على شفا الموت في وصيّته الثمينة

يقول ماركيز في رسالته الوداعية: لو كنت أعرف إنها المرّة الأخيرة أراك نائمة، كنت آخذك في ذراعيّ وأصليّ أن يجعلني الله حارساً لروحك لو كنت أعرف إنها دقائقي الأخيرة معك لقلت أحبك ولتجاهلت، بخجل أنك تعرفين ذلك.

يحاضر ماركيز في الحب على مبعدة نفس من الموت
أميل إلى قراءة الكتّاب الذين يُفردون لي فضاءات، أنهل منها وفرة معرفة الكاتب نفسه وليس فقط روايته.

باستثناء الكتّاب اليابانيين: ميشيما، كاواباتا، كنزابورو أوى، وتالياً .. موراكامي، الذين كتبوا حيواتهم على شكل "اعترافات" أو لنقل مُقاربات صريحة وجريئة لواقعهم التاريخي والسياسي في اليابان، والأهمّ المقاربات العشقية غير الهيّابة والموّظفة جيّداً في خدمة العمل والنسيج الروائيين، على نحو سردي لا يوارب ولا يجمّل (نعثر أيضاً على مثل هذا البوح الصادق عند بعض الكتّاب الأميركيين وسواهم من الكاتبات: هنري ميللر، بول اوستر، توني موريسون، أناييس نن، دوريس ليسنغ الى بعض الكتّاب الفرنسيين والفرنسيات: سارتر، ساغان، آني أرنو  وكثيرات)، فإننا نعثر نادراً على هذا النوع من الأدب الاعترافي إن صحّ التعبير عند الكثير من الكتّاب العرب، الذين ينأون بأنفسهم وبكتاباتهم عن مُلامسة خباياهم الشخصية، ولعل الأمر على علاقة بمفهوم مُلتبس إلى حد بماهية الكتابة بحد ذاتها، وعلى علاقة أكيدة بمجتمعاتهم وثقافاتهم نفسها، وبالتابوهات التي تقف حائلاً بينهم وبين ذلك النوع من المُساررة بين الكاتب والقارىء.

نادرة إذن النصوص التي تُشبه أصحابها. أيضاً – وعبر متابعات منتبهة – يندر وجود النّص الذي يقترب من جوهر صاحبه.

الكاتب الراحل غابرييل غارثيا مركيز صاحب "خريف البطريرك" و "مائة عام من العزلة" و "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" إلى روائع كثيرة، كان بعيداً إلى حد عن البوح الذي عنينا بأجواء رواياته في عوالمها السحرية الخالصة وفي جمهوريات الموز والمعالجات الشتى بادية الفتنة ومقتربة من الأساطير، وقليلاُ ما أفرج ماركيز عن أسراره في كتاباته، إلى أن حانت لحظته، فخطّ لنا نحن قرّاؤه في رسالة أخيرة، رسالة وداعية أخيرة بعد تمّكن السرطان من جسده، عرف فيها كيف يرتفع بكلماته الشفيفة، حتى السماء، وكيف يجعل من كتابة رجل على شفا الرحيل، انعطافة بالغة الرقّة والصدق، تستجدي مزيد الأيام، لنهل مزيد من العشق، إذ غالباً على ما قال، نحن كائنات ضعيفة، تغلبنا الرهبة إزاء الإفناء، الإمحاء الأخير وشديد القسوة وسّام، قاس وخال من الرحمة، بارد وثلجي من دون العشق، من دون أن يحبّنا أحد أو نحبّهُ.

لم يختر ماركيز توصيتنا في رسالته الأخيرة، العمل على مزيد التسامح، أو مزيد الكرم أو التقوى أو السفر أو القراءة أو الكتابة أو الرحمة والغبطة وسوى ذلك، بل أوصانا تحديداً بمزيد العشق، الكثير من العشق، ويتوسّل ماركيز خالقه في سويعات موته: لو تهبني حفنة حياة أخرى، سأستغلها بكل قواي. ربما ما قلت كل ما أفكّر فيه لكنني حتماً سأفكّر في كل ما أقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثلهُ، بل لما تعنيه. سأنام قليلاُ وأحلم كثيراً وأبرهن للناس كم يخطئون لو اعتقدوا أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، فهم لايدرون إنهم يشيخون متى توقفوا عن العشق.

ماركيز الذي ظل حتى لحظته الأخيرة يغبط كاواباتا على روايته: " الجميلات النائمات"، متمنياً سراً وعلناً لو كان هو كاتبها، وحتى لحظته الأخيرة ظلّت "عينه عليها " مازالت على الرغم من روايته الشبيهة " ذاكرة غانياتي العاهرات" التي قصرّت عن رواية كاواباتا بكثير.

يقول ماركيز في رسالته الوداعية: لو كنت أعرف إنها المرّة الأخيرة أراك نائمة،  كنت آخذك في ذراعيّ وأصليّ أن يجعلني الله حارساً لروحك  لو كنت أعرف إنها دقائقي الأخيرة معك لقلت أحبك ولتجاهلت، بخجل أنك تعرفين ذلك.

هناك بالطبع يوم آخر، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل خيراً، لكن لو إنني مخطىء وهذا يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وكم إنني لن أنساك. لأن الغد ليس مؤكداً لا للشاب ولا للكهل. ربما هذا آخر يوم نرى فيه من نحبّ. فلنتصرّف، لئلا نندم لأننا لم نبذل الجهد الكافي لنبتسم، لنحّن، لنطبع قبلة، أو لأننا مشغولون عن قول كلمة فيها أمل.

رسالة ماركيز، احتوت طبعاُ إلى جانب توسّله العشق حتى الرمق الأخير، شغفه بالحياة في ما لو قُدرّت له ثانية من أولها، ورغبته إلى التبديل في طريقة عيشها حيث يولي الحلم فيها النصيب الأكبر من دون تبديده بالنوم وخسارة النور مغشياً في قلب الظلمة.

يحاضر ماركيز في الحب على مبعدة نفس من الموت، الحب الذي أضحى كلمة بلا معنى، سخيفة وغير مناسبة لدى الكثيرين راهناً، في ظل نضالات كبرى !! وأخطار كبرى تُحدق بالعالم، متناسين أنها البلسم الشافي للنجاة من الأخطار، والطريقة الوحيدة لكي تستجيب فيها أرواحكم لأرواح أخرى، وأجسادكم لأجساد أخرى، وهي وحدها الحظ المؤاتي لكم، المُنّجي من التشوّه والقتل.

 فالحب إلهيّ وصعب، ولا شبيه له في العالم، لا في السماء ولا على الأرض، لا في البحار ولا في الغابات وإذ اعتقدتم أنه عطيّة سهلة وغير ذات فائدة فذلك يعني أنكم أغبياء، وإذا اعتقدتم أن الحب طبيعي وبيهي فذلك لأنكم عميان – تقول توني موريسون – إنه شعور نتعلّمه وندفع لأجله الكثير.

لن يتذكّر أحد  أفكاركم المضمرة – يختم ماركيز رسالته – فاطلبوا من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya