هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"

لاجئ في وطني

تمهّل الساقي وخاطبني بنبرة ملحوظة، عمّي أنا أريد دولارين!

  • لاجئ في وطني

استفقت من نوم عميق ذات صباح ومضيت إلى عملي كالمعتاد في كل نهار. أخرجت من جيبي نقوداً وطلبت من بائع القهوة على الرصيف فنجان قهوة وعلبة سجائر. تنبّهت إلى نظرات الساقي ( القهوجي) ترمقني بتعجّب، فبادرته: ما الخبر أيها الساقي؟ جاوبني: من أية بلاد أنت عزيزي؟ تعجّبت، لكنني عاجلته بطلب فنجاني وسجائري، فقد اقترب موعد عملي، غير عابئ بمزاحه الصباحي وأنا في أمسّ الحاجة إلى دقيقة أكسبها في رشفة قهوة ريثما أصل باب مدرستي.

هنا تمهّل الساقي وخاطبني بنبرة ملحوظة، عمّي أنا أريد دولارين! ما عادت هذه الأوراق تُصرَف بعد الآن ! فأدركت حينها أنني أحلم وتراودني مشاهد الغربة، فأنا في الحقيقة أسكن ها هنا في وطني مواطناً كريماً، فماذا إن لم تكن تلك حقيقة؟ أيعقل أن أكون لاجئاً في وطني ؟!

مضى يومي على خير من دون القهوة والسجائر وعدت إلى منزلي، أنتظر بفارغ الصبر سماع جرس المنبّه من الهاتف لأصحى من نومي وينتهي هذا الحلم الغريب، فقد اشتقت إلى الصباح وإلى قهوتي. ذلك لم يحصل، فبات ما تخيّلته حلماً، حقيقة. سارعت أقلّب في محطات التلفاز بحثاً عن خبر جديد، أبحث في رسائل هاتفي عن إيضاح ولو بسيط، أفكّر بمَن أتصل لأعرف عن المزيد. استغرق هذا كلّه مني لحظات من دون جدوى، حتى طرق باب المنزل...

صديقي عند الباب يهمّ بالدخول وأنا مندهش، كيف الحال؟ جلس وتناولنا بعضاً من الأحاديث، تناقلناها عن روايات وأشعار، ولكن لم أعرف أي شيء جديد، حتى أنني لم أسأله خشية من الإحراج، فلربما أنا اليوم لست أنا، دارت في رأسي حوارات مشتّتة لا نهاية لها، خلصت بعدها إلى المضيّ قدماً متماشياً مع الحال على حالها، أترقّب بحذر، كطائر أيلول المهاجر.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]