هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"

نخب الشتاء

في الأدب العربي يكثر الحديث عن الأطلال. في كلامها منطق. لكن ماذا عن التراب؟

  • نخب الشتاء

في اليوم التالي كانت في انتظاره كالمعتاد، عند الرصيف الشرقي لمترو الأنفاق، أومأ لها من بعيد بينما يحاول توضيب فنجان القهوة السريعة الذوبان في يده ويرتبّ شنطة جهاز الكمبيوتر المحمول على كتفه، ويُسارِع نحوها إلى الجهة المقابلة. عناق وقبلة سريعة ريثما تفتح أبواب القطار ويهمّ الجميع بالدخول. 

ساعة من الوقوف بانتظار الوصول، لأن محطة باب الطاحونة تأتي بعد بلدات عدّة من الريف الجنوبي، فما عدا أيام الإضراب والأعياد، تبقى المقاعد محجوزة منذ الصباح الباكر. 

بقي الإثنان طوال الطريق يتبادلان النظرات والهمسات عن الصباح والمساء، ويكمل كلّ منهما ما تبقّى من قهوته السريعة الذوبان، ببطء شديد كمَن يستمهل نفسه الوصول مع آخر رشفة، ولو حتى باردة. 

عند محطة الوصول في وسط المدينة، سألته بُعيد النزول عن ذلك الحلم الغريب، عن رائحة الطين وتلك الليالي الشتوية الدافئة. أتبعت من دون إفساح المجال للإجابة: أخبرني عن كفّ والدك المبلّل بالندى، وعن وجنتيه المُعفّرتين بالتراب، أجبني، لِمَ لا تقول شيئاً؟ 

لم يعرف إذا ما كان عليه الإجابة أم التريّث. يراقب عينيها بتعجّب وفرح، كذلك يغمره الشوق ويعصره الحنين. فهو منذ الأمس يعيش ذلك الشرق البعيد في ليله ونهاره. أكملت طريقها وبقي هو على صمته، لا يجيب. لم يشأ البوح بهذا الحنين. أصرّ أن يبقيه في داخله. يختزنه كشعلة حبّ تشعره بالدفء، يخشى على لهبها، إذا هو فتح لها باباً، أن تنطفئ.

جلس مساء يقلّب في رواية بين يديه وها هي تطلّ عند صوت الدقّة السادسة من الساعة العامة، خمس دقائق تفصلهما عن صافرة القطار العائد إلى باب الطاحونة. يعرف أنها تنتظر الجواب ولا تملّ الانتظار.

هي من باب الطاحونة، تبُعد أميالاً عن وسط المدينة. تعود إليها كل مساء وتمضي في حدائقها في الآحاد. الشرق له روايات وأساطير وحكايات حروب مرّ عليها زمن طويل. الناس فيه يعيشون الماضي في حاضرهم، مضى عليها وقت منذ أن كانت هناك، تحب الآثار وتعشق الجلسات القروية في الشتاء كذلك السياحة المشرقية. 

هكذا كان أول لقاء بينهما، في الحقل. كان هو محطّ أنظار الجميع، هنّ كنّ ثلاثاً يدرسن الأثر الثقافي الغربي على الفئات المجتمعية الزراعية في الشرق الأوسط. تحت وهج الشمس أطلّ بوجهه الأسمر عليهم، طويل القامة، قوي البنية، مفتول السواعد يحمل معولاً في يده اليمنى ولفافة تبغ في اليسرى. رفع يده ملوّحاً مرحّباً بهنّ. كان للحديث عن الزرع والثقافة والاغتراب، تتمة في المساء حول المدفأة على مائدة خبز التنور والزيتون. في هذه القرية كانت البداية، اليوم مضى عقد على وجوده في باب الطاحونة بقربها. جمالها الآخّاذ وحبّ السفر والعِلم والمغامرة دفعه حينها خارج القرية. أما باب الطاحونة، فتعود التسمية إلى وجود طاحونة قديمة ملاصِقة للجسر الأثري الفاصل بين البلدة وجوارها عند ضفة النهر، كانت في ما مضى مقصداً لأهلها والجوار.

اليوم أيقظه حلم من غربته، أضاء شعلته المشرقية مجدّداً، كان سبق له أن عبّر عن شوقه والحنين، لكن في كتب الأدب العربي يكثر الحديث عن الأطلال، هكذا علّلت له. في كلامها منطق. لكن ماذا عن التراب؟ بقي على حاله يستعيد حواراتهما السابقة حتى فُتِحَ باب القطار وهمّ الجميع بالدخول، نظر إليها قائلاً:

لا شيء عزيزتي سوى أحلام. ينتظرنا اليوم نخب الشتاء.