عماد الدين رائف

صحافي وكاتب من لبنان

بناة قلعة بعلبك.. فضائيون أم عمالقة؟

حتى زماننا الحاضر، تستمر الخلافات حول طريقة بناء صروح بعلبك، وهي أضخم مجمّع تاريخي في منطقة البحر المتوسط.

  • رسم قلعة بعلبك من كتاب وود وداوكينز (1757)

تتخطى عظمة هياكل بعلبك ما رسخ في أذهان أجيال من العرب كانوا يرونها مرسومة بريشة بافل كوروليوف على أوراق العملة اللبنانية، حيث تنتصب أعمدة معبد جوبيتير الستة فوق صخور عملاقة، يظنّ البعض أنّها لم تنحت على أيدي البشر ويدرج آخرون ذلك في إطار الأساطير، إلا أنّه قد يفاجئك أن تسمع رأي البروفيسور في الفيزياء والرياضيات، رائد الفضاء السوفياتي غيورغي ميخائيوفيتش غريتشكو (1931 – 2017)، وهو عالم قضى أكثر من 134 يوماً في الفضاء الخارجي في خمس رحلات فضائية.

في لقاء جمعنا بغريتشكو في بيروت، في آذار/ مارس 2011، عبّر صراحة عن أنّ هياكل بعلبك دليل على أنّ بناتها من خارج كوكب الأرض.

قال: "قد لا يوجد دليل مباشر على أنّ قيام كائنات فضائية بزيارات لكوكبنا، لكن هناك الكثير من الأدلة غير المباشرة هنا. جئت إلى لبنان لزيارة معبد جوبيتير الذي يقف على منصّة لا يوجد أي رافعة حديثة يمكنها أن ترفع أحد أحجارها، تم رفع الأحجار العملاقة التي تزن آلاف الأطنان بعضها فوق بعض، بحيث لا يمكن إيلاج شفرة سكين بينها. كنت أعتقد أنه تعبير مجازي، لكني تحققت من ذلك بنفسي. حتى الآن لا توجد تقنية من هذا القبيل يمكنها معالجة وتثبيت هذه الكتل الضخمة بهذا الشكل".

يوم كانت الأعمدة تسعة

  • طابع بريدي سوفياتي صدر سنة 1878 عن إطلاق مركبة "سالوت 6" فيه رسم رائدي الفضاء غريتشكو ورومانينكو
  • كتاب "الأوكران ولبنان" المتضمن رحلة فاسيل فارسكي (1728)

يعيد كثيرون الفضل في تعميم عظمة هياكل بعلبك في أوروبا إلى المعماري الإيرلندي روبرت وود (1717 – 1771)، وزميله جايمس داوكينز (1722 – 1757)، إثر زيارتهما إليها بعدما زارا تدمر (بالميرا)، سنة 1751، وصدر كتابهما "أطلال بعلبك أو هليوبوليس في سوريا المجوفة" في لندن سنة 1757.

يقول وود: "إن أطلال بعلبك، إذا ما قارنّاها بالمدن الأثرية التي زرناها في إيطاليا واليونان ومصر وبلدان آسيوية أخرى، تبدو المشروع المعماري المنفذ الأكثر جرأة حتى اليوم".

وقد جال هذا الكتاب في المدن الأوروبية ودفع بالكثير من المغامرين إلى زيارة القلعة، لا سيما وأن المهندسين زودا كتابيهما برسوم معمارية بديعة منها رسم لقلعة بعلبك ذات الأعمدة التسعة. نعم، كانت تسعة يوم زاراها، واستمرت تسعة لمئات من السنين، إلا أنه وبعد صدور هذا الكتاب بعامين، فجر 19 تشرين الأول/ أكتوبر 1759، اجتاح زلزال مدمّر سهل البقاع، فأطاح ثلاثة من أعمدة القلعة. وقد أفرد عيسى إسكندر المعلوف لهذا الزلزال المدمر الذي أزهق عدداً كبيراً من الأرواح وهدم البنيان من بعلبك إلى دمشق، صفحات من كتابه الفريد "تاريخ البقاع وسوريا المجوفة" (بيروت: دار الفارابي، 2018)، الذي صدر بتحقيق من زهير هواري وإبراهيم مهدي، وبتقديم من فواز طرابلسي. ويعتقد باحثون أن قوة الزلزال زادت عن سبع درجات على مقياس ريختر، كي يحدث خراباً هائلاً يطيح الهياكل والأعمدة.

بارسكي: المدوّن الأول

  • مشهد عام لصروح بعلبك التي دمرها زلزال (1759)، من كتاب وود وداوكينز (1757)
  • رسم قلعة بعلبك من كتاب وود وداوكينز (1757)

قبل وصول وود ودواكينز إلى بعلبك بنحو ربع قرن، زارها الرحالة والحاج الكييفي (نسبة إلى العاصمة الأوكرانية كييف) فاسيل هريغوروفيتش بارسكي (1701 - 1747)، أثناء رحلته إلى بلادنا، التي جال فيها بين القدس ومدن ساحل بلاد الشام كلها، ومعظم أديرة جبل لبنان، وأقام مدة في طرابلس ثم في دمشق، ودوّن تفاصيل رحلته في كتاب ضخم بعنوان "الرحلة إلى الأماكن المقدسة في الشرق"، الذي كتبه بارسكي باللغة الروسية القديمة.

يقول البروفيسور إيهور أوستاش في كتابه "الأوكران ولبنان" (كييف: دار دولبي، 2019)، الذي تشرفت بترجمته من الأوكرانية إلى العربية: "يصعب اليوم تخيّل حقيقة أنّه ولمدة تصل إلى 24 عاماً تقريباً (من 1723 حتى وفاته) كان بارسكي يسافر سيراً على قدميه إلى دول أوروبا الغربية والشرق الأوسط، تاركاً ملاحظات دقيقة ونحو 150 رسماً توضيحياً، ورسومات تطبيقية بالحبر. لقد كان ذلك إنجازاً رائعاً في تلك الحقبة، لكون السفر بتلك الطريقة كان محفوفاً بالمخاطر، ولكون جملة من الأهوال كانت تهدّد الحياة في كل مكان. وقد أنجز مهمته الجسيمة بفضل تعليمه العميق الذي تلقّاه في أفضل أكاديميات زمانه في كييف ولفيف".

وقد ضمّ كتاب أوستاش، فصلاً كاملاً عن رحلة بارسكي الشاميّة، يتضمن مشاهدات الرحالة ولقاءاته مع السكان المحليين ووصفه للأماكن التي زارها.

يصف بارسكي الطريق من الأرز إلى بعلبك، ثم يقول: "وصلت إلى هليوبوليس في 2 أيلول/ سبتمبر (1728)، ومكثت هناك عشرة أيام في منزل مسيحي أرثوذكسي مضياف... هليوبوليس اسم المدينة باليونانية، في حين أنّ العرب الذين يعيشون فيها يسمونها بعلبك، وهي مدينة أنشأها العمالقة الكبار الأشداء. كانت ذات يوم جبّارة كبيرة مبهرة مزدحمة بالناس، لكنها اليوم ليست كذلك. لقد باتت مقفرة جزئياً، وفقدت جمالها العظيم الذي يمكن التعرف إليه من بين الأنقاض".

يعطينا بارسكي فرضية أخرى، تتعلق بـ"العمالقة"، والتي سمعها بوضوح من معاصريه المحليين: "القلعة لا تزال قائمة، تستحق الثناء الكبير وتستحق دهشة أكبر، لأني وخلال رحلتي الطويلة لم يحدث أن رأيت شيئاً أعجب من هذا البناء العظيم والأبدي، إذ قام الإغريق القدماء بتشييده بقوة وشجاعة إلى جانب شعب عظيم يسمّى بالعمالقة، فإن كنا لا نراهم فإن السماع بشأن خلقتهم أمر غريب. إنهم أناس طوال كالجبال، والتأمل اليوم بما صنعت أيديهم يتطلب كثيراً من الجهد. فقد شيّدت القلعة بحجارة صلبة كبيرة منحوتة من الصخر الأبيض المائل للأصفر، جدرانها مرتفعة وسميكة للغاية، على الجزء العلوي منها يوجد ممر سري مسقوف. والأحجار هنا بأحجام مختلفة... الناس اليوم لا يمكنهم مهما بلغت قوتهم تحريك هذه الأحجار بأي شكل من الأشكال".

حتى زماننا الحاضر، تستمر الخلافات حول طريقة بناء صروح بعلبك، وهي أضخم مجمّع تاريخي في منطقة البحر المتوسط. هناك فرضيات مختلفة تتعلق بكيفية بناء هذه الهياكل الفريدة، من أبسط الأفكار إلى أكثر الأجهزة الهندسية تعقيداً، وتنتهي بفرضيات حول حضارات بائدة... وفضائيين آتين من كواكب أخرى. ومن بينها تبرز فرضية الكاتب السويسري المثير للجدل إريك فون دينكن حول الصروح القديمة في كتابه "عربات الآلهة" (1968)، وقد حظي هذا الكتاب، في عام 1970، بتصوير فيلم وثائقي عنه بعنوان "ذكريات عن المستقبل"، المخرج هارالد رينل (1908 -1986)، ورشّح لنيل جائزة "أوسكار" في زمانه. وهو يدعم فرضية زيارات "رواد الفضاء القدامى"، أو بعبارة أخرى يدّعي أن أصل هذه الصروح من خارج كوكب الأرض.