محمد عادل

قاص وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

قراءة في كتاب عن الأسر: إثنا عشر عاماً في الأسر وقصائد للأسير المحرر تحسين حلبي

يأخذك الكاتب والشاعر والمناضل والسياسي العربي الفلسطيني الأسير المحرّر تحسين الحلبي في كتابه " إثنا عشر عاماً على الأسر – ملحمة البدايات" إلى عين العاصفة، لترى ما لا تراه وتحس بزمن مضى، ليكشف لك هول ما جرى وما سيجري من أحداث جسام وحقائق غابت عنا وليس بمقدور الكثير منا الحديث عنها أو الإشارة إليها تحسين مشوار طويل على طريق الكفاح من أجل أن تعود فلسطين محررة، وتعود إلى أمّتها ورايتها مرفوعة.

تجوّل تحسين في معتقلات فلسطين مقيّداً من معتقل إلى معتقل
تجوّل تحسين في معتقلات فلسطين مقيّداً من معتقل إلى معتقل

تحسين انطلق بنا من دمشق إلى نابلس دمشق الصغرى إلى القدس، ويدعونا في كتابه إلى سماع حكاية وطن قدم الأبطال كل ما يملكون من أجل أن يعود، ولكن الحسرة على من  ظلّ وفيّاً للقضية، يتحمّل ظروفاً لا تتحمّلها الجبال.

 

تحسين تجوّل في معتقلات فلسطين مقيّداً من معتقل إلى معتقل، ولكنّه يبقى شامخاً أبيّاً عنيداً كما البدايات، يحدّثك عما يحدث في المعتقلات عن الصمود العظيم للمناضلين. إثنا عشر عاماً في الأسر، كلمات حارّة.
كلمات تحسين، تعني الوفاء لأحلامنا، لعشقنا للتراب وخبز الطابون ورائحة الأرض. تحسين في كتابه عن الأسر، وكتابه عن الشعر، هو ذلك العربي الفلسطيني الطيّب عاشق الأرض والسنابل ونوّار اللوز والهواء المبلّل بالنّدى، الذي يغسل وجوهنا وقلوبنا ويطهّرنا من كل ما دخل علينا من سياسة الخراب والتلوث السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي المبرمج صهيونياً وأميركياً.
تحسين الحلبي يعلن باسم كل الفقراء والكادحين والعشّاق، باسم شعبنا العربي الفلسطيني، أننا نريد فلسطين الوطن كل الوطن، لا نريد سلطة ولا دولة قبل أن نحرّر بلادنا وأن نعود لبحرنا ونهرنا وجبلنا وسهولنا وروابينا. نريد الوطن لا شيء غير الوطن، الوطن يجمعنا يحمينا يحضننا يرعانا ولا نفرّط فيه.

 

يصرخ بالصوت عالياً، يتردد صداه في كل البلاد التي شرب من مائها وأزهر من دم ودمع الشهداء والجرحى والمطاردين في الجبال والكهوف والمغاور والوديان، محذراً من التفريط بعهود الشهداء والأسرى ونضالهم.

 

يقول في قصيدة : تساؤلات

 

من كان يدري ذات يوم أننا

 

ما بين قيد الأسر والدرب الطويل وحلمنا

 

سنصير أسرى بعضنا

 

من كان يدري أن أعوام الكفاح على الطريق

 

ستحول الأبطال في زمن قصير؟

 

خدماً لمن باعوا عهود الثائرين

 

وشهود زور مجبرين

 

من كان يدري أن مغتصب البلاد

 

يمسي أخا أو ابن عم أو صديق

 

نحميه من طفل الحجارة بالبنادق والحراب

 

ونبيع ثورتنا وماضينا العريق

 

ويضيف في خاتمتها:

 

من قال إن الصبر يكفي

 

 وأنا وأنت وهؤلاء كما القطيع

 

نجترّ أوهاماً نواري خزينا

 

ما بين سجان يلوح بثوب نخاس قديم

 

ورفيق درب صار نخاسا جديد!

 

ويقول في كتابه "حل المساء مبكّراً سريعاً في ذلك اليوم من أيام كانون أول في سجن رام الله المركزي. كان التحقيق والاستجواب سريعاً عنيفاً بلهجة متسارعة وضرب لا يقل سرعة من دون تمييز على الجسم، وخصوصاً على الجراح التي بقيت عارية إلا من دم متخثر فوقها مختلط بتراب المغارة الذي حملناه معاً الى ذلك المعتقل".

 

وحين أراد السجان أن يفرض العمل المذل على الأسرى في عام 1969 يصف موقف الأسرى "كان الكثيرون منا يشعرون أنهم يدافعون من خلال رفضهم للعمل عن شخصيتهم كمناضلين وفلسطينيين يعتزون بما قاموا به من نضال أو عمليات فدائية، ولا يهتمون بما صدر ضدهم من إحكام قاسية".

 

ينقلك تحسين إلى نابلس مدينة جبل النار، والثوار والمقاومة، يحكي لك حكايات الصمود والمواجهة في المعتقل، وعن الزملاء والأخوة، والوعي الفلسطيني العربي المبكر لما جرى وما يجري، عن دمشق الصغرى وعن معتقل كبير وزنازين، ورجال مالت عليهم الايام وما مالوا، ظلوا يحلمون بالحرية، ولم ينسوا أنهم هنا من أجل فلسطين كل فلسطين.

 

ظروف تجزئة شعبنا وتجزئة الحدود المحيطة بوطننا السليب، فرضت علينا ذكريات ومحطات ما كان ينبغي ان تحدث في الظروف الطبيعية. يخبرنا تحسين عن الشوق لرؤية الأحبّة وهو خلف القضبان.

 

"فرحت كثيراً حينما علمت من خالتي التي ظلت مقيمة في يافا بعد النكبة، أن أمي تجولت في يافا والرملة ومشت في شوارعها، ومرّت بالقرب من المدرسة التي درست فيها وزارت قبر جدي في مقبرة يافا. وقلت في نفسي ربما لو لم يقدر لي أن أصل إلى فلسطين لما أتاح القدر لأمي مثل هذه الزيارة، لشقيقتها ولمسقط رأسها يافا، وتمنّيت لو كان والدي حياً في ذلك الوقت وجاء معها لاستعادة كل الذكريات ورغم ألمي من عدم تمكنها حتى من تقبيلي في تلك الزيارة، إلا أنني وجدت في قدومها إلى فلسطين انجازاً كبيراً لها ولي ولكل أم بعيدة عن أبنائها".

 

تحسين الحلبي يحدثك عن القدس عندما رآها أثناء وجوده بجبل قربها، صلّى بالقرب منها شعر بسعادة وهو قريب من المدينة التي أحب وتمنى الوصول إليها"، " يتحدث بأسلوب مشوّق عن قسوة الزمان، والصبر الذي ليس له حدود في تلك المدن، عن حجارة سوداء مرصوفة منذ آلاف السنين، تحكي عن زمن مضى وزمن سيأتي ليقول للناس: لن يبقى الغزاة !

 

أما عن الشعب فيقول في قصيدة كتبها بعد تحرّره من الأسر:

 

على صفحات دربك يسجد التاريخ

 

يصلي الله

 

ترتعد السماء

 

ومن ساحات أجيال

 

من الشهداء والجرحى

 

من الأسرى

 

يلوح النصر ينتصب الرجاء

 

ويختتم القصيدة

 

زرعت شتاتك القسري بالنصب شواهد من دم قاني

 

فاما العود، أما العود، والعود

 

وما صانوا لك العودة

 

--------------------

 

ويختم:

 

وكم ظنّوا بأنك لم تعد تقوى

 

لفيض جراحك الكبرى

 

فهبت فيك معجزة

 

بعثت بثورة أخرى

 

فقاموا من مراقدهم لحمل لوائها زوراً

 

عظيم أنت يا شعبي

 

وإن باعوك أو صلبوك أو حدوا لك الأرض

 

فعيسى أنت ما باعوه أو صلبوه بل ظنوا!

 

وحين وقعت منظمة التحرير الفلسطينيةعلى اتفاقات أوسلو عام 1993، وأعلن الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش عن انضمامه لقادة وكوادر سمحت سلطات الاحتلال بدخول عدد منهم إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 كتب قائلاً:

 

يا عائداً عبر الحطام مستلباً طريداً

 

هل هكذا عود يطيب؟

 

هل نحن خضناها حروباً كي يعود البعض منا

 

أم نعودا؟

 

كم كنت "وحدك يابن أمي"

 

أطلقتها مذ أبحرت

 

سفن تفتش عن مراس في المرافئ والبحار

 

ما زلت أسمعها تدوي بين الركام بلا قرار

 

الشوق للأوطان نار" يابن امي"

 

ولقد حملت شجونه  

 

في كل منفى كل عتمه

 

وزرعت منه قصائداً

 

في كل طفل كل خيمه

 

أمست لنا

 

خبزا وماء

 

خيلاً وعشقاً لا يضاهى

 

تعويذة  البحار أغنية دعاء

 

كم كنت دوما "يابن أمي" بيننا

 

ولجمع شمل الكل تسعى مثلنا

 

والآن تتركنا وحيداً كي تعود لبعضنا!؟

 

أم أنت عدت لكلنا؟

 

حارت بنا الأفكار تراكمت

 

فوق الجراح جراحنا

 

مغلولة أقدامنا

 

ملعونة غاياتنا

 

مكتومة آهاتنا

 

أيامنا حبلى بآت لا يرى وسط الظلام

 

أولادة قبل الأوان؟

 

أو ربما مسخ عجيب دون وجه أو لسان؟!

 

ما عاد يحملنا الشقيق ولا الصديق ولا الجوار

 

"ياوحدنا" عادت أشد مرارة في حلقنا

 

حذرت منها مذ فقدنا الخيل شتتنا الرجال

 

وتكسرت دفات مركبنا وتاه بلا حبال

 

كم كنت كنا وحدنا

 

وعلى الطريق تبعثرت أزهارنا

 

لكننا ها نحن نحمل بعضنا

 

ونحب دوما "كلنا"

 

ونظل نعشق أرضنا

 

ولسوف نبحر من جديد

 

ونجفف الدمع السخين عن العيون بهدبنا

 

نتذكر الشهداء بسملة صباحاً في مساء

 

ونبث أشواق الجميع كما نريد

 

ويظل فينا العود أغنية الرجاء

 

إن كان عودك "يابن أمي" سوف يحمل عودنا

 

فله البقاء لك الدعاء

 

أما إذا أمسى يتيماً أو عقيماً دوننا

 

فلك الرثاء لك السماء

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]