الحلقات - ندوة الأسبوع

في الثاني والعشرين من تموز يوليو عام 2011 قام النرويجي أندرس بريفيك بهجومين مروّعين في النرويج راح ضحيتهما 77 شخصاَ معظمهم من الشباب وجرح المئات. قيل وقتها إن العملية الإرهابية من نوع الذئب المنفرد وكانت الأكثر حصداً للأرواح في النرويج منذ الحرب العالمية الثانية. اتّضح بعد ذلك أن بريفيك يميني متطرف يؤمن بوجوب مكافحة الإسلام والماركسية، وقد أنكر كونه مذنباً وقال إن ما فعله كان دفاعاَ عن الضرورة. منذ أيام صُدم العالم بنسخة ثانية لبريفيك وهو الأسترالي برينتون تارانت الذي ارتكب مجزرة مروعة استهدفت مسجدين في مدينة كرايست تشيرتش في نيوزيلندا. ومازال هذا البلد المسالم والمعروف بتسامحه وتنوعه الثقافي والديني يعيش حالة صدمة. يكره تارانت الإسلام، والعبارات التي دونها على سلاحه دلّت على حقد دفين، وهو يؤمن بأفضلية العرق الأبيض على غيره. لكنّ الأخطر في هجوم نيوزيلندا أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة كانت ساحة متاحة له، بحيث استخدمها لبثّ جريمته مباشرة عبر الفيسبوك. وهذا يطرح تساؤلات حول دور التقنية الحديثة في نشر الإرهاب وتسهيله. إضافة إلى دُور النشر العملاقة أمثال شركة أمازون الشهيرة التي قيل إنها تجني أرباحاً طائلة من بيع كتبٍ تسوّق لأفكار اليمين المتطرف والعنصرية. هذا اليمين الذي يَصعد بشكل لافت في أوروبا والغرب عموماً من الولايات المتحدة إلى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا والسويد وصربيا وغيرها. ما أسباب ذلك؟ هل هي موجات الهجرة التي اجتاحت الدول الاوروبية مؤخراً بسبب النزاعات والحروب؟ ولماذا يقف زعماء وعلماء العالم الإسلامي، متفرّجين منددين ومستنكرين لا أكثر؟ من المسؤول عن كل هذه الكراهية للآخر ورفضه إلى حدّ القتل؟

في ديسمبر كانون الاول الماضي خيّم التفاؤل على كثيرين بعد التوصل إلى ما عرف باتفاق ستوكهولهم لوقف إطلاق النار في مدينة الحديدة غرب اليمن. لكن الاتفاق لم يحترَم وتبادل الطرفان أي جماعة أنصار الله والتحالف السعودي-الإماراتي الاتهامات بخرقه. نالت الأمم المتحدة نصيباً من الاتهامات بعدم الالتزام بالآلية الزمنية لتنفيذ اتفاق السويد والمحددة على مرحلتين. ولغاية اللحظة مازال أبناء مدينة الحديدة يعانون الأمرّين بسبب القصف المتبادل وعدم وصول المساعدات الإنسانية اللازمة إليهم، وذلك في موازاة استمرار الغارات الجوية في حجة وعمران ومدن يمنية أخرى، وفي ظل استمرار معاناة ملايين المدنيين اليمنيين من الجوع والمرض وويلات الحرب. هذه الحرب التي وصفها السناتور الأميركي بيرني ساندرز بأنها كارثة إنسانية واستراتيجية كانت محور نقاش وتصويت ثان خلال 4 أشهر في مجلس الشيوخ الذي دعا إلى إنهاء دعم واشنطن للحملة العسكرية في اليمن، فيما يواصل مشرّعون أميركيون الضغط على ترامب لتشديد سياسته تجاه المملكة. لكنْ لترامب وجهة نظر أخرى. وقد هدد باستخدام الفيتو ضد إنهاء الدعم العسكري المقدم للسعودية. يفهَم من ذلك أن الحرب قد تستمر أشهراً وربما سنوات أخرى في ظل إدارة أميركية لا ترى أي حلول خارج إطار الأرباح والمليارات. هل هذا يعني أن الحرب مستمرة طالما بقي ترامب وإدارته في البيت الأبيض؟ وما دور الأمم المتحدة في هذه الحال؟ هل تملك أدوات ضغط لتنفيذ أي هدنة أو اتفاق؟ وماذا عن دور الدول الأوروبية؟ هل القرار بوقف تصدير السلاح إلى المملكة سيغيّر في معادلات الحرب شيئاً؟

في الرابع عشر من شباط فبراير الماضي وقع هجوم في ولاية كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان أسفر عن مقتل أكثر من 40 شرطياً هندياً. مباشرةً عقب الهجوم الذي نفّذه ما يعرف بتنظيم جيش محمد، شنّ سلاح الجو الهندي غارات على أحد معسكرات التنظيم داخل باكستان. بلغ التوتر ذروته عندما أعلنت إسلام آباد إسقاط مقاتلتين هنديتين في مقابل إعلان نيودلهي إسقاط مقاتلة باكستانية. لم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ أعلنت باكستان أسر طيار هندي ظهر لاحقاً في شريط فيديو شاكراً السلطات الباكستانية قبل الإفراج عنه، وهي خطوة اعتبرتها إسلام آباد "بادرة سلام" في الأزمة الجديدة حول كشمير. أثار الفيديو غضباً كبيراً في الهند، وتجددت المواجهات بين الجارين النووين ما أسفر عن وقوع مزيد من القتلى، بينهم مدنيون. وبعد هدوء نسبي لم يدم طويلاً شهدت ولاية جامو وكشمير تفجيراً آخر أوقع عشرات الإصابات. لطالما شكّلت كشمير محور نزاع بين كل من باكستان والهند حتى قبل استقلالهما عن بريطانيا عام 47. إذاً، عمرُ الصراع أكثرُ من سبعة عقود، فلماذا يبقى من دون حلّ؟ ما خلفياته وجذوره؟ ماذا عن سكان ولاية كشمير أنفسهم؟ هل يميلون إلى الهند أم إلى باكستان ام يفضلون الاستقلال؟ علماً ان الولاية كانت شرارةً لاندلاع 3 حروب بين نيودلهي وإسلام آباد، فهل تتجه الأمور نحو حرب رابعة؟ أم إن لغة الحوار ستسود، في ضوء ما يحكى عن مساعٍ سعودية للتهدئة؟ ما دور الصين في هذا النزاع؟ وهل من أجندة أميركية أو إسرائيلية في تلك المنطقة؟

منذ تسلم دونالد ترامب منصب الرئاسة في الولايات المتحدة وواشنطن، ومن خلفها حلفاؤها إسرائيل وبعض العرب، لم تَعدَم وسيلة ضغط على إيران إلا واستخدمتها. وليس صدفةً أن يتكون فريق ترامب، أو من بقي معه، من الداعين إلى مواجهة الجمهورية الإسلامية سياسياً واقتصادياً وحتى أمنياً. بدءاً بالانسحاب من الاتفاق النووي مروراً بتجديد العقوبات الاقتصادية وصولاً إلى تأليب الرأي العام العالمي ضدها في كل المحافل الدولية، ومؤتمر وارسو مثال. لكنّ الأخطر خلال الأيام الماضية كان التفجير الإرهابي الذي ذهب ضحيته 27 من قوات الحرس الثوري الإيراني جنوب شرقي إيران على الحدود مع باكستان.

أخيراً وبعد فترة انتظار دامت نحو تسعة أشهر، ولدت الحكومة اللبنانية، حكومة العهد الأولى، ثلاثينيةً جامعة لكل الأفرقاء السياسيين. قيل إن تسويات بالجملة سبقت تأليف الحكومة وأدت إلى حلحلة كل العقد التي واجهتها، بعد تنازلاتٍ قدّمتها بعض القوى، أبرزها القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي. ويبدو أن ذلك كان أحد أسباب التراشق الإعلامي بين النائب وليد جنبلاط ورئيس الحكومة نفسه. حزب الله حصل على ما أراد أي وزارة الصحة التي أصرّ عليها منذ البداية. كذلك استطاع توزير أحد حلفائه السنة من "اللقاء التشاوري". أما حصة الأسد لناحية نوعية الحقائب فكانت لرئيس الجمهورية والتيار الوطني. لكن اللافت الأبرز في تركيبة الحكومة الجديدة أنها ضمت وللمرة الأولى 4 سيدات من ضمنهن وزيرة للداخلية من حصة تيار المستقبل بزعامة الحريري، وهي سابقة في لبنان والوطن العربي تحسَب للتيار. بكل الاحوال فإن الجميع متفقون على أن جملة من التحديات تواجه الحكومة لعل أولها وأبرزها الوضع الاقتصادي والمعيشي ومكافحة الفساد. هذا ما أكد عليه الرئيس اللبناني وكذلك الامين العام لحزب الله الذي رفض وصف الحكومة بأنها حكومة حزب الله بل هي لكل اللبنانيين داعياً إلى الهدوء. إذاً، بتنا أمام حكومة لبنانية رسمية مطلوب منها إنقاذ الاقتصاد والتخفيف عن كاهل المواطن ومكافحة الفساد ومعالجة الملفات السياسية وعلى رأسها ملف النازحين السوريين. هل ستتمكن من إتمام هذه المهمات الشاقة؟ لماذا وُجّهت السهام إلى الحكومة حتى قبل أن تباشر عملها؟ لماذا يتم استحضار اتفاق الطائف بين فترة وأخرى؟ وكيف سيتعاطى معها المجتمع الدولي؟

بالأمس عداءٌ وتَحارُب، واليومَ التقاء وتفاهم. هكذا يمكن وصف ما يجري بين الولايات المتحدة الأميركية وحركة طالبان. في العام 2001 وعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر قررت الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش آنذاك احتلال أفغانستان بهدف القضاء على تنظيم القاعدة وإطاحة حركة طالبان. لا تنظيمُ القاعدة اختفى ولا حركة طالبان هُزمت. بل على العكس، فقد استطاعت الحركة تكبيد القوات الأميركية وقوات الحكومة المتحالفة معها خسائر كبيرة، بالرغم من إزاحتها عن السلطة والتناحر الداخلي في صفوفها. وبعد 17 عاماً من الاحتلال، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عزمه الانسحاب من أفغانستان، وها هي الولايات المتحدة تجلس مع زعماء طالبان الذين كانوا أعداءها للأمس القريب، وتُجري معهم مفاوضات في الدوحة بهدف التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. بل أبعدُ من ذلك، استطاعت الحركة فرض شروطها ورفضَ التحاور مع الحكومة الأفغانية، وأصرّت على إجراء المفاوضات مع الأميركيين في قطر وليس في السعودية تفادياً لسعي الرياض إلى إشراك الحكومة الأفغانية في الحوار كما قال مسؤولوها. مشهد قد يبدو سوريالياً للبعض. فكيف تتفاوض الإدارة الاميركية مع من سجنتهم سابقاً في معتقلاتها بتهمة الإرهاب؟ ما فحوى مسودة الاتفاق بين واشنطن وحركة طالبان؟ ما الذي حتّم على الولايات المتحدة اتخاذ هذه الخطوة؟ ماذا عن دور دول الجوار وروسيا التي دخلت على خط المفاوضات بإعلانها العزم على استضافة قيادات من طالبان قريباً؟

في الداخل كما في الخارج تبدو السياسات الأميركية في عهد دونالد ترامب محلّ جدل وخلاف بشكل دائم. تخبط وارتباك في القرارات وتراجع عنها، وقرار الانسحاب الأميركي من سوريا مثال. لكنْ، ما يؤرّق بال الأميركيين هذه الأيام هو الشلل الحاصل في الولايات المتحدة. فها هو ترامب يمضي في تنفيذ وعوده الانتخابية، ومنها إصراره على بناء جدارٍ على الحدود مع المكسيك ووقفِ الهجرة إلى الولايات المتحدة. يقول ترامب إن الجدار الحدودي مهم وضروري للأمن القومي الأميركي، ويؤكد أن مستويات الجريمة وتجارة المخدرات سوف تنخفض بصورة كبيرة في حال إنشاء الجدار. لكن ترامب لم يضع ربما في حساباته أن يتصدى له خصومه الديمقراطيون بهذه القوة، رافضين تمويل الجدار، ما تسبب في أزمة هي الأولى من نوعها في تاريخ الولايات المتحدة. تعطيلٌ حكومي وشللٌ يعم الإدارات الفدرالية، وحرمانُ نحو 800 ألف موظف حكومي من رواتبهم منذ أكثر من شهر. ما دفع ترامب إلى التلويح بفرض حالة الطوارئ في البلاد للحصول على التمويل اللازم للجدار. الملف الحيوي الآخر بالنسبة للأميركيين هو موضوع التأمين الصحي. فترامب يصرّ على إلغاء المشروع الذي أقره سلفه باراك أوباما بدعوى أنه يريد اتخاذ تدابير من شأنها التخفيف من الأعباء الاقتصادية على المواطنين. لكنّ المحيّر في الأمر أن هؤلاء المواطنين لا يُسمَع لهم صوت لا في الشارع ولا في منابر أخرى. لماذا؟ إلى أين يمضي ترامب في سياساته داخلياً وخارجياً؟ وهل يملك ترف المواجهة في ظل الفضائح والتحقيقات التي تلاحقه؟ وهل هذه المواجهة مقدمة لعزله ام انها فرصة ليفرض شروطه على الكونغرس ومؤسسات الدولة الاميركية؟

في العام 1955 اتفقت دول أوروبا الشرقية بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك على إنشاء منظمة للدفاع المشترك أطلق عليها اسم حلف وارسو. كان الهدف الرئيسي للحلف مواجهة تهديدات حلف شمال الاطلسي الناتو. انهار حلف وارسو عام 91 بعد انهيار جدار برلين وانسحاب الدول الاعضاء منه وانضمام الكثير منها إلى الناتو. اليوم، تدعو الولايات المتحدة بعضاً من حلفائها إلى الاجتماع في العاصمة البولندية وارسو بهدف مواجهة إيران. وقد أسهب رئيس الديبلوماسية الاميركية مايك بومبيو في الحديث عن التهديدات الإيرانية خلال جولته الأخيرة في المنطقة، كان آخرها كلامُه عن قدرات إيران الصاروخية المتطورة التي تشكل تهديداً لأوروبا والشرق الأوسط بحسب تعبيره. تردّ طهران بأنها ستواصل انتهاج سياستها المبدئية والاستراتيجية في التعايش السلمي مع الجيران وأن على أميركا أن تتعلم من هزائم سياساتها العدائية في المنطقة خلال العقود الماضية. اللافت في الأمر سيكون حضور إسرائيل في حال شاركت، ما يؤكّد الكلام المتزايد حول التقارب الإسرائيلي العربي في الآونة الأخيرة. كان لافتاً أيضاً تغريدة وزير الخارجية الإيرانية رداً على المؤتمر حيث قال: "إن من شاركوا في آخر قمة استعراضية ضد إيران برعاية أميركية إما ماتوا أو تم تهميشهم أو خجلوا من خطوتهم تلك". هي لغاية اللحظة حرب نفسية وكلامية، فهل فعلاً يتم البحث في خيارات عسكرية ضد إيران؟ أين وكيف؟ أليس حرياً بالولايات المتحدة أن تركّز جهودها على كيفية انسحاب قواتها من سوريا بعد أن وقعت فريسة لتنظيم داعش في منبج قبل ايام؟ وهل عنوان المرحلة الحالية صفقة القرن والمواجهة مع ايران.

ما زال قرار الولايات المتحدة اعتزامها الانسحاب من سوريا يشغل العالم. لا أحد يعلم لغاية اللحظة ما الذي يريده صانعو السياسة الأميركية من سوريا في هذه المرحلة وكيف سيوازنون بين مصالحهم ومصالح حلفائهم من جهة وبين تعاملهم مع الخصوم والأعداء من جهة ثانية. آخر المواقف الأميركية بخصوص الانسحاب جاء على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو الذي بدا غير واضح أيضاً. الأوضح في كلامه كان تصعيد اللهجة من القاهرة ضد إيران ودعوتَه إلى حل صراعات الشرق الأوسط من أجل التصدي لما سماه النفوذ الإيراني في المنطقة. هل هو إعلان حرب على طهران؟ وهل دول المنطقة مستعدة أصلاً لتوحيد جهودها لتحقيق الأهداف الأميركية؟ المؤكد أن تركيا غاضبة من مواقف واشنطن، وقد تظهّر ذلك برفض الرئيس التركي استقبال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون على خلفية تصريحاته بخصوص العملية التركية المرتقبة في شمال شرق سوريا. يتحدث الأميركيون عن شروط ثلاثة للانسحاب: ضرورة التأكد من هزيمة تنظيم داعش واستمرار الدفاع عن إسرائيل والحلفاء الكرد، والتصدّي لإيران هاجس إسرائيل الأكبر. وما قاله بومبيو خلال جولته الأخيرة في المنطقة خطير عندما أكد من العاصمة الأردنية وجود قناعة مشتركة بأن داعش والثورة الإسلامية في إيران يشكلان الخطر الأكبر على دول المنطقة. هل هذا صحيح؟ وهل هذه هي الرسالة الأساسية وربما الوحيدة التي حملها كل من بولتون وبومبيو إلى زعماء المنطقة؟ لماذا كل هذا التحريض على إيران؟

ما أشبه اليوم بالبارحة. فبعد مرور نحو ثمانية اعوام على ما اطلق عليه الربيع العربي، ها هي الجماهير العربية تنزل من جديد إلى الشارع وتعبّر عن غضبها احتجاجاً على الأوضاع الاجتماعية وغلاء المعيشة. لكنّ التظاهرات هذه المرة تحلّ في دول لم تطَلْها رياح التغيير ولو أنها شهدت حراكاً شعبياً، الأردن والسودان ولبنان. فقد قرر آلاف الأردنيين والسودانيين واللبنانيين إطلاق صرخة جديدة في وجه السياسات الحكومية، رافعين شعارات شبيهة بل تكاد تكون متطابقة مع تلك التي رُفعت في تونس ومصر وسوريا وليبيا والبحرين واليمن. لا للاستمرار في ذات النهج الاقتصادي والسياسي ونعم لمكافحة الفساد. يرتفع سقف المطالب أحياناً ليصل إلى المطالبة بإصلاح النظام أو تغييره. حصل ذلك مؤخراً في السودان أيضاً. اللافت أن دولاً غنية بالنفط والثروات والموارد الطبيعية مثل السودان تتجاوز فيه نسبة الفقر ال36 بالمئة. أين المشكلة إذاً؟ هل هي في الفساد وسوء إدارة الموارد؟ أم إن الأزمة بالأساس أزمة نظام وحكم في معظم الدول العربية؟ وإذا كانت كذلك، كيف يمكن تفسير الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا منذ 6 أسابيع وهي الدولة العريقة في الحداثة والديمقراطية والتطور؟ لماذا تفشل الحكومات في تحقيق المطالب الشعبية؟ وهل الشعوب قادرة فعلاً على التغيير من دون أي دعم خارجي؟

إلى سوريا دُر. ومن سوريا انسحب. العبارة الأولى تنطبق على خطوات التقارب والتودد التي تُبديها الكثير من العواصم العربية وغير العربية تجاه دمشق. أما العبارة الثانية فتتعلق بقرار الرئيس الأميركي المفاجئ بالانسحاب من سوريا بعد أن هُزم داعش كما قال. في التفاصيل بدا المشهد السوري مختلفاً تماماً عما كان عليه منذ سبعة اعوام. فبعد فتح معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا وزيارة وفد أردني لدمشق الشهر الماضي، ها هو الرئيس السوداني يُيمّم وجهه صوب العاصمة السورية في أول زيارة لرئيس عربي منذ بدء الأزمة، ويلتقي الأسد ويعلن الوقوف إلى جانب الدولة السورية، ويؤكد أهمية عودتها إلى ممارسة دورها القيادي في المنطقة!! هو نفسه الرئيس السوداني الذي أطلق سابقاً مواقف نارية ضد سوريا وهدد بإرسال جيش جرار يمتد من الخرطوم إلى دمشق. البعض أكد أن البشير جاء مبعوثاً من دول الخليج، في ظل الحديث المتزايد عن نية فتح خطوط طيران خليجية مع سوريا وإمكانية إعادة فتح السفارة الإماراتية في دمشق. أميركا وتركيا تعيد حساباتهما في سوريا أيضاً. فترامب أعلن أن الوقت قد حان لإعادة الجنود إلى الوطن بعد ما وصفه بالانتصارات التاريخية. وتركيا تستعد لإطلاق عملية عسكرية برية وجوية شرق الفرات داخل الأراضي السورية على غرار العمليات السابقة، لضرب وحدات الحماية الكردية. الواقع السوري إذاً يتبدّل بشكل جذري وتساؤلات كثيرة تطرح: هل بدأت الدول العربية والإقليمية الاستعداد لتطبيع العلاقات مع سوريا تمهيداً ربما لعودة الأخيرة إلى جامعة الدول العربية؟ وهل الهدف من كل ذلك محاولة شق الحلف بين دمشق وطهران؟ ماذا وراء قرار ترامب؟ وأين يبرز الدور الروسي والإيراني في هذا المشهد؟

أخيراً مدينة الحديدة وميناؤها في قلبِ اتفاقٍ لوقف إطلاق النار أعلن من السويد. اتفاقٌ سيسمح لليمنيين أن يتنفسوا الصعداء وأن يعلّقوا آمالاً على وقف الحرب بشكل نهائي إذا ما نفّذت الالتزامات. هو إنجازٌ كبير يُحسب للأمم المتحدة التي ستلعب دوراُ رائداً في الميناء، ما سيسهّل وصول المساعدات الإنسانية. يضاف إلى هذا الإنجاز ملفُّ تبادل الأسرى الذي سلك طريقه نحو الحل. أما مطار صنعاء الدولي فلم يكن مصيره واضحاً تماماً. فقد سرت معلومات حول إعادة فتحه للرحلات الداخلية فقط، من دون إعلان أي تفاهم بشأنه، في حين تعثر ملف مدينة تعز. ويفترض أن يكون هذا الملفان في صلب مشاورات الجولة المقبلة التي ضرب لها موعد في يناير/كانون الثاني المقبل. قبل إعلان الاتفاق بدا المبعوث الدولي إلى اليمن مارتن غريفيث متفائلاً وقال إن المشاورات الحالية يمكن اعتبارها إجراءاتٍ لبناء الثقة. فهل هذا ما حصل فعلاً؟ وما صحة الكلام عن تنازلات أو مساومات جرت في لحظةٍ ما لتليين المواقف أو التراجع عنها، في ظل الضغط الكبير الذي يتعرض له ترامب من الكونغرس بشأن الحرب في اليمن. هل تكون مفاوضات السويد فرصة سلام حقيقية؟ أليس من حق اليمنيين أن يعيشوا حياة طبيعية بلا حرب ولا خوف ولا مرض ولا جوع؟ هل مسألة وقف الحرب قرار يمنيّ داخلي أم إنه خارجيٌ إقليمي يعكس أحدَ أوجه الصراع بين إيران والسعودية وبتدخل أميركي؟ وهل يشكل اتفاق السويد فرصة حقيقية لإنهاء الحرب؟

ثلاثة أعوام وثمانية أشهر والحرب التي يشنها التحالف السعودي على اليمن مستمرة. والنتيجة مجازر بالجملة وتشريد وجوع ومرض. كلها كوارث فتكت باليمنيين المدنيين كباراً وصغاراً في عمليةٍ سُمّيت إعادة الأمل، فقتلت الأمل. ومشهد هيكل الطفلة الشهيدة أمل حسين سيبقى شاهداً على بشاعة هذه الحرب. خلال تلك الأعوام لم تُطرح ولو لمرة واحدة مسألةُ إيقاف الحرب سواءٌ من قبل السعودية والإمارات، أو من قبل الإدارة الاميركية التي باتت شريكاً في جرائمها حسب مجلة الفورين بوليسي الأميركية. إلى حين مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي. جريمة مروّعة أثارت الكثير من الضجة في الإعلام الاميركي والغربي، واتُّهمت سلطاتٌ عليا في المملكة بالمسؤولية عنها. حينها فقط ونتيجة الضخّ الإعلامي العالمي الهائل، والضغوط كبيرة، استفاقت الإدارة الإدارة الأميركية وأدركت أن هناك حرباً يشنّها حلفاؤها على اليمن وقد أنتجت أسوأ أزمة إنسانية في العالم، فأعلنت على لسان وزير خارجيتها أنه قد آن الأوان لإيقاف الحرب. فيما قال زعيم حركة أنصار الله إن التصعيد العسكري في الحديدة لا ينبئ باستعداد للسلام والحوار متعهداً بعدم الاستسلام. ماذا وراء هذا الموقف الاميركي؟ ولماذا توجست منه جماعة أنصار الله؟ وما الذي يفسر التصعيد في الميدان؟ ما دور قضية خاشقجي والضغوط على الإدارة الاميركية في تبدّل الموقف من حرب اليمن؟ وكيف ستُلقي نتائج انتخابات الكونغرس الاخيرة بظلالها على المشهد اليمني؟

المزيد