حسن عبد الله

رئيس القسم الثقافي وكاتب سياسي في الميادين، شاعر صدرت له مجموعتا شعر "صور الوله" و"مولانا الغرام"، له أبحاث جامعية في تحليل الخطاب السياسي والإعلامي، حائز على ديبلوم دراسات معمقة في علوم الإتصال وفلسفة اللغة من جامعة السوربون - باريس، ماجستير في الصحافة من الجامعة اللبنانية، عضو نقابة المحررين اللبنانيين، عضو جمعية الصحافيين العالمية في براغ.

زياد الدويري أو تبرير الخضوع؟

من أغمض عينيه وانشرح صدره من فعلة التواصل مع الإسرائيلي، لبنانياً كان أو عربياً، لغاية في نفسه أو نكاية بالمقاومة أو أملا بلفت النظر، عليه الإجابة عن أسئلة الكارثة التي حلّت بالعرب منذ أن قررت غالبية أنظمتهم أن إسرائيل ليست عدوا، وأنه بالإمكان فتح الباب أمامها لتتطهر من دم العرب بماء الغفران والتطبيع والسلام.

لا مجال للغفران أو المسامحة أو الأمل بالسلام إلا بهزيمة الصهيونية ودعائمها
لا مجال للغفران أو المسامحة أو الأمل بالسلام إلا بهزيمة الصهيونية ودعائمها

فليفعل المبدعون ما يشاؤون. يشرّقون أو يغرّبون. يعقلون أو يجنّون. لهم أن يمشوا على الماء أو يغربلوه. هم أحرار في مواهبهم وكيفية تظهيرها وتحريرها. لهم الحرية المطلقة.

لكن، دونهم كرامة التراب والجدائل وحدود القيم، ولو طاولت رؤوسهم قمم المجد في الفن والثقافة والإبداع والتعبير.

إسرائيل وصهاينتها، وليس اليهود بطبيعة الحال، عدو مطلق في الميدان والسياسة والمنابر والسينما والمسرح والشعر والعلوم وكل مظاهر الإنسانية. لحم أهلنا ليس للبيع والنسيان والمفاوضة والمهادنة والمبادلة ولو بعد ألف عام.

لا لسبي الأفكا ر وتخويفها. هذه مسلمة من مسلمات من يعمل في ساحة الرأي والقول الحر. لكن على من في رأسه ذرة حرية وإبداع أن يرى ويفهم أنه من المستحيل أن يختلط العرق الشريف بالعرق القذر، أو الفكرة الحرة بالأيديولوجية الدموية. ومن المخيف أن يركع الجبين المشرق بالعلم أو الفن أمام من ذبح وسبى أمة بكاملها.

لا مجال للغفران أو المسامحة أو الأمل بالسلام إلا بهزيمة الصهيونية ودعائمها، وفي مقدمها الفكرية والثقافية.

ليس الأمر متوقفا على زياد دويري أو غيره، الأمر يعني بنية متكاملة تُريد أن تَخضع بفعل أوهام ومفاهيم من قبيل عبثية الصراع ومآلاته الكارثية، التي تحاول جبهة التخلّي عن الحقوق تكريسها لدى العربي.

لدى المدافعين عن لقاء العربي بالإسرائيلي أيا يكن هذا وذاك، قاعدة غريبة عجيبة لتبرير فعلة التطبيع أو عدم الحرج في الذهاب إلى فلسطين تحت سلطة الاحتلال، قوامها أن دعونا لا نقيّد المشتغلين بالإبداع في كافة مستوياته. يقولون إن المبدع لا يمكن أن يتنفس مع القيود والحدود والالتزامات. يعني ذلك أنهم يريدون تحرير العربي العامل في الثقافة والفنون من مبادئ إنسانية وأخلاقية ليتمكن من التعبير عن مشروعه الثقافي بغض النظر عما يجره هذا المشروع على شارعه ومجتمعه ومستقبله.

تبريرات مُخيفة لجهة من يتبناها ويلوح بها، في بعض الوسط الثقافي والفني اللبناني والعربي، الذي لم يكن بحال من الأحوال، لينشط ويتفاعل إلى هذه الدرجة لو كان الأمر يتعلق بالدفاع عن الأرض أو الكرامة الوطنية.

وكما هو الخلاف اللبناني حول مشروعية وضرورة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، والمشاركة في مواجهة التكفيريين في سوريا وغيرها، يتمدد التباعد في وجهات النظر إلى قضية مقاطعة إسرائيل وأسلوب تطبيقها والمعايير الواجب اعتمادها.

اللافت في مسألة الدويري أنها تكشف جانبا رماديا في المجتمع اللبناني، يمكن، في ظله، لأي كان الدفاع عن الاتصال المحرم مع العدو، بذريعة حرية التعبير وضرورات الإبداع والواقعية، إلى آخره. وجهة نظر تلقى رواجا ولاسيما في أوساط مناهضي المقاومة ضد الاحتلال. لكنها لا تبدو قادرة على اختراق الوعي الجمعي وحرفه عن خط المقاومة والمقاطعة للكيان الصهيوني. خط المقاومة يتمدد ويتسع ويكسب مواقع جديدة، ولا سيما عبر حركة رفض التطبيع مع الكيان الإسرائيلي ومقاطعته في كل ساحة وميدان، وصولا إلى أوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية حيث يتنامى الإحساس بمعاقبة القاتل ونزع المشروعية عنه.

المؤسف أن بعض أبناء جلدتنا ما عادوا يتعرفون على هذا القاتل. البعض القليل ولكن الخطر، يريد التحايل على هوية القاتل وموقعه لتمريره في ثقافتنا وأسواقنا وأحلامنا.

من أغمض عينيه وانشرح صدره من فعلة التواصل مع الإسرائيلي، لبنانيا كان أو عربيا، لغاية في نفسه أو نكاية بالمقاومة أو أملا بلفت النظر، عليه الإجابة عن أسئلة الكارثة التي حلّت بالعرب منذ أن قررت غالبية أنظمتهم أن إسرائيل ليست عدوا، وأنه بالإمكان فتح الباب أمامها لتتطهر من دم العرب بماء الغفران والتطبيع والسلام.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]