نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

راحلون.. وفلسطين باقية

تزداد هجرة اليهود من فلسطين وتتراجع الهجرة الجديدة إليها، وربما تتوقف، وتنضب.

استند قيام دولة الكيان الإسرائيلي في فلسطين المحتلة على عنصر بشري وافد من الخارج، تسرب إلى فلسطين لفترات طويلة من الزمن، وكانت من أهم عناصره تجميع أكبر عدد ممكن من اليهود في فلسطين بغية تقوية الواقع اليهودي فيها، تمهيدا لقيام الكيان على أنقاض نكبة ١٩٤٨.

على صعيد التسرب، ثمة عطل غير قابل للإصلاح ضرب هذا العامل، وهو تراجعه بنسبة كبيرة، وربما إلى توقفه في بعض الحالات، إذ تورد صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مقالا يعبر عن تنامي الخوف الصهيوني من المصير الذي ينتظر الكيان، ويحذر من مخاطر السكوت عليه، وعدم القيام بما يمكن وقف انهيار قادم.

تعطل ماكينة التسرب الاستيطاني

"لحظة قبل الانفجار" هو عنوان مقال "يديعوت أحرونوت" الذي يتناول الجيل اليهودي الجديد في الولايات المتحدة الأميركية، وتنامي عدم اكتراثه بما ابتدعه أجدادهم، ووكلاؤهم، في أرض افترض أنها أرض الميعاد. وهذا الجيل لا يأبه لمقولة افتراضية مستعادة من قرون طويلة.

كاتب المقال "إيتي إيلناي"، نشر بتاريخ ٢٦ حزيران (يونيو) ٢٠١٩، ينطلق من دراسة مستفيضة أعدها "معهد رؤوت" (Reut Institute)، يفيد أن الدراسة استندت على عشرات المقابلات مع خبراء صهاينة في الكيان الإسرائيلي، وخارجه، وتستنتج أن "الشباب اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية لا يأبهون لاسرائيل، ولا يريدون علاقة معها".

تستند الدراسة إلى آراء خبراء في الشأن اليهودي، كلهم من اليهود، ومنهم مارتين رفائيل الذي احتل لمدة سبع وعشرين سنة منصب نائب لرئيس "المجلس اليهودي للشؤون العامة" (Jewish Council for Public Affairs- JCPA) الذي وطد علاقته بالكيان الإسرائيلي ستينات وسبعينات القرن العشرين، وأبدى كل دعم ممكن للكيان.

تذكر الدراسة، بحسب رافائيل، إلى أنه في أوساط الجيل اليهودي الجديد، يختلف الوضع، فهم لا يغفلون الممارسات غير المستساغة للكيان على صعيد حقوق الأقليات، والممارسات، والمؤسسات الديمقراطية، بالتوازي مع "معرفتهم بالاحتلال، وبالانتفاضات الفلسطينية، وبقوة الكيان العسكرية"، ليخلص رفائيل أن "أبناءنا (الجدد) يشعرون شعورا مختلفا عن أجدادهم (أبناء جيله) الملتزمين بالكيان".

يستشعر رفائيل المتغيرات، والمخاطر التي يشهدها المجتمع اليهودي الأميركي من خلالJCPA التي تضم أكثر من مائة تجمع، وهيئة يهودية في الولايات المتحدة، ويعتقد أن "إسرائيل كانت في الماضي عاملا يوحد اليهود، واليوم يقسمهم”.

ويرد في دراسة "رؤوت" إن كثيرين من اليهود يعتقدون إن "الممارسات الإسرائيلية تعتبر تهديدا لهويتهم، ويشعرون بتحول إسرائيل من دعم لهم إلى عبء عليهم، وذلك في ظل تآكل صورتها كساعية إلى السلام، وقابلة بالتعددية والديمقراطية".

وبحسب رأي يديعوت أحرونوت، فإن "الحكومة والمجتمع الاسرائيليين يتجاهلان وجود الشرخ مع يهود أميركا، فيفاقمانه، مما يشكل تهديدا حقيقيا على الأمن القومي اليهودي”.

أحد معدي الدراسة عران شاشون يخشى أن "ينقلب الوضع إلى مشكلة كبيرة فهناك خطر انقلاب مجموعة منظمات يهودية، وقادة يهود في علاقتهم بإسرائيل، فيتبرأون من تمثيلها لهم"، وبنظر شاشون "ستخسر المنظمات اليهودية الأميركية جزءا مهما من المجتمع اليهودي الذي يفضل قطع صلته بإسرائيل"، ويرى أن "الجيل الشاب يتخذ منحى اكثر تطرفا تجاه الكيان"، فهو بنظره "جيل أكثر تقدمية، وأقل التزاما بالكيان، في الوقت الذي يعتبر أنه هو الجيل الذي سيقود المجتمع اليهودي في المستقبل”.

ويتحدث شاشون عن مفاجآت في كل ما يرتبط بالأزمة مع يهود الولايات المتحدة الأميركية، مبديا خشيته من أن تحدث هذه المفاجآت لدى انتهاء ولاية ترامب ونزوله عن مسرح الرئاسة الأميركية.

يختم المقال كلامه بأنه "يمكن القول إن اليهود باتوا أقل افتخارا بكثير من السابق بإسرائيل، أو بالصهيونية تجاه الخارج، ففي محافل اجتماعية، نحن جزء منها، بات دعم اسرائيل غير شعبي"، يقول إيلناي.

  • كتاب جورج كرزم: الهجرة اليهودية المعاكسة

الهجرة المعاكسة

في سياق متصل، يلقى كتاب الباحث جورج كرزم “الهجرة اليهودية المعاكسة ومستقبل الوجود الكولونيالي في فلسطين” صدى كبيرا منذ صدوره سنة ٢٠١٨ في رام الله، ويطرح مسألة متممة للمسار الذي تحدثت عنه يديعوت أحرونوت، وهي الهجرة المعاكسة لليهود من فلسطين المحتلة.

يتحدث الكاتب عن زعمين هما ركيزة قيام واستمرار الكيان الصهيوني، ومفاد أحدهما أن فلسطين المحتلة ليست الأكثر أمنا لليهود، لا بل الأقل أمنا لهم. أما الثاني، فهو تدفق مضاد للهجرات إلى الخارج بالترافق مع تراجع الامتيازات.

وما يرد في كتاب كرزم ويتمم ما قدمه مقال يديعوت أحرونوت هو تركيز الكاتب على اهتمام التثقيف والدعاية الصهيونية بأن مستقبل الكيان معتمد على دعم يهود العالم، لافتا إلى أن “يهود الولايات المتحدة، اي بنك اليهود المالي، والبشري، يرسل المال أكثر مما يرسل الرجال، ويتحول بحسب كرزم إلى موقع جذب للهاربين من الكيان.

ويورد كرزم تقديرات وإحصاءات عديدة لأعداد الهجرة المعاكسة من فلسطين، ذاكرا أن “وزارة الاستيعاب الاسرائيلية كشفت في تشرين ثاني عام 2003 عن تقديرها بان نحو 750 الف يهودي اسرائيلي يعيشون خارج " اسرائيل"، وبخاصة في الولايات المتحدة وكندا، مع العلم أن هذا الرقم يشكل 12.5 بالمئة من اجمالي عدد السكان اليهود الاسرائيليين في ذلك العام... ونحو 200 الف روسي او 22 بالمئة من اجمالي عدد الروس الذين هاجروا الى اسرائيل منذ عام 1990 قد عادوا الى بلادهم".

عناصر كثيرة تلعب دورها اليوم تطعن في الصميم بالفكرة التي استند عليها قيام الكيان الاسرائيلي، أولاها، التراجع الكبير في أعداد المتسربين، وثانيها، الهجرة المعاكسة من فلسطين المحتلة إلى خارجها.

وبين تكهنات المؤسس بن غوريون،“الكبار الفلسطينيون يموتون.. والصغار ينسون"، وما وصل إليه الحال في المجتمعات والبيئات اليهودية الأميركية، بحسب رؤوت، يمكن القول أن “الباطل يرحل.. والحق باقٍ”.