الصين وهدايا ترامب.. كيف سمحت أميركا بذلك؟

لطالما نادى دونالد ترامب بأولوية مواجهة الصين على روسيا، هو الذي قال يوماً إن الصين تغتصب بلاده. سرعان ما فرض تعريفات جمركية بنحو 250 مليار دولار على البضائع الصينية ويستعد لمواجهات أخرى. لماذا إذاً يرى عدد من الخبراء والمسؤولين الصينيين أن ترامب هو هدية للصين؟ قبل ذلك كيف راوغت بكين في صعودها الكبير إلى المرتبة الثانية بين أكبر اقتصادات العالم بعدما كانت في المرتبة السابعة؟ وكيف سمحت أميركا بذلك؟ يستند هذا المقال إلى مقابلة مع *بول هاينلي مدير مركز كارنيغي- تسينغوا للسياسة العالمية في بكين ويعبّر عن رؤيته.

الصين وهدايا ترامب.. كيف سمحت أميركا بذلك؟
الصين وهدايا ترامب.. كيف سمحت أميركا بذلك؟

مضى أكثر من 17 عاماً على انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية. في ذلك الوقت من العام 2001 دعمت الولايات المتحدة الأميركية هذه الخطوة. كان اقتصاد الصين حينها يحتل المرتبة السادسة أو السابعة بين أكبر اقتصادات العالم. لم تكن الجمهورية الشعبية الدولة المُصدّرة التي هي عليه اليوم، ولم تكن الولايات المتحدة ودول أخرى تتوقّع آنذاك المسار الذي ستنتهجه بكين طوال السنوات الآتية.

اليوم يحتل الاقتصاد الصيني المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة الأميركية، إنما لن يبقى هذا الحال لوقت طويل. تشير بعض التقارير إلى أنه في عام 2030 ستصبح الصين الأولى عالمياً متقدّمة على أميركا.

كيف سمحت أميركا بذلك؟ وكيف حقّقت الصين هذه القفزة خلال فترة محدودة؟ في الواقع كانت واشنطن تتوقّع مع شركاء دوليين آخرين في منظمة التجارة العالمية أنّ الصين مع الوقت ستفتح أسواقها للمنافسة الخارجية، وتمنح حقوق الملكية الفكرية وتحترمها. هذا الأمر يُعدّ بالغ الأهمية عندما يتعلّق الأمر بالابتكار.

لكنّ الصين لم تتحرّك للوفاء بوعودها التي قطعتها عام 2001 في ما يتعلق بـ"الإصلاح"، لم تفتح أسواقها كما تشتهي أميركا، ولم تحم الملكية الفكرية. وفي حالات كثيرة كانت تُجبر الشركات الأجنبية على تحويل ملكيتها الفكرية إلى بكين. تتحرّك هذه الدولة الشيوعية وفق نهج تقوده الدولة. تستخدم السياسات الصناعية والدعم المالي لإعطاء مزايا لشركاتها الخاصة.

كثيرون في المجتمع الدولي يقولون الآن إنه إذا لم تقم الصين بالإصلاحات، فإن شركاتهم  ومن ضمنها الشركات الأميركية لن تكون قادرة على المُنافسة بعدل. لذا، السؤال ليس ما إذا كانت الصين قادرة على النمو، السؤال هو كيف ننافس مع صين أقوى بكثير.


تحديات مُنتظرة

تحتفل الصين هذه الفترة بالعيد الـ40 للإصلاح والانفتاح.
تحتفل الصين هذه الفترة بالعيد الـ40 للإصلاح والانفتاح.

عندما ننظر إلى تحديات الصين في العام 2019، سيُحاجج القادة الصينيون أن معظم تحدياتهم محلية. هذه التحديات كثيرة بالفعل على الرغم من أن لديهم طموحاً استراتيجياً دولياً أكبر.

الجزء الأكبر من تركيزهم يبقى منصبّاً على التنمية المحلية، واستمرار الحفاظ على تحريك الاقتصاد وتحسين سُبل عيش المواطنين. بالنظر إلى سلسلة قضاياهم الدولية، أعتقد أنه في العام 2019، سيحاولون فعل ما باستطاعتهم لإعادة العلاقة الصينية الأميركية إلى مسارها.

كما سمعت في خطاب نائب الرئيس الأميركي مايك بنس منذ أسابيع، هناك قائمة هيكلية طويلة وأكثر من قضية تتسبّب بإحداث توتّر بين البلدين.

تحتفل الصين هذه الفترة بالعيد الـ40 للإصلاح والانفتاح. أعتقد أنه إذا اتخذ القادة الصينيون قراراً بالتحرّك سريعاً وبشكل شامل نحو الإصلاحات التي تحدّثوا عنها عام 2013، سيكون لهذا الأمر التأثير الإيجابي في مُعالجة المخاوف الأميركية والدولية الأخرى حول التجارة والممارسات الصينية.

لذا، في المقام الأول، سيحاول القادة الصينيون معالجة التوتّرات في عالم التجارة. ما سيكون هاماً بالنسبة لهم من حيث السياسات الداخلية، هو السؤال حول ما الذي حصل لخطة الإصلاح الاقتصادي التي أعلن عنها الرئيس الصيني شي جين بينغ عام 2013.


ترامب.. هدية من السماء

يرى الكثير من الخبراء والمسؤولين الصينيين أن ترامب هو هدية للصين.
يرى الكثير من الخبراء والمسؤولين الصينيين أن ترامب هو هدية للصين.

منذ مدة حذّر وزير الخزانة الأميركي في عهد جورج بوش الأب هانك بولسن من ستارة حديدية اقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. كانت نصيحته لإدارة ترامب بالعودة إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التي انسحب منها بعد تسلّمه مهامه.

لقد قلت مراراً إن ترامب تحدّث بقسوة عن الصين خلال حملته الرئاسية، لكن ما إن دخل البيت الأبيض حتى منح أكبر انتصار للصين عبر انسحابه من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

عدد من الأصدقاء الأميركيين يعتبرون أن القيادة الصينية يُفترض أن تكنّ مشاعر سلبية تجاه ترامب. من ناحية هذا صحيح، فهو فرض تعريفات جمركية بنحو 250 مليار دولار على البضائع الصينية الواردة إلى أميركا، الأمر الذي من شأنه أن يولّد الكثير من الضغط.

قبل ذلك اعتقد الصينيون أنهم توصّلوا إلى اتفاقية حول القضايا التجارية في أيار مايو المنصرم. بعد يومين انقلب ترامب على الصفقة.

لذا، من جهة، الصينيون مُحبطون جداً من ترامب ولا يحبّذون التعامل معه على أساس يومي. لكن على مستوى أعلى من ذلك، يرى الكثير من الخبراء والمسؤولين الصينيين الذين أتحدّث معهم أن ترامب هو هدية للصين. عندما يراقبونه ينسحب من اتفاقية باريس للمناخ ومن الاتفاق النووي مع إيران ومن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ وغيرها، فإن ما يرونه هو انسحاب واشنطن من دورها القيادي التقليدي في العالم، ويسعدهم أن يشاهدوا الولايات المتحدة وهي تخسر مصداقية دولية من خلال هذه الخطوات.

عندما يتحدّث ترامب بقليل من الأهمية وبازدراء عن حلفاء بلاده حول العالم، سواء في الناتو أو اليابان أو كوريا الجنوبية أو في المحيط الهادئ، فإن الصينيين يتلقّفون هذه المواقف كأنها موسيقى لآذانهم. لقد اشتكوا من بنية التحالفات الأميركية لفترة طويلة، والحقيقة أنه لا يعجبهم ذلك لأنه يعطي الأميركي نفوذاً أكبر في التعامل معهم. لذلك، الصين تريد لهذا التحالف أن يختفي بالتأكيد. من هنا، فإن القرارات التي تتّخذها إدارة ترامب وتمسّ الدور القيادي لأميركا يمنح بكين فرصاً أكبر في العالم وهي تقدّرها.


إصلاحات طموحة

لماذا كانت الإصلاحات الاقتصادية التي أعلن عنها في خريف عام 2013 طموحة للغاية؟ لماذا تفاعل المجتمع الدولي مع هذه الإصلاحات بطريقة إيجابية، معتبراً إياها مجموعة الإصلاحات الصحيحة؟

السبب يعود إلى أنه في ربيع 2013، أعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن نيّة بلاده الانضمام إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ. حينذاك بدأ الزعماء الصينيون يدركون أنهم إذا لم يقوموا بإصلاحاتهم الخاصة فلن يتمكّنوا من تحقيق المعايير العالية المنصوص عليها في خطة الشراكة، وبالتالي لن يستطيعوا الانضمام إلى الاتفاقية مع الوقت. لم يريدوا أن يكونوا كفتى المدرسة أنفه محشور في الزجاج يكتفي بالجلوس والمراقبة من الخارج بينما يرى جميع الدول الأخرى تشارك في الاتفاقية.

هذا الواقع ساهم بطُرُق عدّة في ما أعلنه الرئيس الصيني في خريف عام 2013 حول مجموعة طموحة من الإصلاحات.


طريق الحرير

تمثّل مبادرة "الحزام والطريق" جهود الصين لإنشاء بنى تحتية ومشاريع تربط بكين مع أكثر من 65 دولة حول العالم.
تمثّل مبادرة "الحزام والطريق" جهود الصين لإنشاء بنى تحتية ومشاريع تربط بكين مع أكثر من 65 دولة حول العالم.

عام 2013 أيضاً تم الإعلان عن مبادرة "الحزام والطريق" التي تمثّل جهود الصين لإنشاء بنى تحتية ومشاريع تربط بكين مع أكثر من 65 دولة حول العالم. حتى وقت متأخّر، تردّدت الولايات المتحدة في الحُكم علناً على هذه المبادرة. أخيراً بدأنا نسمع من إدارة ترامب تعبيرات عن القلق من هذا المشروع الطموح. نائب الرئيس الأميركي مايك بنس انتقده علناً عندما كان في آسياً منذ فترة. أحد جوانب هذه الانتقادات يتمحور حول حجّة أن الدول الواقعة على طريق الحرير والتي ستنعم بمشاريع وبنى تحتية سيترتّب عليها مقابل ذلك ديوناً لا تستطيع سدادها، وفي النهاية سيكون عليها التخلّي عن مواردها الاستراتيجية للصين جرّاء هذه العملية.

من وجهة نظري، جهود الصين للمساهمة في بناء البنى التحتية ليس خطأً، ومبادرة "الحزام والطريق"  لا تشكل تهديداً. نعم، يمكن أن تكون هناك أسئلة حول المعايير الصينية المتعلقة بقضايا البيئة والعمل، وما إذا كانت الصين تقوم بتقييم الديون وقدرة تلك الدول على تحمّلها، كذلك معايير الشفافية التي ينبغي أن نضغط لتبنّيها، لكن لا ينبغي أن نعارض مجهود الصين حول "الحزام والطريق".

بالتالي، إذا كان هناك قلق أميركي حيال خطوات جيوسياسية تعطي الصين المزيد من التأثير الاستراتيجي في العالم، ينبغي على الولايات المتحدة أن تخرج بمبادراتها الخاصة لمعالجة الإنفاق على البنى التحتية في المنطقة ومساعدة الدول على تطوير بناها وفق مبادئ عالية وشفافة.

بنظري هناك فجوة هائلة في البنية التحتية بحيث يوجد مجال كافٍ لمشاركة الجميع، وحيث تستخدم الصين معايير عالية وشفّافة يجب أن نحاول التعاون معها، وحيث لا يكون لديها هذه المعايير ينبغي أن نتوقّف عن ذلك.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً.

 

*بول هاينلي هو مدير مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية في بكين. قبل انضمامه  إلى كارنيغي، شغل منصب مدير موظّفي مجلس الأمن القومي لشؤون الصين وتايوان ومونغوليا، في عهدي الرئيس السابق جورج بوش الإبن والرئيس باراك أوباما، وذلك من حزيران/يونيو 2007 إلى حزيران/يونيو 2009. ومن حزيران/يونيو 2007 إلى كانون الثاني/يناير 2009، اضطلع هاينلي بدور رئيس كممثّل للبيت الأبيض في الفريق الأميركي المفاوِض المشارك في المحادثات السداسية النووية. ومن أيار/مايو 2004 حتى حزيران/يونيو 2007، شغل منصب المساعد التنفيذي لمستشار الأمن القومي الأميركي.