لعبة الأمم

برنامج حواري أسبوعي يرصد القضايا والملفات السياسية الساخنة أو الباردة الإقليمية والدولية من منظار جيو - سياسي. يقارب ما تفرضه الجغرافيا بكل عناصرها من متغيرات في تحديد السياسات العامة للدول وبالتالي في رسم الاستراتيجيات السياسية والامنية والعسكرية.

هل ثمة إمكانية لعودة الحوار الإيراني الأميركي؟

لماذا يقترب التأزّم بين إيران وأميركا إلى حدِّ الحرب ثم يتراجع؟ ما هي حقيقة أسباب الخلاف الأميركيِّ الإيرانيّ؟ النوويّ والصواريخ والدور الإيرانيّ، أم ثمة أسبابٌ أخرى أهم وأعمق ولها علاقة بفلسطين. ما هي إمكانيات العودة إلى الحوار، وما هي شروطه من قبل الجانبين؟

 

سامي كليب: أهلاً بكم أعزّائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج "لعبة الأمم" عبر قناة "الميادين". بعد تبادل رسائل عسكرية توحي بأنّ ثمة حرباً وشيكة عاد الطرفان الأميركي والإيراني إلى القول بأنهما لا يريدان الحرب. ذهب الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" أبعد من ذلك، تحدث عن رغبته بالتفاوض وينتظر رداً من (طهران)، وهو ما رفضته (طهران) لإدراكها بأنّ مُعظم شروط التفاوض التي يطرحها الرئيس الأميركي غير مقبولة. أمس أكّد وزير الدفاع الأميركي بعد شهادات أمام الكونغرس أنّ (أميركا) ليست ذاهبة إلى الحرب. وإذا كانت مجلة "تايم" الأميركية قد حسمت أنّ لا خطط أميركية للحرب في الوقت الراهن وأنّ "ترامب" أنّبَ بعض المسؤولين لاندفاعهم صوبها في لغة السلاح فإنّ جريدة "الواشنطن بوست" أشارت إلى صقور في الإدارة الأميركية وإلى دول عربية مثل (السعودية)، (الإمارات)، وإلى (إسرائيل) على أنها الأطراف الأكثر تشجيعاً على الحرب. لكن وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عادل الجبير" كذّب هذه المعلومات قائِلاً: "إنّ بلاده لا تُريد حرباً، إنها ستعمل على منع حدوثها رغم تعرّضها لهجمات خطيرة من الحوثيين. أمام هذه الصورة دعونا نطرح الأسئِلة التالية: ماذا تريد (أميركا) فعلاً من (إيران)؟ ما هي حقيقة فبركة معلومات مُزورة حيالها من قِبَل صقور الإدارة الأميركية و(إسرائيل)؟ هلّ تخشى (أميركا) فعلاً القنبلة النووية والصواريخ الاستراتيجية وتوسُّع الدور الإيراني في المنطقة؟ أم تخشى فقط على (إسرائيل)؟ ما هي إمكانيات التفاوض الإيراني الأميركي وما هي شروط هذا التفاوض في حال استؤنِف؟ ثمّ ماذا عن (إيران)؟ ماذا تُريد من (واشنطن)؟ ما هي الشروط المقبولة وغير المقبولة؟ ما هي علاقتها بالهجمات الحوثية على (السعودية) و(الإمارات)؟ ولو حصل انزلاق نحو الحرب ما هي الاحتمالات حتّى ولو كانت الحرب مُستبعدة حالياً؟ عن هذه الأسئِلة سنُحاول الإجابة في حلقة الليلة من "لعبة الأُمم". يُسعِدني جداً أن أستقبل فيها، من (نيويورك) "سكوت ريتر" وهو كبير المُفتشين الدوليين سابقاً في (العراق)، الرجل صاحب ضمير حيّ، فضحَ كلّ التلاعُب الاستخباراتي الذي أدّى إلى احتلال (العراق) بناءً على كذبتين، وها هو يفضح ما يحصل مرة ثانية بالنسبة لـ (إيران) قبل وقوع الكارثة أن وقعت. من "باريس" يُسعدني جداً أيضاً أن أستضيف للمرة الأولى في البرنامج شخصية أكاديمية رفيعة لها باع طويل في الشؤون السياسية وخبرة طويلة في الشأن الإيراني الدولي، هو الدكتور "علي راسبين" الفرنسي من أصل إيراني، وهو رئيس أكاديمية (باريس) للشؤون الجيو- سياسية. أهلاً وسهلاً بكما وأهلاً واهلاً بكم جميعاً أعزائي المُشاهدين إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم"

المحور الأول

سامي كليب: أهلاً بكم ضيفيّ الكريمين وأهلاً بكلّ المُشاهدين الأعزاء. سيّد "سكوت ريتر" أنا سعيد أن تكون معنا للمرة الأولى في برنامج "لعبة الأُمم". دعني فقط أُعرِّف سريعاً بحضرتك ربما لجيل جديد لا يعرِف الكثير عن تلك الفترة، كنت كبير مُفتشي أسلحة الدمار الشامل في (العراق) 1991-1998، مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية لأكثر من عشر سنوات، شغلت منصب كبير مُفتشي أسلِحة الدمار الشامل في (العراق)، في لجنة "الأُمم المتحدة". في العام 1998 استقلت من اللجنة الأُممية بداعي التدخّل الأميركي في عمليات تفتيش، وفي العام 2002 مثلت أمام البرلمان العراقي وطالبت المسؤولين العراقيين بالسماح بعودة مُفتشي "الأُمم المتحدة" أعلنت معارضتك الواضحة للاجتياح الأميركي البريطاني لـ (العراق) عام 2003. لك مؤلفات عديدة سنُحاول أن نختصر بعضها في هذه الحلقة. دعني أسألك بدايةً، الآن بعد إفادات وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين وأيضاً رئيس القوات المُشتركة الأميركية في المنطقة يُعلِن وزير الدفاع الأميركي، "نحن لسنا ذاهبين إلى الحرب". هلّ نُصدِّق ذلك؟ لا يوجد حرب؟

سكوت ريتر: أعتقد أنه من المؤكد أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تريد حرباً مع (إيران) وخاصة الموظفين العسكريين. عندما كنتُ في "المارينز" شاركتُ في الإعداد لخطط الحرب، لعمليات عسكرية في الخليج الفارسي وأنا على يقين بماهية تبعات الحرب على (إيران)، ويُمكن أن نقول أنّ الولايات المتحدة ليست جاهزة لشن حربٍ على (إيران) وليست جاهِزة لتبعات أيّة حربٍ مع (إيران). لكن دعونا نكون واضحين، لو شكّل تهديداً وجودياً للولايات المتحدة الأميركية أو لحلفائِها فإنّ الحرب ستكون ربما احتمالاً ولكن حالياً المُشكلة بين (إيران) والولايات المتحدة الأميركية هي بطبيعتها سياسية وربما لن تؤدي إلى تحرّك عسكريّ، فبالتالي أنا أعتقد إن المسؤولين العسكريين ووزير الدفاع جادّون في قولهم: "نحن لا نريد حرباً، لكن هذا لا يعني أنه لن تكون هناك حرب! من بين المشاكل التي نواجهها اليوم هي أنّ الولايات المتحدة الأميركية وضعت نفسها في زاوية سياسية ليس هناك فيها أيّ مساعي دبلوماسية. فرضنا الكثير من الضغوط على (إيران) والكثير من الشروط، بالتالي لو لم تستجب (إيران) أو لم توافق على ذلك لن يكون هناك أيّ ربما حل سوى الذهاب إلى حرب حتى وإن لم نكن نريد الذهاب إلى الحرب. إذاً الوضع جدّي جداً

سامي كليب: واضح سيّد "سكوت ريتر" أنّ الرئيس الأميركي قال في البداية ولا يزال يُكرّر، نحن لا نُريد الحرب، نريد الضغوط عملياً على (إيران) ولكنّه كما تفضلت لا يستبعِد احتمال أن تقع الحرب. من الذي يدفعه دفعاً في اتجاه الحرب في الداخل الأميركي وفي الخارِج سواء على المستوى العربي أو على المستوى الإسرائيلي في رأيك؟

سكوت ريتر: هناك بعض المسائِل التي تدخُل في اللعبة هنا. بادئ ذي بدء يجب أن نقول أنّ "دونالد "ترامب" كرئيس يرفُض كلّ شيء قام به الرئيس السابق "باراك أوباما"، كلّ إنجازاته التي حققتها طبعاً إدارة "أوباما" كان أهمهما الاتفاق مع (إيران)، وقال "دونالد ترامب" منذ البداية أنه ضدّ هذا الاتفاق. لم يقل أنّه يريد التخلُّص منه ولكنه الآن يتفاوض على اتفاقٍ أفضل. بالتالي هذه ربما لُعبة سياسية يهدُف فيها "دونالد ترامب" ليُعبِّر عن نفسه وليُبرهِن أنه أفضل من سلفه طبعاً. (إيران) رفضت ذلك واعتبرت أنّ الاتفاق جيّد، بالتالي انسحب بهدف فرض المزيد من الضغوط على (إيران) عبر العقوبات الاقتصادية وللدفع بـ (إيران) للعودة إلى طاولة الحوار. ما شجّعه للقيام بذلك كان دولة (إسرائيل، فـ (إسرائيل) لطالما كانت ضدّ برنامج (إيران) النووي منذ بدايته. كانت دائِماً تُبالِغ في التهديد الإيراني النووي وطبيعته العسكرية رغم أنه ما من أدلّة تُبرهِن هذه الاتهامات، و(إسرائيل) شعرت بالانزعاج الكبير عندما قرر "أوباما" الدخول في هذا الاتفاق، وعندما تولّى "ترامب" سدة الرئاسة فإنّ "نتنياهو" ضغط على "ترامب" للانسحاب من هذا الاتفاق وطبعاً "دونالد ترامب" كان فرِحاً بالقيام بذلك لأنّ ذلك يندرِج في إطار رؤيته التي تهدُف في تمثيله على أنه مفاوِض أفضل من "أوباما". أمّا اليوم فهناك وقائِع تقنية مفادها أنّ "دونالد ترامب" ربما ليس واضحاً. هو يقول إنّ (إيران) هي تهديد نووي عسكري سوف يُبرهِن عن نفسه لو سمحنا لها أن تقوم بتطوير وتخصيب اليورانيوم والقيام بالكثير من التدابير بعد أيضاً انقضاء البند 107 بعد عدة أعوام. إذاً لو سُمِح لـ (إيران) مثلاً أن تكون لديها أجهِزة طرد مركزي حديثة وتخصيب اليورانيوم إلى درجة مُعيّنة فإنّ ذلك سوف يؤدي إلى تهديد وجودي وطبعاً حشرته في الزاوية لأنه بعد انسحابه من هذا الاتفاق فإنّ (إيران) تُهدد بالقيام بالأمر الذي يقوله "دونالد ترامب" وأنّه سوف يكون سبباً في الحرب. بالتالي، حتّى وإن كان "ترامب" يلعب لعبة سياسية داخلية لنسف هذا الاتفاق الذي قام به "أوباما" ومُمارسة الضغوطات لتغيير هذا الاتفاق ولا يزال يدفع في اتجاه مواجهة عسكرية ولكن النتيجة النهائية قد تكون الوصول إلى هذه المواجهة العسكرية لأنّه حدّد المُشكلة التي سوف تُعبِّر عن نفسها وتتضح في الطريقة التي قالها، وأنّ ذلك سوف يؤدّي إلى مُشكلة سياسية

سامي كليب: على كلّ حال سوف أطرح عليك بعض الأسئلة بعد قليل مما ذكرته حضرتك حول بعض تركيبة الإدارة الأميركية، حول أطراف أُخرى كما تفضلت. تحدثت الآن عن أن (إسرائيل) تضغط على الرئيس الأميركي لكن دعنا نُرحِّب الآن بضيفنا الثاني من (باريس) الدكتور "على راسبين" وهو رئيس أكاديمية الجغرافيا السياسية في (باريس)، اختصاصي في الشؤون الإيرانية ووسائِل الاستراتيجيا والطاقة في الشرق الأوسط، مدير إصدارات أكاديمية الجغرافيا السياسية في (باريس)، مدير المجلّة الجيو استراتيجية الصادرة عن مركز الدراسات الاقتصادية الدولية. سعيد أيضاً سيّد "راسبين" في أن تكون معنا في هذه الحلقة. حضرتك تستبعِد الحرب بين (أميركا) و(إيران)؟

علي راسبين: نعم شكراً جزيلاً. بدايةً بالنسبة إلى (إيران)، على المُستوى الرسمي والإيرانيين كشعب هم بالطبع لا يرغبون بخوض أية حرب فقد عرفوا الحرب طوال ثماني سنوات، وخلال ثماني سنوات كان الإيرانيون ضحية حربٍ فُرِضت عليهم من الجانب العراقي ومن جانب العرب بصورة عامة أسوةً بالسواد الأعظم من الدول الغربية. بالتالي لا شكّ في أنّ الإيرانيين قد عرِفوا تجربةً مريرة في إطار الحرب ولذلك هذه التجربة تعطيهم ربما بعض بُعد النظر للتفكير ملياً مرة ومرتين وأكثر، للتفكير في هذه الحرب وآثار هذه الحرب التي لا شكّ في أنها ستُخلِّف الآثار والأضرار الكبرى، ولا شكّ في أنّ (إيران) تُفكِّر كذلك في علاقاتها مع جوارها. والانشغال الثالث يطال مسألة أُخرى مفادها أنّ هذه الحال من شأنها أن تكون هديةً على طبقٍ من فضة بالنسبة إلى أعداء (إيران). بالتالي الإيرانيون والسلطة في (إيران) ليسوا من دعاة الحرب ولا يرغبون في حرب ولكن في حال فُرِضت حرب على (إيران) لا شكّ كذلك في أنّ كلّ الإيرانيين، بغضّ النظر عن انتماءاتهم وبغض النظر عن توجهاتهم الفِكرية أو الفلسفية سنراهم يصطفون خلف السلطات الإيرانية لكي يُدافعوا عن أرضهم وعن بلدهم. وعلى المُستوى المبدئي الولايات المتحدة الأميركي و(إيران) ليسا في مكانةٍ تخوّلهما أن يخوضا الحرب. لكن المسألة الأساسية ليست هذه، "بيت القصيد" هو أنّه في حال قررت (إيران) أن تنسحب من الاتفاق بدورها فما الذي سيحدُث؟

سامي كليب: نعم أوكي. حسناً، حتّى الآن لا تريد (إيران) أن تنسحب وسنعود إلى هذه المسألة سيّد "راسبين". سأعود إلى السيّد "سكوت ريتر" كبير مفتشي الأُمم المتحدة سابقاً. سيّد "ريتر"، تقول في مقالٍ لك، آخر مقال على ما أعتقد نشرته بعنوان: "هلّ الولايات المتحدة مستعدة لحرب "جون بولتون" مع (إيران)"؟ ركّزت على "بولتن" مستشار الأمن القومي وعلى وزير الخارجية "مايك بومبيو" وعلى نائِب الرئيس "مايك بنس" وتحدثت عن معلومات مُفبركة تصل إلى الرئاسة الأميركية وتقول وتؤكِّد أنّ مصدر هذه المعلومات هي (إسرائيل). هلّ فعلاً نحن نُكرر الآن السيناريو العراقي بمعلومات مُفبركة حول (إيران)؟ أم فعلاً (إيران) مُقلِقة للأميركي؟  

سكوت ريتر: ما من شكّ في أنّ الولايات المتحدة الأميركية تدفع في اتجاه سياسة مبنية على معلوماتً مُشوّهة. في حال أرادت الولايات المتحدة الأميركية أن تشنّ حرباً على (إيران) وكان هناك الكثير من الحديث الذي صدر عن الرئيس وإدارته يشير بأنهم كانوا يستعدّون لاحتمالية الحرب، فهذه الحرب يجب أن يتم بيعها، إقناع الشعب الأميركي بها، إقناع الداخل الأميركي بهذه الحرب. وهذا لن يحصل في حال قالت الإدارة الأميركية الحقيقة عن الحقيقة طبعاً الإيرانية. إن قالت الحقيقة فإنّ الداخل الأميركي لن يدعم هذه الحرب، بالتالي على الإدارة الأميركية أن تُضخِّم هذه التهديدات، أن تخترِع وتنسُج ربما المعلومات التي هي ليست صحيحة، المتلاعب بها لأنّ الولايات المتحدة الأميركية لديها قدراتها الاستخباراتية في الشرق الأوسط وتُركِّز على (إيران)، وأهمّ ما في الأمر بالنسبة لـ "ترامب" هو أنّ الأميركيين طبعاً مهنيون جداً وفي حال لم يروا أي تهديد فسوف يقولون: "ليس هناك أيّ تهديد، لماذا التدخل العسكري"؟ ولكن عندما تصلنا المعلومات الاستخباراتية من جهات أُخرى مثل (إسرائيل) مثلاً نحن لا نطرح الأسئِلة ولا نتساءل أكثر عن الأسباب التي دفعت في اتجاه هذا التحليل بل سوف نُركِّز فقط على التحليل الذي وصلنا، التحليل الاستخباراتي، بالتالي يقوم أشخاص مثل "بولتن" بإساءة تمثيل الحقيقة وتحليل وجود الصواريخ وتجهيزات الصواريخ والقول أنّ هذا يُشكِل تهديداً لمصالِح الولايات المتحدة الأميركية، والولايات المتحدة الأميركية بالتالي يجب أن يكون هناك تدخُّل عسكري ليتمكّن "ترامب" وإدارته من استخدام كلّ هذه المعلومات لتعليل الحرب. الأمر لا يتعلق بالتلاعب بالاستخبارات الأميركية كما كانت الحال بالنسبة لـ (العراق) ولكن يتعلق بجهات معيّنة داخل الإدارة يستخدمون الاستخبارات التي تصلهم من (إسرائيل) أو من جهة أُخرى والتي طبعاً تمّ التلاعب بها عن قصد للوصول إلى خلاصة معينة نريدها، بالتالي ليس هناك أيّ تهديد يستدعي الحرب على (إيران)، وأعتقد أنّ هذه الحقيقة واضحة وكان على الإدارة الأميركية أن تذهب إلى الكونغرس وتبيع فكرة الحرب وتُقنِع الكونغرس بفكرة الحرب وكان عليهم أن يقوموا باستخدام هذه المعلومات أو الاستخبارات التي تمّ التلاعب بها ليقنعهم بأنّ ذلك يستأهل ويستحق كلّ الإنفاق والتضحية بأرواح الأميركيين وكل ذلك، وهذه من بين الأسباب التي ترينا تراجع الإدارة الأميركية عن موقفها لأنها لم تتمكن من إقناع الداخل الأميركي بهذا التدخل

سامي كليب: أوكي. سيّد "راسبين" أنا كنت سأطرح عليك سؤالاً آخر ولكن حصلت مُشكلة بسيطة تقنية في التواصل

علي راسبين: راشتبين، راء ألف سين تاء باء

سامي كليب: راستبين، اعذرني لأنني في لفظ الإيراني ربما أُخطئ، معك حق " راستبين"، حسناً، سيد "راستبين"، سؤالي لك، كنت تتحدث عن إمكانية ماذا لو انسحبت (إيران) من الاتفاق النووي، حتّى الآن (إيران) تقول إنّها لن تنسحب ولكن في الوقت نفسه تقول، نحن لن نستجيب لطلبات "ترامب" حالياً بالتفاوض لأنّ الشروط غير مُكتملة وهو لا يحترِم (إيران). في المقابل نلاحِظ أنّ ثمة دولاً تقول إنّ (إيران) توسِّع دورها في المنطقة و(إيران) لا تلتزم بحدود ولا بخطوط حمراء وما عاد عندنا إلّا الحرب ضدها لتقليم أظافر (إيران) كما يقول بعض المسؤولين سواء في دول الخليج أو في (إسرائيل). دعنا نتحدث عن الشروط المطلوبة الإيرانية من الأميركي لكي يعودوا إلى التفاوض؟ ماذا تريد (إيران)؟ يعني لماذا لا تقبل التفاوض الآن مع "ترامب" طالما هو قال: "تعالوا نتفاوض"

علي راستبين: ليست (إيران) التي ترفض التفاوض فقد قبلت دوماً بالتفاوض وقد تمّ التوصّل عبر هذا التفاوض بعد اثني عشر عاماً إلى اتفاقٍ بوجود دول عدة وجرت المُصادقة عليه عبر قرارات الأُمم المتحدة وحتّى قبل عهد الرئيس "أوباما" (إيران) تابعت وواصلت كلّ الجهود المطلوبة واحترمت المطلوب. حتّى "أوباما" بدوره احترم هذا الاتفاق لكنّ الانتخابات الرئاسية للرئيس الحالي بدّلت الأمور وقد توعَّدَ منذ إنتخابه أنه ينوي أن يُمزِّق الاتفاق ، والإيرانيون لم يرغبوا يوماً بالانقضاض على المُفاوضات، لطالما كانوا يرغبون بالتفاوض لكنهم اليوم بالطبع يتساءلون، "التفاوض مع من"؟ لا شكّ أنه في نظر الإيرانيين النظام الأميركي الحالي قد فقد مشروعيته، فهذا القرار الذي جرى التوصل إليه هو قرار صادقت عليه الأُمم المتحدة عبر مجلس الأمن وعندما نرى أنّ دولة لا تحترم هذا الاتفاق على أيّ أساسٍ نتفاوض معها؟ وبناءً على أيّة ضمانة؟ بالتالي، الإيرانيون كانوا دوماً ملتزمين بهذا الاتفاق وكذلك كانوا دوماً من دعاة التفاوض، فبالنسبة إلى الإيرانيين أساساً المفاوضات هي مسألةٌ حاسمة، كلّ المفاوضات

سامي كليب: حسناً، لا مُفاوضات سيّد "راستبين" اسمح لي بالمقاطعة، لا مفاوضات ولا حرب، هلّ (إيران) تستطيع أن تتحمّل الوضع، الوضع الاقتصادي خصوصاً الآن الخناق يضيق عليها، الحصار صار كبيراً كما يقول الأميركي نفسه، وآخر التصريحات الأميركية تقول، "الآن استطعنا أن نمنع (إيران) من القيام بأيّ عمل وهذا كان المطلوب، لا نُريد الحرب ولكن منعناها من أن تقوم بأي عمل. هلّ تستطيع (إيران) أن تتحمّل إذا لا مفاوضات ولا حرب؟ 

علي راستبين: نعم، لكن تعرِفون جيداً أنّ العقوبات الاقتصادية الأميركية قد ألحقت الضرر بالإيرانيين وأدّت إلى الوضع المتدهور حالياً، لكن على الرغم من كلّ الصعاب وعلى الرغم من كلّ المشقات التي عاشها الإيرانيون لن يتفاوضوا. يتفاوضون على ماذا؟ يتفاوضون على قرارٍ واتفاقٍ تفاوضوا عليه على مدى اثني عشر عاماً؟ حالياً الإدارة الأميركية بكلّ بساطة ترغب في أن تلتقط صورةً للذكرى، لا أن تخوض المُفاوضات، فالتفاوض على ماذا؟ الرئيس الحالي يتمتّع بعناصر ثلاثة يقترحها على الإيرانيين، بدايةً بالنسبة إلى الملف النووي يعتبر الرئيس الأميركي أنّ هذا الاتفاق النووي مُحدد لمهلةٍ من عشرين عاماً أو 25 عاماً أو ثلاثين عاماً لكنّ الرئيس الحالي يقول: دعونا نتفاوض على قرارٍ من دون حدودٍ زمنيّة، هذه مسألةٌ لا يقبل بها الإيرانيون بالطبع. ثانياً يريدون أن يتفاوضوا كذلك على السياسة البالستية، والصواريخ البالستية الإيرانية علماً أنّ هذه القُدرة البالستية هي العُنصر الوحيد الذي يسمح لـ (إيران) بالدفاع عن أراضيها الوطنية. تعرِفون جيداً مثلاً أنّ (إيران) قد تعرّضت لهجومٍ من جانب "صدّام حسين" ووقتها لم نرَ أي بلد أجنبي، أي بلد غربيّ أو عربي يُقدِّم أيّ مُساعدة لـ (إيران) للدفاع عن نفسها. (إيران) كانت في وضعٍ صعب إلى حدٍّ كبير، وانطلاقاً من هذه التجربة هي مُضطرّة للدفاع عن نفسها وأن تتزوّد بالمقدرات المطلوبة للدفاع عن نفسها بواسطة هذه المنظومة الصاروخية البالستية التي لا تُشكل أيّ تهديد لا بالنسبة إلى الجيران وإلى دول أُخرى، وقالوا أنّ هذه المنظومة تُشكلُ تهديداً بالنسبة إلى (إسرائيل). هذا غير صحيح وليست كذلك تهديداً بالنسبة إلى (السعودية). لماذا (إيران) تُشكلُ تهديداً؟ (إيران) اختارت بكلّ بساطة سياسة دفاعية بالستية لكي تُدافع عن مصالحها ولكي تُدافع عن أمنها الوطني. العُنصر الثالث والأخير هو العُنصر المرتبط بالسياسة الإقليمية لـ (إيران) وما الذي نعنيه بذلك، نعني الجوار، نعني (العراق) والعلاقات كذلك مع (لبنان) و(سوريا) و(اليمن)، وما الذي فعلته (إيران)؟ منذ الأزل والإيرانيون يدعمون العراقيين. لن نتحدث فقط عن حقبة الثورة الإسلامية، حتّى قبل ذلك وحتى خلال حقبة الصفويين عام 1500 كانوا من داعمي دول الجوار، حتّى مع الحوثيين. لن نتحدث عن علاقات موجودة منذ مئة عام بل هي أطول من ذلك وأقدم من ذلك بكثير. نتحدث إذاً عن النفوذ الثقافي الإيراني الذي يُشكل التهديد وهذا لا يُمكن لنا ولأي أحد أن يجتثه في توقيعِ على قرارٍ هنا أو هناك

سامي كليب: أوكي. سيّد " راستبين" ربما، اسمح لي، ربما في الجزء الثاني من البرنامج سنتحدث عن الدور الإيراني وأهمية الدور وأهمية ما يُقال ضدّ هذا الدور خصوصاً أنّ الدول العربية التي تقول إنّ (إيران) تتمدد في مُحيطها وصار لها دور مُهدّد، وبعض المسؤولين الإيرانيين تحدثوا عن السيطرة على أربع عواصم عربية وأثارَ الأمرُ استياءً. إذاً أيضاً، لا نتحدث نحن عن حمامة سلام فقط، سنتحدث عن الدور الإيراني إذا كان فعلاً معها حق هذه الدول في القول عن الدور الإيراني هذا أم لا ولكن هلّ هذا الدور هو سبب الحرب؟ هنا السؤال. سأعود إلى السيّد "سكوت ريتر"، في كتابك سيّد "ريتر" المعنون بالإنكليزية "تارغت – إيران" أو "استهداف إيران" أو "(إيران) الهدف" تتحدث عن شخصية "بولتن" كأنه المقرر الأساسي حالياً في ما يحصل إلى جانب الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" رغم أنّك تتحدث عنه منذ سنوات، ولكن هو الآن في قلب القرار، هو مُستشار الأمن القومي. تقول عنه التالي، ولو كان عربياً قال هذا الكلام لقامت القيامة في الواقع. حضرتك مسؤول أميركي سابق ومسؤول أُممي سابق وتقول التالي عن "جون بولتن". تقول: هو يحتقر الأُمم المتحدة. إنّ ميوله إسرائيلية طاغية، فهو ساهم مثلاً في العام 1991 في إلغاء قرار الأُمم المتحدة الذي يُساوي بين الصهيونية والعُنصرية، علاقته بـ (إسرائيل) جعلت يحتقر حتّى السياسة الأميركية الرسمية، وهو أميركي. مَنَع التقارير التي تنتقد (إسرائيل) من الوصول إلى مكتب وزير الخارجية الأميركي، مثلاً حين اغتالت (إسرائيل) "صلاح شحادة" القيادي في حركة "حماس"، كان يُشارِك في عشرات اللقاءات مع الإسرائيليين وزار (إسرائيل) عشرات المرات من دون إذن من وزارته. بعد احتلال (العراق) وهنا نُقطة مهمة تقول، بعد احتلال (العراق) وإسقاط "صدّام" ذهب "جون بولتون" لعند "آرييل شارون" وقال له، الآن بعد أن نظّفنا (العراق) سنهتمّ بـ (سوريا) وبـ (إيران). حسناً، إذا كانت هذه الشخصية الآن هي من أصحاب القرار إذاً الخطر قائِم، لا يزال قائِماً على (إيران) على المُستوى العسكري، والتردد ربما يكون بسبب القلق من ردة الفِعل الإيرانية العسكرية وليس عن حُسن نوايا عملياً

سكوت ريتر: أولاً يجب أن نقول أنّ "جون بولتن" ليس صانعاً للقرار وهو مستشار وليس لديه أيّة سُلطة قانونية لاتخاذ القرار، لا يُمكنه أن يستخدم الموازنة ولا يُمكنه أن يُصدِر أوامر للقوات العسكرية فهذا دور وزير الدفاع أو وزير الخارجية أو أشخاص آخرين طبعاً حصلوا على الموافقة من المجلس. إذا "بولتن" ليس من هؤلاء، هو مُستشار، هو يتحدث في أُذُن الرئيس ولكن من الأمور الغريبة هنا أنّ "دونالد ترامب" ليس من الأشخاص الذين يُحبون "بولتون". إذاً لم يكن "بولتن" من داعمي "دونالد ترامب" وكان "بولتن" يقول إنّ "دونالد ترامب" مبتدئ، هو شخص لو تم انتخابه فسيُلحق الأذى بالولايات المتحدة الأميركية، والكثير من مواقفه كانت مُضادة لـ "دونالد ترامب" ولما يريد "دونالد ترامب" القيام به. لكن المهم بالنسبة لـ "بولتن" هو أنّ لديه شعبية كبيرة بين المُحافظين، وقاد المُحافظين في (أميركا) والأشخاص الذين يضعون (أميركا) أولاً. معنى ذلك أنه لا يقبل بأي سلطة خارجية تمنع الولايات المتحدة الأميركية من أن تقوم بما تُريد ساعة ما شاءت، لذا هو ضدّ الأُمم المتحدة التي تُقيِّد أحياناً يد أو يدي الولايات المتحدة الأميركية، وهو لا يعتقد أنّ الولايات المتحدة يجب أن تسمح لأيّ اتفاق بأن يُقيِّد سُلطتها وقوّتها، لذا هو من داعمي العلاقات القوية مع حلفاءٍ معينين مثل (إسرائيل) وأنه يجب على (أميركا) ألّا تعتذر عن هذه العلاقات. إذاً هذه مُعتقداته الأساسية. هو يعتقد أنّ نظام الحُكم في (إيران) يجب أن يتم التخلص منه لأنه، وتحدث عن هذا الموضوع بشكلٍ دائِم قبل أن يُصبِح مُستشاراً للأمن القومي. إذاً مُعتقداته الشخصية كمُستشار يجب ألّا تؤدّي أيّ دور في الاستشارة التي يُقدمها للرئيس وهو يقول ذلك ولكن أنا لا أُصدِّق لأنني أعتقد أنه يدفع الرئيس في اتجاه السياسة التي تهدف لمواجهة (إيران) عسكرياً والدفع نحو تغيير سياسي وتغيير النظام في (إيران). هذا ما يريده "بولتن" لكن هو ليس صانِع قرار ولا يُمكنه أن يأخُذ القرارات نيابة عن "دونالد ترامب"، بالتالي لذا "دونالد ترامب" كان متردداً ربما في انتهاج هذه المواقف السياسية التي ينصح بها "بولتن"

سامي كليب: أوكي. لحظات أعزّائي المُشاهدين وضيفي الكريمين ونعود إليكم لمواصلة الأسئِلة حول هلّ ثمة احتمال الآن، طالما ضيفانا يستبعدان الحرب في الوقت الحالي، ولكن يقولان أنّ كلّ شيء مُمكن أن يحصل. ماذا عن التفاوض، ماذا يمنع الآن أن يعود الطرفان الأميركي والإيراني بعد الاتفاق على شروط معينة، بعد تدخُّل بعض الدول التي أعلنت في الواقع صراحةً أنّها تتدخل للتوسُّط بين الجانبين أن تخف هذه الشروط ويعود الطرفان إلى التفاوض رغم العقبات الكبيرة الواضحة حالياً. لحظات ونعود إليكم  

المحور الثاني      

سامي كليب: أهلاً بكم مُجدداً أعزّائي المُشاهدين لمواصلة هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" عبر قناة "الميادين". معنا ضيفان مهمان في هذه الحلقة نتحدث معهما عن احتمالات الحرب والتفاوض بين (أميركا) وبين (إيران). ضيفانا، كبير مُفتشي الأُمم المتحدة سابقاً السيّد "سكوت ريتر" يستبعِد الحرب في الوقت الراهن لكنّه يقول إنّ الاحتمال قائِم، والسيد، عفواً اسمح لي سيد "علي" أنا في كلّ مرة أُخطئ في اسمك، اعذرني على الاسم، السيد "علي راستبين" هو مدير الأكاديمية الجيو سياسية في (باريس) وهو فرنسي من أصل إيراني وله أيضاً تحليل مهم جداً حول ما يحصُل؛ يقول إنّ (إيران) لم ترفِض أبداً التفاوض ولكن الآن على ما تُفاوض و(أميركا) أو إدارة "ترامب" هي التي خرقت كلّ المُفاوضات؟ السيّد "راستبين" دعني أسألك الآن، ثمة كلام يقول أنّ كلّ هذا التصعيد في الأساس لم تكن الرغبة منه هي الحرب وإنما الدفع في اتجاه المُفاوضات مع (إيران) ولكن بشروط أميركية حالية. في المقابل ثمة من يقول أنّ كلّ هذا الضجيج يُخفي خلفه تمرير صفقة القرن. ولذلك نرى اجتماعات تتكثف، ثمة من يُشير إلى أنه بعد كلّ هذا التصعيد الآن توجد قمة اقتصادية أو اجتماعات اقتصادية مهمة في (البحرين) تدعو إليها (أميركا) تحت ذريعة مُساعدة الفلسطينيين والفلسطينيون يرفضون ويقولون أنّ هذا جزء من صفقة القرن المُقبلة. ما هي علاقة التصعيد الأميركي بـ (إسرائيل) في رأيك سيد "راستبين"؟

علي راستبين: تعرفون بشكلٍ جيد أن الأميركيين قد اعتادوا في الواقع أن يُقرروا بالأصالة عن الجميع، من دون أن يسألوا حتّى رأي الدول المعنية. فقد قرروا مثلاً مصير (الجولان)، وقرر الأميركيون كذلك أن ينقلوا السفارة وأن يُبادلوا كلّ مصير القضية الفلسطينية من دون أن يتواصلوا أو أن يستشيروا حتّى مع السوريين والفلسطينيين، واليوم مرة أُخرى نراهم يتفاوضون مع بعض البلدان العربية من أجل التفاوض ولكن على ماذا؟ من يُمكنه أن يضمن هذه المُفاوضات. هو الشعب الذي لا بدّ من أن يُظهِر ردة فعله وأن يقبل مثلاً أن يعيش في أجواءٍ من التعايش والوفاق. لا يُمكن لنا مثلاً أن نفرض السلام المُسلّح. لا يُمكن للسلام إلّا أن يتحقق من خلال الأجواء الوفاقية حيثُ مثلاً يكون الجوار مُحترِماً بعضه للبعض الآخر ويُمكن بكلّ بساطة للولايات المتحدة الأميركية أن تُملي على أيّ دولةٍ أن تقبل بشروط السلام في هذه المنطقة لا سيما وأننا نتحدث مثلاً اليوم على مُستوى مجلس التعاون، عن دولٍ عربية غير قادرة حتّى على أن تتحاور في ما بينها. وحتّى داخل مثلاً منظمة العمل الخليجي الدول منقسمة على ذاتها من جهة بين (السعودية) و(الإمارات) و(البحرين) وهي تعمل بشكلٍ مُطلق للولايات المتحدة الأميركية، وفي المقلب الآخر لدينا مثلاً سلطنة (عُمان) و(الكويت) وفي شكلٍ أساسي (قطر) التي لا تتبع مُباشرةً النهج نفسه ولا تتبع التوصيف نفسه الذي قرر الأميركيون أن يخطوه وأن يملوه وأن يطبقوه على المنطقة. بالتالي أعتقد أنّ الوقت قد حان لكي يسمح الأميركيون لشعوب المنطقة بأن تُقرر مصيرها

سامي كليب: حسناً، سيد "سكوت ريتر"، طبعاً أنا أستنِد إلى ما تتفضل به حضرتك في كتبك وفي مقالاتك لكي نُغني هذا النقاش لأنك قلت الكثير في الآونة الأخيرة. أشرت مثلاً إلى فبركات إعلامية، خصوصاً ما وصفته بالخبر السخيف من شبكة "سي أن أن" حول تحريك (طهران) بطاريات صواريخ بالستية قصيرة المدى على متن زوارقها إلى بحر الخليج. ونُلاحِظ أنّ الكونغرس الأميركي، أربعمئة من أعضاء الكونغرس وقّعوا في مطلع الأُسبوع قبل يومين رسالة خطية يُطالبون "ترامب" فيها بدعم (إسرائيل) ويقولون أنّه بعد انتهاء الحرب في (سوريا) لا بدّ من الضغط على (إيران) ولا بد من حماية حليفتنا (إسرائيل) برسالة، وطبعاً من الموقعين على الرسالة "أليوت إنغل" الذي نراه دائِماً يوقِّع على مُعظم الرسائل التي لها علاقة بالحروب الأميركية في المنطقة العربية أو ضد الفلسطينيين أو ضد (العراق) أو ضدّ "حزب الله"، يعني تعرِف أكثر مني هذا الوضع. إذاً الآن السؤال، هلّ "ترامب" تراجع عن لغة الحرب قلقاً من احتمال ردّة الفعل الإيرانية على الحلفاء من الخليج حتّى (إسرائيل)؟ أم من البداية لم يشأ الحرب وهو رفع مُستوى التصعيد العسكري فقط كرسالة من أجل التفاوض؟

سكوت ريتر: "دونالد ترامب" ترشّح إلى منصب الرئاسة تحت شعار أنه لن يكون الشخص الذي سوف يستمرّ في المُشاركة في هذه الحروب غير الشعبية في (العراق) وفي (سوريا) وفي (أفغانستان) وأنه سوف يخرُج وينسحب من هذه الحروب ولن يُدخلنا ويُقحِمنا في حروب جديدة. إذاً "ترامب" يفهم أننا مع اتجاهنا إلى الانتخابات في 2020، الانتخابات الرئاسية، ومع دخوله ولو دخل في حربٍ مع (إيران) فإنه سوف يفقد كلّ حظوظه في الفوز بالانتخابات في 2020. ولكن، "ترامب" في موقفه الأساسي، هذا الموقف ينبع من وجهة نظره كشخصية ربما رجل الأعمال ربما أو الشخص الذي يقوم بصفقاتٍ تجارية، والنجاح الاقتصادي لو حققه فسوف يحصل على موافقة الجميع وهذا يُعبِّر عن جهله للسياسات في الشرق الأوسط. لا يفهم أنّ (إيران) تعيش في منطقةٍ أو موجودة في منطقة تعتبرها دولة عدوة أو خطِرة من قِبَل الكثير من الدول المُجاورة، وكانت هناك حروب أدت إلى مئات آلاف القتلى وأنها كانت مُضادة لنظام "طالبان" في (أفغانستان) ودائِماً محاطة بالأعداء، ودخول (العراق) واحتلال (العراق) كان يسمح لـ (إيران) بأن تملأ هذا الفراغ وتُحسِّن ربما الوضع الأمني. الأمر لا يتعلق بأنّ (إيران) تُريد أن توسِّع نفوذها بل أنها تقوم بتعبئة الفراغ الذي تمّ تركُه، وهي تقوم ربما بتأمين حدودها من خلال التدخل في تحديد الحكومات التي تُجاورها. إذاً (إيران) لم تتدخل في (اليمن) بينما المملكة العربية السعودية اجتاحت (اليمن)، و(إيران) تُساعِد الحوثيين ليس لمواجهة السعودية بل لمُساعدة هذه أو هؤلاء على الدفاع عن (اليمن). هذا ما لا يفهمه "دونالد ترامب"، لا يفهم أنّ القدرات البالستية الإيرانية هي الشيء الوحيد الذي يُعطي لـ (إيران) القدرة والنفوذ في المنطقة. فهي من دونها لا يُمكنها أن تقوم بذلك، إذاً (إيران) بهذه القوة البالستية يُمكنها أن تستهدف المصالِح الأميركية في المنطقة، أن تُقفل أنابيب النفط، أن تقوم بأُمورٍ كثيرة ولكنها لا تقوم بذلك. لكن "ترامب" لا يفهم هذا الواقع، كلّ ما يُفكِّر فيه هو أنّني لو جلبتكم وجعلتكم تجلسون إلى طاولة حوار فإنني سأُخفف العقوبات الاقتصادية، سوف أسمح لكم بأن تعززوا اقتصادكم. هذا ما يريده وهذا ما يعتقده ولكن (إيران) لا تهتمّ فقط في الأموال بل في الشرف الوطني، في الأمن الوطني وأنّ (إيران) لن تبيع مصالِحها من أجل رُزمة وحفنةٍ من الذهب الافتراضي. إذاً "ترامب" لا يفهم كيف يُمكنه أن يتفادى الحرب لأنه لا يفهم التعقيدات الكامنة تحت سياسة أو في السياسات في الشرق الأوسط

سامي كليب: حسناً. ذكرت المملكة العربية السعودية، هلّ ثمة دور أو هلّ يستمع الرئيس "ترامب" إلى المملكة العربية السعودية أو إلى (الإمارات) أو إلى طرف آخر في تقرير ما سيفعله بالنسبة لـ (إيران) أم لا؟

سكوت ريتر: الرئيس يهتم بشيئين أساسيين فيما يتعلّق بـ (الإمارات) و(السعودية) وباقي الدول الخليجية الأُخرى، فقط قدرة هذه الدول على شراء الأسلِحة الأميركية، وإن كانت قادرة على شراء المزيد من هذه الأسلِحة فهذا جيد لهم. وثانياً يهتم بقدرتها على إنتاج النفط بما يكفي لضمان الإمدادات العالمية من النفط وما يؤمن هذه الإمدادات. هذا كلّ ما يهتمّ به "دونالد ترامب" بالنسبة لهذه الدول، هو لا يُركِّز على ما تريده هذه الدول، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، وآراءه مثلاً بالجزر في الخليج الفارسي والحدود مع (اليمن)، هذه ليست أمور تدخُل في عمليات أو في حسابات "دونالد ترامب"، هو رجل يهتم بالصفقات التجارية وهذا هو السبب الوحيد، أو من الأسباب التي تجعل هذه الإدارة خطرة لأنه يُمكن التلاعُب بها من قِبَل أشخاصٍ يتحدثون عن العوامل الاقتصادية في طريقة تموِّه رغباتها وأهدافها الأساسية

سامي كليب: حسناً. سيّد "علي راستبين"، الآن هناك كلام جدّي حول موقف بعض الدول الأوروبية، ليس (بريطانيا) لأنّ (بريطانيا) وقفت إلى جانب الأميركيين عملياً ولا تزال، ولكن ثمة من يقول أنه حين جاء وزير الخارجية الأميركي إلى (أوروبا) قبل أيام سمع رفضاً قاطعاً للموافقة على أية حرب ضدّ (إيران) بل على العكس، الأوروبيون ذهبوا في اتجاه تحذير "ترامب" من الذهاب في اتجاه الحرب لذلك سمِعنا أصواتاً تدعو إلى الوساطة، (العراق) تحدث، ثمة من تحدث عن سلطنة (عُمان)، ولكن آخرين تحدثوا عن دور أوروبي أيضاً لإعادة المياه إلى مجاريها. هلّ لـ (أوروبا) دور في لجم احتمال الحرب بين (أميركا) وبين (إيران)؟ او ستكون كما كانت في خلال الحرب على العراق في حال حصلت الحرب وإن شاء الله لا تحصل، أنّه ليس لها أي دور مؤثِّر لأنّ (أميركا) تتخذ القرار من دون الأُمم المتحدة عملياً، وهلّ لديك معلومات حول ما حصل فعلاً كموقف أوروبي 

علي راستبين: بالنسبة إلى (أوروبا) لا بدّ من الدفاع عن مسألتين أساسيتين. بدايةً (أوروبا) مضطرة، على مستوى الوعود، للدفاع عن الاتفاق الذي جرى الوصول إليه لاسيما وأن هذا الاتفاق يُظهِرُ أنّ (إيران) تلتزم بعهودها. إضافة إلى ذلك لا بد لـ (إيران) من أن تتنبه لمصالِحها، فالمصالِح الأوروبية تجبرها كذلك أن تذهب حتّى النهاية للدفاع عن هذه المصالِح، ويجدر بنا ألّا ننسى كذلك مسألة السيادة القومية، السيادة الوطنية الأوروبية التي تُجبر الأوروبيين، فاليوم نرى أنّ الأوروبيين يستيقظون وأنهم كذلك يواجهون تهديدات العقوبات الخارجة عن نطاق أراضيهم، وفي هذه الحال يُفكرون ملياً في أيّ بُعدِ يُمكن لهم أن يردّوا لكي يدافعوا كذلك عن مصالِحهم الوطنية. الأمر لا يقتصر على الأوروبيين أو الإنكليز، هي مسألةٌ باتت مسألة مبدأ حيثُ أنّ التجربة تُظهر للأوروبيين أنّ الأميركيين قادرون على فرض العقوبات وعلى فرض الحروب، وفي نهاية المطاف يكون الأوروبيون الخاسر الأكبر، وبالنسبة لـ (إيران) كذلك، بالنسبة إلى (إيران)، يعرِفون مثلاً أن (إيران) كانت مُحاطة بالولايات المتحدة الأميركية فيكفي أن ننظُر إلى عدد القواعِد الأميركية المنتشرة في مُختلف البلدان العربية حول (إيران)، في (العراق)، في (أفغانستان)، وحتّى في المناطق المُحاذية لشمال (إيران)، وحتّى في (تركيا) حيثُ نشهد على انتشار قوات حلف الأطلسي وانتشار القاذفات الصاروخية الأميركية، بالتالي في هذه الحال ليست (إيران) التي تُهدّد، (إيران) كانت مُهدَّدة من القوات الأميركية والقواعد الأميركية المنتشرة حول حدودها

سامي كليب: حسناً. سيّد "سكوت ريتر" عندي سؤال أخير لك لو سمحت وأتمنى أن تكون الإجابة قصيرة لضيق الوقت ولأنه عندنا نشرة أخبار بعد قليل. كنت أتمنى أن يطول ساعتين البرنامج معكما. في كتابك استهداف (إيران) تقول، إذا كان "صدّام حسين" قد احتلّ المرتبة السادسة في سُلّم المخاطر على (إسرائيل) فإنّ (إيران) تحتلّ لدى صانعي السياسة في (إسرائيل) المرتبة الأولى في تهديدها مستقبل الدولة العبرية. (إسرائيل) أرادت بعد "صدّام" إزاحة النظام السوري، والتخلّص من "ياسر عرفات"، القضاء على "حزب الله" ثمّ تغيير النظام الإيراني. منذ 2008 حذّرت قبل غيرك من مُهاجمة الدولة السورية وتقول إنّ "الموساد" عمد إلى تزويد المفتشين الدوليين بمعلومات مُزوّرة حول البرنامج النووي الإيراني، ولم يبخل "الموساد" بتزويد الهيئات الإيرانية المناوِئة لبلادها في (واشنطن) بتقارير مزوّرة. إنّ الساسة الإسرائيليين ونُظراءهم الأميركيين كانوا في حاجة إلى تعريف المسألة الإيرانية في ذهن المواطن الأميركي تعريفاً نووياً لاستعادة صوَر المحرقة والقنابل على (هيروشيما) و(ناغازاكي)، وتُسلِّط الضوء أيضاً على دور بريطاني تابع لـ (أميركا) وتقول أنه يلعب دائِماً دوراً سلبياً بالنسبة لما يتعلّق بـ (إيران). قلت في آخر مقال لك أنه إذا وقعت الحرب، حتّى لو خسرت (إيران) عسكرياً فهي ستربح هذه الحرب، ولو باختصار، قل لي كيف تربح (إيران) هذه الحرب إذا وقعت؟ وإن شاء الله لا تقع كما قلت في القسم الأول

سكوت ريتر: أسهل طريقة للإجابة على ذلك هي النظر في الوضع الذي حصل بين (إسرائيل) و"حزب الله" في 2006. أتت (إسرائيل) بقوة عسكرية قوية وقالت حينها أنها سوف تُدمِّر "حزب الله" وقد أدت إلى تدمير كبير في (لبنان). ولكن في النهاية تمكّن "حزب الله" من أن يربح الحرب من خلال عدم خسارة هذه الحرب. (إسرائيل) قالت أنّها سوف تربح، سوف تنتصر، ولكنها فشِلت في الانتصار بالتالي هي خسرت، هذا هو الوضع نفسه بالنسبة إلى (إيران)، هي لا تحتاج أن تتغلب على الولايات المتحدة الأميركية ولكن كلّ ما عليها أن تقوم به هو أن تبقى، أن تستمر، ألّا تسمح للولايات المتحدة الأميركية بأن تكسرها، بأن تنتصر عليها، عندها سوف تنبعث من جديد أقوى وآمن من أي وقتٍ مضى، وهذا هو الخط الكبير. الولايات المتحدة لن تسمح لخسارةً عسكرية ولكنها لن تربح حرباً مع (إيران)، وهذا ما سوف يحصل

سامي كليب: شكراً جزيلاً لك سيّد "سكوت ريتر"، كبير مفتشي الأُمم المتحدة سابقاً، شكراً على هذه الإجابات الصريحة. شكراً لك دكتور "علي راستبين" أيضاً من (باريس) وآمل أن نراكما يوماً ما هنا في (بيروت)، في قلب استديو "لعبة الأُمم". إلى اللقاء إن شاء الله في حلقةٍ مُقبلة من لعبة الأُمم عبر قناة "الميادين"، و "صح فطوركم" لكلّ الأعزاء المُشاهدين الذين رافقونا في هذه الحلقة. إلى اللقاء إن شاء الله في الأُسبوع المقبل