قمَرَان

في غربة قريبة بعيدة، لم أجد يوماً يديّ أمٍّ تمسح دمعتي ولا عطف أب يوجّهني، ولا محبّة أخت تقف بجانبي في مرضي.

  • قمَرَان

 

غارقة في قلعة بيتي. مكثت داخلها أحدّد أهدافاً تمكّن أولادي من تغيير العالم على مدى سنوات، وأرسم خطط المواجهة مع الدّنيا. هناك وصلني الخبر؛ أصيبت أمّي العجوز بجلطة لم تخرجها من دار الفناء. وأصيب أبي الكهل بذبحة قلبيّة لم تأخذه إلى دار البقاء. خرجا من المشفى مُتعبَين نفسيّاً وعصبيّاً وجسميّاً. أصبحا محتاجَين بعد أن كانا يُغدِقا من إحسانهما على أبنائهما الخمسة.

    كنت واحدة من أولئك الخمسة؛ لكنّني تزوّجتُ وغادرت مدينتي صوب قرية في أقصى حدود البلاد. أنجبتُ وبنيتُ أعماراً لأفراد أسرتي. وهدمت في المقابل أعماراً من أحلامٍ كثيرة قد لا تعدّ، ومنها: إكمال دراستي الجامعيّة العليا. لم يحصل في حياتي الزّوجيّة، أمرٌ غريبٌ عمّا يحصل مع كلّ الناس. عشت مثل الغالبيّة كثيراً من السّعادات والمآسي. المآسي التي تدفع إلى الصُراخ والغضب والتسرّع والمرض والنحيب. لكن كلّ ذلك لم يوجع قلبي مثل الخبر الذي دفعني إلى كلّ تلك المشاعر مُضافةً إلى غصّة النّدم على لحظة وافقت فيها على الزّواج والابتعاد عن أمّي وأبي.

     في غربة قريبة بعيدة، لم أجد يوماً يديّ أمٍّ تمسح دمعتي ولا عطف أب يوجّهني، ولا محبّة أخت تقف بجانبي في مرضي، ولا مساندةَ أخٍ يمرّ خطّ اتصاله نحو "تلفوني" ليسأل ماذا بك. لم أكن محتاجة لهم. وكنت أكتفي بزيارة كلّما سنحت الفرصة أو جاءت مناسبة. قوّيت نفسي بمسبّب الأسباب. ولكن مَن يشفي غليلي وانشغال بالي على حبيبين أُدِينُ لهما بوجودي ونجاحي وصحّتي.

   المال من خمسة بنين وبنات، لا يكاد يكفي لمعيشة مسنّين إثنين، وأدويتهما، ومراجعاتهما للأطباء. والوقت عند خمسة لا يكاد يكفي ليواظب كلٌّ منهم على حضور يومي يُعطى الأولويّة عن كلّ واجبات الحياة. كنّا جميعاً نزور، وندفع بضع ليرات هنا وهناك، كلٌّ حسب قدرته، لأجل عيشٍ كلُّ ما فيه ثمنه نقود، من كهرباء وماء ونظافة وعلاج وطعام ووسائل تدفئة أو تبريد. والدانا تعبا لأجلنا والآن نتعب لأولادنا. كلّنا لدينا انشغالات. وأنا بعيدة مكانيّاً جداً. وبعيدة عن التواصل جداً. فالوالدان يصعب أن يسمعا إن هاتفتُ. ويصعب أن يشاهدا وجهي إن اتصلتُ. إنّها الشيخوخة. وحتماً عانت منها عائلات لا تُحصى. 

- ألا تريحينا قليلاً من النّكد، إنّهما بألف خير.

  هذا ما قابلني به أحد إخواني. حين بالغت يوميّاً بالسؤال عنهما. وأنا وسط حنين. حنين لدرجة شعرت معه بأنّ أمّي تقف إلى جانبي في المطبخ، أسمع أنينها وأرى دموعها، وأشهد على نظرة العتاب المخبوء في عينين جفّتا من كدر الوحدة، وعلى ارتجاف يديها وهما لا تستطيعان رفع ملعقة. حنين شعرت فيه بأنّ ظلّ أبي يجلس قربي أمام التّلفاز، أسمع سُعالَه، وأرى إعراضَه عن كلّ ما حوله، ويداه مرتفعتان بالدّعاء لنا تكادان تتجمّدان من البرد. والمطرُ فوق رأسه يقرع سقف الغرفة المدعّم ببعض ألواح التوتياء تجنّباً لتقاطر الماء إلى الغرفة.

- حسناً، سأحضِرُ خادمة توجّهينها يا أختي، ونتشارك في تكاليف معاشها. 

هكذا قلت لأختي. لكنّهما لم يتقبّلا الفكرة، خافا من أنباء الخادمات التي لم يعرفا إلا الجانب السّلبيّ منها.

حسناً، سأعدّ للأبناء الأربعة برنامجاً للمداومة في ساعة مُحدّدة عند المسكينين كما في مشفى مثلًا. ربما بدا ذلك تنظيراً من البعيد، لا مشكلة. لكنّ البرنامج لم يجد مكاناً للتنفيذ، فكلّ لديه مواعيد في أعماله تتعارض ولا تسمح بالتنسيق. أقبض على وجع قلبي.

كنت في بيتي ووصلني الخبر. جارتنا القديمة تقول إنّ القمرين يقتربان من الأفول، وقد عادا إلى أرذل العمر لم يعد ممكناً أن يُتركا لوحدهما. "لا تؤاخذيني يا ابنتي أنا مثل أمّك ومثلما نسلّف نستوفي". أقبض على وجع قلبي.

في ظلمة الغربة، حسبت يوماً أن لا أحد سيصل إلى هذا العُمر، وحتى إنّ حصل. فالزّوجان يتساندان. لكنّهما بلغا معاً شيخوخةً مريضةً وعجزاً مرهقاً وصحةً منهارةً ومتاعبَ عميقةً، ولم يوافقا بأيّ شكلِ على مغادرة الجدران التي اعتادا عليها والعيش عند أبنائهما. 

حسناً، سوف أواكب تحسين البيت لهما ليصبح مؤهّلاً ليكملا ما تبقّى من عمرهما بأمان. لكن الفكرة لم تنجح. من أين رأس المال؟ ولو كان موجوداً لكانا عاشا الرّفاهيّة حين كانت عافيتهما معهما. أقبض على وجع قلبي. 

ربما لم تنعدم الحلول عقلاً ومنطقاً. لكنّها انعدمت في قلبي المشتاق. عندها أصرّيت أن أنفصل ولو مؤقّتاً. نعم انفصلتُ وأنا في العقد الرابع. عدت إلى زقاقٍ لا يأويني، لكنّ فيه والديّ. تركت حياة في وسط درجات سُلّم الحياة التي كنت أصعدها، حتى أستطيع النّوم ملء جفوني قرب مسندَي المسكينين في أعلى درجة من السلّم. 

    استنكر الغرباء فبرّرتُ أنّ كلّ الأزواج معرّضون. زادتني نظرات الشّكّ إصراراً. أخبرت روحي وقلبي أنّني أزور المدينة لأنّ زوجي ذهب مع أولادي المتفوّقين في إجازة الصيف كلّها في رحلة هدية خارج البلد. وأخبرتهما أيضاً بأنني سوف أعود إلى أسرتي حين تنتهي الإجازة. قلت لنفسي: تلك مدّة. وبعدها، إمّا يوافق زوجي على العودة النهائيّة إلى هنا، وإمّا أتوصّل إلى حلولٍ عمليّة وإمّا أموت، وطردتُ أيَّة خاطرة أخرى.

فرحت في تحمّل كلّ عناء وأنا أراقب دواءهما، وأنظّف حولهما، وأعدّ طعامهما وضيافة الزائرين، وأغطس في رطوبة بيروت وعرقها اللذين نسيتهما منذ زمن. لكنّ أمراً واحداً لم يفرحني تحمّله، هو أن تكون نهاية قصّتي اتّهام الأشقاء، بأنّي انفصلت من هناك، وحضرت إلى هنا طمعاً في ثروة مخفيّة. وقد راحوا ينفقون كلّ ما يملكون من وقت ومال وجهد ليعرفوا ما هي. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
نجوى الموسوي

كاتبة من لبنان