المتوكل طه

روائي فلسطيني

قصّتان قصيرتان جداً لصاحب "رمل الأفعى" المتوكل طه

أرجعْنا أصابعه وفردْناها، فانبسطت يده، فإذا بعِرْق نعناعٍ أخضر يتوسّطها.

طوبى

  • أمهات تنتظرن أبناءهن

أخذوه منها!

 

لم يبق لها في الدنيا غيره. تزوّجت وأنجبته بعد سنوات من الرجاء والبكاء، وراح زوجها إلى البعيد، ولم يعد! وأحاطت ابنها برموشها وشغاف قلبها، وكبر مع النذور والصلوات، وهيّأت له كل ما تستطيع ليعوّضها! لكنهم اعتقلوه، كأنهم نزعوه من أضلاعها، أو سلخوه من روحها، أو قطعوا فلذة من رحمها، وأدْموا قلبها، فبَكَت ورَجَت، وكادت تهيم جنوناً وتفقد لُبّها، لولا أن ربطَ اللهُ على فؤادها، فتماسكت، وبقي دمعها جارياً، وطرْحَتُها السوداء تلفّ رأسها المفزوع، الذي يتفتّت خوفاً عليه وجزعاً على مصيره.

 

وراحت ترابط أمام السجن. تقف من الشروق إلى الغروب، لا تأكل ولا تشرب، ودمعها يبلل أرض قدميها، وتعود صافنةً شاخصة في السماء وفي جدران السجن، وصارت تنام واقفة، وتبزغ الشمسُ فتجدها على حالها، واقفةً حيث تَرَكَتْها أمامَ السجن، واعتادت الكائناتُ على منظر وقوفها، ولم تفلح الدعوات واللغات معها، لتعود إلى دارها!

بقيت ماثلةً راسخة أمام السجن، وشيئاً فشيئاً ضربت جذورها في التراب، وأطلقت ذراعاها الأوراق والأغصان، وتفرّعت من رأسها ووشاحها طلوقٌ خضراء، وبدأت شروشها تدبّ في الأرض، وتصعد في كل اتجاه إلى أن أصبحت شجرة، لجذعها شكل قوام امرأة، يصّاعد منها غُصنان كبيران، التفت حولهما غصون كثيرة وورق أخضر كثيف.. وجاء الطير وحطّ عليها، وراح الناس يتظللّون بفيْئها، واحتشدت بالأعشاش والزغب والهديل والزقزقات، وأضحى مَنْ يمرّ بها يعتقد أنها شجرةٌ تنبئ بغابة ستمتدّ، لتنشر المسْك والشَّهْدَ والزنجبيل.

 

طُلق نعنع

لا أنسى تلك الصورة التي كان يرسمها؛ يقف على شرفة بيته عند الغروب، يجلس على كرسي القش الهزّاز، يحمل "الكوبّاي" والبخار يصّاعد منها، فتمتلئ الشرفة بعبق الشاي الثقيل الخارط، وينهض ليقطف من قوّار النعناع قصفة، ويغمسها في الكاسِهْ.. وينْغَدها مع سيجارتين!!

 

كان دائماً يعيد المشهد نفسه! وكم أطربتني لكنتُه وهو يلفظ كلمة "الكوبّايْ" الطافحة بالشاي المطهم بالنعناع الأخضر الطازج!

 

كأنني أتلمّظ ذلك الطعم، وتمتلئ أنفاسي بتلك الرائحة الأخّاذة النافذة!

 

والآن، ها هو يتمدّد على سريره، يكاد يلفظ آخر رمقٍ من روحه، وإدارة المعتقل ترفض الإفراج عنه. لقد التهمه السرطان!

 

واستشهد صاحبُ الكوبّاي، فوددنا أن نودّعه قبل أن يأخذوه، فانكببنا على وجهه نقبّله، ونغسله بدموعنا الباردة!

 

لاحظ السجّان أن صاحبنا يغمض كفّه، ويقبضها على شيء ما! فحاول أن يفتحها، فمنعناه، وهددّناه، فطلب منا أن نفتحها خوف أن نكون قد هرّبنا معه شيئاً!

 

أرجعْنا أصابعه وفردْناها، فانبسطت يده، فإذا بعِرْق نعناعٍ أخضر يتوسّطها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً