جهاد أبو ريا

محام ومدير جمعية فلسطينيات الناشطة في شؤون التهجير والعودة والبلدات الفلسطينية المهجرة والتصدي لمحاولات التهجير المستمرة في فلسطين.

ملاحظات على طريق تحرير الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين

تنطلق السبت المقبل مسيرة فلسطينية في الأراضي المحتلة احتجاجاً على بيع أراضي الأوقاف المسيحية الأرثوذكسية التي دأب بطريرك فلسطين للروم الأرثوذكس كيريوس ثيوفيلوس الثالث، وهو البطريرك الأرثوذكسي الـ 141 على كرسي أورشليم، على بيعها منذ سنوات في صفقات مع السلطات الإسرائيلية.

الكنيسة اليونانية في القدس

الكنيسة الأرثوذكسية تعتبر الكنيسة المسيحية الأم التي انطلقت في أورشليم، وتفرعت منها بقية المذاهب المسيحية، وهي حملت رواية المسيحية منذ نشأتها وفق الكتاب المقدس الذي تتبناه طريقا لها، ولبقية المذاهب المسيحية.

 

والبطريرك الأرثوذكسي يوناني الجنسية، ولا توجد سلطة أعلى منه في الكنيسة الأرثوذكسية، وتخضع قراراته للمناقشة غير الملزمة مع مجلسه البطريركي المكون من عدد من المطارنة من جنسيته اليونانية، والتابعين له، وهم في فلسطين، يتم اختيارهم وفقاً للمنحى السياسي العام المسيطر فيها، أي أن غالبهم هم من الحائزين على رضا السلطات الإسرائيلية، خلافاً للمطران العربي عطالله حنا. لذلك، لا يستطيع أحد وقف أعماله، ولا بد أن يكون حائزاً على موافقة مجلس المطارنة الذي يرأسه لكي يستمر في ممارساته، دون معارضة.

 

الناشط الفلسطيني في طريق العودة في أراضي 1948، ومؤسس جمعية فلسطينيات، المحامي جهاد أبو ريا، تابع القضية، وحاول إثارة مواقف تضع حداً لأعمال بطريرك فلسطين، وضع عرضاً لمسار القضية.


مشكلة الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين هي بالأساس ليست قضية فساد وإنما قضية وطنية مبدئية

مشكلة الأوقاف الأرثوذكسية في فلسطين هي بالأساس ليست قضية فساد مالي أو أخلاقي، وليست قضية قانونية، وإنما قضية وطنية مبدئية حول هوية الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين، والأصحاب الشرعيين لأوقافها، والمجموعة السكانية التي تهدف هذه الأوقاف لخدمتهم، ولذلك يتوجب حسم هذا الموضوع أولاً قبل الخوض في باقي القضايا.

 

موقف البطريركية اليونانية من الكنيسة الأرثوذكسية وأوقافها واضح وصريح ولا لبس فيه، فهي تعتبر أن الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين، والأردن يونانية، وأن الأوقاف هي ملك الشعب اليوناني فقط، وأن البطريركية اليونانية هي حامية المصالح اليونانية في فلسطين. ويمكن اختصار موقف البطريركية اليونانية في إجابة البطريرك اليوناني السابق ديودوروس لجريدة هآرتس الإسرائيلية يوم 2 أيلول/ سبتمبر 1992 حول استنكار الفلسطينيين لبيع أوقاف الكنيسة للجمعيات الصهيونية حيث قال "متى جاء العرب إلى هنا؟ اليونانيون هنا منذ أكثر من 2000 سنة، ولقد وصل العرب فقط خلال القرن السابع، هذه هي كنيستنا، كنيسة اليونانيين، إذا كانوا لا يقبلون قوانيننا فليس لديهم بديل سوى اختيار كنيسة أخرى، أو أن يؤسسوا كنيسة لهم".

 

البطريرك ديودوروس يقصد بـ "قوانيننا" دستور أخوية القبر المقدس الذي تم اقراره عام 1669 في عهد البطريرك اليوناني ذوسيثوس، والذي لا زال ساري المفعول حتى هذا اليوم. وبموجب هذا الدستور حصرت عضوية أخوية القبر المقدس، المكلفة باختيار البطريرك، والمسؤولة عن إدارة شؤون وأوقاف الطائفة الأرثوذكسية، برجال الدين اليونانيين فقط، وحرم منها رجال الدين العرب. واستمرارا لهذا الموقف تصر البطريركية اليونانية على استعمال اللغة اليونانية، واقصاء اللغة العربية، وعلى تأهيل وتقليد رجال الدين اليونانيين المناصب الرفيعة في الكنيسة، واستناداً لهذا الموقف لا يرى رجال الدين اليونانيين ببيع أو تأجير الأوقاف الأرثوذكسية للجمعيات الاستيطانية الصهيونية جريمة او عملاً غير أخلاقي.

 

في المقابل يؤكد الأرثوذكس الفلسطينيون على عروبة الكنيسة الأرثوذكسية، ويشيرون إلى تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية العربي الذي ابتدأ عام 62 م. مع الرسول يوسف، واستمرت سيطرة البطاركة العرب حتى عام 1534 موعد اعتلاء اليوناني جرمانوس سدة البطريركية، كما ويؤكد الفلسطينيون أن 99%‏ من رعايا الكنيسة الارثوذكس هم فلسطينيون، وأن هذه البلاد عربية، ويشيرون إلى أن معظم أملاك الكنيسة تم إيقافها على أيدي سكان البلاد الارثوذكس بهدف خدمة رعايا الطائفة الأرثوذكسية في البلاد، ويعتبر  الفلسطينيون هذه الأوقاف إرثاً وطنياً يجب الحفاظ عليه، وأن التفريط به هو خيانة للوطن وللكنيسة.

 

هذا الخلاف بين البطريركية اليونانية التي ترى نفسها الولي اليوناني على الكنيسة الأرثوذكسية وأوقافها، وبين الفلسطينيين الذين يرون بالبطريركية اليونانية استعماراً أجنبياً، هو جوهر القضية، ولذلك فإن الإشارة إلى أن القضية هي قضية قانونية أو مشكلة فساد مالي أو أخلاقي داخل البطريركية، تخطئ الهدف، وتحول الخلاف من قضية وطنية مبدئية، إلى قضية أشخاص يمكن حلّه بتعيين أشخاص آخرين من اليونانيين مكانهم مما يديم سيطرتهم على الكنيسة وأوقافها. ولعل أكبر دليل على ذلك ما حدث عام 2005 عندما تم اتهام البطريك اليوناني السابق ايرينيوس بالفساد والتفريط بالأوقاف وتحميله مسؤولية شخصية بعد بيع فندق امبريال، وفندق بترا، ومبنى المعظمية في القدس  - دون التطرق للموضوع كقضية مبدئية - فتمت اقالته، وتعيين البطريرك ثيولويس ليتبين إنه أسوأ من سلفه.

 

من هنا يجب التأكيد، دون تلكؤ أو تردد، أن قضية الأوقاف الأرثوذكسية هي قضية مبدئية، وطنية يرفض الفلسطينيون الارثوذكس تعيين وصي أجنبي عليهم وعلى أوقافهم، وأن مسؤولية تغيير الوضع القائم تقع على جميع الفلسطينيين، بغض النظر عن دياناتهم وطوائفهم، دون أن ينتقص ذلك قيد أنملة، من حقوق أبناء الطائفة الأرثوذكسية في أوقافهم، أما اختصارها بأبناء الطائفة الأرثوذكسية أو التعامل معه على إنه خلاف ارثوذكسي داخلي، ففيه ضمانة لفشل تغيير الوضع القائم.

 

نشهد في الفترة الأخيرة حراكاً مباركاً ضد عمليات التفريط بالأوقاف الأرثوذكسية، والتي تقوم بموجبها البطريركية اليونانية بتأجير وبيع الأوقاف الواقعة في مناطق حساسة، وخاصة في القدس، للجمعيات الاستيطانية. إن هذا ليس بالحراك الأول للفلسطينيين ضد البطريركية اليونانية، فقد شهد القرن الأخير عدة محاولات لتعريب الكنيسة الأرثوذكسية، أو لإشراك رجال الدين العرب، هذه المحاولات فشلت في تغيير الوضع القائم، ولإنجاح الحراك الحالي لا بد لنا من دراسة الاسباب التي أدت إلى فشل المحاولات السابقة.

 

كذلك من المهم جداً دراسة الطرق والأساليب التي استعملتها إسرائيل لسلب ونهب الأوقاف الإسلامية، والسيطرة عليها ليكون عبرة في طريق تحرير الأوقاف الأرثوذكسية.

 

اكتسبت الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين أهميتها ليس فقط من موقعها الديني والروحاني والتاريخي وباعتبارها أم الكنائس، وإنما أيضاً من حجم الأوقاف الكبير الذي تمتلكه، ورغم أن البطريركية اليونانية ترفض الكشف عن حجم هذه الأوقاف، إلا أن كل المؤشرات تشير إلى امتلاك الكنيسة لعشرات الآلاف من الدونمات، جزء كبير منها يقع في مناطق استراتيجية، وفي قلب المدن الفلسطينية مثل القدس، وحيفا، وبيت ساحور، والناصرة، وبئر السبع، وبيت لحم، ويافا، وغيرها، وتضم هذه الأملاك الكنائس، والمقامات، والمقابر، والفنادق، والاديرة، والمباني، وآثار تاريخية، مما يجعل منها إرثاً وطنياً وتاريخياً هاماً. وتقدر قيمة هذه الأملاك بعشرات المليارات من الدولارات.

 

يرى الخبراء الاقتصاديون الإسرائيليون أن الكنيسة الأرثوذكسية هي أكبر مالك خاص للأملاك والعقارات والأراضي في الداخل الفلسطيني، وأن عمليات البيع والشراء التي تقوم بها البطريركية اليونانية تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، حيث تملك الكنيسة ما نسبته 18% من مساحة القدس الغربية، و17 % من مساحة القدس الشرقية، وأكثر من ربع مساحة البلدة القديمة في القدس، مما يجعلها محل أطماع الحكومة الإسرائيلية التي توظف كل طرق ووسائل الغش والخداع والابتزاز للسيطرة على هذه الأملاك. كذلك فإن اهتمام الحكومة اليونانية ودعمها ومساندتها للبطريركية اليونانية ضد محاولات تعريبها مصدره أيضاً هذا الكم الهائل من الأملاك الذي تديره البطريركية اليونانية.

 

إن الاعتماد على السلطة الوطنية الفلسطينية للتخلص من سيطرة البطريركية اليونانية، وتغيير الوضع القائم أمر ميؤوس منه، فهي غير قادرة على الوقوف أمام ضغوطات الحكومة الاسرائيلية، والحكومة اليونانية، ويكفي أن نتذكر تواطؤ السلطة الوطنية بتقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين لمحكمة الجنايات الدولية، وعدم استغلال تقرير جولدستون ضد إسرائيل نتيجة للضغوطات التي مورست عليها.

 

إن الضمانة الوحيدة لتغيير الوضع القائم هو حراك وطني شامل، يضم جميع الفلسطينيين، وغير مقتصر على طائفة بعينها، بحيث يقوم هذا الحراك بمحاصرة البطريرك اليوناني في مقر إقامته في القدس بشكل سلمي، ويغلق أمامه الكنائس، ويمنع أي تواصل له مع رعايا الكنيسة، ولعل ما حدث في الأقصى قبل شهر ونيف مثال يحتذى به.

 

مسؤولية هذا الحراك ملقاة على عاتق جميع الفلسطينيين في جميع أنحاء تواجدهم وخاصة داخل فلسطين ليشكل حراكاً وطنياً شاملاً.

 

كما أن التوجه للمحاكم الإسرائيلية هو أيضاً أمر ميؤوس منه، فلم يعد سراً أن مؤسسات هذا الكيان شريكة في عمليات الغش، والخداع، والابتزاز، وهي المستفيدة من عمليات البيع والشراء. المحاكم الإسرائيلية والقضاة الإسرائيليون على دراية بأعمال الغش، والخداع، ويكفي أن نرى الأسعار المسجلة في اتفاقيات البيع، والتي لا تساوي أكثر من 1% من الأسعار الحقيقية لهذه الاملاك، لنفهم أن القضية ليست قانونية.

 

لا نعرف حتى اليوم ما هي الأوقاف الأرثوذكسية التي قامت البطريركية اليونانية ببيعها للجمعيات الصهيونية والتفريط بها، فهي ترفض الكشف عنها، ولعل ما جاء في الرسالة التي أرسلها البطريرك اليوناني إلى بلدية القدس يوم 27 حزيران/ يونيو 2017 للتعجيل في عملية بيع أراضي الطالبية في القدس الغربية دلالة واضحة على إخلاصه للصهاينة وعداوته للفلسطينيين، حيث يقول "أطراف في البلاد والخارج، بعضها معادٍ، حاولوا، ويحاولون منع مثل هذه الصفقات".

 

 ويضيف "ولذلك، ومن أجل مصلحة سكان أورشليم، ودولة اسرائيل هناك حاجة ماسة للحفاظ على سرية الصفقة وتفاصيلها".

 

من هنا يتوجب اتخاذ قرار وطني استراتيجي يرى في البطريركية اليونانية استعماراً أجنبياً معادياً، ويجب التعامل معه من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس.