محمد عادل

قاص وعضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

طائر... فوق المخيم

مخيم جنين لـه حكايات كثيرة، فهو دائماً على الاستعداد للمواجهة مع الجيش الإسرائيلي ومنه ينطلق الأبطال الشجعان لمواجهة الجنود... ومنه ترى القرى والبلدات الفلسطينية التي هُجِر أصحابها منها عام 1948.‏

"طائر... فوق المخيم"  للقاص الفلسطيني محمد عادل
"طائر... فوق المخيم" للقاص الفلسطيني محمد عادل

على عكس ما توقع البعض من أن المخيم سوف يكون خالياً من أهله... لم يغادره إلا القليل وبقي القسم الأكبر يستعدون للمواجهة وهم يعرفون جيداً الامكانيات الهائلة التي يمتلكها العدو، ولكنهم أصروا على البقاء وهل أمامهم خيارٌ غير ذلك...؟ ومخيم جنين لـه حكايات كثيرة، فهو دائماً على الاستعداد للمواجهة مع الجيش الإسرائيلي ومنه ينطلق الأبطال الشجعان لمواجهة الجنود... ومنه ترى القرى والبلدات الفلسطينية التي هُجِر أصحابها منها عام 1948.‏

الطائرات تحوم ليل نهار.. وجيش العدو يطوق المدينة ومخيمها والجرافات الضخمة تظهر أسنانها المدمرة على أطراف المدينة بانتظار الدخول لتقوم بأعمالها التدميرية في البيوت.

انهمرت القذائف على مخيم جنين من كل الاتجاهات وبشكلٍ ليس لـه مثيل وبلا توقف مستهدفة منازل بنيت بأيدي أصحابها بانتظار أن يعودوا يوماً إلى بيوتهم في فلسطين التي لا تبعد سوى عدة كيلومترات عن جنين... ومن وسط الحمم كانوا يخرجون، يقفزون، يصوبون بنادقهم نحو الدبابات، والطائرات فيما الجنود الصهاينة يتحصنون في الدبابات.‏

المقاتل يحتضن البندقية والجندي الصهيوني مجهز بكل آلات الحرب من السترة الواقية من الرصاص إلى قاذفات اللهب.‏

ماذا تفعل الأسلحة في أيديكم يا شباب... أمام هذه الترسانة قالها الشيخ وهو يحمل قنبلة قديمة يبدو أنها مصنوعة منذ نصف قرن... رد عليه أحد الشباب ستفعل الكثير عندما يخرج الجنود سنفاجئهم أننا من وسط الركام ننهض... وسط الخراب نحيا... ونكتب ميلاد فجر جديد... نحن نفهم أنّ هذا الوطن بحاجة إلى رجال يقودونه وإلى شجعان يدافعون عنه وإلى شهداء يعبّدون الطريق، أما أولئك القابعون في دباباتهم فهم لصوص... جاءوا ليسرقوا أرضنا وتاريخنا.‏

نحن سنموت على أرضنا وترابنا.. وهم بعد سنة أو عشرة أو مئة سيذهبون حتى الأرض ستلفظهم... أرضنا تحنو علينا، على طيورنا، سيزهر الدحنون... ويمر الأطفال ليذكرونا ويسيروا على دربنا....‏

القصف يشتد.. والصغار يبكون... أحد المقاتلين قال: يا إخوان.... عندما يتوقف القصف أشعر بالتوتر أصبح القصف شيئاً عادياً وطبيعياً... أما الهدوء فهو غير عادي في هذا المخيم سأخرج أبحث عن بعض الجنود الذين يختبئون وراء الدبابات والجرافات سأقنص من أستطيع رؤيته... خرج يوسف، ثم عاد بعد حوالى ساعة فرحاً بأنه قَتَلَ وجَرح مع رفيق آخر لـه بعض الجنود لقد ظفرت بأحدهم كان كتلة من الحديد مدججاً بكل أنواع الأسلحة.. تمكنت من قتله بهذه البارودة... قبّل البندقية واشتم رائحة البارود... استأذن رفاقه ليذهب ويرى عائلته كان في غاية الفرح رغم الخراب والتدمير... اطمئن عليهم، قبّل الطفل الصغير ضمه إلى صدره شعر بالدمعات الحارة تتدفق من عيني الطفل الخائف... الذي غرس أصابعه الصغيرة متمسكاً بوالده الذي عمل على الإفلات منه بصعوبة... ليعود دون أن ينظر أو يسأل باقي العائلة.

كان تعلّقه بالطفل مثل حبّه لفلسطين... أخرج تنهيدة من صدره حاول ألا تسقط الدمعة من عينيه، لكن الدمع أسرع، أدرك أن ساعة الشهادة أقبلت... لا مجال الآن للتردد... كنت سأستشهد بعيداً عن المخيم... الآن سيوارى جسدي في تراب هذا المخيم ليذكر الناس والأهل والأصدقاء... أن جيلاً من شبابنا ضحوا هنا من أجل أن نعود إلى بيت لم نره.. بيت نحنّ إليه ننتظر ذات يوم أن يضمنا تحت سقفه... اقترب القصف... شعر أنه يطير في الهواء... انخلعت الأبواب من البيت الذي يتحصّن فيه طارت الشبابيك... انشق السقف... انهار الجدار الذي يتكئ عليه... مالت الأرض... لم يبق شيء في السقف إلا وسقط على رأسه... رأى رفيقه خارج البيت بعد أن كان في داخله... وجده يصيح به أخرج قبل أن تسقط صواريخ جديدة... غيّر مكانك، لم يعرف أين يسير كل الاتجاهات احترقت... تقدم خطوة إلى الأمام وكأنها عدة كيلومترات أمسك بالبندقية وبعض القنابل... رأى رفاقه يقفزون، ينادون... الصمود المقاومة والمواجهة... لا تدعوهم يدخلوا المخيم... قاتلوا اصمدوا استبسلوا.... تذكر أمه وأباه، زوجته وأخته، وطفله كيف يحتمل هذا الصغير كل هذا الخوف والعذاب... الله يصبره على هذا الذي جرى قال هذه الكلمات، وقفز سقط على الأرض.

 نهض تقدم خطوة... ثم أخرى كان بجانبه صديق عمره، صديق الدراسة... اللعب الطفولة والأحلام وتغيرت الأوضاع... نظر إليه هل يبتسم الآن ضحك عاد إلى الوراء سنوات... كان جده يقول: إذا وجدت نفسك في مواجهة الأعداء... أثبت لا تخف كن رجلاً ضع فلسطين أمامك... ذكريات حبك عشقك... واضغط على الزناد... انظر إلى عدوك سيخاف منك حتى لو استشهدت سيظل يخاف منك...‏

سمع أصواتهم... الصهاينة وراء الجرافة، تقدم ولحق به رفيقه... ألقى القنبلة الأولى وألحقها بالثانية... دوى صوت الانفجار... صوب الرشاش وجهاً لوجه يا الله رأى الخوف في عيونهم... تفرقوا بسرعة انغرست قدماه في تراب المخيم... سمع صوت أذان صلاة الفجر... يردد الله أكبر فواصل التقدم العشرات من المقاتلين والأبطال كل لـه هدف هذا يحمل جريحاً وهذا يسحب جثمان شهيد... وآخر يعبئ الذخيرة... وهناك أبطال يزرعون العبوات الناسفة... أشبال يقفزون كالعصافير بشجاعة غير عادية الشبان الصغار وصبايا المخيم يحضرون بعض الطعام... وما تبقى من ماء، ودعاء يتردد بين أزقة المخيم... الله معكم، الله يحميكم، الله يرجعكم سالمين... يستمر القصف صرخة هنا وصرخة هناك نداء استغاثة وأنين جرحى... يستمر في التقدم.. يسقط رفيقه شهيداً ينظر إليه... يريد أن يقول كلمة... لم يتمكن، عيونه قالت كل شيء... تقدم أطلق صلية من رشاشه... طار جسده عالياً ثم هوى... نظر إلى المخيم لم يرَ غير دخان كثيف، شهداء جرحى لم يعد يستطيع أن يتقدم خطوة اتجه بعينيه نحو البيت الذي يبعد عدة مترات ثم حلق كطائر فوق المخيم ليرى أنه كان في هذا المكان مخيم اسمه (مخيم جنين).‏

لم ير غير أكوام من الحجارة... يئن تحتها مئات الشهداء ومئات الجرحى ومئات المحاصرين بين الأنقاض...‏

فوق الركام كانت أعلام فلسطينية.... صور الشهداء، شعارات تنادي بالتحرير.. ترفض التطبيع... ترفض المفاوضات تنادي بالقتال... كان أمامه في الأفق القريب مرج بن عامر... فلسطين الخضراء الجميلة طفله الذي لن يراه.

غادر الطائر الجميل المخيم... وظل الجسد بين الركام يحكي قصة الشجعان والأبطال أغلى الرجال... الذين حضنوا البيوت والشجر... ظلوا شهداء بين التراب الذي أحبوه ولم يتخلوا عن حلم طويل جميل ظلوا يرددونه... ذات يوم سنعود.‏