أنطون تشيخوف الإنسان في الـ 160 من عمره

تمتّع بفن اكتشاف الجوانب المُبتذلة من حياتنا وإبرازها بشكل مذهل.. ماذا تعرفون عن أنطون تشيخوف؟

  • أنطون بافلوفيتش تشيخوف

رأى مكسيم غوركي أن أنطون تشيخوف (1860 – 1904)، الذي نحتفل بالذكرى الستين بعد المئة لولادته "كان يتمتّع بفن اكتشاف الجوانب المُبتذلة وإبرازها حيثما كانت.. ولا يتملّك هذا الفن إلا شخص مُتشدّد في مطالبه إزاء الحياة، الفن الذي تخلقه رغبة قوية في رؤية الناس من حوله على سجيّتهم جميلين مُتجانسين.. استطاع تشيخوف في قصصه الأولى أن يستخرج من بحر الابتذال الراكِد مزاحاً مأسوياً كئيباً، يكفي أن تقرأ قصصه القصيرة الساخِرة كي تقتنع بما كان يراه بحزنٍ ويخفيه بخجلٍ من أشياء قاسية مُنفرّة وراء الكلمات والمواقف المضحكة".

إنّه تشيخوف، أبو القصة الاجتماعية القصيرة، ومُبدِع المسرحية المستمدة من ألم الناس، ويندر أن نجد مثقفاً حول العالم لم يحتك بأدبه ويتفاعل معه. وينبغي أن نذكر هنا أن بعض الكتّاب العرب لا يزالون يكتبون إسم عائلته "تشيكوف"، ومردّ ذلك إلى أن ناقلي قصصه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر كانوا قد ترجموا له من الفرنسية إلى الروسية. 

الحجّ إلى تاغانروغ

  • داخل "متحف بيت تشيخوف" وهو المنزل الذي ولد فيه الكاتب في مدينة تاغانروغ
  • مقطع من لوحة تشيخوف للفنان أوسيب براز (1873-1936) تعود إلى عام 1898

كثيرة هي المرات التي قيل لنا فيها إننا محظوظون لكوننا نعيش في مدينة روستوف على الدون، التي جمعت مقاطعتها بين ميخائيل ألكسندروفيتش شولوخوف (1905 – 1984)، وأنطون بافلوفيتش تشيخوف، وبأن بضع عشرات من الكيلومترات تفصلنا عن مسقط رأسيّ هذين الكاتبين العبقريين. ولعلّ عبقريتهما تكمُن في لملمة القصص من حياة الناس العاديين وإخراجها في قالب أدبي يسهل على القارئ فهمه وتلمّس جماليّاته.

قبل نحو ثلاثة عقود، سرتُ في أزقّة تاغانروغ (جنوب روسيا الاتحادية) خلف رفيقات ورفاق في خط، كما تمشي فراخ البط خلف أمّها، قادتنا أستاذتنا ألكسندرا فاسيلفنا من مَعْلَم تذكاري إلى آخر في هذه المدينة الصغيرة، التي تفخر بأنّها أنجبت أحد أبرز الكتّاب العالميين أنطون تشيخوف. سرنا على جانب الطريق يرافقنا صوت تحطّم القشرة الجليدية تحت أقدامنا، ونحن نحمل وروداً حمراء سرعان ما وضعناها واحداً تلو الآخر تحت قدميّ تمثال تشيخوف ذي الأمتار الثلاثة، الذي جسّده النحّات أوليان ميتروفونوفيتش روكافيشنيكوف (1922 – 2000) جالساً، ناظراً إلى البعيد، مُسنداً يسراه على ركبته، يحمل بها كتاباً.

آنذاك، كنت ناقِماً على ألكسندرا فاسيلفنا، إبنة تاغانروغ، التي أجبرتنا على قراءة قصة "الرغبة في النوم" لتشيخوف في يوم عطلة، فقد حدّثت نفسي أن أجد ترجمتها العربية في أعمال تشيخوف المختارة التي نقلها إلى العربية أبو بكر يوسف، وكنت قد ابتعت أجزاءها الأربعة من "بيت الكتّاب" في موسكو، فتمنّيت لو أنتهي سريعاً من هذا الواجب فأنعم بالعطلة، لكنّ تلك القصة لم تسلك طريقها إلى هذا الكتاب! فنقمت على ألكسندرا (التي كنا ندعوها بيننا "شورا" تحبّباً) لاختيارها، وعلى يوسف لعدم ترجمته إياها، وعلى تشيخوف نفسه الذي كثّف المأساة في قصّته، فأنهاها بقتل طفل. سرت أردّد في ذهني مصطلحات روسية كانت جديدة على مسمعي تتعلّق بانهيار الاتحاد السوفياتي وتفكّك وجوده القانوني، إذ كان قد مضى نحو شهر على ذلك.. ولم أر من معالم هذا الانهيار في تاغانروغ سوى استبدال العَلم الأحمر فوق مبنى حكومي بآخر ذي ألوان ثلاثة، وأن موظفة "بيت تشيخوف" المُتجّهمة، ابتسمت لنا فقط لأنها تقاضت رسم الدخول ولم تقطع بطاقات زيارة المتحف.. ودسّت النقود في جيبها.

وجهاً لوجه مع الكاتب

  • كلية تاغانروغ للبنين، حيث تعلم فيها تشيخوف، ثم تحولت إلى متحف تشيخوف الأدبي
  • طابع بريدي سوفياتي يعود إلى 1960، وهو يؤرخ للمرحلة المسكوبية من حياة تشيخوف (1886-1890)

في تاغانروغ تستمع إلى ما وراء الأدب، وتتعرّف إلى تشيخوف عن قرب، فقد كان جدّه إيغور ميخائلوفيتش تشيخوف قِناً (عبداً)، واستطاع بشق النفس أن يحرّر نفسه وأسرته، ولم ينس الحفيد أنطون ذلك يوماً، فعام 1899، عندما منحه القيصر نيقولاي الثاني لقب سليل النبلاء بموجب مرسوم مشفوعاً بوسام القدّيس ستانيسلاف من الدرجة الثالثة، لم يقبل أنطون بافلوفيتش بهذا الامتياز، ولم يبالِ بالمرسوم الإمبراطوري. كما لم يبالِ بلقب الأكاديمي الفخري في أكاديمية العلوم الروسية، إذ اعتبره عديم الفائدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن قصص هذا الكاتب المُهذّب الخجول وقّعت بنحو 50 إسماً مستعاراً، اشتهر منها إسم "أنتوشا تشيخونتي"، ومن بينها: شيللر شيكسبيروفيتش غيته، شامبانسكي (الشامبانيا)، "شقيق شقيقي"، الحلقة 6 والحلقة 9، رجل بلا طحال، أكاكي تارانولوف، شخص ما، أرخيب إنديكين، فاسيلي سبيرودونوف سفولاتشيف، وغيرها. ولم يظهر توقيع بإسمه الحقيقي سوى في مجلة "الزمان الجديد"، لكون مُحرّرها لم يقبل إلا بذلك. ويُقال إنّه، حتى بعدما ذاع صيته في أنحاء روسيا القيصرية كلها، كان يوقّع قصصه الساخِرة بأسماء مُستعارة.

وكان تشيخوف قد كرّس جزءاً مهماً من وقته لأعمال الخير الإنسانية، ولم يقتصر في ذلك على مهنته كطبيب، حيث كان يستقبل المرضى ويزوّدهم بالأدوية مجاناً، بل كان كذلك يجمع الأموال للمُحتاجين ويساهم في بناء المدارس للفقراء. ولعلّ ذلك يفسِّر أمراً غريباً، وهو أنّ تشيخوف في زمانه كان يُسمَّى "بطلاً"، وكان على العكس تماماً من صورة "البطل" في الميثولوجيا أو الفابيولا الروسيتين، فلم يكن عظيم القامة مفتول العضلات صراخه يملأ السهوب، بل كان شاباً هشّاً ذا صوت خفيض بالغ التهذيب عانى لسنوات من مرض السل، وعلى الرغم من ذلك كان يمثل بنظر مُعاصريه "البطل الروسي الحقيقي". ولم يرتفع صوت أنطون إلا حين كان يشكّل مع والده وأخته داخل المنزل جوقة تؤدّي الترانيم الكَنَسية الأرثوذكسية.   

"لكل شخص لغته"

  • بقالية آل تشيخوف التي تحولت إلى متحف في تاغانروغ، ويستقبلك أمامها تماثيل أبطال قصص الكاتب
  • تمثال تشيخوف في تاغانروغ للنحات أوليان روكافيشنيكوف

تشعر حين تقرأ أدب تشيخوف في القصة والرواية والمسرحية، وكأنها كلها إن جُمعت في نص طويل، تعيد تشكيل ملامح الناس من حول الكاتب، وقد برع في تصويرهم، وذلك لمقدرته العالية على فَهْمهم وتفكيك عقدهم الاجتماعية، ورصد انفعالاتهم وردود أفعالهم، في سَبْر شخصياتهم وتفاعلها مع الآخر والمجتمع، وفي ترسيخ قِيَم الجمال والخير والحب. وقد استحضر مكسيم غوركي في تأبين صديقه تشيخوف بعض القصص التي تعبّر عن ذلك، ومنها أن إحداهن سألته في محضر غوركي: "أتحب اليونانيين أكثر أم الأتراك"؟ فأجابها: "أنا أحب المرملاد (مربّى الحمضيات مع قشورها، يعدّ أشهر أنواعه من البرتقال).. أتحبينه أنت؟".

إلا أن هذا مجرّد اقتباس من كاتب كبير ليبدو الأمر كدعابة غريبة، لكن المشهد الكامل، الذي كان غوركي شاهداً عليه، يظهر مدى دقّة أنطون بافلوفيتش في فَهْم مشاعر محادثاته. وقد روى ذلك غوركي، فقد زارت تشيخوف ثلاث نساء يرتدين ملابس فخمة، ملأن غرفته بحفيف تنانيرهن الحريرية وروائح عطورهن النفّاذة، جلسن قبالة الكاتب بأبّهة وتظاهرن باهتمامهن الكبير بالسياسة، وبدأن بإثارة الأسئلة. "أنطون بافلوفيتش، ما رأيك، كيف ستنتهي الحرب؟". سعل أنطون تشيخوف، فكّر ثم أجاب بهدوء وبلهجته الجديّة المُحبّبة: "ربما بالسلام". سألته الثانية: "حسناً، نعم، بالطبع! لكن مَن سيفوز؟ اليونانيون أم الأتراك؟". أجابها: "يبدو لي أن الأقوى سيفوزون". "ومَن برأيك الأقوى؟" – سألته السيّدتان الأخريان معاً. أجابهما: "أولئك الذين هم أفضل تغذية وأكثر تعليماً". هتفت إحداهن تعجّباً: "آه، كم هو ذكي!". فسألت أخرى: "ومن تحب أكثر.. اليونانيين أم الأتراك؟". نظر إليها أنطون بافلوفيتش بمودّة ورافق إجابته بابتسامة وديعة: "أحب المرملاد، أتحبينه أنت؟". أجابت السيّدة بحماس: "أحبّه كثيراً جداً"، وأكَّدت أخرى: "إنه لذيذ جداً". وغدون يتحدّثن ثلاثتهن بعفوية وانطلاق معاً، ليكشفن مدى سعة اطلاعهن ومعرفتهن الدقيقة بالمواضيع المتعلّقة بالمرملاد. كان سعادتهن واضحة جداً، فلم يحتجن إلى الضغط على أذهانهن والتظاهر بالاهتمام بالأتراك واليونانيين، وهو موضوع لم يحتجن إلى التفكير فيه قبل اللقاء. وأثناء مغادرتهن وعدن أنطون بافلوفيتش بسرور: "سوف نرسل إليك المرملاد". إثر مغادرتهن قال غوركي لتشيخوف: لقد كنت رائعاً في حديثك، ضحك تشيخوف بهدوء وأجابه: "ينبغي أن يتحدّث كل شخص بلغته".

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
عماد الدين رائف

صحافي وكاتب من لبنان