية عشر والأسرة الثالثة عشر، وهي تذكر مدينة أورساليموم في صياغتها الكنعانية بشكل عام، وتذكر أيضاً مدينة شكيم وأيضاً عدة مدن أخرى ولكن لا توجد كتابات مباشرة. سأتكلم أيضاً عن معطيات تل العمارنة أيضاً والكتابات التي ظهرت خلال منتصف القرن الرابع عشر.

غسان الشامي: سنتابع هذا في المحور الثاني دكتور نور الدين، في المحور الثاني سنذهب إلى القدس ومن ثم القدس في تل العمارنة وبشكل عام، أعزائي فاصل ثم نعود إلى الحوار مع الدكتور هاني نور الدين، موضوعنا الكنعانيون في فلسطين وبلاد الشام، انتظرونا.

المحور الثاني:

غسان الشامي: تحية لكم من أجراس المشرق، دكتور هاني نور الدين، سيّدي سندخل معك إلى القدس المدينة التي تحبّ وتسكن، هل يمكننا رسم ملامح القدس تفصيلياً في الفترة الكنعانية أي كما ذكرت في عصر البرونز الوسيط 1800 - 1550، ما هي صفاتها؟ كيف كانت؟

هاني نور الدين: عندما نتكلم عن مدينة القدس فعلاً المعطيات الأثرية والتي تم الكشف عنها خلال عشرات السنين للأسف الشديد لم تكن كثيرة، ولكن في قيمتها الأثرية والعلمية فعلاً نستطيع أن نقول إن القدس كانت مدينة تمتد على تلة سلوان، قرية سلوان الحالية، ويوجد في هذه المدينة الأسوار أو كانت محاطة بالأسوار، والنظام الدفاعي وهو المميز في فلسطين خلال العصر البرونزي المتوسط حيث كانت القوة الكنعانية في أوجها، لذلك تم الكشف عن أسوار ضخمة بشكل عام وعن عناصر أخرى دفاعية ألا وهي النظام المائي الذي يرتبط بنظام التحصين. هذه هي الميزات الأساسية التي تم الكشف عنها لمدينة العصر البرونزي الوسيط والتي تم ذكرها في نصوص اللعنات كمدينة أورساليموم وهي الكلمة القديمة والإسم الأول الذي تم تسمية القدس به. للأسف الشديد لا يوجد لدينا أي أسس أخرى للمدينة.

غسان الشامي: نعم، وموقع القدس في وثائق تل العمارنة كيف يُقرأ؟ هذه وثائق، هل هناك توصيفات للمدينة؟

هاني نور الدين: ذكر مدينة القدس أو أورساليموم كما في نفس التسمية التي تم ذكرها في الوثائق المصرية السابقة لم تذكر شيئاً كبيراً عن المدينة سوى حاكمها "عبدي حيبا" في ذلك الوقت، وهناك الدراسات الكثيرة غير المدعومة للأسف الشديد لا بمعطيات مادية ولا بمعطيات كتابية أخرى نستطيع أن نؤسس عليها الدراسات الأثرية، ولكن نستطيع أن نقول من خلال هذه المعطيات إن القدس في هذه الفترة أو في العصر البرونزي المتأخر، نتكلم عن فترة تراجُع قوة المدن والسيطرة المصرية، لذلك لا توجد لدينا الدلائل الأثرية الكافية ولكن بعض البقايا الأثرية التي تم إيجادها في منطقة التل تشير بأن هناك إما تحصيناً أو قلعة في هذه المدينة حيث ارتبط بها هذا الحاكم الذي لا نستطيع أيضاً أن نحدّد ما هي وظيفته هل هو أمير، هل هو حاكم ولكن "عبدي حيبا"  يُعتبر تابعاً للمصريين خلال الأسرة الثامنة عشر.  

غسان الشامي: نعم أنا ألاحظ أنك تقول دائماً إن الوئاثق الأثرية قليلة، وأيضاً المكتشفات الأثرية رغم الحمّى الإسرائيلية في محاولة كشف كل ما يتعلق بالتاريخ المبني على النموذج التوراتي طيلة أكثر من نصف قرن لم يستطيعوا الوصول إلى شيء، برأيك لماذا هذه الوثائق أو الآثار قليلة في فلسطين؟ وكيف يمكننا أن نبني على الكنعانية رغم قلّة هذه الوثائق؟

هاني نور الدين: نستطيع أن نتكلم عن هذه الإشكالية خلال العصر البرونزي المتأخر وخلال العصر الحديدي. للأسف الشديد خلال العصر البرونزي المتأخر يوجد وثائق قليلة تعود للأسرة الثامنة عشر كما بيّنا، ولكن المعطيات الكتابية حتى خلال العصر الحديدي هي ليست معطيات كافية بشكل أو بآخر.

غسان الشامي: دكتور نور الدين لنوضح للسادة المشاهدين العصر الحديدي يعني منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد أليس كذلك؟

هاني نور الدين: نعم نحن نتكلّم عن نهاية الألف الثاني بداية الألف الأول حيث أن الكتابات التي تم الاعتماد عليها بشكل عام من وجهة نظر المستشرقين خلال القرن التاسع عشر وامتد هذا الأمر أكثر من 150 عاماً حتى الآن على كتاب التوارة بمعظم أسفاره، ولكن نستطيع القول إنه خلال الألف الأول قبل الميلاد وخاصة خلال القرن التاسع والقرن الثامن هناك دلائل كثيرة من خلال المعطيات الآشورية ومن خلال المعطيات الآرامية، وأيضاً بعض الوثائق من خلال المعطيات المصرية كحملة شيشنق في القرن العاشر.  

غسان الشامي: دكتور هاني دعني أسألك هل لدينا وثائق صلبة عن القدس في الرقيمات الآشورية؟ وماذا تقول عن المدينة؟ طبعاً نحن نعلم أن هناك اجتياحاً آشورياً لفلسطين وسوريا. 

هاني نور الدين: عندما نتكلم عن مدينة القدس وتطوّرها نرى أن المعطيات الأثرية التي تعود إلى القدس خلال العصر الحديدي الثاني، نحن نتكلم عن القرن الثامن بشكل عام ونتكلم عن فترة تجلات بلاسر ونتكلم أيضاً عن فترة سرجون الثاني، ولذلك تم الكشف عن المعطيات أو عن ذكر إسم مدينة أورساليموم وعن ذكر حكامها بشكل عام ولكن لم يتكلم بشكل مباشر أو بشكل كما ورد في العهد القديم. عندما نتكلم عن العهد القديم قد يكون هناك تقاطع ما بين هذه المعلومات، معلومات العهد القديم والمعلومات التاريخية المعاصرة للأحداث التي نتكلم عنها إما آشورية وإما آرامية.

غسان الشامي: هذا يدفعنا إلى سؤال دكتور هاني، ما الذي يربط التوراة بالقدس؟ ما الذي يربط التوارة بكنعان؟ أنت تعلم أن كلمة كنعان وأرض كنعان وأنه طلب حتى تحريمهم وأنهم دخلوا إلى مدن الكنعانيين وذبحوا في مدينة حوصروا بالآلاف، ما الذي يربط هذه التوراة بالأرض الكنعانية من منطلق توراتي أولاً ومن منطلق أركيولوجي ثانياً؟

هاني نور الدين: أنا تحدثت في البداية عن كلمة كنعان، كلمة كنعان عملياً هي كلمة ذات مرونة في أشكالها المتعدّدة، عملياً كلمة كنعان هي فعلاً حقيقة تاريخية ولكن عندما كُتبت في التوراة في سفر القضاة حوالى 150 مرة، هنا يظهر مدى أهمية كنعان في الفترات السابقة لليهودية، ولذلك عندما نقول الكتاب المقدس والعهد القديم تم كتابته في فترات لاحقة أي في القرن الخامس قبل الميلاد أو في فترة لاحقة بعد ذلك. يوجد التاريخ الشفوي في تلك الفترة، هناك النقل الحدَثي بشكل عام ولكن لم يتبلور، هناك سكان موجودون في هذه المنطقة بشكل عام. عندما نتكلّم عن العصر الحديدي والفترات الأساسية إما السامرة وإما أورشليم فنحن نتكلّم هنا عن مدن موجودة بشكل عام. القضية إن هذه المدن لم تكن خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد يهودية بشكل عام، لم تكن الديانة اليهودية موجودة وهذا ما نلاحظه حتى في الحضارات الأخرى المتاخمة في الأردن، لذلك عندما نتكلم عن السامرة ونتكلم عن أورشليم، هذه المدن هي عبارة عن الحضارة، التراكم الحضاري الذي كان موجوداً منذ العصور البرونزية.

غسان الشامي: نعم وصلت الفكرة، أريد أن أسألك، بكل هذه التنقيبات ما موضوع هيكل سليمان؟ نحن دائماً نذهب إلى البؤرة الأساسية التي اتكأت عليها الفكرة اليهودية في موضوع الوعد وأن هناك هيكلاً ما، كل هذا التنقيب الأثري هل من حجرة واحدة، قطعة حجر واحدة تدلّنا على أنه كان هناك هيكل لسليمان؟  

هاني نور الدين: هذه القضية بحاجة لنقاش طويل ولكن أختصر القول وأريد أن أكون موضوعياً بشكل أو بآخر، تم الحديث عن الهيكل الأول والهيكل الثاني والثالث، نرى أن هناك اعتماداً كبيراً على المعطيات التوراتية بشكل عام، هذه المعطيات بشكل أو بآخر خلال الألف الأول قبل الميلاد وخاصة النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، معبد سليمان ومعبد داوود، هنا نرى تناقضاً كبيراً ما بين المعطيات التوراتية وما بين الموجودات بشكل عام، لا توجد بشكل أو بآخر أية معطيات تشير إلى هذه المنشأة بشكل عام ولكن أريد أن أحدّد بشكل أو بآخر من خلال الحفريات التي تمت من قِبَل الإسرائيليين منذ العام 1968، استمرت هذه الحفريات منذ عام 1968 وحتى الفترة الحالية تقريباً، يحاولون إيجاد هذه المعطيات. يوجد بعض المباني التي تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد ولكن في الفترات السابقة لا يوجد، عندما يقولون أن هناك مبانٍ معينة تعود إلى الملك حزقيا،  عملياً حزقيا لم يكن يهودياً في هذه الفترة، وربما قرأت لي المقال الذي أركّز فيه على هذه الأمور. مدينة القدس توسّعت نحو الغرب في هذه الفترة ولكن لا نستطيع أن نقول إن حزقيا كان يهودياً، ولكن المعطيات تشير إلى أن الديانة التي كانت موجودة في هذه الفترة هي الديانة الكنعانية السابقة التي تعود إلى إيل وعشتار وعشيرة والتي تمثل التماثيل والأختام وعليها النقوش المتداخلة والأشكال المتداخلة التي لها علاقة من قريب أو من بعيد بحضارة بلاد الشام والمعطيات الدينية المصرية والكنعانية.   

غسان الشامي: يعني بمعنى أو بآخر نحن أمام مجمع آلهة كنعاني كما قلت، إيل، بعل، ديانة البعليم كما وردت في التوراة، تقصد عشتار فقط لا غير ولا يوجد أي شيء لعبادات يهوه؟

هاني نور الدين: أنا أتكلم عن النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد ولكن مع دخول وسيطرة القوى الفارسية، اليونانية ثم الرومانية نرى أن هناك تقليداً كما نلحظه أيضاً في منطقة بلاد الشام، هناك مباني المعابد، فالمعبد الذي تم بناؤه من قبل هيرود تقريباً في العام 35 قبل الميلاد هو معبد يشير إلى الفكر الوثني بشكل عام، وحيث هيرود هو عملياً إنسان منغمس ومحب أيضاً للحضارة اليونانية، وفي كل مدينة كان يبني مثل سبسطية وقيسارية كان يبني المعابد الوثنية. الآن سأكون موضوعياً بشكل عام وأقول أنه خلال هذه الفترة كانت اليهودية موجودة، لا نستطيع أن ننكر أن هناك الديانة اليهودية ولكن لا نستطيع أن نضخّمها بشكل كبير ونضعها رأساً برأس أمام الهيمنة الرومانية أو سابقاً الهيمنة اليونانية، ولذلك يجب أن نضع إطاراً عاماً في مفهوم ماهية الديانة وعلاقتها بمعطيات المباني وماذا تشير هذه المعطيات وكيف توضّح لنا حقيقة الديانة وحقيقة الوضع الديني الذي كان موجوداً في فلسطين خلال هذه الحقبة.

غسان الشامي: دكتور نور الدين أنت تعمل في التنقيب في سبسطية، الناس تسمع بكلمة سبسطية ولا تعلم ما هي، نحن أمام ما تُدعى نابلس، عملكم التنقيبي الأثري الأركيولوجي إلى أين أفضى؟

هاني نور الدين: أريد أن أوضح للمستمعين الكرام أن بلدة سبسطية ليست نيوبوليس أو نابلس، نيوبوليس هي مدينة أخرى تقع على حوالى 12 كيلومتراً جنوب بلدة سبسطية، وكانت في إحدى الفترات أي في القرن الثاني الميلادي أهم من مدينة نابلس أو نيوبوليس.

غسان الشامي: نيوبوليس يعني المدينة الجديدة.

هاني نور الدين: نعم أستاذي هي نابلس عملياً ولكن عندما نتكلم عن سبسطية أو السامرة، والسامرة تم ذكرها في الأرشيف الآشوري وتم ذكرها في بيت عُمري وبين أهاب كما هذه البيوت، أي هي عبارة عن الكيانات السياسية الموجودة والمنتشرة في بلاد الشام كالآراميين والعمونيين والمؤابيين والأدوميين بشكل عام، لذلك سبسطية كانت مركز قوة أساسياً وهنا نستطيع القول إن لها علاقة بالحضارة الكنعانية، كل الفترات هذه لها علاقة بالحضارة الكنعانية ولكن من خلال عملنا في بلدة سبسطية وجدنا المعطيات الفخارية المطابقة للمعطيات الموجودة في المواقع الفينيقية مثل موقع الصرفند، موقع صور، موقع صيدا والمواقع الأخرى، لذلك نستطيع أن نقول أن هناك نوعاً من التداخل والتكامل بشكل عام بين هذه المجموعات ولها أصل واحد، لذلك هذه المعطيات المادية تعطينا إشارات واضحة للاستمرارية الحضارية.  

غسان الشامي: سأستغل ما تبقّى من الوقت وهو قصير لا يتعدّى الدقيقتين، كنت أريد أن أسألك عن علاقة القدس الكنعانية بمؤاب أي بشرق الأردن ولكن هناك موضوع اليبوسيين، ما الإشكالية حولهم سيّدي؟ أولا مَن هم وما هي الإشكالية حولهم؟

هاني نور الدين: اليبوسيون لم يتم ذكرهم إلا في سفر القضاة مع المجموعات الأخرى من الحوريين والعموريين وهذه المجموعات، تمت كتابة هذه الأسفار في فترة لاحقة، ولذلك تم التخيّل بأن هذه المجموعات هي الأساس أو الأساس الكنعاني ولكن للأسف الشديد هذا الإسم لا يوجد له أي نوع من التاريخية، لذلك أنا أعتبره ووضعته في كتاباتي أن اليبوسية التي نفتخر بها ونقول نحن يبوسيون لا يوجد لها أي أساس من الدقة أو أي أساس من البعد التاريخي، لذلك يجب علينا الرجوع إلى إعادة قراءة التاريخ الحضاري لفلسطين ووضعه في إطار موضوعي علمي.

غسان الشامي: ونحن ندعو مثلك أيضاً إلى ذلك. أعزائي أيّ جهد معرفي كبير نحتاج لكشف الأضاليل التي تبثّها إسرائيل، لقد انكشف الزيف التاريخي للتاريخ التوراتي ، وعلماؤها يجرجرون أذيال الخيبة بعد أن صفعتهم أرض فلسطين بكنعانيتها. شكراً للدكتور هاني نور الدين تلبية دعوة أجراس المشرق، للزملاء الذين يقرعون معي هذه الأجراس، سلام لكل صاحب علم وعمل يكشف الحقيقة، الحقيقة فقط وينافح عن الحق، سلام عليكم وسلام لكم.