ميلود لقاح

شاعر من المغرب

عبيد للميادين الثقافية: "الرؤية الإسلامية" للأدب ليست انغلاقاً

للقدس وفلسطين نصيب من شعره.. ماذا يخبرنا سعيد عبيد عن "الشعر الإسلامي"؟

سعيد عبيد أحد الأصوات المتوهجة في المشهد الشعري المغربي منذ تسعينيات القرن الماضي، يصدر في أغلب أشعاره عن رؤية إسلامية تنضح إنسانية. اختار الكلمة الملتزمة بقضايا الناس المقهورين والمظلومين. وللقدس وفلسطين نصيب من هذا العشق المتوهج في شعره. الميادين الثقافية التقت سعيد عبيد وأجرى معه ميلود لقاح هذا الحوار.

  • سعيد عبيد

 

أنت شاعر تَصدر في شعرك عن "رؤية إسلامية". بداية لو تُعرِّف لنا "الشعر الإسلامي" كما نظَّرت له الحركة الشعرية التي أسّست هذا الاتجاه في شرق المغرب وعرف انتشاراً كبيراً في العالمين العربي والإسلامي؟

من الطريف والكونيِّ في الآن نفسه أن أستحضر ما قاله شاعر ألمانيا "غوته" في هذا الباب:

     "إذا كان الإسلام معناه أن لله التسليم     فعلى الإسلام نموت ونحيا أجمعين"

هذه الرؤية الفطرية للإسلام باعتباره تسليماً رؤيوياً ووجودياً مطلقاً لخالق الأكوان المتعدّدة أو المتوازية، ومنها كونُ الكتابة والإبداع، رؤية جوهرية وأصيلة للغاية، لأنها تَنظم العوالم في سلك في غاية الاتساق، مداره على الانسجام الكلّي بين الإنسان والله والوجود والكون والحياة، وهذا هو جوهر الرؤية الإسلامية باختصار وتكثيف. وإذا كانت الرؤية غالباً مما تستشف من البنى العميقة المتحكّمة في العالم الإبداعي للشاعر أو الكاتب، وكذا من زوايا النظر التي يتناولان من موقعها قضايا الوجود والعصر من أعلى مراتبها الفلسفية والفكرية والفنية إلى أدنى مراتبها المعيشية، فإن قوالب التعبير الفني تبقى من زاوية الرؤية الإسلامية مفتوحة على كافة ما يمكن أن تصل إليه وتطوّره البشرية من أجناس وأنواع وأشكال وأدوات تعبيرية تناسب بشكل متوازن أذواقَ العصر، وأنظمةَ اللغات، وأدبيةَ الأدب، شعراً كان أم غيره من فنون القول.

ومعنى هذا أن "الرؤية الإسلامية" للأدب ليست حجراً أو تحجّراً أو انغلاقاً مثلما كان يتوهّم بعضهم عن جهل أو عن رفض مبطّن، كما أنها ليست وعظاً أو خطابة (بالمفهوم المباشر لا الفني للخطابة) كما يتوهّم آخرون عن استسهال أو انخداع بالوصف المباشر لــ "إسلامية". وعلى هذا فحين يوصف شعري بأنه صادر عن "رؤية إسلامية" فإنه يقع مني موقع بديهة البداءة ما دمت مسلماً بمعنى الإسلام المطلق الذي ذكره "غوته"، وما ينبغي لكون الكتابة عندي أن يشذّ عن باقي الأكوان في سلك نظام رؤيتي الذي تحدّثنا عن منطق انسجامه آنفاً.

الملاحظ أن هذا التيار الشعري لم يعد له ذلك الحضور اللافت كما كان في الثمانينيات والتسعينيات؟ لماذا؟

منذ حوالى ثلاث سنوات قلت للشاعر حسن الأمراني – وهو ممَن كان لهم الفضل وشرف السبق إلى بلورة "الرؤية الإسلامية" في الأدب إبداعاً ونقداً – إنه لم تعد الحاجة قائمة اليوم إلى جهاز تنظيمي كـ"رابطة الأدب الإسلامي"، لأن الفكرة التي رفعتْ لواء شعارها قد تحقّقت بشكل شبه كلي.

وهذا الأمر من طبائع تطوّر الأمور، لأن كثيراً من الأجهزة التنظيمية تصير مجرّد هياكل مفرَغة، أو حتى عبئاً أحياناً، حينما تبقى قائمة بأجهزتها القديمة، بعد أداء المهمة التي من أجلها وُجدت. وعلى هذا أقول إن "الأدب الإسلامي" لم يكن يوماً كما هو عليه اليوم من شيوع الفكرة ونضجها، وشفافية الرؤية وانسجامها، وغزارة الإبداع ورقيّه. أما الذي تراجع حقاً عما كانت عليه حركيته في العشرية الأخيرة من القرن الماضي فهو الهيكل التنظيمي الذي ذكرتُه للتو، والذي أريدَ له أن يكون عالمياً، فتجاوزته العالمية من حيث طبيعة الرؤية الكونية السلسة للإسلام نفسِه، وانحسر هو في حدود ضيّقة.

 إذ يمكن الآن – بكل يسر – أن نلحظ مثلاً أن الرؤية الصدامية بين الإنسان والإله، والتي هي رؤية إغريقية وثنية لا تقبلها الفطرة المركوزة في الإنسان المطلق، ولو كان على دين حي بن يقظان، (فأحرى المسلم بدلالتيه الشرعية الخاصة والفلسفية العامة)، قد تراجعت في أغلب الكتابات الإبداعية بشكل لافت للنظر، وهذا هو الأصل الذي أتت "الرؤية الإسلامية" لتصحيح مساره، وعليه قس كثيراً من القضايا الفكرية والفنية التي لم تعد إشكالات الهوية والاستلاب فيها مطروحة.

القدس حاضرة في أشعارك بشكل كبير، ومؤخراً فزت بجائزة عن قصيدة موضوعها القدس، حدِّثنا عن الجائزة وعن سبب اعتذارك لتسلّم المكافأة المالية؟

كان تخلّياً عن جائزة "مفاتيح مستقبل فلسطين" التي أقامها تحالف أسطول الحرية مع اللجنة الدولية لفكّ الحصار عن غزّة وبيت فلسطين للشعر (2018) لصالح فلسطين. جاء في خطابي للسيّد المدير العام لبيت فلسطين للشعر وثقافة العودة: "إنني أتنازل عن أية مكافأة لصالح أيّ مشروع ترونه هادفاً لخدمة قضية العودة وكسر الحصار وفلسطين الحبيبة عامة، فلعلِّي بذلك أكون قد أسرجت شيئاً من زيت في أحد قناديل القدس الشريف". ولا يخفى عليكم أن آخر هذا الخطاب ينظر إلى الحديث الشريف الذي يجعل إهداء زيت ليُسرج في بيت المقدس المبارك أدنى ما يُمكن أن يفعله الذي لا يطيق الحج إليه لسبب أو لآخر.

 لا يُؤكل بفلسطين الخبز، وما ينبغي له ولا لحرف مما يَكتب عنه المرء حباً والتزاماً، كيف وهي القضية المركزية للأمّة العربية الإسلامية، ولكافة الفضلاء والمنصفين في العالم ممَن يسوءهم غاية السوء أن تختل فيها – على قُدسيتها - الموازين، فيُجتث من رحِمها شعبها الذي تعرفه عناصرها الأربعة يقين المعرفة، ويؤتى بشذّاذ آفاق العبور وإشعال نيران الحروب واحتكار الأموال وتسويس الاقتصادات ليسدوا مسدهم في واحدة من أشنع أوشام العار والشنار على جبين العالم الحديث، ثم يسترخص المبدع في فلسطين بعضاً من نبض حرفه؟ إن دمه في هذا لقليل.

الشعر المرتبط بالقدس والقضية الفلسطينية عامة يمكن أن نقسّمه إلى قسمين: قسم ينزع إلى البكاء والرثاء، وقسم ينزع إلى المقاومة وتحدّي المحتل... فأين تضع أشعارك؟

في ديواني الأول (مكابدات في الطريق إلى النور) غلبت عليه نزعة بكائية واضحة، على غرار كثير من الشعر العربي. تلك مرحلة قد خلت، وإن كان مما كسبت الدمع فقط، فليس بشيء ذي بال، لذا لا تستغرب إن قلت إني لست راضياً عن ذلك التوجّه السلبي، لأن دمعاً لا يُنبت من حوالي قضيةٍ عادلة غابات من سواعد المقاومة وعياً، وغابات من الذخيرة الحية فعلاً، مجرّد سائل مهراق على الأوراق.

  • سعيد عبيد

 

كتب سميح القاسم كثيراً عن القضية الفلسطينية، وقال ذات مرة، "ما الذي يمكن أن تفعله قصيدة أمام طفل يموت..." ما الذي يمكن أن يقدّمه الشاعر للقضية الفلسطينية؟

هذا سؤال ينكأ جرحاً متجدّداً يفتح كلمة في كل مرة تساؤل الكاتب عن جدوى الكتابة في زمن تحرص السوداوية على وصمه بزمن اللاجدوى. ولا أخفي أن الألم يزداد حدّة كلما بعُدتِ الشقة بين الكاتب أو الشاعر والمتلقّي، لا سيما مع الهدم العشوائي للغة، أخطر النعم، ومع تزييف الوعي الممنهج، وتهميش القضية المتعمَّد في التعليم والإعلام، وابتذال الإنسان بمسخه إلى مجرّد آلة استهلاك، وتحييد الشعر في المخيال العام بتصويره مجرّد ترف أو لعب باللغة، بينما هو احتراق أحرُّ من كل احتراق... وهذا ما قد يصل بالمبدع في لحظات ضعفه إلى درجة الإحباط الذي دفعني يوماً إلى كتابة :

أُوشكُ أنْ أكفرَ بالكَلمـهْ

هذي أشعاري النجلاءُ على الأرفُـفِ

تقتاتُ عليها الأرَضـهْ

لمْ توقدْ قنديلًا للأسرَى في سُلطانِ العَتَمـهْ

لمْ تَجبُرْ كَسْـراً

لمْ تَمسحْ دَمعاً

لمْ تَقتصَّ لِمظلومٍ مِمَّنْ ظَلمـهْ

أوشِكُ أن أُومِنَ بالسِّرِّ المطْويِّ عن الأعيُـنِ

في أجداثِ الشهـداءِ

هنيئاً يا من ذاقَ السِّرَّ فما كَتَمـهْ!

لا أريد للشعر أن يكون مجرَّد تبرئة للذمّة (لولا التعزِّي ببطولات شعب الجبارين المرابط على الثغور)، كما لا أريد للكلمة الجميلة أن تعنس مدى العُمر عذراءَ دونما اقتران بفارس الفعل الأجمل.

في البدء كانت الكلمة، وتكون الكلمة دوماً في البدء، غير أن البدء الذي لا يُتجاوز إلى ما هو أعلى منه على سُلم الارتقاء فيه اختلالٌ ما. الكلمة الجميلة المقاوِمة عربون إخلاص من الشاعر الذي هو روح وعي الأمّة، غير أن هذه الكلمة لا تكتمل كَلِميَّتُها إلا حينما تجد الأمّةُ حينَ البعث رُوحَها فيها، فتتنفس إكسيرَها لتنبعث من جديد من بذورها بين سطور ما خطته يمينه بسرِّ حياة جديدة جديرة بتنازع البقاء، والتحديق بحدة الإرادة وشمم الانتصار في وجه الشمس.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]