خاص الميادين

تخصص الميادين حلقة خاصة لعدد من المناسبات التي تنسجم مع سياساتها العامة، إن كانت حلقة لتحية شخصية مميزة، أم للإضاءة على حدث عسكري أو سياسي على صعيد كبير، أو للإحتفاء بذكرى راحل كبير، وتختلف صيغة الحلقة حسب الموضوع، ولكن العنصر الجامع هو عدد التقارير والمؤثرات الصورية والموسيقة التي تطغى على الحلقة لتوحي بجو الإحتفاء المطلوب.

قواعد الاشتباك: مراجعة الحرب السورية (9)

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مشاهدينا في الحلقة التاسعة من سلسلة مراجعة الحرب السورية، في خلال هذه الحلقة نستكمل الجزء السابق حول انتشار الإرهاب في سوريا وطرق مكافحته وكيف انهار تنظيم داعش وتقهقر وخسر الجغرافيا، وكذلك انحسار جبهة النصرة.

نتابع مع ضيوفنا من دمشق الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية الأستاذ عبدالله سليمان علي، ومن اسطنبول الكاتب السياسي الأستاذ عمر كوش، ومن عمان الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية والتنظيمات الإرهابية الدكتور حسن أبو هنية.

أحييكم ضيوفي الثلاثة أسعد الله أوقاتكم، واسمحوا أبدأ من اسطنبول من عند الأستاذ عمر كوش أسعد الله مساءك أستاذ عمر، إذا ما بدأنا في الحديث في هذا القسم عن الأسباب التي دفعت لأن تكون هذه التنظيمات هي سيدة المشهد في الحرب السورية وهي مَن استطاعت أن تهيمن على الباقي وحتى تبتلع فصائل صغيرة على حساب تقويتها واتّساع نفوذها، ما هي العوامل التي أدّت الى قوة وتسيّد هذه التنظيمات سواء كانت داعش أو النصرة على المشهد في سوريا؟

 

 

عمر كوش: بدايةً مساء الخير لك ولجميع الضيوف والمشاهدين، أنا باعتقادي هناك أيضاً عوامل عديدة جعلت هذه التنظيمات تتسيّد المشهد، وخاصةً طبعاً إذا عدنا للعام 2015 سبتمبر والتدخل العسكري الروسي المباشر، فضلاً عن التدخل الميليشياوي الإيراني، وبالتالي كان التركيز كله يصب على الجيش الحر والفصائل المعتدلة. أكثر من 90% من الغارات التي قامت بها الطائرات والمقاتلات الروسية والقاذفات كان موجّهاً نحو مناطق المعرضة المعتدلة، ولاحظنا المعارك العديدة والقصف المتبادل، فضلاً عن براميل النظام وأسلحته وهجومه، بالتالي الحلف الثلاثي بين النظام والإيرانيين والروس كان موجّهاً نحو إيجاد معادلة ثنائية، النظام والتنظيمات المتطرّفة المتشددة.

العامل الآخر أن هذه التنظيمات عندما أوجدت في الحقيقة ما يشبه الإمارات أو ما يشبه الكيانات خاصةً داعش، كانت تقوم بتمويل ذاتها بشكل كبير جداً سواءً عن طريق الضرائب أو عن طريق البترول، لأننا كما نعلم أن تنظيم داعش ذهب الى المناطق التي يتواجد بها الغاز والبترول، وبنى إتّفاقيات مع النظام ومع قسد ومع حزب الإتّحاد الديمقراطي الكردي وميليشياته من أجل تقاسم هذه الثروة، ونعلم أن النظام كان يسمح لجميع الفنيين والتقنيين بالذهاب الى آبار النفط مقابل حصة معيّنة وكان هناك تجّار ووسطاء كثر معروفون بين الطرفين.

أيضاً ما يسمى الجيش السوري الحر الولايات المتّحدة الأميركية والدول الداعمة خفّضت الدعم الكبير بل تخلّت عن الدعم الذي كان يتلقاه في البدايات، وبالتالي ركّزت الولايات المتّحدة على الشمال الشرقي من سويا وتواجد ما يسمى اليوم بقسد وعمادها وحدات حماية الشعب الكردي، وأمدّتها بمختلف الأسلحة المتطورة والى آخره، واستخدمتها بندقيةً في حربها شد ما يسمى داعش.

بينما بالمقابل الدعم الذي كانت تتلقاه وحدات الجيش السوري الحر لاحظنا مثلاً في الجبهة الجنوبية كانت الولايات المتّحدة الأميركية تعتبر المساس بالتنظيمات المتواجدة بها خطاً أحمراً بين عشية وضحاها، وربّما في تفاهمات معلنة وغير معلنة، قالوا لهم بالحرف الواحد لن تأخذوا أي دعم أميركي كما رأينا…

 

 

كمال خلف: بالإضافة لهذه العوامل أستاذ عمر يوجد عامل تحدّث عنه الأستاذ برهان غليون في كتابه عطب الذات وهو عامل تحدّث به العديد من قادة المعارضة وهو الخلافات الداخلية بين الكتائب العسكرية المنضوية تحت الجيش الحر، حتى أن برهان غليون قال كل أسبوع يتّصل الأتراك بنا تعالوا فكّوا الإشتباك بين رياض الأسعد وبين الشيخ، كل يوم أو كل أسبوع نذهب لهناك للإصلاح بينهم، أيضاً هذه الخلافات كيف استفادت منها التنظيمات الإرهابية؟

 

 

عمر كوش: هذا عامل في الحقيقة كنت سأذكره، بالفعل أيضاً هناك عوامل ذاتية أيضاً، ليس فقط التركيز على الدعم، وأيضاً هنا مع تقديري لما تفضل به الدكتور برهان لكن لا يعطي الحقيقة الكاملة لتشرذم التنظيمات التي كانت تنضوي تحت يافطة الجيش السوري الحر. بالتأكيد ظروف الحرب التي خاضها النظام ضد الحاضنة الشعبية وضد غالبية السوريين لم تنتج قيادة مشتركة لأن كان هناك بؤَر وبالتالي كان يستفرد النظام بمنطقة ويعزلها ويخضعها لحصار لا يمكن للتنظيمات الأخرى أن تقدّم لها العون. طبعاً هناك الجهات الداعمة خاصة من الخليج وغيرها، كانت كل دولة تغذّي وتعطي الدعم المالي أو بالأسلحة لهذا الفصيل دون ذاك، واشترك بذلك دول عديدة ليس فقط دول عربية خليجية، إنّما هناك دول أخرى، وبالتالي كل هذه العوامل فضلاً الى أن الحقيقة الشعب السوري تُرك لوحده. بينما في المقلب الآخر كان الدعم الروسي للنظام غير محدود والدعم الإيراني الميليشياني والمادي حتى والسياسي واللوجستي دعم غير محدود، بينما في المقلب الثاني الذي هو المقاتلون والحاضنة الشعبية حقيقةً رفعت شعار يا الله مالنا غيرك يا الله، وهذا كان بالفعل حقيقةً جملة من هذه العوامل جعلت أنّ التنظيمات التي كانت تحافظ على بنية متماسكة ولا موارد دعم داخلية، وأيضاً هناك شبكات خارجية هي التي ..

 

 

كمال خلف: أستاذ عبدالله سليمان علي هل هذه هي العوامل التي دفع فعلاً لتسيّد تنظيم القاعدة، جبهة النصرة، وتنظيم داعش للمشهد واستحواذه على المشهد، أم هناك عوامل إضافية أخرى يمكن الحديث عنها في هذا السياق؟

 

 

عبدالله سليمان علي: نعم، بدايةً تحية لك وللسادة المشاهدين والسادة الزملاء.

أنا حقيقةً أستغرب من جواب الدكتور عمر رغم احترامي له ولتفكيره، ولكن هو بدأ عوامل تسيّد التنظيمات المتشددة من نقطة التدخل الروسي في سوريا عام 2015، وحقيقةً يمكن اعتبار هذا التاريخ بداية انحسار التنظيمات التمشددة وليس تسيّدها، لذلك أعتقد أنه وقع في مغالطة ما، والحقيقة هناك عوامل وراء تسيّد التنظيمات المتشددة من بدء الأزمة السورية، أولاً العامل الأول وبلا منازع هو أن شبكات التمويل والدعم والإسناد العربية والإقليمية كانت شبكات سلفية في حقيقتها وتدعم إنتشار الفكر المتشدد، لذلك كانت هذه الشبكات تربط الدعم والتمويل بالأيديولوجيا، أن تأخذ الفصائل شعارات دينية، وهذا موثّق في شهادات ومستندات كثيرة، وحقيقةً نجحت التيارات السلفية في ..

 

 

كمال خلف: وبالتالي هنا أستاذ عبدالله تريد أن تقول أن الدعم هو مَن حدد مَن يتسيّد المشهد، إن كانت تنظيمات حرة أو سلفية أو قاعدة أو غيرها.

 

 

عبدالله سليمان علي: أنا أعتقد هو حدد منذ البداية الطابع العام للحراك العسكري في سوريا بأنه طابع سلفي منذ البداية، وهذا كان بلا منازع. ثمّ العامل الثاني الفساد الكبير في مؤسسات المعارضة السورية وفي ما يمكن تسميته الجيش الحر، كان هناك فساد كبير سواء في الجناح السياسي أو في الجناح العسكري، مكتب الدعم والإغاثة في سواء المجلس الوطني أو الإئتلاف السوري له فضائح كثيرة في سرقة الأموال ونهبها، وانعكس ذلك على علاقة هذه الأجهزة مع فصائل الجيش الحر التي لم تعد تثق بالهيئات المعارضة وبالتالي أصبح لديها ميل للتوجّه أكثر نحو جبهة النصرة وداعش وهذا ما شاهدناه حقيقةً عشرات إن لم يكن مئات الفصائل مما يُسمى الجيش الحر، وأنا لا زلت غير مقتنع بتسمية الجيش الحر ولكن العشرات والمئات من هذه الفصائل بايعت داعش وبايعت جبهة النصرة سواءً في دير الزور، سواءً في القلمون، في إدلب، في مناطق كثيرة، وكان هذا نتيجة رد فعل هذه الفصائل على فساد وسلوكيات هيئات المعارضة.

ثمّ أعتقد هناك عامل ثالث ولا يقلّ أهمية هو الفصائل الدينية المتشددة رغم اختلافنا معها ولكن في الحقيقة هي الأقوى قتالاً من بين جميع هذه الفصائل، وهذا ما جعل العديد سواء محلياً وإقليمياً أو دولياً يعلّق آماله عليها بأنها هي القادرة على إسقاط النظام السوري بعد أن مرّت سنوات عديدة ولم تتمكن هذه الجهات من إسقاط النظام، فكان الرهان على أن دعم التنظيمات المتشددة ربّما يسرّع في عملية إسقاط النظام السوري.

 

 

كمال خلف: دكتور حسن أبو هنية هذه العوامل أريد تعليق لو سمحت على عامل التمويل هو مَن يحدد مَن هو الأقوى على الساحة، وكان التمويل السلفي أقوى والذي يذهب بالإتّجاه السلفي وبالتالي صبّ في خدمة تنظيم القاعدة، جبهة النصرة أو حتى داعش، بينما كان على الطرف الآخر مشكلة في عمليات التمويل أو فساد كما ذكر أستاذ عبدالله، كما ذكر الدكتور برهان غليون في كتابه، كما ذكر كثير من قادة المعارضة في تسجيلات أو من خلال مقالات. هل التمويل هو مَن يحدد مَن يتسيّد المشهد، العامل الذي يحدد مَن يستطيع أن يكون الأقوى في الميدان وهذا يعطينا تبريراً أن النصرة وداعش كانتا الأقوى؟

 

 

حسن أبو هنية: ربّما ثمّة كما ذكر الضيوف كل هذه العوامل صحيحة، لكن بالتأكيد الحالة في سوريا كان هناك عوامل ذاتية وعوامل موضوعية، لا ننسى أن الحركات التي نشأت في داخل سوريا خلال هذه الفترة الطويلة ربّما وصلت كما تعلم الحركات ربّما هي الألف فصيل، بمعنى كانت هناك حركات تنشأ على أساس أيديولوجي في مقدّمتها بالتأكيد داعش والنصرة، حركات تنشأ على أساس جهوي أو عشائري أو حتى روابط شخصية، لكن بالتأكيد العامل الموضوعي كان هناك الدعم الإقليمي والدولي كان يفضّل فصائل على أخرى بحسب طبيعة إمتثال هذه للأهداف والأجندة من قبل هذه الدولة أو تلك، لذلك كان هناك تفضيل لبعض الحركات التي هي أقرب للفضاء السلفي الإخواني القطبي، هناك بعض حركات السلفية التقليدية كجيش الإسلام، وهناك حركات كانت تفضّل مثلاً ما يسمى الجيش الحر وغرف التنسيق الأمني كما هو الجبهة الجنوبية، لكن لم تكن المشكلة أنها كانت الحركات الجهادية التي لها أيديولوجيا واضحة ذات طبيعة جهادية سلفية عاملية هي أكثر رسوخاً، إذا نظرت الى جبهة الجنوب التي تشرف عليها غرف الموك كان قد وصل عدد الفصائل الى أكثر من ستين فصيل وكان هناك ستين ألف مقاتل مسجّلين في هذه الجبهة، لكن مع ذلك كان هناك فرع كان يقوده أبو جليديب للنصرة ربّما تجاوز عدده 1500 لكن كان قادر على إنهاء كل هذه الفصائل، وهذا ما حدث في فصائل الشمال وفي الشمال الشرق، كان يسهل على هذه الحركات الجهادية التي تقاتل على أساس أيديولوجي عقائدي أن تنهي هذه الفصائل، وبالتالي بالتأكيد كان هناك في مرحلة من المراحل التمويل والتسليح هو الذي يحدد ويعطي هذه الحركات هذه القوة..

 

 

كمال خلف: لماذا كان تمويل هذه الحركات أفضل من تمويل الكتائب العسكرية الأخرى كما أدى الى غلبتها عليها في ما بعد؟

 

 

حسن أبو هنية: طبعاً، لكن المشكلة أن هذه الحركات الأكثر تجذّراً من ناحية العقيدة والتي استقطبت المقاتلين الأجانب، لا ننسى هناك أناس كانوا يندمجوا في إطار ما يسمى الجيش الحر كتسمية عامة كما ذكر الضيف، ولكن هي كانت معظمها تريد أن تعيش أكثر من رواتب، ولكن لم تكن عليها الأيديولوجيا أو العقيدة القتالية واضحة، على خلاف الحركات المتجذّرة والتي استقطبت مقاتلين أجانب وصلوا ل40 ألف مقاتل وكانوا مستعدين لتنفيذ عمليات ذات طبيعة مركّبة ونوعية منها عمليات إنتحارية معقّدة، لم يكن الجيش الحر أو الفصائل يمكن أن تنفذ مثل هذه العمليات. الكثير من هذه الفصائل كانت فصل ذات طابق إعلامي وهي مرتبطة بالتمويل والتسليح وبالتالي مرتبطة حتى بطبيعة.. لأننا نعرف منذ تشكّل الغرف الأمنية في 2013 كانت إحدى الإشتراطات مقاتلة، الجبهة الجنوبية كانت تقاتل كل الحركات التي تُعتبَر، أي تحوّل المزاج حتى في الدول الإقليمية وأصبحت الأولويات ما يسمى مقاتلة الإرهاب وبالتالي شاهدنا هذه الحركات، وكما قلت من البداية حتى من إنطلاقة هذه الإحتجاجية وعسكرتها وتشكيل هياكل قلت أنه لن يبقى إلا هذه الحركات الجهادية المعولمة والحركات المحلية سوف ..

 

 

كمال خلف: قبل أن أنتقل للأستاذ عمر سؤال آخر يتعلّق بالتمويل والتمكين والى آخره، الإنتقال دكتور حسن للجغرافيا، ما الذي حذا بتنظيم القاعدة أو حتى داعش لوضع الجغرافيا بالأولوية؟ أي السيطرة على مساحات وتكون هي مَن تديرها مباشرةً، وحتى ليس بالإتّفاق مع آخرين، بعد ذلك أصبح هذا الموضوع في دلب وحكومة إنقاذ والى آخره، لكن في ذلك الوقت كانوا هم مَن يديروا هذه المناطق بأنفسهم، التحوّل للإمساك بالجغرافيا ماذا كان يعني بالنسبة لهذه التنظيمات؟ هل فعلاً كانوا متوقّعين أنهم سيقيموا إمارة في سوريا وتستمر وتبقى والى آخره؟

 

 

حسن أبو هنية: بالتأكيد، وبالتالي هو خصوصاً تنظيم دولة العراق الإسلامية التي أنشأ في 2006 ما يسمى دولة العراقي الإسلامية وسيطرعلى مساحات واسعة ولم تتمكن الولايات المتّحدة الأميركية من إخراجه إلا بعد مجيء بيتريوس واعتماده على إستراتجية التدفق بزيادة القوات الى 135 ألف ولكن من قوات أميركية وإدماج ما يسمى الصحوات، أكثر من 125 ألف سواء من صحوات العشائر أو الفصائل، وبالتالي التنظيم كان لديه خبرة مع ما يسمى الخطة الإستراتيجية لتنظيم الدولة، دولة العراق الإسلامية، وأنه ينتقل من النكاية للتمكين ويسيطر على أماكن البعيدة، بمعنى غير مركزية في الهوامش ولكن تحتوي على مصادر نفطية ومصادر الغاز وغيرها من الثروات، لذلك شاهدنا تنظيم الدولة يركّز على هذا الفضاء الجيوسياسي الممتدّ من الموصل الى حلب نظراً للفراغ الزمني، والتركيز بالتأكيد سواء كان في سوريا أو في العراق على حماية ما يسمى في ذلك الوقت، سوريا المفيدة وهي منطقة دمشق والساحل، ولم تكن الأولوية للمناطق البعيدة، لكن بالتأكيد التدخل الروسي ربّما غير هذا المجرى بعد أن كان تدخل التحالف الدولي بعد سيطرة التنظيم على المنطقة منذ سبتمبر 2014 وبالتالي أصبحت أميركا منشغلة في داعش وأولوياتها مختلفة، والنظام أصبح بالتأكيد منشغل بقضايا تصفية..

 

 

كمال خلف: اسمح لي أنتقل أيضاً للأستاذ عمر أسأله عن التمويل، شاهدنا أستاذ عمر كوش تنظيم داعش لديه عربات مدرّعة، آخر طراز، وشاهدنا أيضاً عمليات إحترافية بالتصوير وبالتعامل مع الإعلام وحتى الحرب النفسية والى آخره، بمعنى رغم همجية التنظيم في التعاطي مع السكان، قطع رؤوس وذبح والى آخره، وسنتحدّث عنه لاحقاً، إلا أن التنظيم كانت لديه إمكانات واضحة.

المسألة الأخرى بما يتعلّق بالنصرة رغم أنه أول معسكر أُقيم على الحدود التركية السورية كان معسكر للضباط المنشقين عن الجيش السوري وكانوا يقودون من المفترض أن يقودوا المعارك هناك، إلا أن المعابر آلت في نهاية المطاف الى جبهة النصرة والتي تستفيد الى اليوم من واردات هذه المعابر. كيف استطاعت هذه التنظيمات بالإستحواذ على الموارد، وبالتالي كيف استطاعوا أن يحصلوا على هذا السلاح والمال والعتاد والى آخره؟

 

 

عمر كوش: في الحقيقة هناك أمران مختلفان أو أكثر، بالنسبة للعربات المصفحة الحديثة التي كان يستعرض بها تنظيم داعش في ميادين الرقة وسواها، كانت هي من العراق، معروفة قصة الإستيلاء على الموصل وكيف تمّ تسهيل دخول داعش ب800 مقاتل استطاعوا أن يدحروا أكثر من 30 ألف أو ينسحب أمامهم أكثر من 30 ألف مقاتل عراقي أوامر من رئيس الوزراء في ذلك الوقت، وكيف استولى التنظيم حتى على خزينة الموصل وعلى البنك المركزي وطبعاً مليارات الدولارات وجلبها الى ما يسمى عاصمة الخلافة في الرقّة، وبالتالي هذا الأمر الثاني كما قلت أن الموارد التي دائماً هكذا تنظيمات تبحث أيضاً عن موارد داخلية سواءً بالضرائب أو بالغاز والبترول، لاحظنا أن معظم آبار النفط والغاز في دير الزور وفي ريف حمص وتدمر وشمالها، كلها سيطر عليها وكان يبيع النفط سواءً للنظام أو في الداخل السوري لجان بالمعارضة، وهذا شكّل له مورداً كبيراً جداً، كان يمكنه أن يستغني حتى عن أي دعم خارجي.

أيضاً بالنسبة لجبهة النصرة عندما قاتلت في إدلب لاحظنا أنها استطاعت أن تسيطر على كامل المنطقة وكان في الحقيقة قوات النظام تقريباً تسلّم منطقة تلو الأخرى دون قتال حقيقي ربّما لأهداف معيّنة.

وهنا أودّ أن أذكّر ضيفنا أنه عندما سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي أكثر من مرة قال أنه لولا التدخل الروسي في سبتمبر 2015 لكان سقط النظام في أسبوعين، هذا كلام لافروف وليس كلامي، وبالتالي التدخل الروسي في الحقيقة هو كان في اللحظة الحاسمة ضد الفصائل والجيش الحر من أجل إيجاد معادلة فقط بين المتطرفين والنظام، بمعنى أن يُظهر للعالم أن هناك في سوريا طرفين، النظام والمتطرفين أو ما يُسمى الإرهابيين. لذلك إرهاب النظام بالنسبة للعالم مقبول، بينما إرهاب هذه التنظيمات غير مقبول، لكن الإرهاب هو واحد، مفترَض طبعاً أن يتم التعامل معه سواءً من طرف النظام والميليشيات المتحالفة معه أو التي تدافع عنه، ما يعني قصف المدنيين في السلاح الكيماوي في 2013 في الغوطنتين الغربية والشرقية، أليس هذا أكبر إرهاب يُرتكَب في التاريخ البشري؟ أو في خان شيخون أو غيرها. لكن مع الأسف طبعاً عندما يتخلى العالم عن وظيفته الإنسانية والأخلاقية طبعاً كل شيد يصبح مباح.

 

 

كمال خلف: سنتوقف مع فاصل قصير، بعد الفاصل مشاهدينا سوف نتحدّث بعد أن وصلت هذه التنظيمات الى مرحلة القوة بدأ أيضاً انحسار قدرات هذه التنظيمات، سوف نتحدّث عنها، وأيضاً كيفية تعاطيها أو إدارتها لشؤون المناطق التي سيطروا عليها.

فاصل قصير ونعود.

 

 

فاصل

 

 

كمال خلف: تحية من جديد ضيوفنا ومشاهدينا في القسم الثاني من قواعد الإشتباك التي نراجع فيها الحرب السورية، نتحدّث عن التنظيمات الإرهابية.

أستاذ عبدالله سليمان علي فيما يتعلق بالأداء أو الطريقة التي قدّمت بها هذه التنظميات نفسها سواء كان للمجتمعات المحلية أو حتى للعالم، حقيقةً كنّا نسمع نحن عن تنظيم القاعدة في أفغانستان وقام بعمليات تفجيرية في أكثر من مكان في السعودية، في أوروبا، في أكثر من مكان في العالم، ولكن ما شاهدناه في الحرب السورية حقيقةً لم يكن مسبوقاً، عمليات ذبح، عمليات حرق ناس أحياء، عمليات قتل رؤوس شاهدناه في العراق، أيضاً إغراق ناس وربطهم بالسلاسل وكل هذا. لماذا اعتمد وتحديداً داعش هذا الأسلوب في التعاطي؟ هل هذا كان حقيقةً داعش أم أنه متعمّداً في سياق الحرب؟

 

 

عبدالله سليمان علي: هذه الصورة الوحشية لتنظيم داعش هي إحدى الجوانب التي حرص تنظيم داعش على إبرازها عن نفسه وذلك من أجل تكريس نفسه كأقوى تنظيم في سوريا وربّما في العراق، وبالتالي إحداث موجة من الرعب والخوف سواء في قلوب باقي الفصائل أو في قلب الجيش السوري، وذلك من أجل إستكمال سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية. وهذه السلوكليات التي قام بها تنظيم داعش للأسف لها جذور ثقافية في تاريخنا القريب والبعيد، ربّما هذا الموضوع له حساسية كبيرة ولكن علينا الإعتراف بأن هذه السلوكيات موجودة..

 

 

كمال خلف: جاؤوا بها من نصوص وتفسيرات وفقه والى آخره، هذا مفهوم.

 

 

عبدالله سليمان علي: نعم، والغاية الأساسية هي الرعب والإخافة، ولكن هذا كان أحد الجوانب، هناك جوانب أخرى سعى فيها تنظيم داعش لإبراز صورة مخالفة، غالباً ما يتم التركيز على الصورة الوحشية، ولكن فعلاً بذل تنظيم داعش جهود كبيرة من أجل كسب ربّما حاضنة شعبية حوله قائمة على القضاء على الخدمات، على توزير الزكاة، على غيرها، سعى تنظيم داعش الى كسب بعض العشائر والشرائح الإجتماعية من جهة، ومن جهة أخرى عمل على زرع الخوف والرعب منه في قلوب منافسيه. لذلك كي تكتمل الصورة باتّجاه تنظيم داعش علينا في هذه المراجعة أن نذكر جميع الجوانب أن تنظيم داعش لم يكن من السذاجة في مكان أن يرتكب الأعمال الوحشية فقط، وإنّما عمل أيضاً على ترسيخ نوع من الإدارة القائمة على الشريعة الإسلامية، وهو هنا اعتمد على الشعارات الإسلامية في جذب القلوب والنفوس سواء في داخل سوريا والعراق أو في المجتمعات السلفية سواء العربية أو الأوروبية، وبالتالي سكب مزيد من المقاتلين الأجانب..

 

 

كمال خلف: لكن هنا كنّا نسمع أستاذ عبدالله بأن التنظيم كان في تعامله مع السكان ليس فقط تنظيم داعش إنّما جبهة النصرة أيضاً في المناطق التي دخلوها، كان يُحاسَب الرجل على حمله علبة دخان بالجلد، أو حتى مثلاً كان هناك عقوبات قاسية على إذا تفوّه شخص بكلمات نابية بلحظة غضب أمام كذا يُؤتى به الى ساحة عامة ويُجلَد، سمعنا بطريقة التعاطي إجتماعياً مع المجتمعات كانت الصورة بأن هذه المجتمعات في سجن كبير تحت حكم تنظيم داعش. هل كان هذا لإرهاب السكان أم أنه كان هنالك تصوّر أننا نريد تأسيس دولة تشبه ما قرؤوه في بعض التفاسير والكتب؟

 

 

عبدالله سليمان علي: هذه السلوكيات التي قام بها تنظيم داعش كما قلنا لديها أهداف متعددة ومركّبة، وحقيقةً المبدأ العام أن تنظيم داعش أراد إقامة دولة إسلامية تطبّق الشريعة الإسلامية، بالتالي هو سعى الى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بحذافيرها بما فيها أحكام الخمر والسرقة والزنا والتدخين وغيرها، وهو اعتبر أن هذه الأمور محرّمة وعاد الى تطبيق الحدود كقطع اليد وباقي الحدود والرجم وغيرها، ولكن ربّما هذه الأحكام أثارت خشية ورهبة أغلبية ربّما شرائح المجتمع السوري في سوريا تحديداً خصوصاً أن المجتمع السوري في أغلبيته سنّي صوفي يتبع المذهب الأشعري وبعيد كل البُعد عن الأفكار الوهابية، لذلك كان هنالك صدمة حتى في داخل المجتمعات السنية من تصرفات داعش، ولكن في المقابل علينا الإعتراف أن هناك شرائح وإن كانت ضيّقة كانت ترى أن تكريس داعش للدولة الإسلامية وللشريعة الإسلامية أمر يجذبها وتشجع عليه وربّما تدعمه، لذلك وقفت الى جانب تنظيم داعش وشكّلت حاضنة شعبية له ودافعت عنه حتى في أحلك الظروف، حتى في معركة الباغوز علينا النظر الى هذه المعركة ورمزيّتها ودلالتها، معركة الباغوز فعلاً أثبتت أن حاضنة تنظيم داعش بقيت وفية له حتى آخر لحظة، حتى النساء زوجات المقاتلين الأجانب وعوائلهم عندما خرجوا من تلك المنطقة بقين مصرّين على ولائهم لأبو بكر البغدادي والدولة الإسلامية وتنظيم داعش، وهذا يعطينا فكرة أن فعلاً كان هناك شرائح في المجتمع السوري نجح تنظيم داعش في استقطابها ودمجها في أيديولوجيته وتنظيمه.

 

 

كمال خلف: دكتور حسن أبو هنية ما رأيك بهذا التعاطي ؟ بينما كان تنظيم داعش يمارس ممارسات أعادتنا قرون ربّما الى الوراء، بذات الوقت كان التنظيم لديه تكنولوجيا متطوّرة في تسويق ذاته عبر الإنترنت في استقطاب أيضاً عبر الإنترنت، أي عبر شبكات التواصل الإجتماعي استخدمها بطريقة حاذقة جداً واستطاع أن يستقطب أعداد كبيرة من العالم لمناصرته أو الإلتحاق به في سوريا أو غيرها. بين القرون الغابرة والبعيدة عن العصر والتطور والى آخره، وبين مواكبة التطور بأعماله، حتى خططه العسكرية كانت خطط تعتمد على خطط متطورة جداً.

 

 

حسن أبو هنية: بالتأكيد هذا التنظيم دائماً جدل، هل هو التنظيم تنظيم فعلاً تقليدي أم أنه تنظيم حداثي، لا شكّ أن هذا التنظيم هجين ومزيج ما بين التقليد والحداثة والتحولات، لأنه فعلاً على صعيد التصور لبنية الحكامة والدولة وتطبيقات الشريعة هو يستند فعلاً للفقه التقليدي وخصوصاً بطوره السلفي الوهابي، لذلك كان يطبّق كل هذه الأحكام بشكل واضح، يحتاج للتقليد، لكنه في ذات الوقت تنظيم حداثياً يستخدم كل وسائل الثورة، ثورة الإتّصالات بشكل واضح وكذلك يستند حتى الى مفهوم الحداثية المتعلّقة بالسيادة والدولة، ما يُسمى الدولة الإسلامية بمعنى أنه يستند الى منظومة الدولة القومية وقدّم نفسه كحامي للإسلام أو الممثل الوحيد لإسلام سني تحديداً وبالتالي هو يواجه الصليبيين في الخارج ويواجه الصفوين إقليميًا ويسميهم الشيعة، وكذلك المرتدين من السنة. بالتالي التنظيم كان فعلاً يمزج بين هذا التقليد والحداثة ويحاول أن يبني هذه الدولة التي يسميها الخلافة عبر هذا المزج، كما ذكرت هو طوّر حتى على الصعيد الإعلامي والعسكري طوّر نمط من الحروب الهجينة الكلاسيكية، حروب المدن، حروب العصابات، تجاوزت حتى الأطروحات الغيفارية الماوية. ولذلك التنظيم هو تنظيم فعلاً يعتمد، يحاول في منظومة الخلافة أن يجذب مقاتلين وكذلك متجذّرين وكذلك عن طريق خطاب الحداثة يحاول أن يجذب الجيل الجديد من الشباب، فالتنظيم هو أحد أكثر التنظيمات تطوّراً في مجال الحركات الراديكالية الحديثة، حتى الحركات ذات الطبيعة اليسارية أو القومية أو اليمنية.

 

 

كمال خلف: وصل الى، سأعود إليك دكتور حسن بطبيعة الأحوال ولكن وصل التنظيم الى ذروة قوته، سيطر على مساحات ومدن، حتى ما بين سوريا والعراق، ما بين الرقة والموصل. سوف نعرض مشاهدينا خريطة توزع السيطرة في ديسمبر كانون الأول عام 2015، هذه المناطق التي كانت تسيطر عليها داعش وهي باللون الأسود، لاحظوا المساحة الكبيرة التي كانت تسيطر عليها داعش، بينما اللون الأخضر منطقة سيطرة النصرة، هذه المنطقة من سوريا تقريباً شمال غربها، منطقة إدلب وأرياف حماه وحلب وجزء من ريف اللاذقية، أيضاً هذه منطقة سيطرة الجيش السوري في هذه المنطقة من الشمال حتى الجنوب. تقريباً داعش كان مهتماً بالسيطرة علي المنطقة الشرقية المحاذية على ضفّتي نهر الفرات بل المحاذية للحدود العراقية حيث كان له أيضاً تواجد فيها.

الآن أعرض مشاهدينا خريطة توزع السيطرة على الجغرافيا السورية في مايو أيار 2018، لاحظوا كيف تقلّص حسب هذه الخريطة سيطرة داعش على الجغرافيا، باللون الأسود منطقة سيطرة داعش، النصرة أيضاً تقلّصت مساحة سيطرتها تماماً، بينما اتّسعت مساحة سيطرة الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، طبعاً هذه المنطقة شرق نهر الفرات.

 

يوجد فرق كبير دكتور حسن أبو هنية بين 2015 و2018 في السيطرة، أسباب التراجع والإنحسار بتقديرك؟

 

 

حسن أبو هنية: بالتأكيد مهما كانت قوة التنظيم في النهاية موازين القوى عندما تشكّل التحالف الدولي في 2014 من عدد من الدول وصل الآن الى أكثر من 80 دولة، وبعد عام في أيلول سبتمبر تشكّل تحالف آخر بقيادة روسيا، مهما كان هذا التنظيم، رغم أن هذا التنظيم قد صمد صموداً أسطورياً على مستوى العالم، معركة الموصل كانت إحدى المعارك الحديثة، لم يستطع هذا التحالف بكل ما يمتلك من قوة نارية سواً في الجو، على الأرض، في الموصل كان هناك أكثر من 150 ألف مقاتل من قوات البيشمركة والجيش والحشد العشائري والشعبي، وكانت هناك في الموصل 4500 مقاتل ومع ذلك هذه المعركة استمرت شهور ولم تتمكن قوات التحالف إلا بعد أن دُمّرت المدينة تدميراً شبه كامل، وهذا ما حدث في الرقة. إذاً لا يمكن في نهاية الأمر موازين القوى مهما امتلكتَ من قوة ومن الشجاعة بالنهاية موازين القوى هي التي ستحكم على الأرض، هذا هو السبب الرئيسي وليس هناك سبب آخر.

 

 

كمال خلف: القوة المواجهة لهذه التنظيمات.

أستاذ عمر الآن هناك نظرية التجميع في إدلب، وفقاً لخرائط السيطرة التي عرضناها قبل قليل نجد أنّ جبهة النصرة الآن بالإسم الحالي تحرير الشام متواجدة في إدلب، هل تعتقد أنه ثمّة تجميع المقاتلين الأجانب والمقاتلين التابعين للقاعدة في إدلب لأنها ستكون إدلب النهاية؟ هل تعتقد أن تنظيم النصرة سوف ينتهي كما داعش أم أن يوجد إمكانية لدمجه، محاولات يمكن أن تنجح أو تفشل للتعامل معه؟ أي سيناريوهات ترجّح فيما يتعلّق بالمقاتلين الذين دخلوا الى سوريا ثمّ الآن هم تقريباً في إدلب؟

 

 

عمر كوش: منذ التدخل الروسي وحتى قبل كانت كل المعارك التي كان يخوضها التحالف الثلاثي النظام والإيراني والروسي، كل منطقة يُفرَض عليها شروط الإستسلام أن يُنقَل المقاتلين وذويهم الى إدلب، ومن أكثر من منطقة الأمثلة كثيرة للحقيقة ولا داعي لذكرها، وكانت بالفعل منطقة هي إدلب محافظة جرى تجميع كل المقاتلين الذين كانوا يرفضون المصالحات سواءً من الجنوب أو من الغوطة أو القلمون أو حتى من وادي بردى ومن مناطق أخرى كثيرة تمّ تجميعهم. لكن المشكلة هنا في إدلب في الحقيقة، المشكلة تطلّب جهود كبيرة من أجل حلّها بحيث نتفادى كارثة إنسانية لأن هذه المحافظة، أيضاً لا ننسى أن هناك 4 ملايين إنسان سوري مدني نازح من المناطق الأخرى تحت سطوة المعارك التي كان يخوضها حلف النظام ضدهم، وأيضاً سكان المنطقة الأصليين كانوا موجودين.

 

 

كمال خلف: هل تعتقد أن النصرة تتخلى عن قيادة والسيطرة على هذه المناطق في سبيل الحل أم أنها سوف تتمسك بأن تكون هي المسيطرة وبالتالي تبقى المشكلة؟

 

 

عمر كوش: دول أستانة في الحقيقة كما نعلم درسوا هذا الوضع في عدة إجتماعات وكان الموكَل الى الطرف التركي المعني أكثر من أي طرف آخر كونها إدلب محافظة على حدود الحدود التركية شمالاً، وأي معارك كبرى ربّما تؤدي الى نزوح هذا العدد الهائل وهجرتهم الى الحدود التركية، وربّما من تركيا الى البلدان الأوروبية، وبالتالي تصبح المشكلة في الحقيقة إقليمية ودولية تتطلب حل يتوافق عليه جميع الأطراف، أي سيناريو عسكري سيكون كارثي، لذلك الروس متمهلون طول هذه المدة، وباعتبار أنهم الدول الضامنة مع تركيا وإيران لمسار أستانة أوكلوا للأتراك إيجاد حلاً لهذه المنطقة. الأتراك بذلوا جهوداً كبيرة ولاحظنا أن النصرة كانت في الحقيقة تنصاع لعدد من الخطوات التي اتّخذتها تركيا أو اتّخذتها تركيا وروسيا، منها المنطقة المعزولة التي انسحب منها المقاتلون وسُحب منها السلاح الثقيل، ومنها أيضاً دخول النقاط العسكرية ال12 التركية، وكانت النصرة وغيرها من التنظيمات للحقيقة لم تتعرض لهذه النقاط. وبالتالي إذاً هناك إمكانية لإيجاد حل سياسي لكن الأمر يتطلّب وقت أكثر وربّما يتطلّب جهود أكبر، لا يمكن لتركيا لوحدها أن تحل المشكلة، ولا يمكن لروسيا أو إيران أو النظام أن يحلوا هذه المشكلة لأن هناك أيضاً مجتمع دولي ولاحظنا التحذيرات الأميركية والغربية من مغبّة أي قيام بعمل عسكري ربّما يؤدي الى قتل عدد كبير من المدنيين في هذه المنطقة.

 

 

كمال خلف: طبعاً حاولت النصرة تغيير اسمها، قيل وقتها أنها جاءت بطلب من بعض الدول في الإقليم لتسهيل أن يكن هناك حل سياسي، أو تسهيل التعامل مع النصرة، كان من ضمن هذه الحلول إعلان أمير جبهة النصرة ومحمد الجولاني الذي ظهر علناً وأعلن رسمياً فك الإرتباط عن تنظيم القاعدة وإقامة كيان جديد. سنستمع الى الجولاني في هذا السياق.

 

 

الجولاني: فقد قررنا إلغاء العمل باسم جبهة النصرة وإعادة تشكيل جماعة جديدة ضمن جبهة عملٍ تحمل اسم جبهة فتح الشام، علماً بأن هذا التشكيل الجديد ليس له علاقة بأي جهة خارجية. ويسعى هذا التشكيل الجديد لتحقيق الأهداف التالية: أولاً  العمل على إقامة دين الله عز وجل وتحكيم شرعه وتحقيق العدل بين الناس كل الناس. ثانياً، والعمل على التوحد مع الفصائل لرصّ صف المجاهدين ولنتمكن من تحرير أرض الشام من حكم الطواغيت والقضاء على النظام وأعوانه، قال تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا. ثالثا، حماية الجهاد الشامي والإستمرار فيه واعتماد كافة الوسائل الشرعية المعينة على ذلك. رابعًا، السعي لخدمة المسلمين والوقوف على شؤونهم وأحوالهم والتخفيف من معاناتهم بكافة الوسائل الممكنة. خامساً، تحقيق الأمن والأمان والإستقرار والحياة الكريمة لعامّة الناس.

 

 

كمال خلف: أستاذ عبدالله علي هل يغيّر هذا شيء في جوهر جبهة النصرة؟ هل هذا فك البيعة كان فكاً علنياً فقط ولكن البيعة ضمنية لا تزال لتنظيم القاعدة؟ أم أن هذا قد يكون مقنع لباقي الدول لتغيير التعامل مع النصرة بالتالي يمكن دمجها في حل سياسي يتم الحديث عنه؟

 

 

عبدالله سليمان علي: أولاً بالنسبة لبيعة جبهة النصرة لتنظيم القاعدة في ذلك الوقت عندما غيّرت النصرة اسمها الى جبهة فتح الشام كان هناك غموض كبير في طبيعة العلاقة بين النصرة والقاعدة وزعيمها أيمن الظواهري، وأعتقد الجولاني فقط والحلقة الضيّقة من قادته كانوا فقط يعلمون حقيقة ما سيجري لاحقاً، ولكن كان هناك تشويش كبير حتى كان هناك تسريب من قبَل جبهة النصرة بأنّ إلغاء البيعة هو مجرد إجراء إعلامي لإحتواء الغضب الإقليمي والدولي من جهة النصرة وتصنيفها على لائحة الإرهاب، ولكن حقيقةً تبيّن لاحقاً وخصوصاً عند تشكيل هيئة تحرير الشام من فتح الشام وفصائل أخرى، أن الجولاني ذهب فعلاً الى إلغاء علاقته مع تنظيم القاعدة وبالتالي مع زعيمه الظواهري، حتى سمعنا أيمن الظواهري يتهجّم على الجولاني وتنظيمه وبأنه أصبح أداة عميلة للسياسة الإقليمية والتركية تحديداً. لذلك أعتقد هذه النقطة أصبحت واضحة ولا خلاف عليها.

أما نقطة إمكانية دمج جبهة النصرة أنا أعتقد هذا الموضوع أكل عليه الدهر وشرب، كانت الخطة التركية منذ سنتين وأكثر تقوم على حلّ جبهة النصرة وأن ينضمّ السوريون من جبهة النصرة الى باقي الفصائل ويتمّ تشكيل جسم عسكري واحد وبالتالي هيئة سياسية وإدارية تشرف على حكم محافظة إدلب. ولكن هذه الخطة فشلت فشلاً ذريعاً ورأينا كيف أن جبهة النصرة أحكمت سيطرتها على معظم محافظة إدلب واعترضت كبريات الفصائل الأخرى لا سيّما أحرار الشام وصقور الشام وغيرها وبالتالي أصبح الجولاني هو الحاكم بأمر نفسه في محافظة إدلب وأقام إمارته الإسلامية وإن تحت عنوان حكومة الإنقاذ التي هي مجرد واجهة شكلية. لذلك الحديث عن إمكانية دمج جبهة النصرة أعتقد أصبح خارج الزمان والمكان ولا يمكن تطبيقه. وبالتالي، أنا أعتقد في نهاية الأمر لا بدّ أن تشهد ادلب معركة كبيرة ضد النصرة، قد تكون هناك مناطق يمكن حلها سياسياً ولكن في النهاية بؤر جبهة النصرة لا بدّ أن تشهد معركة كبيرة.

أما بالنسبة لسيناريوهات المقاتلين الأجانب ومصيرهم، وهذه نقطة في غاية الأهمية والخطورة وربّما يلعب عليها الجولاني والعديد من الدول الإقليمية والدولية. الجولاني الآن يعرف أن نواته الصلبة هي من المقاتلين الأجانب، وبالتالي لا يريد التفريط بها، لأنه يدرك أن أي تفريط بهذه القوة سوف لن تذهب، ليس أمامها إلا طريقين، تذهب الى حراس الدين وتبايع القاعدة من جديد، وإما أن تنضم الى خلايا تنظيم داعش في إدلب وبالتالي يقوى تنظيم داعش في إدلب وربّما تكون له الهيمنة. لذلك الجولاني يتبع سياسة مزدوجة مع هؤلاء ويحاول إستقطابهم قدر الإمكان الى جانبه، لذلك نراه يستخدم لغة مواربة لا هو ضد تركيا ولا معها، ولا هو مع أستانة ولا ضده، ولا مع المنطقة المعزولة ولا ضدها، لذلك هو يتبع سياسة مزدوجة وكل غايته المحافظة على نواته الصلبة من المقاتلين الأجانب الى صفّه.

 

 

كمال خلف: دكتور حسن أبو هنية يوجد تنظيمات أخرى أيضاً، نحن تحدّثنا عن النصرة وداعش لكن حراس الدين اليوم لاعب أساسي في مناطق أرياف إدلب وأرياف حماه، ريف حماه الشمالي وأيضاً ريف اللاذقية وأيضاً جسر الشغور، يوجد أيضاً التنظيم التركستاني الآيغور، الصينيون أيضاً موجودون، تنظيم خرسان الذي تحدّث عنه الأميركان أيضاً موجود هناك. ما هي المآلات بتقديرك؟

 

 

حسن أبو هنية: معقّدة بالتأكيد، معضلة الجهاديين الآن في سوريا أصبحت في إدلب، نعلم أنه لم يبقَ غير هذه المنطقة، المنطقة أصبحت مكتظّة جداً بأكثر من أربعة مليون، ويوجد مجموعات عديدة سواء هيئة أحرار الشام، النصرة سابقاً ثمّ فتح الشام، وذلك هذه المجموعات الجهادية بدءاً بحراس الدين الذي انفصل عن النصرة بعد فك الإرتباط مع القاعدة في تموز 2016 وبعد تأسيس هيئة أحرار الشام كانون الثاني يناير 2018، وهذه المجموعة حراس الدين التي تتزعّمها في بلاد الشام بالإضافة الى العريدي وأبو القسام وغيرهما من القياديين، وهناك مجموعات كما ذكرت لأكثر من ثمانية مجاميع سواء الحزب الإسلامي التركستاني، من الآيغور، المقاتلين الصينيين، وكذلك طاجيك عبر كتيبة البخاري أو كتيبة المهارين الشيشان وكذلك ما تبقّى من الأقصى، الليبيين والسعودييين، هناك مجاميع عديدة. هذه معضلة أعتقد كبيرة ولذلك ربّما كانت مسارات أستانة هي التي كانت ينبغي أن تكون بهذا المسار الذي تشكّل من روسيا وتركيا وإيران، هو الذي سيُنهي مثل هذا، لكن لا يوجد هناك ثمّة إتّفاقات حتى الآن لأنه لا تزال الأمور النهائية في سوريا غير محسومة لا قضايا الدستور ولا المراحل الإنتقالية. ثمّ هناك توجّس كبير من الصراع الدولي والإقليمي، بمعنى أن هناك تحولات كبيرة، أميركا الآن تصنّف الحرس الثوري أنه منظّمة إرهابية وهناك صفقة قرن، هناك ادّعاء بانسحاب من سوريا لكن لا يوجد أي نية علي الإنسحاب من سوريا، وبالتالي قوات سوريا الديمقراطية موجد ويسيطر على أكثر من 30% من المساحة، الأتراك مع حلفائهم أكثر من 10% الى 15% وبالتالي ستبقى منطقة إدلب معضلة لوقت طويل، لا أعتقد أنه ثمّة معركة، ربّما يكون في النهاية لكن أنا أعتقد استراتيجية أستانة هي حدثت سابقاً في مناطق أخرى لأنها إستراتيجية تفكيك وتفتيت وفعلاً حاولت تركيا أن تعيد التفتيت وتفكيك هيئة تحرير الشام أو النصرة وتدمجها في إطار ما يسمى مشروع الجيش الوطني ولكن كل هذه المشاريع هي بانتظار الرؤية العامة لسوريا، حتى الآن لا يوجد هناك أي استراتيجية ووضوح تام لمستقبل وجود الأميركي وطبيعة التدخلات الإقليمية تركيا إيران، هذا يحتاج مزيد من التفاهمات، أما في أستانة الأخير لا تزال الأمور تتراوح في مكانها، لا أعتقد في الوقت الراهن أن ثمّة عمل عسكري كبير ولكن ستبقى هذه الدينامية لسنوات.

 

 

كمال خلف: فقط في ثوانٍ دكتور حسن ونحن نتحدّث عن المآلات، فكّ البيعة للنصرة كما استمعنا الجولاني مع القاعدة الحالية، بتقديرك مع هذه السيناريوهات هل هناك رجعة يمكن بتقديرك لتنظيم القاعدة، هل تنظيم القاعدة والظواهري لم يعد يعنيه مصير جبهة النصرة في إدلب أم لا، لا يزال هناك تواصل ولا يزال هناك نوع من الإهتمام بالمصير؟

 

 

حسن أبو هنية: أكيد مباشرةً عندما حسم أمره بتشكيل أو إعطاء الشرعية لتنظيم حراس الدين بتشكيل فرع للقاعدة كان يدرك بأن في النهاية مآلات هذه التكيّفات المجلية لجبهة النصرة، لأن الجولاني عندما أعلن فك الإرتباط كان فكّ ارتباط شكلي بالإرتباط مع تنظيم القاعدة وبمشورة ما يسمى الجهاديين العالميين، ولكن كان فقط لإعلان شكل لتخلص من وصمة الإرهاب من جهة ولإعادة تمكين النصرة من التكيف محلياً وإعادة الروابط مع الفصائل المحلية وكذلك إسترجاع الحاضنة الإجتماعية، كل هذا لم يحصل، كان يراهن تنظيم القاعدة أن … وبالتالي لن يبقى مقاتلين أجانب .. وبالتالي سوف يُعيد تشكيل روابط تنظيم القاعدة بطريقة أو بأخرى.

 

 

كمال خلف: أشكرك جزيل الشكر دكتور حسن أبو هنية الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية من عمّان، الشكر للأستاذ عمر كوش الكاتب السياسي من إسطنبول، أستاذ عبدالله سليمان علي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية من دمشق.

شكراً لكم مشاهدينا والى اللقاء.