المتوكل طه

روائي فلسطيني

الروائي الفلسطيني المتوكل طه يروي تجربته في أدب الأسرى

بعد ثلاثة اعتقالات إدارية، استمرت عاماً ونصف العام، وإقامة جبرية داخل البيت لمدة عام ونصف أيضاً.. يطالعنا اتفاق أوسلو، ليرفع، شكلياً، تلك القيود عنا، بعد أن شكل الاتفاق خطوةً اعتراضية حدت من اندفاعة تلك الانتفاضة الشعبية الكبرى، التي انفجرت، قبل ثلاثين عاماً تقريباً، من شهر كانون الأول 1987 العظيم.

  • كان الشعر سلاحاً يشهره الأسرى في وجه الطغمة الإسرائيلية القاتلة

وفي هذه الانفجارة العبقرية، التي ينبغي سبر غورها، من جديد، كظاهرة عملت على تحييد السلاح الاحتلالي الثقيل، وجعلته عاجزاً أمام المقلاع البدائي، ونبهت الدنيا إلى أن ثمة مظلمة ما زالت تحط على فلسطين، وقد استباحت الحجر والشجر والبشر والطيور والرضع، فإننا نستذكر تلك الأيام الصعبة والطيبة، المليئة بالأمل والتفاؤل والتعاضد، التي عشناها في حمأة الحواجز المشتعلة، أوداخل معسكرات الإعتقال المهولة، أوفي حمل النعوش الطائرة فوق الأكتاف، في فضاء يمور بالأغنيات والجسارة.

 

ولأستذكر، في الاعتقال، كيف كان الشعر سلاحاً نشهره في وجه الطغمة القاتلة، وشاحذاً لهمم الشباب المتحفز، وتأريخاً لكل لحظة، كانت تشهد انسفاح الدم الحر، أوانطلاق صرخة، كأنها سيف الضوء في قلب العتمة .

 

وأستذكر تلك القصائد التي اجترحتها في السجن، وقمت بتهريبها، لتطبع في مجموعتين شعريتين هما "فضاء الأغنيات" و"زمن الصعود"، ولأكتب بعد ذلك، ببضع سنوات، سيرة المعتقل في كتاب سردي آخر هو"رمل الأفعى"، الذي طبع تسع طبعات مختلفة في فلسطين وخارجها، ثم أنجزت مجموعة قصصية كرستها عن أكثر من ستين معتقلاً هي "الأبواب المنسية" فضلاً عن عشرات النصوص التي كتبنها عن عدد من المعتقلين الذين أضربوا عن الطعام، أوالذين صعدوا شهداء في السماء.

 

 

الشعر والسجن

  • أزعجت نبتة بطيخ زرعها الأسرى الفلسطينيون قائد السجن الصهيوني

لا علاقة بين السجن والصحراء، ولكن الاحتلال الإسرائيلي – ككل محتل مهووس – اختار أن يجعل سجن "كتسيعوت" فى قلب صحراء النقب! وهكذا سمح لنا المحتل، دون أن يدري، أن نرى شمس الله في انبجاسها المذهل صباحاً، وفي موكبها الجليل مساءً، وسمح لنا بغبائه أن نرى السماء السرمدية ونجومها الباسمات. هكذا سمح لنا المحتل باستعلائه وعنجهيته، نحن معتقلي الانتفاضة الكبرى عام 88، أن نتابع حركة الغيوم القليلة التي تمر فوق خيامنا، فنحكي عن هارون الرشيد الذي امتلك مخزون الغيوم يوماً، وننشد ما قاله درويش عن نبيذ السحاب والنهاوند، وسمح لنا أن نتابع طيور الدوري التي تقف على السياج الفاصل بين كل خيمة وخيمة.

 

كان هناك طائر دوري صرت أميزه، كان كبير الحجم، كثير الحركة، عالي الصوت، جناحه مائل بعض الشئ، حتى أنه لا يبتعد كثيراً عن خيمتنا، صار صديقنا، نطعمه ونحكي عنه ومعه، وصار له اسم مثلنا.

 

واندفع معتقل آخر لزرع بذرة بطيخ فى جوف جزرة وعلقها على السياج لتستند عليه.. صار لدينا عصفور ونبتة! هكذا هم الفلسطينيون، يحبون النبات والطيور. وكان الشعر يأتي هكذا أيضاً، من جوف الصحراء العميق والمديد والمخيف، ومن أشيائها القليلة والمتقشفة، من صمتها ورعبها وأسرارها، في الليل وفي النهار، كان يأتي الشعر، من غناء المعتقلين عن البيت المضاء البعيد، والموجة ذات الرائحة الأليفة، والبيدر الذي استحق الحصاد، ومن الحقل الذي يقطر عسلاً في الظهاري اللافحة، من الأمهات المنتظرات اللواتي يغزلن الحزن والدمع بالصوف، من أجل إبن لا تدرى في أي سجن هو.

 

كان الشعر يأتي، لأن سحنات الجنود الذين يقفون على البوابات والأبراج العالية، كانت مغطاة بالزجاج والأقشمة السوداء، بدون أسماء ولا نكات ولا ذكريات، ولكن بأسلحه لها رائحة الكبريت والأحماض والموت!

 

كنت أتسابق مع سجاني على جسدي، الذي يعتقد أنه نقطة ضعفى، فيما كنت أفرد بساط الشعر الطائر، أعلو وأكبر وأمتد، أطير لأرى أيامي القادمة، أبنائي الذين سأنجبهم، كتبي التي سأنشرها، المدن التي سأزورها، العربات التي ستحمل المحتل بعيداً عن وطني.

 

كان السجان يضغط على ما يعتقد أنه ضعفي، بالضرب مرة، وبالحبس الإنفرادي مرة، بالغاز أو بالجوع أو بالتخويف. أما أنا، فأذهب إلى قصيدتي، أسمي أشيائي وأرتبها، أكتشف أن لي ذخراً لا ينتهى من النماذج العظيمة التي لا تتكرر.

 

كانت القصيدة تتحدر مني لأكتشف أنني أبني قصيدتي على ملايين القصائد التى قيلت بالعربية، فأفرح بأنني أعلى من سجاني ومن سجنه، وأن قصيدتي مثل صحراء النقب، أكبر من أن تمتلك، وأكبر من أن تدرك أو يسبر غورها العميق.

 

وكما في غناء المعتقلين أو صلواتهم أو تكبيراتهم، في مواجهة اقتحام الجنود، الذي كان يتكرر، فقد فعلت مثلهم أيضاً. ففي اقتحام ما، هجم هؤلاء ببنادقهم وعصيهم وخراطيم الغاز المسيل للعار والدموع، وأقنعة الزجاج وصفارات الاستنفار التي دوت فى أرجاء المعتقل، كنا عزلاً من كل شيء، ولكننا كنا نكتب، وكنا ننسق فيما بيننا المواقف النضالية والسياسية، كنا ندير شؤوننا ونتصل بالخارج بطرق كثيرة، كان لنا موقف وكان لنا رأي، وكان اقتحامهم لمصادرة أقلامنا ودفاترنا ومواقفنا! لم أشعر بنفسي إلا وقد وقفت وسط الخيمة واندفعت بقصيدة مرتجلة أرد بها البنادق والعصي والغاز والوحشية.

 

كانت تلك أول مرة أقول فيها الشعر مرتجلاً، هكذا، تصرفت كشاعر عربي تماماً، منذ عمرو بن ود العامري وحتى يومنا هذا.

 

هذه هي القصيدة العربية، قصيدة القلب المترع والسقف العالي والفروسية التي لا تحسب الحساب. شعرنا فيه مطلق، وفيه رجولة، وفيه قوة. هذا هو تراثنا، ولا عاش من يتنكر لتراثه. وقد نشرت تلك القصيدة في ديوان "فضاء الأغنيات" الذي كتبته تحت خيمة وبين معتقلين كانوا يشاركوني الكتابة، بما يقولون وبما يفعلون.

 

هناك في السجن، يشف الإنسان ويرق، ويرى فى إخوانه ما لا يستطيع رؤيتة خارج السجن. كانوا في معظمهم رائعين أقوياء وقادرين. كنت بحاجة إلى شجاعتهم وابتساماتهم وقدرتهم على التكيف، كنت أرغب في أن أرى قلوبهم وألمس مشاعرهم التي كانت تقويني وتدعمني، ولهذا عندما كتبت عنهم، لأني أكتب عن نفسي أيضاً، في ذلك الديوان الذي دائماً أنشد إليه، سكبت كل نأمة قيلت فى ذلك المعتقل، ورسمت مشاعري ومشاعر زملائي وأصدقائي هناك؛ الحرية والوطن الواسع والحياة بدون احتلال، والفضاء المزدحم بالعصافير والأزهار والأطفال. احتفلت بالديوان في المعتقل معهم، واحتفلوا به معي كأنه لهم، وقام معتقل بكتابة مقدمة له، قرأها الآخرون، وأحسسنا جميعاً أن هذا الديوان هو ديوان كل المعتقلين. وفي الديوان كتبت أو كتبوا أسماء قرى فلسطين، وأسماء أشجارها وطيورها، وتحدثنا عن بيوتها ونسائها وطرقاتها وأزقتها، كنا نريد أن نسمي وطننا من جديد.

 

ما الذي يفعله الشعر فينا؟ عندما كنت هناك، تحت الخيمة، في ذلك السجن الرديء عرفت ما معنى الشعر وما الذي يفعله فينا. كان أشبه بالهوية أو بالتعريف، كان أشبه بالمميز والمحدد لي، بعيداً عن أولئك الذين لا وجوه لهم ولا أسماء، كان أشبه بالتواصل مع طائر الدوري مكسور الجناح، الذي يبدو أنه لا يستطيع مغادرة خيمتنا.

 

وعندما تصاعدت نبتة البطيخ وامتدت على طول السياج باتجاه الشمس، شعرت أن قصيدتي تشبه تلك النبتة. عندما رأى قائد المعتقل الصهيوني نبتة البطيخ وهي تتمدد من قلب الجزرة، لم ير الحياة التي تكسر وحشة المعتقل، ولم ير اللونين الأخضر والبرتقالي على خلفية كآبة السياج ورماده، كل ما رآه أن هذا فرحة المعتقلين بتأسيس تاريخ لهم هنا. وبوحشية بالغة، نزع القائد الصهيوني الجزرة ورماها في الممر الرملي بين الخيام. شعر كل منا أن ما فعله القائد الصهيوني هو إهانة شخصية فردية له.

 

في اليوم التالي، وعندما حط عصفور الدوري على السياج، لم يجد نبتة البطيخ التي كان يمرغ فيها منقاره، رفرف بجناحه المكسور، غرد كثيراً، مشى على طول السياج، ظل يروح ويجئ وهو يصيح، كان مشهداً فريداً بالنسبة لي. ليس لي إلا القصيدة، هي بيتي ومكاني وهي مائدتي وهي طعامي. القصيدة ترد على قسوة العالم وفظاظته وفانتازيته، القصيدة بالنسبة لي توازن واعتدال وواسطة، تعلمت ذلك كله فى السجن. عندما حشرني المحتل فى زنزانة انفرادية، حشر في زنزانة أخرى شاعراً آخراً، ولما بدأ المحتل بضربنا، انفجر كلانا بالشعر، كنا نصمد بالشعر، وكنا نحتفل بشعر لا يفهمه المحتل، وكأنه تعويذة السحر أو طوطم الحكاية التي تحكي كل الأجيال. كانت القصيدة فى تلك اللحظة ناري التي اصطلي بها ودثاري الذي أتغطي به.

 

المحتل الذي كان يضربني اعتقد أنني أتوجع فأظهر اغتباطه، ولكن لما عرف أنني وصديقي ننطق بالشعر جن جنونه. مكثت في الزنزانة الانفرادية أكثر من سبعين يوماً، لم ينقذني فيها سوى الله والشعر.

 

والشعر اكتشافات متواصلة، الشعر ليس لغة فقط، إنه عوالم وراء عوالم، ابتكار فرح، فيه زهو وعجب، فيه طرب وحركة، فيه قوة خفية. لهذا، لم يجد كفار مكة من صفة سوى صفة الشاعر أو المجنون يلصقونها بسـيد الخلق عليه الصلاة والسلام، لأن الشاعر لا يبتعد كثيراً عن المجنون، ولأن كلاهما – في لحظة ما - يستطيعان رؤية ما لا يرى، ويقولان مالا يقال .

 

هناك في السجن، حيث يقايضني المحتل بحرية جسدي، كانت القصيدة أرض إرادتي، وفضاء قلبي الذي لا يستطيع أي محتل على وجه الكوكب كله أن يحرمني إياها. والحرية أقوى!

 

 

أدب السجون

تأكد لي أن أدب المعتقلات هو أقرب إلى المباشرة، وينتمي إلى الكتابة "الميدانية" واجبة الوجود في لحظات الاشتباك المتواصل الساخن، وقلما تجد أدباً "تأملياً" عميقاً.

 

كما يبدو لي أن هذا الأدب لم يستطع، حتى اللحظة، أن يؤصل تاريخ الحركة الأسيرة، بقدر ما أضاء بعض الجوانب المتعلقة بالأسرى، منذ اعتقالهم، مروراً بسنوات الحجز المهولة، وصولاً إلى الحرية والخروج إلى الحياة.

 

ويعتبر الفلسطينون هم الآباء الشرعيون لأدب السجون، إذ كان الشاعر معين بسيسو هو أول من سجل تجربة اعتقاله في السجون المصرية في الخمسينيات، من خلال كتابه "دفاتر فلسطينية" الذي يعتبر الإرهاصة الأولى لأدب المعتقلات في فلسطين، ولحقه في ذلك وليد الهودلي والمتوكل طه وحسن عبد الله وعائشة عودة ومروان البرغوثي وعصمت الجريري وهشام عبد الرازق وعيسى قراقع ونافذ الرفاعي وعطا القيمري وأسامة العيسة وصالح أبولبن وباسم الخندقجي وفاضل يونس وآخرون.

 

ومن الطريف الإشارة إلى أن كل سجين كان يهجس بالكتابة، فيحمل قلمه ويخط.. باعتبار أن الكتابة شكل من أشكال الإحساس بالآدمية والحرية وامتلاك الذات، وطريقة من طرائق الشحذ والمواجهة والثبات.

 

لكن قليلاً منهم من استطاع أن يجترح صوتاً خاصاً به، يؤهله لأن يصبح كاتباً بالمعنى الدقيق لحرفة الأدب.

 

وتتعدد موضوعات المعتقلين.. لكن الغالب منها هو الأدب "التسجيلي" الأقرب إلى التقرير الصحفي، ونرى ذلك جلياً فيما كتبه جبريل الرجوب وناصر الدمج ونبهان خريشة وفايز أبوشماله على سبيل المثال.

 

ونادراً ما نعثر على "قصيدة" اكتسبت صفة الشعر الحقيقي، رغم ما كتبناه أنا وعبد الناصر صالح ووسيم الكردي وغيرنا في السجن. كما لا نجد كثيراً "رواية" متكاملة العناصر، وقد يكون الهودلي وفاضل يونس وعائشة عودة ومحمود شقير وكتابنا "رمل الأفعى" من النماذج التي تقارب المطلوب.

 

ويبقى لدينا ما خطه بعض الكتاب والصحفيين عن تجارب زملائهم، أمثال ما كتبته ريموندا الطويل عن سجينات الوطن السجين، أو ما سجله الشاعر محمد القيسي عن تجربة أبي علي شاهين في كتابه الهواء المقنع، وما كتبه عطا القيمري عن إضراب سجن نفحة في مطلع الثمانينيات.

 

وقليلاً ما نجد القصة القصيرة أو المسرحية، وكثيراً ما نجد "الخواطر" التي لا شكل أدبي نهائي لها، لأنها بوح ودفق عاطفي لطيف.

 

ظل أن نشير إلى أن الأدب العالمي والعربي يعج بالكثير من الأعمال الأدبية، الروائية خاصة، التي تعكس فضاء السجن والاعتقال، بدءاً مما تركه غرامشي التقدمي الإيطالي، وكذلك "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، وليس انتهاءً بالأقدام العارية والسجينة والقوقعة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً