كيف يمكن للصورة أن تغيّر وجهة الرأي العام؟

ترجمة وتقديم: علي عاشور 

يعدّ بول آدمز أحد أهم الأسماء في عالم الصحافة الكندية، وهو أستاذ مساعد في الصحافة والإعلام بجامعة كارلتون.  يعرض آدمز في هذا المقال أثر الصورة الفوتوغرافية في السياسة، وكيف يمكن أن يتجاوز هذا التأثير الشخصية السياسية مهما كان مركزها، لتجسد مرحلة مغايرة من التاريخ وتخلق تبدلاً في الرؤى والانتماءات. يرتكز آدمز في مقاله هنا، على الصور التي أحدثت انقساماً حول فحواها، واستخدمت سابقاً واليوم وسيلة للكباش بين المتنافسين في الانتخابات الكندية. ومنها، صورة رئيس الوزراء الحالي جاستن ترودو. حيث أن القوة التي تمتلكها الصورة ودلالاتها الضمنية تلعب دوراً أساسياً في تغيير وجهة الرأي العام.

  • فريدريك دوغلاس

"يمكن القول إن فيدرك دوغلاس كان أول شخص – أتردَّد بالقول "سياسي"- يستخدم الصورة الفوتوغرافية لغرض سياسي. كان دوغلاس مستعبداً حتى هرب في العشرين من عمره من مزرعة تقع على الساحل الشرقي من خليج تشيسابيك في ولاية ماريلاند، حيث قاسى دوغلاس من الجلد الوحشي والمعاملة القاسية المُعتادة للعبيد. 

كشخص ذاتي التعليم، برز دوغلاس ككاتب موهوب ومتحدِّث بليغ، إذ يُعدّ أحد أهم الشخصيات في حركة إلغاء العبودية في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر.

في ذلك الوقت، كان التصوير الفوتوغرافي في بداياته. كما كان الأميركيون من ذوي البشرة البيضاء محظوظين لو تم التقاط صورة واحدة لهم. بينما حياة أصحاب البشرة السوداء ما زالت تسجّل في دفاتر المحاسبة في المزارع. لكن بعد تصاعد وبروز أهميّته في الشمال، التقط دوغلاس مئات الصوَر الفوتوغرافية. كان دوغلاس رجلاً وسيماً وأنيقاً. كما كان يؤمن بأن الصوَر التي يعرضها عن الكرامة والتحضّر قابلة لدحض فكرة أن تدهور العرق الأسود هو نتيجة مكانته الدونية، بل نتيجة وحشية نظام الرق.

  •  
  • جاستن ترودو في "ليلة عربية"

اليوم نحنُ غارقون بالصوَر، التي يُعدّ انتشار وعرض معظمها غير منطقي بكل تأكيد. ولكن ما كان صحيحاً في صوَر دوغلاس في ذلك الوقت ينطبق اليوم على أية صورة سياسية مهمة. إنّه التمثيل الحرفي لشيء ما سهل وسريع الفهم. لكن قوّة الصورة تكمن في دلالتها ومضمونها؛ تلك الطبقة من المعاني الأكثر عمقاً والأكثر تردّداً بانبثاقها وظهورها في عقل المشاهد. وهذا ما يجعل الصورة عنصراً مختلفاً جداً عن عناصر الأخبار الأخرى. في معظم أشكال الأخبار، بما في ذلك أعمدة الرأي، يُعتبر أي نص أو مضمون له دلالات فرعية خطأً فنياً. إذ يتعامل الصحافيون مع أدوات فنيّة كافتتاحية المقال وتلخيص المضامين الرئيسية للتأكّد من فهم القارئ للقصة الرئيسية ومعرفته أهدافها. يكون الاستثناء عندما يستخدم كاتب عمود الرأي ما يُسمّى صحفياً ب"صفارة الكلاب" -والتي تحمل دلالات وأبعاداً سياسية- إذ هي عبارة عن جملة مجازية يُرسِل الكاتب من خلالها رسالة للقارئ يستطيع معرفتها من دون ذكرها بشكل مباشر أو علني.

عندما نشرت صورة رئيس الوزراء الكندي وزعيم "الحزب الليبرالي" جاستن ترودو المُسمّاة "الوجه الأسود" في مجلة "التايم"، لفت انتباهنا بشكل كبير أثر وقوّة التصوير الفوتوغرافي في هزّ الحملات السياسية، والذي يختلف تماماً عن أثر الكتابات والقصص النصيّة.

  • بيير ترودو

في العصر السياسي الحديث، ربما يُعتَبر مايكل ديفر سيّد الصوَر سياسياً، وهو الذي عمل مستشاراً لرونالد ريغان لمدة ثلاثين عاماً. في أوائل ستينات القرن الماضي، كان ديفر يعمل لصالح مرشّح مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا والذي كان يخوض انتخابات منافسة ضد السكرتير الإعلامي السابق لجون كندي، بيار سلينجر. في حفل فوز سيلنجر، أحضر ديفر سيجاراً وسلمّها سيلنجر الذي وضعها في فمه على الفور، مما نتج من ذلك صوَر في الصحافة جعلته يبدو كأنه قطة سمينة. ففي بعض الأحيان، السيجار ليس مجرّد سيجار فقط!

عندما ترشّح ريغان للرئاسة، قرّر ديفر وضعه للتصوير إما أمام تمثال الحرية أو جعل جبال الروكي خلفية له. هذه الصورة حسب اعتقاد ريفر لن تكون عُرضة للانتقادات الصحفية لما تحمله من دلالات إيجابية وقوية لمرشّح وضعه المحافظون خارج التيار والمشهد السياسي الرئيسي في ذلك الوقت. لقد كان ريفر مُصيباً في رؤيته.

في كندا، كان لبيير ترودو ذات المقدرة العبقرية التي لدى إبنه جاستن في اتخاذ الوضع المناسب في الموقف المناسب، وهذا ما يحبه ويفضلّه المصوّرون. التزحلق على الدرابزين، الرقص خلف الملكة، تقليدياً، أقلّ وسامه من إبنه، غير أن ملامحه كانت أكثر جاذبية وحدّة، فمعظم مَن كانوا في جيلنا يمتلكون في ذاكرتهم صورة لا تُمحى عن ترودو الرصين، ترودو المتهّور، ترودو العصبي، ترودو الخطير، وغيرها من الأوصاف.

عندما ترشّح ريغان للرئاسة قرّر المصور وضعه للتصوير إما أمام تمثال الحرية أو جعل جبال الروكي خلفية له

أثناء إعداد هذا المقال، بحثت عن الصورة التي يتذكّرها معظمنا عن ترودو الأب وهو يشير بإصبعه من نافذة القطار ناحية الغربيين - الكنديين. تبدو، رغم ذلك، كأنها مشكوكٌ في صحتها. كأن خيطاً ما يوصلنا إليها. حتى أننا نتذكّر صوَراً لم توجد.

  • روبيرت ستينفيلد

قبل صورة " الوجه الأسود" أو "الوجه البني" لجاستن ترودو هذا العام، كانت الصورة التي تُعدّ الأكثر تداولاً في الأخبار السياسية الكندية بما تحمله من دلالة سلبية هي الصورة الشهيرة لروبرت ستانفليد وهو يحاول إمساك الكرة على مدرج المطار. نشأ سوق صناعة الأكواخ حول هذه الصورة. وأما مسألة ما إذا كان تم التقاط الصورة الساخِرة من سلسلة تركّز على إظهار مهارات ستانفليد في كرة القدم، فهي مسألة أخلاقية صحفية بالتأكيد، ولكن هذا لا يعني أن الصورة هدفت إلى تشويه سمعة ستانفليد. 

تعود الصورة إلى عام 1974، كانت من الحملة الثالثة لستانفليد ضد بيير ترودو، حيث كان ستانفليد في عامه السابع كزعيم لحزب المحافظين. لم تكن أهمية الصورة سياسياً في أنها عرّفت رجلاً غير معروف لعدد من الناخبين. ومما لا شك فيه أن محرّر صحيفة جلوبال آند ميل وضعها في الصفحة الأولى بوعيه أن الصورة كدلالة تشير إلى أن ستانفليد أكبر سناً وأقل رشاقة من منافسه ترودو الشاب الرياضي.

تعمل الصحافة التي تسعى إلى إثارة الصخب بطريقتين، وهذا غير محدود في الصوَر الفوتوغرافية. إما تعمل على تضمين وإظهار الدلالة كانطباع سائد وعام ولكنّه قد يحمل بعض الغموض، وهذا ما ينطبق على صورة ستانفليد. أو على تحويل الدلالة الضمنية إلى عامل هجومي وتغيير الفهم السائد والمباشر لها، وهذا ينطبق على صورة دوغلاس. 

الآن يمكننا الإشارة إلى صورة " الوجه البني"/ "الوجه الأسود" التي التقطت لترودو في حفل أقيم في أكاديمية "ويست بوينت غراي". هزّت هذه الصورة الانتخابات الكندية السابقة لعدّة أيام. وليس من المُستغَرب أن يستخدم أندرو شير – قائد حزب المحافظين – الصورة بشغف في مُناظرة اللغة الإنكليزية عندما تجاهل السؤال الأول الموجّه إليه واستخدم الصورة ضد ترودو كاستعارة دلالية لما يعتبره أحد إخفاقاته. 

كما هي الحال مع الكثير من الصوَر الفوتوغرافية، يمكن فهم الموضوع الأساسي ودلالاته الضمنية من أول نظرة، مع ذِكر أهمية الفحص والتدقيق. بالرغم من أن ترودو يقف خلف أربع نساء في الصورة، لكن من الواضح أنه الموضوع الرئيسي. بروزه ليس فقط بسبب وجهه المصبوغ بالأسود والذي تبرز منه ابتسامته بأسنانه البيضاء وعينيه، بل طوله ولفّة عمامته المُعقّدة. لا يمكننا معرفة ما تفكّر به النساء، ولكن من الواضح أن غبطة ترودو تتقاسمها معه السيّدتان الأقرب إليه، خصوصاً المرأة التي تحيط بها يدي ترودو وهي تضغط على إحداهما، أكثر من المرأة الأخرى.

تكمن قوّة الصورة في حقيقة أنها تكسر النظرة السائدة لترودو وتعززها بالوقت نفسه. بالنسبة إلى معظم الناس، ربما كان الانطباع الأول عند رؤية الصورة مُربِكاً. كيف يمكن لشخص بُنيِت شخصيته وصورته السياسية على الانفتاح والتنوّع والتعاطف مع المُهمّشين أن يكون سعيداً جداً بموقفه في الصورة؟ هل يمكن أن يكون ترودو ذات الشخص في الصورة ويكون الشخصية التي يقدمّها للعامة؟

تكمن قوّة الصورة في حقيقة أنها تكسر النظرة السائدة لترودو وتعززها بالوقت نفسه

لكن هذا يؤدّي بشكل سريع ومحتوم إلى الانطباع الثاني الذي تنتجه الصورة، ما يُثير ويُعيد الشكوك السابقة حول ترودو. هل يمكن ألا يكون ما تقدّمه صورة بشكل مباشر، وأيضاً  "ليس ما يسوّق ويُعلَن عنه " كما قدّمه خصومه المحافظون عام 2015؟ كان والده بيير متعدّد الوجوه، غير أن جميعها في الأماكن العامة ما عكس شخصيته المعقّدة والمُثيرة للاهتمام حتى عند خصومه. ولكن يظهر أن جميع هذه الوجوه تمثّل شخصية واحدة. فهل هناك جاستن ترودو الرجل الحسّاس الكريم الذي يمثّله في الأماكن العامة، وجاستن المُتخّفي، قليل الخبرة وضعيف الشخصية؟

بعد نشر الصورة كانت استراتيجية "الحزب الليبرالي" تقديم التسوية الأكثر سوءاً على شخصيتي جاستن ترودو، مع تبرير أخرق بعض الشيء، أن فهم جاستن ونظرته للعرقية تغيّرت بعد فترة من التقاط الصورة. 

غير أن مساعي "الحزب الليبرالي" أصبحت أكثر نجاحاً بتنقيبهم عن صورة سابقة تظهر يقظة ترودو وتعزّزها، حيث تدلّل على الامتياز وتعدّد الجوانب المؤثرة، على أمل أن تغطي أثر صورة "الوجه الأسود".

لقد فوجئت – شخصياً- بعض الشيء بعد نشر صورة "الوجه الأسود" بفترة وجيزة، كيف أعاد "الحزب الليبرالي" نشر الصوَر المألوفة لجاستن ترودو في حلبة الملاكمة أو جاستن ترودو في القارب! لكن سرعان ما أثبت نشرهم للصوَر فعّاليتها عندما حاول أحد المحافظين المتصيدين في إظهار أن رئيس الوزراء كان يقود القارب إلى الخلف وفشل في ذلك، محاولاً فعل المزيد من السخرية. 

في ما بعد، وبشكل أكثر وضوحاً، وبّخ شير، زعيم "حزب المحافظين"، على تويتر بسبب مسكة مضرب البيسبول غير المكتملة في صورة إعلامية على "تويتر"، والتي صورته ضارباً في مناظرة قناة TVA. كأنها ظلال بوب ستانفيلد.

مع ذلك، فأنا أشكّك في الرواية التي تطرّق إليها بعض كتّاب الأعمدة في الصحف الكندية حتى قبل أن نرى أيّ دليل في استطلاعات الرأي بأن صورة "الوجه الأسود" لم تؤذ أو تؤثّر على جاستن ترودو. يبدو أن ذلك لم يؤثّر على "حزب الليبراليين" في موضوع صناديق الاقتراع ليوم أو يومين. لكنه أثّر بشكل واضح على طريقة رؤية معظم الكنديين لترودو، بما في ذلك الأشخاص الذين خطّطوا للتصويت له. على الأقل وضعت تلك الصورة حاجزاً في أمل إحياء نفس الحماس المثالي للناخبين الشباب لترودو في عام 2015، تلك الحماسة التي رفعت نسبة الإقبال في تلك الانتخابات، وربما أكسبته حكومة الغالبية حينها.

على المدى الطويل، فإن الأثر القوي للصورة سيعلق بالأذهان بشكل لا يُمحى عن جاستن ترودو ونظرتنا إليه. فلن يتم محو الأثر بنفس طريقة محو المكياج المسرحي. ما زال شاباً صغيراً وربما لا يعلن نعيه إلا بعد نصف قرن. ولكن عندما يحين ذلك، ستظهر حينها صورة "الوجه الأسود" بكل تأكيد". 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
 

علي عاشور

كاتب من السعودية