دوستويفسكي...عظمة الأدب الروسي

فيلسوف و سياسي من عُظماء الأدب العالمي، هو فيدور دوستويفسكي من روّاد الكتابة والتأليف في روسيا في القرن التاسع عشر. ترجمت أعماله إلى لغات عدّة، و ما زالت حتى يومنا هذا تقرأ و تدرّس و تناقش أفكاره في مدارس و جامعات العالم، إذ عبّرت رواياته عن مكنونات النفس البشرية في كل حقبة و مكان. فكتابات دوستويفسكي ولجت إلى عمق السايكولوجيا وحاول من خلالها اكتشاف طبيعة الإنسان بينما رسمت من جهة ثانية و بدقّة عالية الواقع الروسي آنذاك.

ولعلّ طفولته التي أمضاها في الريف أغنت رواياته و شخصيّاته الخيالية بالمعلومات الحيوية والحقيقية التي اكتسبها من أسلوب حياة الفلاحين.أمه علمته القراءة و الكتابة و درس الدين و اللغة الفرنسية. في سنّ الثالثة عشرة أرسله والده إلى إحدى المدارس الداخلية في موسكو حيث جذبه الأدب والقراءة. و عشق الكسندر بوشكن الذي يعتبر على نطاق واسع أعظم شاعر روسي. إلا أن موت بوشكن شكّل ضربة عاتية على دوستويفسكي الذي تزامن أيضاً مع فجيعته بوالدته بعد صراع مع مرض السل.

تخرّج في كلية الهندسة العسكرية علماً بأنه لم يكن منجذباً إليها حتى أنه ترك مزاولة المهنة و فضّل الأدب والكتابة. و مذّاك شهدت السنوات التالية سيلاً من الروايات التي صيغت بأسلوب واقعي وعميق وضمّت شخصيات فريدة ميّزته عن غيره من الكتّاب فسطع نجمه.

كان من ضمن "دائرة بيتراشيفسكي" وهي مجموعة نقاش من رسميين وضبّاط و شخصيّات تقدميّة مناهضة بقوة للنظام الملكي و العبودية، ولهذا السبب اعتقل دوستويفسكي ثمانية أشهر. ومن داخل زنزانته كتب رواية "البطل الصغير". سرعان ما حكم عليه بالإعدام إلا أنّ القيصر خفّض الحكم إلى أربع سنوات من الأشغال الشاقّة، لكنّ دوستويفسكي ومجموعة من السجناء اقتيدوا بالفعل إلى ساحة الإعدام، ولم يعلن عن تغيير الحكم إلا في اللحظة الأخيرة قبل التنفيذ. هذا الهلع الذي عاشه  دوستويفسكي لاقى صداه لاحقاً في واحدة من أشهر رواياته "الغبيّ".

"الجريمة والعقاب" و"المقامر" عكستا انطباعاته خلال جولته في أوروبا ولا سيما علاقته المثيرة بـ" بوليناريا سوسلوفا".

و تبقى آخر مؤلّفاته " الإخوة كارامازوف" الرواية التي لخّصت وجهة نظره عن الحياة في روسيا في ذلك الوقت، روسيا المثقّفة و العصرية من خلال وقائع و أحداث داخل أسرة كرامازوف. 

مع الأستاذة تاتيانا كاساتكينا وهي واحدة من أهم الخبراء العالميين المتخصّصين في أدب فيودور دوستويفسكي، ننطلق في رحلة من الداخل لسبر أغوار هذا الرجل ومرتكزاته الفكرية وما أثّر فيه، وميّزات أسلوبه الروائي وعلاقته ب"توليستوي".  

الواقع أن كاساتكينا بدأت بقراءة دوستويفسكي منذ الحادية عشرة من عمرها وبشكل عام منذ ذلك الحين تقرّر بالنسبة إليها كل شيء."لقد أحببته منذ ذلك الحين والأهمّ من ذلك أنني فهمت أنه ذلك الشخص الذي يتيح للمرء أن يرى في الواقع أكثر بكثير مما يقدّمه لنا الواقع نفسه في العادة لنراه، فهو قادر على سبر أعماق الحياة لأنه هو دوماً ينظر بالإتجاه حيث المجريات الحقيقية، حيثما تجري الأحداث الحقيقية الكامنة في جوهر عالمنا وهو يركّز انتباه القارئ ليس على ما يسمّى بالحدث الجاري شكلياً بل على عمق كل حدث وحيثيّاته، هو يرى عمق تلك الحيثيّات بالمقارنة مع الأحداث الإنجيلية".  

أما عن الزاوية المحدّدة لدى دوستويفسكي التي ركّزت عليها كاساتكينا في حل رموزه وماذا اكتشفت في هذا المنحى فتقول: " في خلال القرن العشرين كان ينظر إلى دوستويفسكي الأصح أنه لم ينظر إليه بل كان يسمع له، فـ"ميخائيل ميخالوفيتش باختين" الفيلسوف و عالم اللغات الروسي البارز، لفت نظرنا إلى مسألة استيعاب نصوص دستويفسكي من خلال السمع. لقد كان يتحدّث عن الأصوات عند دستويفسكي."و تتابع البروفيسورة كاساتكينا في نفس السياق: "ومن خلال فهمي فإن دوستويفسكي نفسه رأى عمل الكاتب كعمل الرسّام في المقام الأوّل. و تحدّث دوستويفسكي عن نفسه كرسّام ومبتكرٍ للصور والرموز. لذلك فإنني أستعرض جوهر مجمل نصوص دوستويفسكي من خلال تحليل الرموز أي ما يبتدعه بواسطة الكلمات".
ولد فيودور دوستويفسكي عام ألف وثمانمئة وواحد وعشرين أي فقط بعد تسع سنوات من ولادة "تشارلز ديكنز" الكاتب الإنكليزي، وبالرغم من الفارق البسيط في العمر بين الرجلين يعتبر ديكنز قدوة ونموذجا لدوستويفسكي بحسب الخبراء. 
فدوستويفسكي معروف بشخصيّاته السيكولوجية القوية التي تمرّ عادة بامتحانات جدّية وعسيرة، ولكن بالنظر بتعمّق أكبر إلى شخصيّات دوستويفسكي، فإن هناك تشابهات ونظائر واضحة مع تلك التي لدى ديكنز. تاتيانا كاساتكينا تسلّط الضوء على مدى تأثير ديكنز على شخصيّات دوستويفسكي ولاسيما في روايته "الجريمة والعقاب". وتتحدّث بالتفصيل عن الرسالة الرائعة التي كتبها فيدور والتي تبيّن ذاتياً ومن خلالها يسهل شرح نظرة دوستويفسكي إلى هذا العالم في ما يتّفق مع كيفية كتابته لمؤلّفاته.

لحظات مريرة عبرت بدوستويفسكي إلى الإبداع في كتاباته و تلخّصها كاساتكينا بالتالي: "الحدث الأهم فهو بالتأكيد وقبل كل شيء إعدامه الذي لم يتم. و بعد ذلك وبعد النفي يظهر لديه الصرع. والصرع مرضٌ مثير للدهشة. المسلمون باعتقادي يعرفون ذلك أفضل من غيرهم و هو يسمّى بالمرض المقدّس ليس عبثا لأنه -عدا الأسباب الأخرى- فإن نوبة الصرع هي عبور من خلال الموت، لأن المصاب بالصرع يموت عدّة مرّات ويبعث من جديد. أي إنه يعبر من خلال حاجز الموت ودوستويفسكي في ما بعد كل حياته تشكّلت من ذلك التنقّل إلى الموت ومنه". وتضيف كاساتكينا: " كذلك كان هناك حدث آخر هامّ جدا ألا وهو من المؤكّد زواجه من "آنّا غريغوريفنا"،  وأعتقد أن ذلك شكّل نوعا من المعجزة". و الأسباب تشرحها أكثر الخبيرة المتخصّصة في أدب فيودور دوستويفسكي تاتيانا كاساتكينا.


لصورة أكثر وضوحا و قربا... تابعوا المزيد من الداخل.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
زينب الصفّار

أكاديمية وباحثة عراقية - لبنانية متخصصة بالقضايا الدولية. معدة ومقدمة برنامج "من الداخل" على قناة الميادين.