المتوكل طه

روائي فلسطيني

رسائل عذاب

سألتُ عذابَ عن الرسائل.. فضحكتْ، وقالتْ: لقد استخدمتها لإشعال نار الموقد.. لأنني لم أفهم لغتها، ولم أرَ أبا مشهور فيها، فيما كان أبو مشهور ينظر إليها ويضحك، كأنّ سرّاً ما بينهما.

  • سألتُ عذابَ عن الرسائل.. فضحكتْ، وقالتْ: لقد استخدمتها لإشعال نار الموقد..

لم يسقط بين المقاعد. ثمة كرسيّ واحد متكررّ، يجلس عليه كل مَنْ في المعتقل. حتى أبو مشهور - ابن مدينة درعا جنوب دمشق، الثلاثيني المتزوّج، الذي انضمّ إلى المقاومة الفلسطينية، وتسلّل مع مجموعة مقاتلة عبر الجولان، ليقوموا بعملية فدائية ضد الاحتلال.. فاعتقلوا - لم يجد نفسه غريباً، لغةً أو عاداتٍ أو تقاليد، بين رفاق السجن، فاتّخذ المقعد ذاته، وتماهى معهم.

 

وكالعادة يتسلّم أبو مشهور الرسالة التي يحضرها الصليب الأحمر من أهله.. فينأى جانباً ويقرأها غير مرّة، ويغرورق وجهه بالماء الساخن.

 

ولأننا أصدقاء، فقد كان يحدّثني عن درعا التي لها ألف سماء، وعن حصان أبيه الذي يطير، وعن "عذاب" زوجته التي تشبه اللبوة السمراء!

 

ورحتُ أكتب، نيابةً عنه، رسائله إلى عذاب ! ويبدو أنني شطحت في الغزل، وأمعنتُ في كشف المشاعر، وصارحتُ عذاب بعشق زوجها الولهان.

 

لقد كنتُ أكتب رسائلي، كَمَنْ يتخيّل امرأة غامضة كاملة الحُسن والرّغبة، تنتظرني وأفيض بين يديها ولَعاً واشتياقاً، وأتحرّق لأنغمس في جنّتها الدافئة المُشرعة.. وأكتفي بسطر أو اثنين لأنقل سلامات أبي مشهور لأمّه وأبيه، وأهله واحداً واحداً، وللبلدة والحصان والشجر..

 

وتمّ إطلاق سراح أبي مشهور إثر عملية تبادل الأسرى في العام 1985.

 

وبعد اتفاقيات أوسلو 1993 تمّ إطلاق سراحنا والسماح لنا بالسفر، فتوجّهت إلى درعا لزيارة صديقي أبي مشهور.

 

وفي المساء، والأهل يحيطون بي مُرحّبين مهلّلين، سألتُ عذابَ عن الرسائل.. فضحكتْ، وقالتْ: لقد استخدمتها لإشعال نار الموقد.. لأنني لم أفهم لغتها، ولم أرَ أبا مشهور فيها، فيما كان أبو مشهور ينظر إليها ويضحك، كأنّ سرّاً ما بينهما.

 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً