المتوكل طه

روائي فلسطيني

"صورة الرجل".. عن الأسير أبي سند

كان الإحتلال وخلال فترة التحقيق مع أبي سند، قد اعتقل ابنته سلمى، وهدد بأن يغتصبها أمام أبيها إذا هو لم يعترف.. وطبعاً لم يعترف، حتى لا تتحول أحلامه إلى غبار! ولم يغتصبوها.. لأن إبراهيم اعترف لهم، حتى لا يمسوا شقيقته بأذى، ولم يدرك قولة أبيه: إن الأرض هي العِرض. 

فؤاد الشوبكي: الأسير الأكبر سناً
فؤاد الشوبكي: الأسير الأكبر سناً

كثيراً ما وددت أنْ أصرخ في وجهه، وأن أهزّه.. ليستيقظ، لكنه ظل على حاله!.. 

هل أردتُ أن أقول له: اتّقِ الله في نفسكَ يا رجل، وفي إبنكَ إبراهيم؟ أردتُ ولم أفعل!. 

هل حاولتُ أن أُجلسه أمامي، وأشرح له ضرورة أن يبكي الإنسان، لأنه إنسان..

وبقدر ما يبكي يكن شجاعاً؟ للأسف لم أحاول!.

كنتُ أبحثُ عن طريقة أوصل له بوساطتها أن الضعف حالة بشرية عادية جداً، ومن غير الطبيعي أن تبقى متماسكاً مثل الصخرة، لكن الأوان قد فات، ولم أجد الطريقة!.

هممتُ غير مرة أن أشده من ياقة قميصه، وأن أرجّه حتى يرتجف فيه الرجل، وأن أحضنه وأبكي معه، ونبلّل رقاب بعضنا البعض.. ولم أفعل!.

ألهذا السبب كنتُ أنفجر أحياناً فأبكي، بل أجوح وأتنَهْنَه، ويتحول نُواحي إلى زمجرة مخنوقة تومض بالنار والسعير؟ ربما!!.

***

وكأن الرجل أمامي، بملامحه الحجرية، التي لا تتبدل، يقف تمثالاً، ويمشي بحسبان، ويتكلم قليلاً، ويجلس كأنه منحوت على هيئة جثة متيبسة، لا تتحرك، وعيناه سارحتان في البعيد المُبهم.. يقطّب، ويمج سيجارته، أو يرتشف قهوته، وهو على حاله الثابتة!.

وإذا ما ناداه أحدهم فإنه لا يلتفت، كأن الأمر لا يعنيه! إلا إذا قرفص أمامه، وتحدث بصوت خفيض، وافتتح كلامه بمقدمة تليق به، بأن يقول: يا عمي أبا سند، أريد أن تسمعني، لو سمحت، وعليه أن يواصل الكلام، فيستأنف قائلاً: أتمنّى عليكَ يا عمي أن تسمعني، ولو مرة واحدة، فإبراهيم لم يعد يأكل ولا يشرب، وهو منكسر، منكفئ على نفسه، زائغ لا يحدث ولا يتحدث، وقد جف الدمع من عينيه.. وإني أخاف عليه..

لكن أبا سند، يظل دون حراك، ولا تند عنه أي ردة فعل، كأنه لم يسمع شيئاً!!.

***

بدأت حكاية أبي سند منذ عام وأكثر، عندما أخرجوه من الزنزانة، فدخل علينا هو وشاب آخر اسمه إبراهيم.

استقبلناهما في القسم، وأوسعنا لهما مكانين في الغرفة، لكن أبا سند أمرنا أن نُبعد إبراهيم إلى غرفة ثانية، لأنه لا يريد أن يراه، أو أن يكون معه في غرفة واحدة!.

والصدمة أن إبراهيم هو ابن أبي سند، اعتقلتهما سلطات الإحتلال، بتهمة إيواء الفدائيين، وتوزيع السلاح، وتخزين القنابل والذخائر.

ومكث الرجل وابنه في أقبية التحقيق شهرين.. إلى أن اعترف إبراهيم أمام السجانين، فجن جنون أبيه، الذي ظل مصراً على أقواله بأنه ليست له أي علاقة بالفدائيين والأسلحة.

حاول كل من في المعتقل التوسط لإبراهيم عند أبيه ليسامحه، لكن أبا سند رفض، وقال: هذا ليس ابني، لو كان من صُلبي لما اعترف!.

وعندما سارع إبراهيم ليصافح أباه ويقبّل يده.. نفضه الرجل ودفعه بعيداً عنه، بل وركله حتى سقط ..!. 

ومنذ ذلك الحين، وإبراهيم المنكسر ينأى بنفسه عن الجميع، كأنه ملوث، ملعون، خائن، ليس برجل.. وقلّ طعامه وشرابه، وقضى معظم وقته في فِراشه باكياً، مطأطئ الرأس، موزع الأهواء، كأنه طائش في فراغ سحيق من دون أرض تتلقفه!

وأبو سند على موقفه، كأن مشاعر الأبوّة قد تبخرت فيه، ولم يعد في صدره سوى حجر لا ينبض ولا يرق.

وازدادت حالة هُزال إبراهيم، حتى لم يعد يقوى على الوقوف، وامتنع عن تناول أي شيء.. إلى أن سقط مرةً واحدة جثة هامدة.. من دون حراك أو نفس!. 

كان من المتوقّع أن ينفلت أبو سند، وأن يهجم على جثة ابنه فيحتضنها ويبكي ويجهش وتسيل دموعه، ويطلب منه السماح، ويترضى عليه.. لكن الرجل بقي شارداً في البعيد، كأنه كتلة من تراب بارد تلبد، واتخذ شكل البشر!.

وابتعد المعتقلون عن أبي سند، وتحاشى معظمهم الحديث إليه أو معه، وصار الرجل وحيداً في الإطار الذي وضع نفسه فيه، كأنه لا يريد لصورته التي وضعها هناك، أن تتغير أو يجري عليها أي تبديل!

وأُطلق سراح أبي سند بعد عام أو يزيد، وقد أعفى لحيته حتى غطت صدره، وثبتت أعضاء وجهه كأنها قطع بلاستيكية، وغارت حبات عينيه في حفرتين يحفهما سواد داكن، وخرج من بوابة السجن من دون أن يلتفت إلى الوراء.

***

بعد شهور.. سمعت نزلاء القسم يتحدثون عن رجل امتنع عن الكلام ومخالطة الناس، وساح بعيداً عن البلدة، بين الجبال، واسمه أبو سند. 

***

لم أقل إن أبا سند، وخلال فترة التحقيق، كان الإحتلال قد اعتقل ابنته سلمى، وهدد بأن يغتصبها أمام أبيها إذا هو لم يعترف.. وطبعاً لم يعترف، حتى لا تتحول أحلامه إلى غبار! ولم يغتصبوها.. لأن إبراهيم اعترف لهم، حتى لا يمسّوا شقيقته بأذى، ولم يدرك قولة أبيه: "إن الأرض هي العِرض". 

 لكنه بشر، ومن الطبيعي أن يضعف الإنسان!..  وثمّة مصائر بشرية أسوأ من الموت.