محمد عادل

قاص وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

قصة "أم حسن" الفلسطينية في رحلة البحث عن ابنها

قد يطول الزمن وأنا أبحث عنه ... لكنّي لن أتوقّف ..إنّه يناديني ....إنّي أسمع حسّ ندائه .. وتابعت الأمّ الصابرة في مشوارها الصعب.

كان لديها من العزم والإيمان ما يفوق قدرة الإنسان على تحمّل الصِعاب
كان لديها من العزم والإيمان ما يفوق قدرة الإنسان على تحمّل الصِعاب

كان لديها من العزم والإيمان ما يفوق قدرة الإنسان على تحمّل الصِعاب والمخاطر ...  اجتازت  كل الحواجز العسكرية الصهيونية في الضفة الغربية.. وعندما تفشل في الحصول  على وسيلة نقل ... تتابع مشياً على الأقدام  على الرغم من تجاوزها السبعين عاماً.

تواصل الليل بالنهار ... الطُرق مُغلقة من قِبَل الجيش  الإسرائيلي   ... والمخاطر كثيرة ... ولكنها عقدت العزم على الخروج   ... لم تعرف الخوف ... وترفض نصائح البعض بأن تعود وتترك رجوع إبنها أو رؤيته للأيام أو الزمن ... كانت تُردّد ... إبني حسن ...أريد أن أراه.  أن أضمّه إلى صدري أشمّ رائحة عطره...  أسمع أنفاسه ودقّات قلبه ... أريد أن يعود لي طفلاً صغيراً شقيّاً مَرِحاً  عشرين عاماً لم أره ؟

...  بحثت عنه في كل المُعتقلات ... انتظرت على الطُرقات ... سألت كل أصحابه ... إلى أن أخبروني أنه قد يكون  غادر أو وصل إلى لبنان، أنا واثقة ومؤمنة  أنّه حيّ  ...  لكن أين أراضيه؟ الله أعلَم!  ...

هاتفه لم يتوقّف عن الرنين طوال اليوم ... أمّك يا حسن تدور عليك ... رأيناها في طولكرم ... رأيناها في أريحا هي الآن في عمّان ... غداً ستكون عندك ... سأل حسن أين تنام؟ عند مَن؟....ديروا بالكم عليها ... قدّموا لها كل ما تريد!  لم أرها منذ عشرين عاما أو أكثر لا أدري، زارتني في المُعتقل مرتين ... ثم مرضت ولم يعد لي أيّ اتصال بها سوى سلامات من بعض الأمّهات ... مرة أتوا بها إلى المُعتقل وكنت في الزنزانة الانفرادية بعد الإضراب ....  لم أرها وخرجت من المُعتقل بعد سبعة عشر عاماً، و لم أر ذلك الوجه الملائكي الطيّب الحنون ...  استعدّ حسن لاستقبال أمّه، قال لزوجته جهّزوا لها غرفة خاصة وسأُعدّ لها استقبالاً يليق بها إنها أجمل أمّ  في الدنيا ... حضر إلى بيته العديد من الأصدقاء للتهنئة بالوالدة ... فرحت زوجة حسن.. و بنات حسن ... أصبح الآن لهن جدّة ... لم يرين جدّة من قبل ... سمِعن في الحكايات عن الجدّة ...  وحنان الجدّة وصوَر الجدّة وهي في صدر البيت يشعّ منها الأمل والحنان والرقّة والرعاية والتوجيه  ... كانت ليلة طويلة ... في انتظار الزائِر الجديد الذي انتظروه وسمعوا عنه  ... شاهدوا حسن يحلق ذقنه ويلبس أحسن ما عنده رأوا وجهه وقد تغيّرت ملامحه إلى البسْمة  والفرح وأحيانا ً  الدموع ... والشوق الذي اختزنه طوال السنوات الطويلة الماضية ...

 

... كان الوقت يمرّ بطيئاً وحسن  يريد رؤية أمّه... قال أمام الأصدقاء ... كيف سيكون  اللقاء هل تعرف ... خرجت من البيت ذات ليلة ماطِرة وتوجّهت إلى القواعد وتدرّبت على السلاح وعدت إلى الوطن  بسرعة واشتبكت مع دورية للعدو وأُصبت بجروح ووقعت في الأسر كل شيء تم بسرعة ...  المغادرة   ...  والعودة ومرت السنوات حتى في المُعتقل بسرعة رغم العذاب والحرمان  والجوع والزنزانة الانفرادية ... الآن جاء موعد  اللقاء ... أذكر إنني عندما غادرت البيت قالت لي أين أنت ذاهب يا حسن ... أخبرتها بأنّي سأعود بسرعة ... ولكني...    لم أرها منذ ذلك اليوم ... !

 

أم حسن تطلب من السائق أن يُسرع السير ... دقّات قلبها ....

وقد هدّها التعب والشوق والقلق يزداد كلّما شعرت إن المسافة من ابنها تقترب ... جبل من الشوق والحنان سيتفجّر ساعة اللقاء أو لحظة اللقاء ... بكت وقالت: الأمّهات الفلسطينيات وحدهن يتنقّلن من مُعتقل إلى آخر لزيارة الأبناء ... أو المشاركة في التشييع والعزاء أو البحث عن أولادهن ... تعبت وهي تبحث في المُعتقلات عنه، لم تترك أحداً إلا وسألته وهي على فراش المرض أو عندما يخفّ المرض قليلاً تستأنف البحث من جديد ... وحسن كان ينتقل من مُعتقل إلى آخر ...ويمضي العمر وحُلم العودة لم يتحقّق ... وحُلم التحرير طال ... والمشوار ما زال طويلاً لا يتحمّله إلاّ قلّة من الأوفياء ذوي البأس الشديد والشوق الكبير ليوم كبير يحلمون فيه بعودة فلسطين كلّ فلسطين... طلب حسن من أحد أصدقائه  انتظار أمّه في الكاراج،  لبّى صديقه النداء فوراً.. انتظر، رأى امرأة فلسطينية بهيّة الطلعة بثوبها المُطرّز المُلّون ...وصرّة الملابس ...

قال في نفسه: والله ما زالت الأم الفلسطينية هي هي ... تغيّرت الدنيا، وتغيّر الناس وما زالت هي بثوبها المعروف والمألوف تُعلن وتؤكّد أنّ الزمن لم يبدّلها، ولم يغيّر  في شوقها وحنانها ... اقترب منها ... قائلاً: الحمد لله على سلامتك يا أم حسن! قبّل يدها ... بكى من شدّة الشوق، هو كذلك لم يرَ أمّه منذ ما يربو عن العشرين عاماً ... وقد لا يراها،  ولكنّه الآن أمام أمّ من  فلسطين ... قادِمة من الوطن ... رحّب بها، قالت له:  طمّني  عن حسن ... ليش ما إجا .. كيف صحته ... أخباره أخبار عائلته إن شاء الله  بخير ...  إن شاء الله مبسوطين .. يمّا .. خذني بسرعة إلى البيت .. وينُهْ؟! مشتاقة .. الشوق يقتلني... بعد كل هذه السنين أشوفه الحمد لله يا ربّ ألف الحمد لله على السلامة ... ردّ عليها أبو خالد الحمد لله على سلامتك يمّا هو لم يعرف أنك ستأتين حقيقةً ..مئة مرة سمع أنّك ستأتي فينتظرك، ولكنّك لم تأتِ،  الآن أنت في الطريق إلى البيت بعد هذا الفِراق الطويل .... الذي طال وامتزج بسنين الحرمان والخوف والحزن والتفكير الذي لم يتوقّف عن البحث عن حسن ......

... وصلت إلى البيت ...  استقبلتها  زوجة حسن بحرارة ... وبناته ...قُبلات وعِناق وبُكاء  وكلمات شوق وحنين وفرح في هذه اللحظات الخالدة ... سألت بلهفة، أين حسن؟ أخبرتها زوجته... لحظة وسيكون هنا  راح يجيب  بعض الأغراض وسيعود حالاً .. أنا لا أريد إلاّ شوفَة وجهه، جلست بتحفّز ... لم تشعر بعناء السفر ... الآن ستلتقي بحسن ... يا الله الحمد لله .. والشكر لك ... قالت الأمّ لزوجة حسن .. انتووا البركة يمّا ... في الشنطة بعض الأغراض  خبز طابون من اللّي بحبه حسن ... وشويّة زعتر... وزيت وصابون نابلسي ... وكنافة نابلسية من عند القاضي في نابلس كان حسن يحبّ الكنافة خذوا يا بنات هذا بيحبّه أبوكم  ....!

 

دخل حسن .. وقفت الأم ... وقف حسن ... لم يتقدّم ... ثبت كلاهما في مكانه ... نظرت زوجة حسن إلى زوجها .. إلى الأمّ لم يتحرّك أحد ... لم يتقدّم أيّ منهما خطوة ... قالت في نفسها  يمكن  من شدّة  الشوق والفِراق انعقد لسانهما ... استمر المشهد ... دقيقة دقيقتين  ... سألت الأمّ أنت حسن؟ ... أبوك علي؟... ردّ: نعم ... لكنك يا ولدي لا تشبه ولدي نفس الإسم نفس الأوصاف ... هل وصلت إلى مكان آخر ... تقدّم حسن منها ... عرف أن الذي تبحث عنه هو ابن آخر غيره ... احتضنها قبّل رأسها ... رحّب بها  قال لها: يا أمّي ... يا خالتي ... يبدو أن ابنك يحمل نفس الإسم أو قريباً منه ... سنبحث عنه معاً .... أنا ابنك ....كلنا معك في هذه اللحظات الصعبة ....  نهضت الأمّ .... دارت...بها الأرض... والأيّام ... نظرت إلى  حسن قبّلته ... قالت كلكم أولادي لكنّي سأظلّ أبحث عن ابني حسن .... لن يرتاح لي بال حتى أراه ...

قد يطول الزمن وأنا أبحث عنه ... لكنّي لن أتوقّف ..إنّه يناديني ....

إنّي أسمع حسّ ندائه .. وتابعت الأمّ الصابرة في مشوارها الصعب!