بان الشمري

كاتبة من العراق

دعوة عشاء على مائدة الذكريات

كانتْ تتوق لأن تُمرّر يدها على وجهه برقّة.

لوحة لأميديو موديلياني
لوحة لأميديو موديلياني

قد يعود الماضي ليدُقّ بابكَ ووحدكَ من تملك القرار بفتحه واستقباله في حياتكَ مُجدّداً أو التظاهر بعدم سماع طَرَقاته.

رنّ هاتفها مُعلناً عن وصول رسالة؛ ففتحتها لتجد حروفاً مألوفةً لديها، وتسارعتْ دقّات قلبها مع كل كلمة تقرأها، ها هو يدعوها للعشاء بعد مرور زمنٍ طويل على فراقهما، يوّدُ رؤيتها مرةً أخرى!
وجدتْ نفسها تُسرِع الخُطى للقائه، لم تفكّر لحظتها بشيء سوى أن تذهب إلى ذلك المكان الذي جمعهما صدفة أول مرة، وعندما وصلت فجأة تحوّل كل شيء حولها إلى شريطٍ من الذكريات، صوَر وموسيقى وكلمات كانت تعشق سماعها ولم تتخيّل يوماً أنها ستفقدها..
جلستْ أمامه وكل منهما يقاوم ذلك الارتجاف في كل شبرٍ من جسدهما ويحاول إخفاءه، نظرَ إليها مباشرةً في عينيها وبصمتٍ عميق عبّرَ عن شوقه الدفين والفراغ الذي يعيشه من دونها، لكنها لم تستطع اطالة النظر وأحنتْ رأسها بخجلٍ فقال لها: لا زالتْ وجنتاكِ تحمران خجلاً عند النظر في عينيّ ولا زلتُ أتوقُ لتقبيلهما بحرارة.. ومدّ يده على الطاولة ليُلامس يدها بلطفٍ ثم أردفَ قائلاً: ولا زالتْ يدكِ مُخمليّة المَلمَس تبعثُ الراحة والدفء إلى روحي المُتعَبة، أرجوكِ تحدّثي ودعيني استمع للصوت الذي هجرَتْهُ مَسامعي رغماً عنها.. دعيني أُحَلِّق مُجدداً في سماء النشوة والسعادة وأتنقّل بين تلك النوتات الموسيقية الحنونة، لا تعلمين كم أنا نادمٌ لأني تخلّيتُ عنكِ في لحظةِ يأسٍ أصابتْ قلبي وجمود أحاطَ بعقلي جعلني أتصرّف بغباءٍ لا يُغتَفر.. سامحيني يا حبيبتي وقولي لي بأنكِ لن تُغادري هذا المكان وحيدة من دوني.

استجمعتْ قوّتها ورفعتْ رأسها لتنظر إلى ذلك الوجه، إلى تلكَ الملامِح الجذّابة التي حُفِرتْ في ذاكرتها للأبد، كانتْ تتوق لأن تُمرّر يدها على وجهه برقّة وتُداعب ذقنه.. لكنها نفضَتْ عقلها بسرعةٍ من كل هذه التخيُّلات ونطقتْ قائلة: كلا.. كلا لن أعود ! جئتُ إليكَ فقط لتراني أنا كما كنت لم أتغيّر، لتجدني أمامكَ حلماً بعيدَ المنال؛ لتعلم بأني لا أعود لماضٍ أفلتَ يديّ وتركني أمضي في الظلام كطفلةٍ وحيدة خائِفة، لن أعود لأنكَ بلحظةِ ضعفٍ أخرى ستتركني كما فعلتَ أول مرة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]